📁 آخر الأخبار

روايه صك الغفران الفصل الرابع عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا

 روايه صك الغفران الفصل الرابع عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا



روايه صك الغفران الفصل الرابع عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا

روايه صك الغفران الفصل الرابع عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا




الفصل الرابع عشر 
صك الغفران 
بقلمي 



صباحك بيضحك يا قلب فريده 

البجاحة فعلًا ليها ناسها
وذلك المثل ينطبق حرفيًا على ذاك الحقير الذي يقف الآن متصنّمًا أمام شريف وآسيا بعدما التقط خيط الحديث عن الشراكة بينهما






لم ينطق... لم يعترض صراحة لكنه لم يحتاج
عيناه وحدهما كانتا كافيتين لفضحه شرارٌ من غضبٍ أعمى وحقدٍ قديم انطلق منهما حتى جعل شريف يلتفت إليه بدهشة
سأله باستغراب واضح وقد لاحظ جمود ملامحه غير المبرر:
في إيه يا آدم....مالك واقف كده ليه؟
جاءه الرد غليظًا مٌحمّلًا بغلٍّ مكبوت كأن الكلمات تُنتزع من بين أسنانه:
شراكة إيه اللي بتتكلموا عنها؟
إنت ناوي تشارك حد من غير ما تقولّي
تنهد شريف بخفة وهزّ رأسه كأنه يحاول احتواء الموقف ثم قال بنبرة هادئة:
آه… إنت سمعت!
طب كويس أنا كنت لسه هحكيلك.
أكمل بتلقائية غير مدرك للعاصفة التي تتشكل أمامه
ولاد أخت آسيا عايزين يفتحوا كافيه وكانوا محتاجين يأجروا محل كبير
وأنا عندي المخزن اللي على أول الشارع مش بستعمله.
فبدل ما يتكلفوا إيجار وبدل ما المخزن يفضل مقفول نستفاد إحنا الاتنين وندخل شراكة سوا.

هزّ آدم رأسه ببطء مصطنعًا التّفهم لكن داخله كان يغلي
قال بابتسامة باهتة لم تصل لعينيه:
طب حلو قوي… فكرة ممتازة أنا كمان هدخل معاكم شريك.
لااااااااا....
خرجت الصرخة من آسيا قوية حادة غير محسوبة كأنها كانت محبوسة داخل صدرها منذ زمن طويل تنتظر أي ذريعة لتنفجر.
ارتج المكان للحظة وتجمّد شريف في موضعه، ينظر إليها بذهول.
ذلك الانفعال لم يكن منطقيًا ولا يتناسب مع بساطة الموقف

أما آدم…فلم يُفاجأ
نظر إليها بغلٍّ أشد بعينين تعرفان الإجابة قبل أن تُقال وانتظر.
لم يسأل عن سبب رفضها.
لأنه كان يعرف…يعرف أن اعتراضها ليس على الشراكة.
بل عليه هو....يعرف أن وجوده في أي مساحة تخصها لم يعد مقبولًا
وأن اسمه وحده صار يضغط على جراحٍ لم تلتئم جراحٍ هو سببها الأول.

لم يتحرك....لم يرفع صوته لم يعترض ولم يُظهر أي انفعال صريح
لكن داخله كان ساحة حرب.
فكرة أن يكون هناك شيء يجمع آسيا بشريف من دونه كانت تخنقه
ليس الكافيه…ولا الشراكة…ولا المال
هي....هي فقط
منذ متى وهي تملك حق الرفض بهذه الحدة
منذ متى صار وجوده غير مرغوب فيه إلى هذا الحد
كان يرى في نفسه حقًا قديمًا اسمًا محفورًا في ذاكرتها
شيئًا لا يمكن شطبه بسهولة…
وها هي الآن أمامه تمحوه بجملة واحدة.....لااااا....
كأنها أغلقت بابًا كان يظنه ما زال مفتوحًا

الغيرة أكلت صدره ببطء ليس غيرة رجل يخشى منافسًا
بل غيرة رجل أدرك متأخرًا أنه خسر وأن الخسارة هذه المرّة نهائية

ومع ذلك…جزء قذر بداخله لم يتقبل الهزيمة
جزء ما زال يرى نفسه وصيًا عليها يحق له التدخل والرفض والفرض

