📁 آخر الأخبار

روايه صك الغفران الفصل الخامس عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا

 روايه صك الغفران الفصل الخامس عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا


روايه صك الغفران الفصل الخامس عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا




الفصل الخامس عشر 
صك الغفران 
بقلمي 









صباحك بيضحك يا قلب فريده 

قالت جويرية بصوتٍ منخفض متردّد كأنها تخشى أن يخذلها قبل أن يُجيبها
أنا بحبك يا محمود… ومليش غيرك في الدنيا
ثم أسرعت تضيف وهي تحاول أن تُطفئ غضبًا لم يشتعل بعد
عشان خاطري متزعلش من عمي مدحت هو يمكن سمع كلمتين من تيتا فاتعصب شوية بس والله ما كان قصده
لم تكن تدافع عن عمّها بقدر ما كانت تحمي ما بينها وبين محمود كانت تعرف أنّ الغضب إذا دخل من باب خرج الأمان من النافذة....قالت تلك الكلمات وعيناها معلّقتان بنبرته أكثر من كلماته







ابتسم محمود ابتسامة خفيفة تلك التي تطمئنها دائمًا وقال ببساطة صادقة
أزعل منك إيه بس يا حببتي دول ولا على بالي
سكت لحظة ثم أكمل
أنا بحكيلك بس عشان تبقي عارفة الدنيا ماشية إزاي مش أكتر
ثم غيّر نبرته وكأنه قرر أن يسحبها بعيدًا عن القلق
سيبك من الكلام ده… خلّينا نفرح بالكافيه اللي هنفتحه
ضحك بخفة ثم اكمل:
أنا لسه مش مصدّق إن الحلم قرب يبقى حقيقة
وأضاف بحماس:
محمد وريان مولّعين الدنيا في الديكورات وإن شاء الله المكان هيسمّع وهيبقى أكبر كافيه في البلد
تنفّست جويرية براحة وقالت بصوت دافئ:
أنا واثقة فيك يا محمود فيك إنت قبل أي حاجة
ثم أردفت بعفوية:
وعمري ما حسّيت وأنا معاك إني لوحدي
جاء صوته أكثر قربًا وهدوءًا:
ولا عمرك هتحسي بكده
تابع ببساطة رجل يعرف ما يريد:
أي نجاح من غيرك مالوش طعم
ابتسمت وقالت:
طول ما إحنا جنب بعض الدنيا كلها تهون
أجابها بثقة قصيرة حاسمة:
إحنا مع بعض… والباقي كله كلام فاضي و لا يشغلنا
دلفت عليهم هاجر مبتسمه بهمْ ...نظرت لهم بحب ثم قالت :
احنا هننقل بعد بكره يا حوده عايزاك تجبلي عربيه عشان العفش
منهم لله اللي كانو السبب اني اسيب بيتي 
رد عليها بمزاح يقصده حتي يهون عليها 
جري ايه يا خالتي هو انتي زعلانه انك هتمشي من وش مدحت و راويه طب و ربنا انتي امك دعيالك.
كفايه انك هترتاحي من البومه اللي طول اليوم راميه ودنها معاكي انتي و عيالك ...مش عارفه تاخدي راحتك في بيتك يا شيخه دانتي كده بقيتي في جنه 









