روايه صك الغفران الفصل السادس عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
روايه صك الغفران الفصل السادس عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
الفصل السادس عشر
صك الغفران
بقلمي
صباحك بيضحك يا قلب فريده
أجمل اللحظات تلك التي نجتمع فيها مع من نحب...
ليس حبيبًا فقط، بل عائلة كاملة تحتوينا بحبها وتمنحنا الأمان دون شروط
ضحكات تملأ الأرجاء
وطعام موضوع فوق الأرض، يُؤكل بنهم وكأنه مرصوص فوق أغلى الموائد
مزاح الشباب ونظرات العشاق، يحيطان المكان بهالة دافئة من الطمأنينة
ذلك النوع من السعادة البسيطة التي لا تُشترى لكنها تُحفر في القلب
كانت تلك الأجواء داخل بيت هاجر الجديد
حضرت آسيا وهدى مع أبنائهما لمساعدتها في ترتيب المكان
وكان البيت، رغم فوضاه نابضًا بالحياة
كأنه يتنفس بوجودهم
يتذمر الشباب من حمل الأمتعة الثقيلة
وتتذمر الفتيات من تنظيف المكان ومن إرهاقهم أثناء العمل
أما الأخوات الثلاث فتقمّصن دور الأم المصرية بامتياز
يلوّحن بأحذيتهن في الهواء مهددات الجميع بنصف جدّ... ونصف ضحكة
قطعت العاشقة الصغيرة ذلك الضجيج وهي تقول بحب صادق
رينو حبيبي... أنا عايزة عصير جوافة نفسي فيه.
مال عليها مبتسمًا وقال بدلال
قلب رينو من جوه... أجيبلك المصنع كله يا أوشة إنتِي تؤمري
تدخلت آسيا متصنعة الغضب وقالت بحزم مفتعل:
ابعد عنها يا روح أمك وإنت بتتكلم مش لازم تلزق فيها كده اتلم يا واد أحسنلك
ردّ عليها بتبجح اعتاده الجميع:
بقولك إيه يا آسيا... لو مجوزتنيش بنتك هخطفها.
أنا جبت آخري خلاص... قدامك أسبوع تقرري معاد كتب الكتاب.
آخرُك معايا بعد افتتاح الكافيه أمين يا ماما؟
تدخلت هدى محاولة تهدئة الجو وقالت بابتسامة:
نخلص بس من الافتتاح وربنا يحلها. خالتك لسه مكلماني في الموضوع ده الصبح
سألها بلهفة:
قالتلك إيه يا هدهد... إنتِي دايمًا جايبة الأخبار العسل زيك... بلّي ريقي ياما
وقبل أن يردّ أحد وبين ضحكات الفتيات
صدح رنين هاتف محمد:
تبدلت ملامحه فجأة...
المرح انسحب وحلّت مكانه جدية حادة لا تخطئها عين
أجاب المتصل وظل يستمع بإنصات
وعيناه تتنقلان بين ريان ومحمود
اللذين أدركا فورًا أن الأمر أخطر مما يبدو
انتفض من مجلسه وأشار لهما أن يلحقا به
تساءل الجميع بقلق عمّا حدث
لكنه لم يهتم بالشرح...