ساد صمت ثقيل بعد اقتراح آدم
صمت لم يكن مريحًا… بل خانقًا
رفعت آسيا رأسها ببطء لم تصرخ هذه المرة حتي انها لم تنفعل
وكأنها تداركت نفسها في اللحظة الأخيرة
لأ....قالتها بهدوء قاطع
هدوء جعل الكلمة أثقل من أي صراخ
قطّب شريف حاجبيه بدهشة
ليه؟
هوَ مشروع حلو و مُربح وكل ما عدد الشركاء يزيد يبقى أحسن
التفتت إليه آسيا  ملامحها متماسكة صوتها ثابت بشكل مريب
بعتذر منك استاذ شريف مفيش مكان لشركاء تانيين





ابتسم ادم ابتسامة جانبية باردة كأنه وجد ثغرة يتسلل منها ثم قال بخبث 
يعني إيه....مش ده مشروع عائلي بما ان شريف معاكم
ولا أنا بقيت غريب قوي كده

نظرت إليه مباشرة
نظرة طويلة متحدية بلا خوف ولا ارتباك ثم قالت:
المشروع ده ليه حدود و انت  برّه الحدود دي....مش عشان استاذ شريف بقى من العيله زي ما بتقول لأ ....عشان المشروع ده مش هيتحمل اكتر من طرفين.

الهواء توتر....شريف شعر بالارتباك ليس بسبب الكلام نفسه
بل بسبب النبرة....نبرة اشخاص بينهم تاريخ ليس مجرد اختلاف رأي

هو في حاجة أنا مش فاهمها؟
قالها شريف ببطء وعينه تتنقل بينهم
رفع ادم حاجبه صوته خرج ساخرًا
لا يا شريف مفيش حاجة.
بس واضح إن في قرارات بتتاخد من غير ما تتحسب كويس
ردّت آسيا فورًا، بنفس البرود:
القرار محسوب جدًا
ومش محتاج موافقة من حد مش معني بيه

هنا…بدأ الشك يتسلل إلى عقل شريف.
ليست شراكة....ليس مال ...هذا  تحدّي...تحدّي شخصي قديم علي ما يبدو ظاهراً بوضوح

نظر لهما واحدًا تلو الآخر
وعلم أن بينهما شيئًا لم يُقال شيئًا أكبر من مشروع وأخطر من خلاف عابر
أما آدم…فشعر بالهزيمة للمرة الأولى
ليس لأنه رُفض كشريك بل لأنه رُفض كوجود
وآسيا....وقفت ثابتة تخفي زلزالًا كاملًا خلف ظهر مستقيم وتترك الشك يقوم بالباقي.

وقفت رضوى داخل مكتب قاسم تنتظر الأوامر التي اعتاد أن يلقيها عليها
أو حتى أن يبدأ في استفزازها كعادته الدائمة
لكن الصمت طال على غير المتوقع لم يتفوه بحرف.
لم يتحرك من خلف مكتبه كان يراقبها فقط…لأول مرّة بنظرات مختلفة
نظرات متفحصة، بطيئة كأنها تبحث داخلها عن شيء غامض
شيء لا يعرف هو نفسه ماهيته
لم تكن تلك نظرة سُلطة ولا نظرة تحدٍّ
بل نظرة رجل يقف عند مفترق داخلي
يُعيد حساباته دون أن ينطق
الشيء الوحيد الذي كان متأكدًا منه
أنه ....هذه المرة .... لن يكرر الخطأ لن يكون نسخة أخرى من عمّه
ولن يسمح لنفسه أن يؤذي امرأة
لمجرد أنه قادر على ذلك
تحذير آسيا…تلك الجملة العابرة التي قالتها له بنبرة جادة لم تفارقه منذ ان قالتها
جعلته يراجع نفسه كثيرًا ويعيد النظر في حدوده
وفي نوع الرجل الذي يريد أن يكونه

قطعت رضوى الصمت أخيرًا بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية
هو… في حاجة ولا أنا واقفة غلط
رفع قاسم عينيه إليها ببطء
ثم قال بهدوء غير معتاد
لأ…واقفة صح
عقدت حاجبيها بدهشة خفيفة ثم سألته باستغراب
أمال ساكت ليه مش ده أسلوبك!
ابتسم ابتسامة خفيفة بلا سخرية هذه المرة
يمكن قررت أغيّره
ضحكت ضحكة قصيرة غير مقتنعة
لا مؤاخذة يعني…بس دي جديدة
تنحنح قاسم ثم قال بجدية مفاجئة
رضوى…إنتِي شغلك هنا مهم
وأنا مش ناوي أضيّع وقتك ولا طاقتك في شد وجذب مالوش لازمة

نظرت إليه باستغراب واضح ثم قالت:
ده اعتراف رسمي...ولا أنا لازم أقلق!
هز رأسه نفيًا و هو يقول بجديه:
ولا ده ولا ده اعتبريه إعادة ترتيب.