دلفت إلى الشركة بخٌطى ثابتة يسبقها غرورٌ فاضح وتكبّر اعتادت أن ترتديه كدرع توقّفت أمام آسيا ورفعت ذقنها قليلًا قبل أن تقول بنبرة آمرة:
عايزة أقابل آدم بيه… هو مستنّيني
نظرت إليها نهال بنظرةٍ فاحصة تزنها بعينيها دون كلمة بينما بادرت آسيا بعمليةٍ باردة
اسم حضرتك إيه عشان أبلّغه؟
ارتسمت ابتسامة متعالية على شفتيها وهي تجيب:
حنين… بنت أخت مراته
ارتفع حاجب آسيا الأيسر بلا وعي، قبل أن تقول ببرودٍ مهني
ثانية واحدة:
أمسكت الهاتف، واتصلت بهدوءٍ ثلجي
آدم بيه… حنين بنت أخت مراتك هنا وعايزة تقابلك.
جاءها الرد مختصرًا فقالت ببرود:
تمام يا فندم
أغلقت الهاتف ثم التفتت إلى نهال وقالت بثبات:
نهال... من فضلك وصّليها
تحرّكت حنين من أمامهما تدق الأرض بكعب حذائها المرتفع وكأنها تعلن حضورها قسرًا بينما عادت آسيا إلى عملها دون أن تلتفت خلفها كأن شيئًا لم يكن
أما نهال فبدلًا من ان تعود لاسيا بعد ان اوصلتها... غيّرت اتجاهها تمامًا واقتحمت مكتب شريف دون استئذان رفع رأسه إليها مصدومًا لكنها لم تمنحه فرصة للاعتراض وقالت بنبرةٍ مشحونة
بقولك إيه… أنا عايزاك في خدمة محدّش يقدر يعملها غيرك
جزّ على أسنانه كظمًا ثم قال بحدة مكبوتة:
خير... إنتِي مش ناوية تخبّطي قبل ما تدخلي يا بنتي
ضحكت ضحكة قصيرة باردة ثم قالت بجديّة مفاجئة
البنت الغلبانة اللي برّه دي… عايزين ناخد حقها من صاحبك ابن الـكلب ده
نهــــــــااااااال.
صرخ بها فلوّحت بذراعها في غيظ:
بلا نهال بلا زفت هو عشان صاحبك وراجل زيّك تقوم تدافع عنه
في تلك اللحظة،اندفعت آسيا إلى المكتب بعدما سمعت الصراخ وقالت بقلقٍ واضح
في إيه؟!

التفتت نهال إلى آسيا وعيناها تلمعان بمكرٍ خبيث:
ولا حاجة يا ستي… بس باخد رأي شريف في حاجه صغيرة
نظر شريف بينهما بريبة
حاجه إيه.... إنتِي شكلك ناوية على مصيبة
اقتربت نهال منه وخفّضت صوتها
إحنا عايزين آدم يغير… يطلع عن هدومه يحسّ إن آسيا ممكن تضيع من إيده
قطّب شريف حاجبيه وقال بتحفّظ:
وإيه دخلي أنا في الفيلم ده
ابتسمت نهال ابتسامة جانبية وقالت بثقة:
دخلك إنك الوحيد اللي يقدر يجنّنه من غير ما يشك
تدخّلت آسيا بقلقٍ واضح
نهال، بلاش هبل… آدم مش سهل
نظرت لها نهال بثباتٍ صارم:
علشان كده لازم يتلعب عليه صح



ثم التفتت إلى شريف:
إنت بس تقرّب من آسيا زيادة شوية… كلام ضحك وقفة أطول قدّام الناس
ضرب شريف المكتب بقبضته:
إنتِ اتجننتي!
قالت ببرود قاطع:
لا… أنا زهقت من بروده ومن أذاه ومن إنه فاكر نفسه فوق الحساب
ثم أضافت بنبرة أخطر:
لما يغير… هيغلط ولما يغلط… ساعتها نرد.

سادت لحظة صمتٍ ثقيلة نظرت آسيا إلى شريف بعينين متردّدتين بينما كان هو يدرك أن ما يُعرض عليه ليس لعبة… بل حرب





قال أخيرًا بصوتٍ منخفض:
وإنتِ ضامنة إن آسيا مش هتتأذي....ادم مجنون و لما بيغضب عقله بيتلغي
نظرت نهال إلى آسيا ثم عادت إليه:
طالما أنا موجودة… محدش يقدر يقرب منها
رفعت آسيا رأسها أخيرًا وقالت بحزمٍ خافت:
لو هنمشي في السكة دي… لازم نعرف هنوصل لفين و نكمل للاخر
ابتسمت نهال بارتياح:
كده كلامنا ابتدا صح
اختفت الابتسامه فجاه حينما قال شريف بجديه يشوبها القلق:
اسيا ..انتي عايزه تعملي كده عشان يرجعلك و لا عشان تنتقمي منه؟
تنهدت بهم ثم قالت :
و لا ده و لا ده ....انا عايزه اخد حق سنين عمري اللي راحت بسببه ..عايزه ارجع اسيا البنت اللي كانت قويه و واثقه في نفسها
عايزاه يشرب من نفس الكاس اللي شربت منه عشرين سنه ... عذاب و ذل و قهر و بدفع تمن حاجه معملتهاش.
عايزاه يعرف أن اسيا اللي بتدور في فلكه خلاص انتهت و مبقاش ليه وجود في حياتي 