وغادروا المكان سريعًا متجهين إلى الأسفل
حيث يمكن للكلام الثقيل أن يُقال بعيدًا عن الآذان
بدأ ريان الحديث بصوت منخفض لكنه متوتر
مين اللي كلمك يا حمو حاجة تخص إسلام صح
هز محمد رأسه وقال بحماس مشوب بالغضب
الراجل اللي زقيته عليه بيقول إن السنارة غمزت
والأوسخ بقى إن سامية بتشقط الراجل بنفسها
برقت عينا محمود بصدمة قبل أن يقول بغلّ مكتوم
اتنين أوساخ اتلمّوا على بعض... مش خسارة فيهم
المهم يكمل للآخر ونخلص من أمه وخالتك ترتاح بقى
تنهد ريان بعمق وقال بصوت أثقله القلق
اللي شايل همّه بجد صهيب...مهما كان ده أبوه
حتى لو مبيحبوش صعب عليه يشوفه يتحبس
أو يقف قصاده وهو يبقى في النص ما بينا
وساد الصمت...صمت يعرفه الرجال جيدًا
حين تتشابك العدالة مع الدم
ويصبح القرار عبئًا لا يُحتمل
تبادل محمد وريان ومحمود نظرات صامتة كأن اسم صهيب تحوّل إلى عبء ثقيل على صدورهم
قال محمد بصوت منخفض
الموضوع مش بسيط... لو الموضوع اتكشف صهيب هيكون أكتر واحد بيتكسر
زفر محمود بغيظ
الواد أصلًا مش ناقص أبوه عمره ما عامله كإبن... ده كان دايمًا مشروع فاشل بالنسباله
هزّ ريان رأسه ببطء
عشان كده لازم نعرّفه... بس إزاي تقول لعيّل لسه في ثانويّة إن أبوه ممكن يدخل السجن بسبب بلاويه
إزاي تحطّه بين حقه علينا... وبين أبوه اللي عمره ما حسّسه بالأبوة
سكت الثلاثة لحظة
الصمت كان أبلغ من أي كلام
كان صهيب في غرفته مستلقيًا على السرير الكتب مبعثرة حوله
لكن عقله بعيد عن المعادلات والدروس
الهاتف في يده رسالة واحدة تتكرر أمام عينيه كأنها صفعة أتته من اخته الصغيره التي شعرت بالخوف الشديد
صهيب...احنا كنا قاعدين بنتغدي و جه فون لمحمد بعدها اخد ريان و محمود و نزلوا بسرعه
حاسه ان الموضوع ليه علاقه ببابا ... انا خايفه
لم يفهم كل التفاصيل لكنه فهم الكلمة الأخطر
ابتلع ريقه بصعوبة
ذكريات الطفولة هجمت عليه بلا استئذان
صوت إسلام العالي...نظراته التي لا ترى فيه سوى عبء
مقارنته الدائمة بأبناء الآخرين
وإحساس دائم بأنه غير كافٍ... مهما فعل
مدّ يده وأغلق الهاتف ثم رماه بجواره بقسوة
مش فارق... تمتم بصوت مكسور
لكن قلبه لم يصدّق كلماته
كان يريد أن يكرهه
أن يفرح بسقوطه
أن ينتقم لكل مرة انكسر فيها أمامه...
لكن شيئًا صغيرًا داخله طفلًا لم يكبر
كان لا يزال ينتظر منه كلمة واحدة... أنا فخور بيك..
جلس وأسند رأسه إلى الحائط
شعر بثقل في صدره كأنه يحمل عمرًا أكبر من سنه
هو لم يكن مجرد طالب ثانوية
كان رجلًا صغيرًا أُجبر على النضوج بالقسوة
بينما هناك .... قال ريان بحزم
لازم نكلمه النهارده مينفعش يفضل في الضلمة
اعترض محمود
يا ريان ده عيّل مش هيستحمل الصدمة دي
ردّ محمد بنبرة جادة
بس لما الحقيقة تبان هيبقى أقسى لو عرف من برّه
الأب النرجسي بيكسر ابنه طول حياته... بس سقوطه قدام الناس ممكن يكسر صهيب أكتر
رنّ هاتف صهيب مرة أخرى
اسم محمد ظهر على الشاشة
تردّد...ثم أجاب بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا
أيوه
قال محمد بهدوء ثقيل
إحنا محتاجينك... تعالى دلوقت
سكت صهيب لحظة
شعر أن شيئًا ما في حياته ينتهي... وشيئًا آخر يبدأ بالقوة
حاضر... جاي
أغلق الهاتف نهض ببطء
نظر إلى كتبه إلى غرفته إلى حياته البسيطة التي كان يعتقد أنها كل شيء
ثم أدرك أن العالم أكبر وأقسى مما تخيّل
فتح الباب...خطا إلى الخارج
وهو لا يعرف أن الليلة ستسلبه آخر ما تبقّى من براءة
كان صهيب جالسًا معهم علي أحد المقاهي البسيطه
الضجيج من حوله لا يزعجه
كأن كل الأصوات عازلة بينه وبين العالم
و كوب الشاي أمامه اصبح باردا
أصابع يده تمسكه بلا وعي
ريان يجلس قبالته ومحمد ومحمود على الجانبين
ملامحهم مشبعة بالجدية...