سكتت لحظة ثم قالت بحذر:
طيب… تحب أبدأ في ملف إيه
أشار إلى المقعد أمامه..
اقعدي الأول ونراجع الشغل سوا… بهدوء
جلست رضوى وعينها لم تفارقه
كانت تشعر أن شيئًا ما تغيّر
وأن هذا الرجل الذي أمامها
لم يعد يستمتع بالسيطرة كما كان

أما قاسم....فكان يدرك في داخله
أن هذه اللحظة الصغيرة قد تكون الفارق بين أن يصبح نسخة مكررة من ماضٍ مظلم
أو رجلًا تعلّم من أخطاء غيره قبل فوات الأوان

قامت بفتح الملف الذي أشار إليه
وبدأت تتحدث عن مضمونه بهدوء مهني
لكن قاسم لم يكن يسمع....عيناه كانتا معلقتين على حركة يديها
على هدوئها الزائد
على ثقتها التي لا تشبه الضعف الذي اعتاد أن يراه وذلك بالضبط ما أزعجه

فجأة.....أغلق الملف بحدة
انتفضت رضوى في مكانها ورفعت رأسها بسرعة:
في إيه....أنا لسه ما خلصتش!
وقف قاسم من خلف المكتب
دفع الكرسي للخلف بعنف مكتوم
وعاد صوته إلى تلك النبرة التي تعرفها جيدًا…
لكنها كانت مشوبة بشيء جديد
شيء مهتز:
خلّصي بعدين.
قالها باقتضاب
عقدت حاجبيها و سألته بصدمه:
حضرتك اللي قلت نراجع بهدوء

ضحك ضحكة قصيرة بلا روح:
وأنا غيرت رأيي!
وقفت هي الأخرى لم تتراجع خطوة وقالت بثبات:
هو أنا عملت حاجة غلط؟
وقف أمامها....قريبًا أكثر مما ينبغي
للحظة عاد الإحساس القديم…إحساس السيطرة لكنه لم يدُم
تراجع نصف خطوة كأن جسده نفسه رفض الفكرة:
لأ.
قالها بصوت أخفض
الغلط مش منك
نظرت إليه بتركيز
أُمال ليه العصبية دي
أدار وجهه عنها ثم مرر يده في شعره بعنف
قال كأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدثها
ساعات الواحد لما يحاول يبقى غير اللي اتعود عليه بيفشل
ساد صمت ثقيل ثم قالت رضوى بحذر:
حضرتك مش مُطالب تشرح.
التفت إليها فجأة نظرة حادة متناقضة:
لا....أنا مُطالب عشان ما أطلّعش شخص أكره نفسي بسببه بعدين.






تقدمت خطوة دون وعي:
إنت مش شبه اللي فاكر نفسك شبهه مهما كان هو مين ....اللي لاحظته من وقت ما اشتغلت معاك انك ليك شخصيه مستقله ملهاش علاقه بأي حد حواليك

تجمد....تسللت جملة آسيا إلى رأسه كطعنة بطيئة
...خلي بالك مش هسمح الزمن يعيد نفسه....
أغمض عينيه لحظة ثم فتحهما وقد عاد الجدار إلى مكانه:

خليكِي في شغلك يا رضوى.
قالها ببرود مصطنع.
واعتبري اللي حصل ده محصلش.
حملت الملف نظرت إليه نظرة أخيرة مليئة بالشك والفهم في آنٍ واحد
تمام.
قالتها بهدوء ثم اكملت
بس مش ديما نقدر نقنع عقلنا أن اللي حصل.... محصلش.
خرجت وأغلقت الباب خلفها.
بقي  وحده أسند كفيه إلى المكتب وانحنى قليلًا....لم يكن غاضبًا منها كان غاضبًا من نفسه من تلك المسافة القصيرة بين أن يكون رجلًا تعلّم من الألم
أو نسخة أخرى من تاريخ أقسم في سره ألا يعيده.
وللمرة الأولى…لم يكن متأكدًا أي الطريقين أقرب إليه