سألها بجديه و شفقه تلمع داخل عينه:
يعني نستيه....طب لو ندم و حب يرجعلك؟
ابتسمت بحزن لكنها قالت بقوه:
صعب اني انسى عمر بحاله عيشته و انا مش بعمل حاجه غير اني احبه و اعيش معاه جوايا
بس الفرق ما بين الاول و دلوقت ...اني كنت ديما بفتكر حبه و الحلو اللي عيشته معاه
لكن دلوقت و بعد ما ظهر في حياتي تاني بنفس جبروته أجبرت نفسي افتكر دبحه ليا و قد ايه كان جاحد و داس عليا من غير ما يتهزله رمش.
قدرت اشوف قد ايه هو اناني و كل اللي يهمه اني افضل احبه و اجري وراه
لازم يعرف أن خلاص طلعت من دايرته و بقي يا دوب مجرد جرح معلم جوايا و بدعي ربنا انه يشفيني منه







وقف آدم عند باب المكتب ملامحه جامدة كعادته، لا شيء يُقرأ على وجهه سوى السيطرة وقبل أن يخطو خطوة واحدة إلى الداخل وقعت عيناه على المشهد الذي لم يكن مستعدًا له
كانت آسيا تقف بجوار شريف
قريبة أكثر مما يجب
ضحكة خفيفة خرجت منها وتبعها تعليق منه جعلها تميل برأسها نحوه دون وعي
قال شريف وهو يقرّب الكوب منها
خدي بالك القهوة سخنة… متتحرقيش
ابتسمت آسيا بلا حذر:
ماشي… شكراً
تجمّد آدم في مكانه....تلك المسافة الصغيرة بينهما بدت له فجوة هائلة، لا يراها سواه
اقترب بخطوات ثابتة صوته خرج هادئًا زيادة عن اللزوم:
واضح إني داخل في وقت مش مناسب.
التفتت آسيا فجأة ارتبكت للحظة ثم تماسكت:
لا… عادي
نظر شريف إلى آدم بابتسامة مقتضبة:
كنا بنتكلم في الشغل
رد آدم ببرودٍ قاطع:
واضح
عيناه لم تفارقا يد شريف القريبة من المكتب… من مساحتها
ثم قال موجّهًا حديثه لآسيا:
محتاج ملف شركه#### حالا.
أومأت... لكن نهال التي كانت تراقب من بعيد ابتسمت في صمت و أيقنت انه سيقع اسرع مما تخيلت

أغلق آدم باب مكتبه خلفه بعنفٍ مكتوم
جلس ثم نهض...خلع ساعته ثم أعاد ارتداءها
شيء ما داخله كان ينهار ببطء قاتل
قريب منها ليه....و بيضحكو ليه بالشكل ده وهي… ليه ساكتة
مرّت صورة آسيا وهي تميل نحوه كطعنة باردة في صدره
هو الذي لم يسمح لأحد بالاقتراب منها خطوة يرى الآن المسافة تُكسر أمام عينيه
قبض يده حتى ابيضّت مفاصله
همس بصوتٍ منخفض كأنه يحاكم نفسه
إنتَ مالك… هي مبقتش ملكك
لكن الغيرة لا تفهم المنطق ولا تعترف بالحدود
رفع رأسه فجأة وقرر...لم يترك ذاك المشهد يمر مرور الكرام