يبدو أنهم يحملون خبرًا أثقل من أن يتحمل صهيب وحده
قال صهيب بارتباك
إيه يا جماعة مالكو كده كأنكم جايين تقولولي مصيبه
تبادلوا نظرة قصيرة
ثم قال محمد بنبرة ثابتة
إحنا جينا نقولك الحقيقة... صعب نأجلها
ابتسم صهيب ابتسامة باهتة وقال
طيب قولوا وخلاص خير في ايه
تنحنح ريان وأطرق قليلاً قبل أن يرفع عينيه إليه
اللي هنعرفك عليه تقيل... محتاج تسمعنا للآخر
شعر صهيب بشدّة في صدره
فقال بصوت مرتعش قليلًا
طيب... قولوا
قال محمود مباشرة دون تردد
أبوك متورّط
توقف صهيب لثوانٍ كأن الأرض اختفت من تحت قدميه
ثم قال بصوت متردد
في إيه
أجاب محمد بهدوء
في نصب و رشاوي غير الست اللي اسمها سامية اللي اتجوزها عرفي
سكت صهيب حدّق في الفراغ عينه تتنقل بين الوجوه الثلاثة يبحث عن تكذيب عن طريقة ليكون هذا كابوسًا لا أكثر
قال أخيرًا بصوت منخفض ومهتز
و انتو عرفتو ده إزاي
أجاب ريان
إحنا كنا متابعينه... وعندنا دلائل وشخص مستعد يقول كل حاجة
ضغط صهيب أصابعه معًا
شعر ببرودة تزحف إلى قلبه
وتذكّر صوته العالي ونظراته القاسية وكلماته التي لم تره يومًا سوى عبء
تمتم، وكأن الكلام يخرج من عمق صدره
أنا... عمري ما كنت متخيّل إن ده يحصل
كنت فاكر إن أقسى حاجة ممكن تحصلي... هي قسوته عليا
قال محمود بنبرة حانية
إحنا قلنالك الحقيقة لأنك ابنه... ومش عايزين تعرفها من بره
نهض صهيب ببطء
كأن جسده أثقل من سنه
وقال بصوت خافت
محتاج شوية وقت... أفكر ....عايز اقعد مع نفسي لاني مش قادر استوعب كل ده
قال محمد بهدوء
خد وقتك كله....و احنا معاك في كل حاجه
ابتعد صهيب خطوات قليلة
ثم توقف للحظةوقال....
شكرًا... على إنكم مكذبتوش عليا و عرفتوني اللي ناويين تعملوه في ابويا
تركهم ومضى بين ضجيج المقهي
طفلًا خرج لتوّه من عالمه الصغير وعاد رجلًا قبل أوانه
جاءها اتصال من صديقتها
فقطبت جبينها على الفور وقالت بنفاد صبر
أجي فين يا نهال... أنا أخذت إجازة النهارده مانتي عارفة إن هاجر بتنقل ومش هينفع أسيبها
ردّت صديقتها بنبرة متوترة تكاد تتطاير فيها شرارات القلق المنتشر حولها
والمصحف أنا عارفة كل ده... بس الشركة مقلوبة فيه حد مهم جاي النهارده.وشريف عامل حالة طوارئ
حتى أمير جوز أختك قاعد معاه... هو وآدم ووليد وقاسم ومعاذ بقالهم ساعة
شريف طلب مني أكلمك عشان تيجي بسرعة... أخلصي بقى
سكتت اسيا لحظة شعورها بتوتر يختلط بالذنب...