مرّ اليوم ظاهريًا عادي
لا شجار لا مواجهة لا كلمة زيادة
لكن شريف لم يكن من النوع الذي ينسى نظرة ولا نبرة
في نهاية اليوم وجده يقف وحده قرب المكتب
فتقدم نحوه وكأنه يفتح موضوعًا عابرًا
على فكرة:
قالها بابتسامة خفيفة
استغربت رد فعل آسيا شوية
آدم لم يرفع رأسه فورًا كان يعرف أن السؤال قادم لكنه لا يعرف من أي زاوية سيأتي.
استغربت ليه؟
رد بهدوء مصطنع:
عشان اسيا مش من النوع اللي يرفض كده من غير مبرر  وبصراحة…النبرة ماكنتش نبرة شغل.

سكت لحظة ثم أضاف كمن يرمي حجرًا في ماء راكد:
إنتوا كنتوا تعرفوا بعض قبل كده، صح؟
رفع آدم رأسه أخيرًا نظر إليه نظرة سريعة حَذرة ثم قال ببرود مصطنع:
معرفة قديمة ولا تفرق دلوقت .
ابتسم شريف لكن عينيه لم تبتسما:
الغريب إن اللي ما يفرقش…
ما يعملش التوتر ده كله
اقترب خطوة صوته صار أخفض
أنا مش بحب أشتغل وسط حاجة مش واضحة.
ولو في مشكله قديمه بينكم يبقى لازم أعرف حجمها .
شدّ فكه بِغلٍ ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها حاسمة:
الموضوع مش مستاهل يا شريف وآسيا واضحة… مش حابّة تتعامل معايا يبقي خلاص
هزّ شريف رأسه ببطء ثم قال بقوه:
تمام....بس خلّيك فاكر أنا بثق في إحساسي.
وإحساسي بيقولي إن في حاجة مستخبية.
ثم تركه ومضى تاركًا خلفه سؤالًا بلا علامة استفهام…لكنه بوزن جبل.

دخل آدم سيارته وأغلق الباب بعنف لأول مرة منذ زمن طويل شعر أنه مكشوف
ضرب المقود بقبضته....مرّة....ثم مرّة أخرى
ليييييه....؟
همس لنفسه:
ليه مش قادر انساها..؟
لم تكن آسيا مجرد امرأة خرجت من حياته كانت الشيء الوحيد الذي ظنَّ يومًا أنه يملكه بالكامل.
صوتها خوفها ضعفها القديم
كل ذلك كان يمنحه شعور القوة و الحياه
والآن.....الآن تقف أمامه ثابتة
باردة واضحة…وكأنها لم تُكسر يومًا






أشعل سيجارة بيد مرتعشة نفسه خرج حادًا
فاكرة نفسك قوية
قالها في الفراغ
فاكرة إنك كسبتي
لكن داخله كان يعرف الحقيقة
هي لم تنتصر عليه فقط…هي تحررت وهذا أكثر ما يخيفه
الخسارة عنده مقبولة أما أن يخسر السيطرة علي قلبها ....هذا جنون

مال برأسه للخلف أغمض عينيه
صور قديمة تسللت رغماً عنه
دموعها…صمتها…تراجعها خطوة حين كان يعلو صوته
فتح عينيه فجأة كأنه انتبه لشيء
لاااااااااا...
قالها بحدة ثم اكمل بغل:
الحساب لسه مخلصش ..

آسيا ظنت أن الصمت نجاة.....وشريف ظن أن الذكاء كفاية
أما آدم…فبدأ يشعر أن لديه ما يخسره
ومن لا يملك إلا الهزيمة…
يصبح أخطر مما يتوقع الجميع

كان شريف يراقبها منذ دقائق
لا بسبب ما قيل بل بسبب ما لم يُقل
ذلك الشحن الخفي الذي يملأ المكان كلما التقيا نظرات متحفزة
وتوتر لا يليق بزمالة عمل عادية
تنحنح بخفة ثم قال وكأنه يلقي حجرًا في ماء راكد
آسيا…
إنتِ تعرفي آدم من زمان؟
رفعت رأسها فجأة:
لم تتوقع السؤال بهذه المباشرة
ولا بهذه النبرة الهادئة التي لا تحمل اتهامًا بل يقينًا.
ليه بتسأل؟
قالتها محاولة التماسك.
عشان حاسس إن في بينكم معرفة سابقة الجو بينكم مش طبيعي… مش شغل ابدا !