في الخارج، كانت نهال تقف بجوار آسيا نبرتها منخفضة لكنها حاسمة:
شايفة...عينُه كانت عاملة إزاي
قالت آسيا بتوتر:
إنتي كده بتولّعي نار مش هتعرفي تطفيها
ابتسمت نهال بثقة:
ده المطلوب.
في تلك اللحظة خرج آدم من مكتبه
وقف أمام شريف مباشرة بلا مقدمات:
ممكن تيجي معايا دقيقة
دخل الاثنان المكتب
أغلق آدم الباب ثم قال ببرودٍ يخفي إعصارًا
من امتى وإنت قريب من موظفين الشركة بالشكل ده
رفع شريف حاجبه بدهشة مصطنعة
قريب... إنت بتتكلم على إيه
اقترب آدم خطوة صوته انخفض لكنه صار أخطر
خلّيك عارف حدودك يا شريف
ابتسم شريف ابتسامة صغيرة، لأول مرة لا يتراجع
وإنت حدودك لحد فين
ساد صمت ثقيل
لأول مرة شعر آدم أن السيطرة تفلت من يده
وفي الخارج كانت نهال تراقب الباب المغلق، وتهمس لنفسها بارتياحٍ مظلم
وقع في الفخ أسرع مما كنت متوقّعة
رفعت آسيا نظرها إليها وفي عينيها خوف ممزوج بقرار
خلاص كده… مفيش رجوع
ابتسمت نهال ابتسامة باردة
و مين قالك ان إحنا عايزين نرجع
كل هذا يحدث امام اعين حنين التي تراقب الوضع بصمت و خبث منذ ان بدات العمل داخل الشركه و قررت ان تخبر خالتها بكل شيء .


دخلت آسيا مكتبه بخطوات مترددة
كان واقفًا أمام النافذة، ظهره لها وكتفاه مشدودتان كوترٍ على وشك الانقطاع لم يلتفت بل قال بصوتٍ منخفض يحمل حدّة غير مألوفة
إقفلي الباب
فعلت وشعرت بأن الهواء في الغرفة صار أثقل
استدار أخيرًا وعيناه لم تكونا غاضبتين بقدر ما كانتا مضطربتين… وهو اضطراب لم تعتده منه
من إمتى وإنتي واقفة بالشكل ده مع شريف
تفاجأت وقالت بسرعة دفاعية
إحنا كنا بنتكلم في الشغل
اقترب خطوة ثم أخرى حتى صارت المسافة بينهما خانقة
الشغل
ضحك ضحكة قصيرة بلا روح:
هو الشغل بقى ضحك ووقفة وقرب بالشكل ده؟!
رفعت رأسها محاولة التماسك:
إنت مكبّر الموضوع و بعدين اصلا انت مالك؟
توقّف فجأة،كأن الكلمة أصابته في مقتل
صوته خرج أخفض… لكنه أخطر:
لااااا ....إنتي اللي مش اخده بالك ان الموضوع اصلا كبير
مرّر يده على وجهه بعصبية ثم قال وهو ينظر إليها مباشرة:
أنا مش غبي يا آسيا وبشوف كويس قوي...حافظك و عارف دماغك بتفكر في ايه
قالت بحدّة مكبوتة:
وبتشوف إيه بقى؟
نظر إليها طويلًا ثم قال بصدقٍ فاضح:
بشوف حد تاني بيقرب من حاجة أنا تعبت علشان أحافظ عليها






اتسعت عيناها قليلًا لكن كبرياءها لم يسمح لها بالتراجع
أنا مش حاجة بتتحافظ عليها يا آدم و لا اصلاً انت حافظت عليا فوق بقى"
ضرب المكتب بيده لا بعنفٍ صاخب بل بقهرٍ و جنون:
وأنا عمري ما قلت إنك حاجة
ثم أردف بنبرة مشروخة:
بس إنتي فاكرة إني هقف أتفرج
اقترب أكثر صوته انخفض حتى صار شبه همس
قوليلي… لو الأدوار اتعكست وشفتي حد واقف جنبي بالطريقة دي كنتي هتسكتي....و لا خلاص مبقتش فارق معاكي
لم تجبه...صمتها كان إدانة
تنفّس بعمق وكأن صدره لم يعد يسع ما فيه...قال بأمر و تجبّر:
اللي حصل ده… ما يتكررش
رفعت رأسها بعناد واضح:
إنت مش من حقك تفرض عليّ أتعامل إزاي و لا هسمحلك تدّخل في حياتي
نظر إليها وفي عينيه خليط من الغيرة والخوف والغضب
يمكن…
ثم أضاف بصوتٍ مبحوح
بس من حقي أخاف.
تراجع خطوة كأن الاعتراف أفقده قوته ثم قال وهو يدير ظهره
اتفضلي… تقدري تمشي.