إجازتها لم تعد تبدو حقها بل عبئًا على الجميع وكأنها سبب تأخير الأمور
تمتمت لنفسها وهي تحاول أن تهدئ من روعها
طيب... هاجي... بس لو هاجر زعلت مني عشان سبتها في وقت زي ده أنا مش هسامح نفسي
سمعت صديقتها تنهض بلهجة حازمة
طب متتاخريش ... بس ياريت تلبسي حاجة مناسبة.. شكل الناس اللي جايه لشريف حد تقيل و مهم ... عينه علي الكل النهارده
أخذت نفسًا عميقًا،
تنهدت وهي تقول بنبرة نصف هادئة نصف متوترة
ماشي... هاجي دلوقت بس كان نفسي أخلص البيت مع اخواتي... هاجر محتاجة كل حاجة تكون تمام و تحس انها استقرت
ردّت صديقتها وهي تحاول أن تخفف عنها الضغط
معلش يا حببتي هي اكيد هتقدّر انه غصب عنك... أهم حاجه لما توصلي خلي دماغك صافية الموضوع محتاج منك تركيز جامد
ابتسمت اسيا ابتسامة متوترة وهي تضع الهاتف جانبًا
تشعر بمزيج من المسؤولية والضغط
كأن كل خطوة بين البيت والشركة مرسومة بخطوط دقيقة لا تسمح لها بأي هفوة
تمتمت لنفسها:
يلا... لازم أكون جاهزة... أدام شريف قالب الشركه يبقى الموضوع مهم بالنسباله و انا لازم اكون جنبه
دخلت اسيا إلى الشركة
الأجواء مشحونة بالحركة والضجيج
المكاتب مقلوبة والجميع يتحرك بسرعة
وكأن كل شيء يصرخ بأن اليوم استثنائي...
تنهدت ببطء تحاول أن تسيطر على خفقان قلبها
لكن كل خطوة تشعر بها كأنها ثقيلة فوق صدرها
عندما رأت شريف
كان واقفًا عند مدخل المكتب
عيناه تتنقلان بين كل موظف كما لو أنه يراقب كل حركة
ابتسامته رسمية لكنها مشبعة بالصرامة
حتى حضوره يبعث شعورًا بالضغط على أي شخص يقابله
لمحت آدم جالسًا مع أمير ووليد وقاسم ومعاذ حول الطاولة
يبدو عليهم التركيز والانتباه لكل كلمة
وصوت حديثهم الخافت كان يتداخل مع صمتها الداخلي
اقتربت منهم....شريف لم يلتفت إليها فورًا
لكن بمجرد أن وقفت أمامه رفع رأسه وقال بلهجة حازمة
يلا يا اسيا... إيه اللي أخرك
أجابت بنبره مترددة وهي تشعر بثقل المسؤولية
آسفة يا مستر شريف... كان لازم أخلص من بيت هاجر... ومكنتش هقدر أسيبها كده
هزّ شريف رأسه بنفاذ صبر:
طب خلاص... المهم انك جيتي مفيش وقت الناس زمانها علي وصول
اقترب آدم وعيناه تحملان شيئًا من الغيرة المختلطة بالفضول:
يعني إنتي معرفه شريف سبب اجازتك انهارده و كمان مكنتيش عايزه تيجي؟!
تنهدت بغيظ وهي تحاول أن تجعل صوتها ثابتًا رغم ما تشعر به:
طبيعي اعرف مديري سبب الاجازه يا فندم فين المشكله؟!
تدخل امير وهو يحاول تهدئتها
اهدي يا اسيا... الموضوع مش مستاهل كل التوتر ده... خلاص... يلا بينا نبدأ
همست لنفسها وهي تمشي بين المكاتب:
يا رب... ركزي... كله هيعدي
وفي الداخل كانت كل خطوة تمثل تحديًا
كل نظرة من شريف كل حركة من آدم أو أمير و معهم وليد كانت تضاعف شعورها بالمسؤولية
لكن في قلبها كان شيء صغير من العزيمة يردد
هعمل كل اللي أقدر عليه... مهما كان اليوم ده صعب
اقتربت آسيا من الطاولة
الملفات مبعثرة الكمبيوترات مفتوحة والجميع يتحرك بسرعة
كل شيء كان صاخبًا والفوضى كأنها زلزال داخلي
رفعت رأسها ونظرت إلى شريف الذي كان يراقب كل حركة بعين ناقدة
آسيا.... شوفتي الملف ده؟
قالها بنبرة تجمع بين الغضب والضغط
كما لو أن كل شيء يخصه يتحرك تحت سلطته المطلقة
أجابته آسيا بهدوء رغم توترها:
أيوه شوفته متقلقش... أنا هأرتّب كل حاجة دلوقت.