سكتت آسيا و قد ارتسمت الصدمه و الحيره علي ملامحها.
طالت لحظة الصمت أكثر مما يجب....وحين أدركت أنها فشلت في الاختباء
تنهدت بعمق وكأنها تزيح حمل سنوات
آه…
قالتها بصوت منخفض:
نعرف بعض.
اقترب شريف خطوة و نبرة صوته صارت أكثر جدية
قد إيه تعرفو بعض؟
رفعت عينيها إليه أخيرًا وفيهما تعب قديم لا يحتاج شرحًا
آدم كان خطيبي.
تجمّد شريف في مكانه كأن الجملة سُحبت من تحت قدميه
إيه…؟!
قالها ببطء غير مصدق:
إنتِ بتقولي إيه؟!
ابتسمت آسيا ابتسامة قصيرة موجوعة:
كان حياتي كلها ....بس دمّرّني..

جلس شريف على الكرسي خلفه.
مرّر يده على وجهه وعيناه غارقتان في صدمة شديده
مستحيل…
قالها وهو يهز رأسه
إنتِي…إنتِي حبيبة آدم القديمة؟!

أومأت آسيا بهدوء فاكمل:
أنا وآدم صحاب من زمان...
قالها شريف بصوت مبحوح.
وكنت عارف قصته ....كنت عارف قد إيه اتوجع
وقد إيه الموضوع مأثر فيه بس عمري ما تخيلت إن إنتِي نفس الشخص!

ساد صمت ثقيل ثم قطعه و هو يكمل:
مكنتش أعرف اسمك وقتها ولا شفتك ولا تخيلت إن الدنيا تلف وتبقي قدامي بالشكل ده.

قالت آسيا بهدوء متماسك:
القصة انتهت من زمان.
بس هو…لسه عايش فيها

كانت نهال تستمع إلى تلك الألغاز المتناثرة التي لم تفهم منها شيئًا.
الكلمات تصلها مشوشة عبر الباب المفتوح.
لكن النبرة…..النبرة كانت كافية لتخبرها أن ما يحدث بالداخل
أكبر من مجرد نقاش عمل
وحين خرجت آسيا
لم تنتظر نهال ثانية واحدة
اقتربت منها بلهفة صادقة وفضول شديد ثم قالت:
أنا عايزة أعرف القصة كلها؟
قالتها بسرعة.
عشان الراجل ده أصلًا أنا مش طايقاه ولو اللي في دماغي طلع صح…..أقسم بالله أخليكِي تلعبيه على الشناكل.

ابتسمت آسيا ابتسامة باهتة لا تشبه الضحك بقدر ما تشبه اعتذارًا صامتًا ثم قالت بحذر واضح:
أنا مش قادرة أحكي دلوقتي يا نهال…بعدين هقولك.
وبمنتهى الصراحة إنتِي ودعاء صحاب.
وأنا ملاحظة إن في حاجة جواها ناحيه ادم
أنا مش عبيطة عشان مفهمش نظرات واحدة ست زيّي

لم تنزعج نهال بل ابتسمت بهدوء مختلف
ثم قالت بنبرة جادة على غير عادتها المرِحة:
بصّي....مش معنى إني ودعاء صحاب يبقى هقولها على اللي بيحصل في الشركة
انا  نفسي أكون أنا وإنتِي صحاب وعشان ارتحتلك من أول مرة شفتك انسي أي حاجة هتقوليهالي تطلع مني ده وعد.
اقتربت خطوة وخفضت صوتها:
انت لسه ما تعرفينيش.
بس أنا عمري ما بتأمّن على سر وأطلّعه لحد حتى لو على رقبتي.





نظرت إليها آسيا بحيرة ..... شيء ما في داخلها ارتخى
كانت تحتاج إلى الحديث…لا لتبرير ولا للدفاع بل لسماع رأي جديد من شخص لم يعش القصة معها لم يتأثر بماضيها.
ولم يحمل عنها أحكامًا مسبقة

كانت تحتاج أن تتأكد…أنها تسير في الطريق الصحيح
تنهدت بعمق، ثم قالت بهدوء:
طب تعالي نقعد و انا هقولك كل حاجه يمكن ارتاح!
جلستا معًا....صمتت آسيا لثوانٍ قبل أن تبدأ
وكأنها تعيد فتح باب أُغلق منذ زمن
آدم…
قالت اسمه كأنه ثقل
كان خطيبي....مش بس كده كان محور حياتي فترة
رفعت نهال حاجبيها لكنها لم تقاطع
في الأول كان اهتمامه زيادة عن اللزوم غيرة باسم الحب
تحكّم باسم الخوف....كل ده قبلته لأني بعشقه مكنش فارق معايا حاجه 
و بعد ما اديته قلبي و حياتي و دنيتي ....اتهمني بالخيانه
اتهام من غير دليل ولا حتى استعداد يسمعني
ابتلعت آسيا ريقها..
يوم ما قرّر يصدّق شكّه أكتر مني…خلّص كل حاجة
سابني أواجه الناس لوحدي وكأني المذنبة الوحيدة