خرجت آسيا وقلبها يخبط بعنف
وفي الخارج كانت نهال تراقب من بعيد وحين رأت ملامح آسيا فهمت أن الضربة أصابت الهدف بدقة
همست بابتسامة خبيثة:
ولسه… ولسه








خرجت آسيا من مكتب آدم بخطواتٍ ثابتة ظاهريًا بينما كان كل شيء بداخلها يتداعى لم تلتفت لم تُظهر ضعفًا لكن صدرها كان يضيق كأن الهواء قد خانها فجأة
لم يكن غضبه هو ما كسرها… بل خوفه
ذلك الخوف الذي كشف لها أنها لم تعد تقف في منطقة آمنة لا معه ولا بدونه...لما يخاف عليها و قد كان أول من جرحها و اذاها
جلست خلف مكتبها حدّقت في الشاشة دون أن ترى شيئًا
كلماته تتردّد في رأسها بإلحاحٍ قاسٍ....من حقي أخاف...
ابتسمت بسخريةٍ باهتة
وأنا؟!
همست لنفسها
مش من حقي أعيش من غير ما أتحاسب على كل نفس....مش من حقي اتخطاك و اعيش لاسيا و بس!
لم تشعر بالدمعة إلا حين سقطت.
واحدة فقط
مسحتها سريعًا كأنها ترفض الاعتراف بها حتى أمام نفسها
رفعت رأسها ببطء وفي عينيها تحوّلٌ واضح
لم تعد تلك المرأة التي تنتظر التفسير أو التهدئة
شيء ما انكسر والكسور حين لا تُرمَّم تتحوّل إلى سلاح

اقتربت نهال منها في هدوءٍ ثم جلست على حافة المكتب ونظرت إليها نظرة تعرفها جيدًا
نظرة من قرأت الانكسار قبل أن يُقال
قالت بهدوءٍ مشحون بالغضب
زعّلِك
لم ترد آسيا...اكتفت بالنظر أمامها
ابتسمت نهال ابتسامة جانبية:
يبقى وصلنا للنقطة الصح
التفتت آسيا إليها فجأة ثم قالت بنبرة مشحونة
إنتي مبسوطة عشان حرق دمي؟!
هزّت نهال كتفيها بلامبالاة مصطنعة:
لا… بس مش مستغربة
ثم أضافت ببرود:
آدم عمره ما يعرف يحب من غير ما يمتلك
شدّت آسيا أنفاسها وقالت بحدّة:
كفاية نهال. أنا مش متحمله اي كلمه تاني
اقتربت نهال أكثر وخفّضت صوتها
علشان كده لازم تبطّلي تتعاملي كإنك ضعيفة انتي قويه و اوي كمان لازم تثقي في كده

نظرت إليها آسيا وفي عينيها صراع ثم قالت بغيظ:
إنتي عايزة إيه بالظبط؟!
ابتسمت نهال… تلك الابتسامة التي لا تبشّر بالخير
عايزاه يحس باللي حسّيتيه دلوقتي و عشتيه بسببه زمان
ثم تابعت بثبات
مش غيره وخلاص…خوف و رعب انك خلاص طلعتي من تحت عبايته
قالت آسيا بصوتٍ مرتجف:
إنتي عايزاني أوجعه
أجابت نهال دون تردّد
لا
ثم صمتت لحظة وأضافت:
عايزاك توقفيه قدّام نفسه
سادت لحظة صمت ثقيلة
ثم سألت آسيا كأنها اتخذت قرارًا لم تعترف به بعد
ولو خرج الموضوع عن السيطرة
مالت نهال برأسها قليلًا وقالت بثقة باردة
يبقى هو اللي اختار
نظرت آسيا إلى الفراغ ثم قالت بهدوءٍ مخيف
عندك حق… من اللحظة دي أنا مش هعيش دور الضحية
ابتسمت نهال بانتصارٍ صامت
أهو ده الكلام اللي كنت مستنياه