أدم...... الذي كان جالسًا مع أمير ووليد وقاسم ومعاذ رفع حاجبه وهو يراقبها
ما شاء الله ....شايفك واخده الموضوع على محمل الجد واضح ان شريف سره باتع
ابتسمت ابتسامة قصيرة تحمل ثقة مكتسبة من ضغط السنوات السابقة
مفيش هزار... أنا هنا عشان أعمل المطلوب مني مهما كان مين اللي طلبه
نظر إليها... عيونُه تتقد بالغيرة والفضول لكنه لم يرد
أما شريف فتنهد وقال بنبرة غاضبه قليلا:
تمام...عايز كل حاجه جاهزة قبل الضيوف مايوصلو فهمتي.
أجابت آسيا بثبات
تمام يا باشا كل حاجة هتكون تمام اطّمن
ابتسمت في سرها وهي تتنفس ببطء
رغم الضغط... رغم الغيرة التي وجهت سهامها نحوها بكل قوه
إلا انها كانت تعرف أن السيطرة على أعصابها هي المفتاح
وكل خطوة ستأخذها اليوم ستُحسب عليها
بدأت تحرك الملفات ترتب المكتب تضع كل شيء في مكانه
بينما وليد يحاول أن يهدئ أدم الذي كان يراقبها بعين مشتعلة
ياريت تسرّعي شوية انتي بطيئه كده ليه
همست آسيا لنفسها
ركزي يا آسيا... ما تسمحيش للضغط ولا للغيرة يكسروكي...
لازم أكون أسرع أذكى... وأثبت لنفسي إنهم محتاجين وجودي فعلاً و أنه مهما يعمل مش هيأثر عليا
كانت كل حركة دقيقة كل نظرة محسوبة
والحضور حولها ليس مجرد ضغط... بل كان اختبار لقدرتها على إدارة الفوضى
بل على السيطرة على مشاعر الآخرين
شعرت آسيا بنشوة صغيرة
رغم التعب والضغط
النجاح في السيطرة على كل شيء كان يشعرها بقوة
قوة لم تشعر بها من قبل في حياتها العملية
قوة تجعلها ترى أن اليوم مهما بدا فوضويًا سيكون يومها
دقت ساعة وصول الشخص المهم
وفجأة توقف كل شيء...
حتى أصوات المكاتب والملفات المتحركة بدت كأنها تتراجع إلى الخلف
دخل أحمد الشيمي....رجل في منتصف الاربعينات طويل القامة عيناه تحملان مزيجًا من الحزم والود و القوه
حركته هادئة وابتسامته مطمئنة وكأن المكان كله يتلاشى أمام حضوره
بمجرد ان رأها تذكرها فورا و لم يعد يهتم بمن حوله لا شريف ولا أدم ولا أمير أو وليد
حتى الموظفون الجالسين على الطاولة لم يسترعوا انتباهه
كل شيء اختفى حين وقع بصره على آسيا
اقترب منها بخطوات ثابتة
عيناه لا تفارقانها
وقال بابتسامة دافئة
انتي...؟! ..عامله ايه طمنيني عليكي ...اتعرضلك تاني؟
تجمّدت آسيا في مكانها
خطفًت من بين صدرها نفسًا عميقًا
ثم شعرت بمزيج من الصدمة والامتنان
ورغبة خفية في ان تشكر هذا الرجل الذي يبدو وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد
تمتمت بصوت منخفض وقد ارتجفت شفتاها قليلاً
أنا... أنا تمام... شكرًا...