شهقت نهال بحدة
ابن الكلب الواطي!
توقفت فجأة احترامًا لنظرة آسيا و التي تابعت بحزن و هي تقول:
أنا عمري ما قلت القصة كاملة .
بس اللي حصل كفاية يخليني أرفض وجوده في حياتي بأي شكل

ساد صمت قصير كانت نهال تغلي من خلاله
لم تعد المرِحة الخفيفة بل امرأة ترى الظلم بوضوح
لأ…
قالتها بحسم..
ده مينفعش يعدّي كده.....اللي حصلك و اللي لسه معرفش منه غير قشور مينفعش يعدي ابداااا
نظرت إلى آسيا بعينين مشتعِلتين واكملت بغل شديد:
الراجل ده مش بس أذاكِي ده فاكر إنك لسه ضعيفة وإنه يقدر يرجع يدخل حياتك من أي باب.

اقتربت منها أكثر ثم اكملت بمكر:
أوعدك أني  هخليه يتجنن....هخليه يموت من الغيره
هخليه يحس إنه خسر السيطرة
من غير ما نغلط غلطة واحدة

نظرت آسيا إليها طويلًا  ثم قالت بصوت منخفض لكن ثابت:
لو دخلت اللعبة دي…مش هرجع.
هزّت نهال رأسها بثقة:
وأنا مش داخلة ألعب أنا داخلة أخلّص حساب ست اتظلمت .

وفي تلك اللحظة لم تشعر آسيا بالذنب…بل بشيء أقرب إلى العدالة
مالت نهال ناحيتها
صوتها منخفض لكن واثق.
نبرة امراة خططت من قبل و لم تفشل:
اسمعي بقى إحنا مش هنهاجمه…إحنا هنسيبه هو اللي ييجي لحد عندنا.





نظرت آسيا لها باستغراب فسألتها الأخري بخبث:
آدم نوعه إيه...مريض سيطرة.....راجل ميستحملش فكرة إن حاجة كانت ملكه وبقت مش في إيده و لا حاسس نفسه الراجل الوحيد فالكون

صمتت لحظة ثم ابتسمت ابتسامة جانبية خبيثة:
أول ضربة إنك تتغيري من غير ما تقصدي قدامه
رفعت آسيا حاجبيها فاكملت:
لا تجاهل فج و لا استفزاز ...
بالعكس…
عدّلت نهال جلستها
هتكوني هادية زيادة عن اللزوم واثقة مش محتاجة تثبتي أي حاجة
ولا حتى باصة عليه كتير

ثم أضافت ببطء مقصود
وأهم حاجة…إنه يحس إنك مش شايفاه تهديد

همست اسيا بتوجس
– وده هيأذيه إزاي
ضحكت نهال ضحكة قصيرة بلا مرح:
لأنه متعود يكون محورك
فلما يلاقي نفسه مجرد شيء مش من ضمن اهتماماتك…
عقله هو اللي هيبدأ يشتغل ضدّه
اقتربت أكثر و هى تكمل:
بعدها بقى مش هنقربله مباشرة
هنخلي الناس تحترمك قدامه..
كلمة حلوة في اجتماع..
نظرة تقدير من شريف...
ثقة من شخص هو نفسه محتاج رأيه.
ثم قالت الجملة الأهم....
أول انتقام حقيقي إنه يشوفك ناجحة من غير ما يكون له أي فضل في ده

سكتت ثانية ثم أضافت بنبرة أخطر
وساعتها…هو اللي هيغلط
هو اللي هيكشف نفسه
وإنتِي....ولا في دماغك.