إنتِي متأكدة.... اسمها آسيا... صوّريها بسرعة يا حنين.
هكذا صرخت حبيبة وما إن نُطق الاسم حتى انقبض قلبها بعنف
آسيا… المرأة التي لم تعرف في حياتها كرهًا يشبه الكره الذي تكنّه لها
ليس لأنها آذتها يومًا بل لأنها كانت دائمًا الشبح الذي يطاردها حتى في أكثر لحظات انتصارها زيفًا
وحين وصلت الصورة إلى هاتفها شعرت بالأرض تميد من تحت قدميها
لم يكن الشك هو ما أسقطها بل اليقين
اليقين بأن الماضي الذي ظنّت أنها دفنته عاد واقفًا أمامها بكامل حضوره
ألقت بجسدها فوق المقعد كأن ساقيها خذلتاها دفعة واحدة وحدّقت في الشاشة بعينين مشتعِلَتين
ثم قالت بهمسٍ مشبع بالغلّ كأن الكلمات تخرج من جرحٍ مفتوح
رجعتي تاني…
سكتت لحظة وأنفاسها متقطعة ثم تابعت بصوتٍ أكثر سوادًا
مش كفاية إني عشت عمري كله بحارب شبحك
رفعت رأسها وعيناها تلمعان بجنونٍ مكتوم
مش هسمحلك تاخديه مني…
ثم أضافت ببرودٍ مخيف
ولو الحل إني أقتلك… وأقتله معاك، مش هتردد









جاءها صوت حنين متردّدًا عبر الهاتف
حبيبة… إهدي شوية يمكن الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة...يمكن شبهها
ضحكت ضحكة قصيرة خاوية
إهدي
ثم قالت بسخرية لاذعة
إنتِ فاكرة إن ده مجرد اسم دي الست الوحيدة اللي قدرت تهزّني من جوّه
تنفست بعمق وكأنها تحاول السيطرة على العاصفة
أنا بنيت حياتي كلها علشان أكون مكانها… وتيجي هي دلوقتي تقف قصادي
قالت حنين بحذر:
طب وإنتِ ناوية تعملي إيه
سكتت حبيبة لثوانٍ ثم قالت بنبرة هادئة أخطر من الصراخ
ولا حاجة
ثم أضافت:
سيبيها تحس بالأمان شوية
ارتجف صوت حنين
يعني إيه؟
ابتسمت حبيبة ابتسامة باردة لا تصل لعينيها
يعني اللي ياخد حاجة مش بتاعته… لازم يدفع التمن 
نظرت إلى الصورة مرة أخرى وهمست كأنها تخاطبها مباشرة
فاكرة نفسك رجعتي أقوى
ثم أغلقت الهاتف بقسوة وأضافت:
و مالو ....زمان برضو كنتي فاكره انك قويه بس اتكسرتي مليوووون حته


ظلت جالسه في مكانها وحدّقت في الهاتف طويلًا قبل أن ترفعه إلى أذنها
لم يكن تردّدًا… بل اختيارًا دقيقًا للكلمات
هي لا تريد مواجهة ولا اتهامًا بل شرخًا صغيرًا يتّسع وحده
رنّ الهاتف مرتين قبل أن يجيب
ألو
قالت بهدوءٍ مصطنع
آدم
خير يا حبيبة
تنفست بعمق وأسقطت في صوتها تعبًا خفيفًا
مفيش… بس كنت حاسة إني عايزة أسمع صوتك
سكت لحظة ثم قال بفتور
أنا في الشغل
ابتسمت لنفسها وقالت بنبرة زوجة قلقة لا تشكّ
عارفة… بس ساعات الواحد وهو في وسط الناس يحس إنه لوحده
لم يرد فورًا
ذلك الصمت كان أول خيط
تابعت وكأنها تحكي بلا قصد
الغريب إن ساعات بتحصل في حياتنا حاجات مش بنكون مستعدين ليها
شدّ على الهاتف قليلًا
حاجات ايه ....مش فاهم
قالت بخفّة،كأنها تضحك على نفسها
ولا حاجة محددة… بس ساعات بحس إن في حاجات ما بتموتش حتى لو حاولنا