ابتسامة أحمد ازداد وضوحها وعيناه تحملان شيئًا من الإعجاب الصادق
كأن كل ما يفعله هو الاطمئنان على شخص يهمه فعلاً
من ناحية أخرى شريف لم يخفِي فرحته و استغرابه
نظراته تتراقص بين أحمد وآسيا
وفخر خفي يلمع في عينيه
و آدم.... الذي لم تفارق عيناه آسيا لحظة
شعر بغصة حادة في قلبه
غيرة تملأ كل جزء فيه
حتى أنه لم يستطع نطق كلمة
وعيناه لم تفارقا تحركات أحمد... كل ابتسامة وكل كلمة منه شعرت وكأنها تهدد وجوده بجانب آسيا
أما نهال.... صديقتها التي كانت تراقب الموقف من بعيد
فلم تستطع كتمان شماتتها
هاااا....شايف حتى الغريب شايفها أكتر منك يا أدم
شعرت آسيا بخجل يملأ وجهها
لكن في نفس الوقت فرحة داخلية لم تستطع إنكارها
شعور ناعم دافئ وكأن أحدهم يهتم بها حقًا يهتم بها من دون أي حسابات أو مصالح
اقترب أحمد خطوة أخرى وصوته منخفض لكنه واثق بعدما لاحظ الخوف الذي يستتر خلف قناع القوة الذي ترتديه آسيا فهو بارع في قراءة العيون
مش محتاجة حاجة... كويس إنك شغّالة هنا... كل حاجة هتبقى تمام أنا جنبك متقلقيش
تنفست آسيا بعمق ورغم خجلها ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها
ابتسامة امتنان ودفء وارتياح
ابتسامة تقول كل شيء بلا كلمات
ابتسم شريف مرة أخرى فرحته واضحة في عينيه
أما أدم فاشتعلت فيه الغيرة حتى كاد أن يهجم على هذا الرجل ويضربه
نهال تتلذذ بالموقف تشمت في غضب أدم
بدا وكأن المشهد قد كتبه القدر ليكشف مشاعرهم الحقيقية دفعة واحدة
شعرت آسيا بنشوة صغيرة
وجود شخص يهتم بها يعرف قيمتها
يجعل قلبها يخفق بحرية لم تعهدها من قبل
وكانت تعلم أن هذا اليوم سيبقى محفورًا في ذاكرتها
يوم شعرت فيه بالاهتمام، بالإعجاب، وقوة وجودها بين الجميع
اقتربت منها نهال لتقف جانبها بعد أن شعرت بتوترها
بينما كسر شريف حاجز الصمت المشتعل بالترحيب الشديد بأحمد الشيمي
رجل الأعمال الكبير الذي يدير عدة شركات في أربع دول أوروبية
قال الأخير باعتذار يليق برجولته
أنا عارف إني عملتلكم دربكة النهارده... بعتذر عنها احنا المفروض معادنا كان بكره بس أنا فهمتك يا شريف إن حصل موضوع مهم في شركة أريزونا ولازم أسافر النهارده بالليل
رد عليه شريف بتفهّم
عذرك معاك يا أحمد بيه... المهم إنك جيت وهنتمم اتفاقنا انت متعرفش قد إيه أنا مبسوط بالشراكة اللي هتّم بينا
أكمل وليد بجدية
شراكة أحمد الشيمي الكل بيسعى ليها وكونك عرضتها علينا ده شرف لينا ويارب نكون قد الثقة والمسؤولية
دخل الجميع نحو الداخل ليبدأ اجتماع العمل المهم
بينما كانت آسيا تحضر بعض الأوراق من الخارج
توقفت قبالتها نهال وقالت بمزاح يملأه الفرح
أنا جنبك ها... كويس إنك شغّالة هنا مين المزّ ده انطقي يا اما مش هرحمك النهارده ولا هخليكي تدخليلهم
خجلت آسيا كثيرًا لكنها مثّلت القوة وقالت بجديّة زائفة
اتلمي يا زفة ومتعمليش موضوع من غير موضوع... ده الراجل اللي قلتلك ضرب إسلام لما اتّهجم عليّ في الكافيه... مش أكتر من كده... أوعي بقى... خلّيني أدخلهم عشان محدش يسمّعني كلام مالهوش لازمة