آسيا شعرت بشيء غريبة ليست شفقة…ولا خوف بل قوه لم تختبرها من قبل

يعني نبدأ بالهدوء؟
سألت بحظر؟
هزّت نهال رأسها ثم قالت:
– نبدأ بالهدوء ونسيبه يولّع لوحده.
وتلك كانت الضربة الأولى....ناعمة…لكنها تفتح باب الجنون

وقف معاذ أمام مكتب رئيس الجامعة
يحاول كتم غضبه المُتّقد الذي لو انفجر لربما أحرق العالم كله من حوله
حين أخبره رئيس الجامعة أن فهد سيتدرب في شركة شريف بناءً على طلب والده
الصديق الشخصي للرئيس والذي لم يستطع رفضه
لم يستطع معاذ إخفاء شعوره بالتهديد
انفجر بغضب.... صوته يمتلئ بجنون مكبوت:
يعني إيه يا دكتور....حضرتك كده بتلغي وجودي كده  أنا اللي وزعت الطلبة على الشركات
كده كلامي مش هيتسمع؟



رد عليه الرئيس بهدوء محاولة لامتصاص شحنته لكن دهشة واضحة تملأ صوته:
كلامك مش منطقي يا دكتور… طبيعي جدًا إن أقبل طلب صديق ليا وأخلي ابنه يتدرب في شركة هو هيكون مرتاح فيها إيه اللي مضايقك في كده؟!
لم يجد معاذ ما يقوله استأذن وخرج من المكتب وداخله يغلي كالمرجل
فكر في كل ما يعنيه هذا القرار
حبيبته.... شيرين ستكون في نفس الشركة التي سيذهب إليها هذا “الحقير” كما لقب معاذ هذا الشاب في ذهنه
وبالتالي، يجب أن يكون حاضرًا هناك دومًا.يراقب  يمنع أي احتكاك بينها وبينه ويقطع كل فرصة لأي تقارب مهما حدث

دخل معاذ إلى الشركة صباح اليوم التالي.
عيناه تبحثان عن شيرين بين الموظفين.
حين رآها شعر قلبه بشيء لم يستطع السيطرة عليه... غيرة غصب عنه  شعور ملتهب بالامتلاك
اقترب منها محاولة إخفاء كل ما يشعر به لكن كل حركة كل ابتسامة صغيرة لها زادت حرارة الغيرة داخله
صباح الخير يا شيرين
قالها بهدوء صوت خافت لكنه مليء بالحدة
عامله إيه النهارده؟
صباح الخير يا دكتور. .. كويسة الحمد لله.
ردّت بابتسامة طبيعية غير مدركة للانفجار الداخلي الذي يحدث خلف عيناه






وقف بجانبها يحاول أن يبدو طبيعيًا لكنه كان يراقب كل تحرك لها كل نظرة، وكل كلمة
طب…
قالها فجأة نبرة صوته تنم عن سيطرة خفية
لو احتجتي أي حاجة كلميني…مش معنى اني بروح الجامعه يبقي مش هكون موجود هنا
التفتت له بدهشة خفيفة لم تعتد على هذا النوع من الحماية المستتره



حاضر… شكراً يا دكتور
قالتها وهي تحاول تخطي شعورها بالارتباك
أخذ نفسًا عميقًا محاولة تهدئة نفسه، لكنه شعر أن كل دقيقة معها تزيد من غليانه الداخلي 
تحدث داخله بجنون
لازم أكون جنبها طول الوقت
مش هسيبه يقرب منها  مهما حصل

كانت هذه المرّة الأولى التي يُظهر فيها معاذ غيرته بصراحة
غيرته المكبوتة التي تخرج بشكل غير محسوب
غيرته التي كانت سببًا في تحكمه بمشاعره وتصرفاته
لكنها الآن بدأت تظهر شيئًا فشيئًا أمام شيرين

دخل معاذ إلى الطابق الاوسط خطواته كانت ثابتة،كل حركة مليئة بالتحكم
رآى فهد عند مكتب أحد الموظفين يتعامل بطلاقة مع الفريق مبتسمًا بطريقة أثارت غضب معاذ فورًا

اقترب منه صوته منخفض لكنه يملؤه التهديد:
إيه اللي بتعمله هنا بالظبط؟
رفع فهد رأسه لم يُخفي انزعاجه لكنه شعر بالتيار المشحون من معاذ
أنا هنا عشان التدريب… زي أي حد من زمايلي.

تقدم معاذ خطوة،عيناه تحدّقان فيه ....كل كلمة خرجت منه كأنها جدار حديدي:
خد بالك الشغل هنا مش هزار و لا مكان تتعرف فيه علي بنات ...ركّز في تدريبك و بس بدل ماتوقع نفسك في مشاكل.