صمت للحظات وكان الصمت هذه المرة أطول ثم قال أخيرًا
إنتِي تقصدي إيه؟
أجابت فورًا كأنها تتراجع
ولا حاجة يا حبيبي متاخدش كلامي بجد
ثم أضافت بسرعة ناعمة
يمكن علشان أنا تعبانة شوية
تنفّس ببطء ثم قال بنفاذ صبر
مالك؟
قالت بنبرة خافتة
حاسّة إنك بعيد… مش بالجسم ... بالعقل
ارتفع صوته درجة بسيطة
إنتِي مكبّرة الموضوع
قالت بهدوء موجع
يمكن.
ثم همست:
بس البعد لما بيبدأ كده… بيبقى ليه سبب
توقّفت...تركت الجملة معلّقة بلا تفسير
قال بحدّة خفيفة
حبيبة لو عندك حاجة قوليها لو مفيش اقفلي عشان اخلص شغلي
ضحكت ضحكة قصيرة واهنة
لا معنديش انا كنت حابه اتكلم معاك شويه و خلاص
ثم قالت وكأنها تنهي المكالمة
خلاص مش هعطّلك بس خليك فاكر… اللي ما اتحسمش زمان بيفضل يستنى الفرصة
أغلقت الهاتف بهدوء لم تنتظر ردّه
وضعت الهاتف جانبًا وعيناها تلمعان برضاٍ بارد
دلوقتي الشك هيشتغل لوحده
تمتمت
وأنت أضعف قدّام الشك اكتر مما تتخيل






وفي الطرف الآخر ظلّ آدم واقفًا الهاتف في يده والجملة الأخيرة تتردّد في رأسه بإلحاح قاتل
...اللي ما اتحسمش زمان… بيفضل يستنى الفرصة...
وللمرة الأولى منذ زمن
لم يعرف هل الغضب موجّه للخارج…...أم للداخل


أغمض عينيه لثوانٍ يحاول ترتيب أفكاره لكن كل شيء بدا ضبابيًا
كل كلمة كل ضحكة من حبيبة كل تلميح صغير… جعل قلبه يشتعل
بدأ يشك في حنين و في كل شيء…
شكّ أنه ربما حنين عرفت بوجود آسيا و قامت بأخبار خالتها
قال لنفسه بصوت منخفض
إيه اللي بيحصل إيه العلاقة بين اللي حصل معايا انا و اسيا و بين كلام حبيبه
وفجأة بدا الخوف في قلبه خليط من الغيرة والقلق
لو حنين فعلاً عارفة… لو قالت لخالتها… الدنيا هتولع


بدأ ذلك الحقير في مراقبة آسيا منذ آخر مواجهةٍ جمعت بينهما
لم يكن الأمر بدافع الفضول بل بدافع الامتلاك الأعمى، ذاك الشعور الذي لا يحتمل الفقد ولا يعترف بالحدود
عرف أنها كل يوم خميس تكافئ نفسها بالجلوس في أحد الأماكن الهادئة بعد انتهاء دوامها وقبل أن تعود إلى بيتها الصغير
تلك المساحة الوحيدة التي كانت تمنحها وهم الأمان
واليوم.... كانت النار تلتهمه أكثر من أي وقتٍ مضى بعدما وصلته أخبارٌ عن شخصٍ ما ينبش خلفه ويفتح ملفاته القديمة