وصل أمامهم شريف وقال بغضب
انتو واقفين ترغو والراجل مستني الورق... والله ما هسيبكم... أنتم الاثنين بس يخلص النهارده على خير
تقدمت آسيا سريعًا نحو الداخل دون أن تتفوه بحرف واحد
بينما أمسكت نهال ذراع شريف وقالت بجديّة
شريف... انت بتعمل كده علشان تبعد أدم عن آسيا وتفوز بيها ولا علشان إيه
وقبل ما تجاوب... أول ما جيت هنا لاحظت نظراتك ليها... لو في حاجة جواك يا ريت تقولهالي لأني مش هسمح حد يوجّع صاحبتي تاني... كفاية اللي شافته
تطلع لها شريف بجديّة ثم قال بمنتهى الصدق
منكرش إنها أول ما جات عندي افتكرت إني معجبة بيها بس مع الوقت وعشرتي ليها اكتشفت إن شعوري ناحيتها مسؤولية وشفقة من اللي هي مرت بيه
ست جدعة و بميت راجل صعب حد غيرها يتحمّل اللي عاشته
واصل شريف
وأول ما عرفت إنها حبيبة صاحبي القديمة اتصدمت... واكتشفت قد إيه هو غبي... لأن الإنسانة دي عمرها ما تخون
عرفت قد إيه هو ظلمها... وكان لازم أساعدها علشان تاخد حقها منه و اربّي صاحبي الغبي يعرف قيمة اللي ضيّعه من إيده ويحاول يرجعها ويعوّضها عن كل اللي شافته
دي نيتي يا نهال... مش أكتر من كده... الاثنين يهموني وصعب عليا إن القصة اللي كانت بينهم تندفن من غير ما تشوف النور
دخل الجميع إلى قاعة الاجتماعات الهواء مشحون بالتوتر
الأوراق والملفات مصطفة بعناية
وكل شخص يعرف أن اليوم حاسم وأنه لا مجال للخطأ
جلست آسيا أمام الطاولة
تحركت بخفة لترتيب الأوراق أمام أحمد
كل حركة منها محسوبة
عينها تتفقد التفاصيل لكنها تشعر بضغط نظرات أدم الذي لم يبعد عيناه عنها
ابتسم أحمد لها ابتسامة دافئة
وكأن كل اهتمامه منصب على طمأنتها
وكل كلمة يقولها تشعرها بالأمان
انتي شاطره جدا علي فكره ....واضح انك شغاله من زمان
ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة
خجل وامتنان مختلطان
لكن داخليًا شعرت بنشوة
شعور بأن شخصًا يحترمها ويقدر قيمتها لا يتركها تتصارع بمفردها مع الضغوط
شريف جلس إلى جانبها نظراته تملؤها الفخر
وكانت فرحته واضحة لكل من حوله
أما أدم.... فكانت الغيرة تزداد في قلبه
حتى أنه حاول أن يسيطر على نفسه كي لا ينفجر
لكن كل ابتسامة من أحمد و كل كلمة له كانت كأنها نار مشتعلة في داخله
نهال... من طرف القاعة تبتسم بخبث ورضا
تشمت في غضب أدم وتستمتع بالوضع الذي يكشف كل مشاعرهم دفعة واحدة
بدأ الاجتماع وأحمد يشرح الأمور بحزم ووضوح
كلماته مباشرة لكنها تحمل احترامًا للجميع
كل قرار يتخذه كل ملاحظة يقدمها تُظهر تقديره لكفاءة آسيا
آسيا.... حطّي البيانات دي في الجدول... تمام... شغلك ممتاز خلي بالك من التفاصيل دي
أخذت الأوراق بتركيز
حركتها منظمة كل كلمة من أحمد تزيد ثقتها بنفسها
حتى أدم شعر بضغط جديد
غيرة ممتزجة بإعجاب خفي وهو يراقبها تحافظ على هدوئها وسط هذا الحشد من الشخصيات المهمة