ابتسم فهد بسخرية يحاول تخفيف التوتر ثم قال بثبات:
مفيش داعي لكل ده  يا دكتور معاذ… أنا بس بتعامل مع الكل باحترام ...و شرين الوحيده اللي معايا هنا من الدفعه بالنسبالي  زميلة مش اكتر.

زميلة..
قاطعه معاذ بصوت هاديء لكنه مشحون بالغضب المكبوت
اسمع… أنا مش هسمح لأي حد يفتكر إنه يقدر يقرب من اي موظفه هنا سواء هي او غيرها… ولا بالكلمة… ولا بالنظرة… ولا بأي حاجة

توقف للحظة ألقى نظرة واحدة على فهد جمّده في مكانه:
دي فرصة ليك تحافظ على نفسك و علي مستقبلك
أي محاولة لخفه دم او تعمل نفسك الواد اللي مفيش منه
هتندم قبل ما تعرف ليه.

شعر فهد فجأة أن الجو كله ضده  لم يكن يعرف إن الغيرة ممكن تظهر بهذا الشكل فقد كان يَشُك في أمره منذ فتره
نظرات معاذ لم تحوي غضب عشوائي…
كانت دقيقة مركّزة  مدروسة… لكنها تصنع الرعب في كل حركة

ابتعد معاذ خطوة للخلف حافظ على هدوئه الظاهري لكنه ترك الرسالة واضحة
فاهم ؟
أنا موجود وبراقب كل حاجة

أومأ له دون ان يتفوه بحرف واحد  يعلم أن هذه المواجهة ليست مجرد تهديد عادي…
معاذ لم يكن بحاجة ليصرخ أو يثبت شيء…
غياب  الابتسام لرد الفعل الطبيعي كان أقوى من أي تهديد لفظي

غادر هذا المختل المكان خطواته هادئة لكنه يشعر بأن قلبه يغلي
كان يعرف أن المهمة الأساسية لم تنته بعد.... حماية شيرين بأي ثمن مهما حدث مهما كانت الطريقة

خرج معاذ من مكتب فهد لكنه لم يستطع ان يبعد عينيه عن شيرين
كانت جالسة على مكتبها تكتب في ملفاتها بهدوء غير مدركة لما حدث للتو
اقترب منها خطواته ثابتة وصوت قلبه يخبره أنه لن يسمح بأي تجاوز
صباح الخير…
قالها بصوت منخفض لكن كل كلمة مليانة حذر
رفعت رأسها ابتسمت له بطبيعتها المرحة
صباح النور… إيه أخبارك يا دكتور
ابتسم ابتسامة قصيرة لكنه لم يكن مبتسمًا من قلبه بل ابتسامة متحفظة، متوترة
وقف بجانبها نظراته تتفحص كل حركة لها وكأنها تقول
أنا هنا… ولا حد يقدر يقرب منك

مش محتاجه حاجه… لو محتاجة أي حاجة
أي مساعدة أي معلومة…
أنا موجود

التفتت إليه بدهشة ثم قالت:
حاضر… شكرًا يا دكتور!
لم تستطع منع شعورها بأن شيئًا تغير شيء لم تفهمه بعد
جلس بجانبها حافظ على مسافة مهنيّة لكن كل جزء منه كان يراقبها يحميها بصمت
طب… خلينا نبتدي بالشغل على الملفات دي
قالها بنبرة طبيعية لكنه في داخله يغلي
في نفس الوقت فهد كان بعيدًا في ردهات الشركة
يخزّن إحساسه بالغضب والارتباك من المواجهة
لم تكن التهديدات المباشرة مجرد كلمات
كانت جدارًا واقعيًا حمى شيرين من أي اقتراب
شيرين لاحظت شيئًا في عينيه شيء لم تراه من قبل
دكتور .....هو في حاجه؟!
حاجه ايه؟


رد بسرعة محاولًا تهدئة أي فضول
كل حاجة تمام… ركزي في شغلك
لكن النظرة لم تختفِ
الغيرة المكبوتة الحماية الزائدة
كلها كانت واضحة… غصب عنه
كان يعلم أن هذا اليوم لن يكون الأخير
وأن كل دقيقة تقضيها شيرين بجوار فهد ستكون امتحانًا لغضبه وتحكمه في نفسه ورغبته في حمايتها مهما حدث
فليعينه المولي علي القادم.....





ماذا سيحدث يا ترى 




سنري






انتظروووووني

بقلمي / فريده الحلواني
تعليقات