وبالطبع اتجه شكّه إليها فورًا
هو لم يعترف يومًا بذكائها أو قوتها لكنه كان يخشاها… والخوف عند أمثاله يتحوّل إلى عنف
وجدها جالسة بهدوء تمسك قدح القهوة بين كفّيها ترتشفه باستمتاعٍ 
ذلك الهدوء استفزه أكثر مما لو وجدها خائفة
اندفع نحوها كإعصارٍ أعمى وألقى بالكوب أرضًا بعنف لينفّس عن غلّه وهو يصرخ بجنون
اتطلّقتي عشان تصيّعي؟!
ثم أضاف بصوتٍ مبحوح بالغضب
إنتِي واحدة ما ينفعكيش تبقي ست بيت محترمة عايزة تتصرمحي وتمشي على حلّ شعرك
انتفضت آسيا من مقعدها والغضب يشعل ملامحها نظرت إليه بعينين تفيض بالقوة والجنون معًا:
إحترم نفسك بدل ما أطلب لك الشرطة
ثم صاحت:
إنت بأي حق تمشي ورايا وتكلّمني بالطريقة دي
احتدّ النقاش أمام أعين روّاد المكان الذين وقفوا على أهبة الاستعداد للتدخل
وكان من بينهم رجل وقور في منتصف الأربعينيات يتمتع بملامح جذابة وجسدٍ رياضي عيناه ثابتتان لا تعرفان التردّد
هو الوحيد الذي امتلك الشجاعة ليتحرّك بسرعة حين رأى يد إسلام ترتفع لتصفع تلك المسكينة أمام الجميع
في لحظة واحدة، كان قد أمسك بذراعه ولوّاها خلف ظهره بقوة ثم وجّه له ضربة برأسه جعلته يصرخ ألمًا، ويتراجع مترنّحًا

صرخ إسلام وهو يحاول الإفلات
سيبني.... إنت مالك ومال اللي بينا
شدّ الرجل قبضته أكثر وصوته خرج حادًا كالسيف
اللي بينكوا مهما كان ميدكش الحق تمد ايدك عليها ... اللي بتعمله ده اسمه اعتداء

حاول إسلام الفكاك وهو يلهث
دي مراتي
ضحكت آسيا ضحكة قصيرة ساخرة وقالت بصوتٍ ثابت رغم ارتجاف صدرها
كنت...
ثم أضافت بحدة:
ومش هكون تاني ابدا حتي لو بموتي..
اندفع إسلام محاولًا الوصول إليها لكن الرجل دفعه بعنفٍ للخلف حتى ارتطم بأحد المقاعد
خطوة كمان وهكسّرلك اللي فاضل فيك...فكر بس تلمسها
تقدّم بعض الروّاد وارتفعت الأصوات
حد يكلّم الشرطة
إبعد عنها
كان إسلام ينظر حوله بجنون مهزومًا مفضوحًا ثم صرخ وهو يتراجع
فاكرة نفسك كسبتي
وأشار إليها بإصبع مرتعش
أنا مش هسيبك
تقدّم الرجل خطوة أخرى صوته منخفض لكنه قاتل
لو قربت منها تاني… مش هتلحق تندم

غادر إسلام المكان وهو يترنّح يجرّ خلفه كرامة مسحوقة ونظرات الناس تلاحقه بالازدراء
وقفت آسيا مكانها أنفاسها متسارعة ويديها ترتجفان رغم محاولتها التماسك
التفت الرجل إليها وصوته عاد هادئًا:
إنتِي كويسة؟
نظرت إليه وفي عينيها امتنان ممزوج بصدمة و قالت دون وعي:
كنت فاكرة إني أقدر أواجهه لوحدي…
ثم همست
واضح إني كنت غلطانة
قال بثبات:
القوة مش إنك تبقي لوحدك… القوة إنك تعرفي إمتى تطلبي حماية
وفي الخارج كان الغضب يتخمّر من جديد داخل اسلام....الحقراء من هذا النوع لا ينسحبون
هم فقط ينتظرون جولة أخرى





ماذا سيحدث يا ترى 




سنري




انتظروووووني





بقلمي / فريده الحلواني




روايه صك الغفران الفصل الخامس عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا

تعليقات