بدأت اللحظة تتصاعد داخل القاعة
كل كلمة من أحمد تشعل شعورًا داخليًا في آسيا
كل ابتسامة منه تضاعف ثقتها
لكن أدم الذي لم يفارقها بنظراته منذ دخول أحمد
بدأ يفقد صبره شعوره بالغيرة يزداد حتى كاد أن ينفجر
همس لأمير بجانب الطاولة
مش قادر... الراجل ده مش مرتاحله خليه يغور من هنا بدأ ما اقتله
شعرت بتوتره لكنها لم تسمح لغضبه أن يسيطر عليها
رفعت رأسها بثقة ونظرت إليه مباشرة
وقالت بهدوء لكنه حازم
مستر أدم... ركّز على الشغل... من فضلك شوف الملف الي قدامك عشان اجمع باقي الورق
شد فمه لكنه لم يستطع الرد
نظرته تلتقي بنظرات أحمد الذي لاحظ الغيرة وابتسم بابتسامة رقيقة
مفيش داعي للتوتر... سيبيه ياخد وقته و يراجع بتركيز
أخذت نفسًا عميقًا وأحست بأن وجود أحمد يمدها بالطمأنينة والقوة
حركت الأوراق بدقة رتبت الملفات وكل حركة محسوبة
تراقب كل تفصيل وتفكر في كيفية إدارة الاجتماع بشكل يليق بثقة الجميع فيها
تحرك ادم فجأة كاد أن يقف ويقول شيء
لكن آسيا التفتت إليه بعينين حازمتين
ونظرة واحدة كفت أن يفتح فمه
ابتسمت داخليًا لأنها تعلمت كيف تتحكم بالموقف
حتى وسط الغيرة وسط التوتر وسط كل الأنظار
أحمد اقترب خطوة أخرى من آسيا صوته منخفض لكنه حنون
تمام كده تقريبا اتفقنا ...بحييك يا شريف علي اختيار موظفينك
آسيا شعرت بدفء يملأ قلبها
خجلها لم يمنع ابتسامتها
ابتسامة امتنان وفرح وارتياح
ابتسامة تقول له بلا كلمات: أنا شايفة اهتمامك... ومقدّره جدًا
أدم جلس مجبرًا عينيه تحترقان غيرة واعجاب مختلطان بداخله
وقفت نهال تتلذذ بالموقف شماتة واضحة وكأنها تقول
ده اللي كنت مستنيه أشوفه... كنت محتاج تعرف قيمة اللي قدامك
في تلك اللحظة شعرت آسيا بالقوة
شعور أن كل شيء تحت سيطرته
أنها تعرف كيف تحافظ على هدوئها،
كيف تجعل اهتمام أحمد يمدّها بالطاقة
كيف تتعامل مع غيرة أدم بحكمة
وأن حضورها بين الجميع أصبح له وزن ووقع...
كانت تعرف أن هذه اللحظات ستظل محفورة في ذاكرتها
لحظات اهتمام إعجاب قوة وغيرة... كلها في لحظة واحدة
وانتهى الاجتماع لكن أثره بقي في القلوب
آسيا شعرت بالقوة، بالخجل، وبالفرح في آن واحد،
أحمد بابتسامته واهتمامه أظهر إعجابه بها بشكل طبيعي وراقي
أدم شعر بغيرة ممزوجة باحترام و غل و عدم تصديق
نهال تستمتع بالموقف
وشريف سعيد للغايه لأنه شاهد الجميع يدركون قيمة آسيا وجهدها
خرج الجميع من القاعة بعد انتهاء الاجتماع
صمت قصير ملأ المكان كأن كل من حولهما أخذ نفسًا قبل أن يغرق في روتين اليوم
آسيا رفعت بعض الأوراق تحركت بخفة نحو الطاولة الخارجية لترتيبها
لكن خطوات أحمد كانت سريعة اقترب منها بابتسامة هادئة عيناه لا تفارقانها
قال بصوت منخفض ودافئ
آسيا... كل شيء كان ممتاز... شغلك منظم ومركّزه جدا في كل التفاصيل
ارتعشت شفتا آسيا قليلاً
خجل يملأ وجهها لكنها حاولت أن تسيطر على ارتعاش صوتها
شكرًا... الحمد لله إنه كل حاجة مشت تمام... كل اللي هنا بيشتغل بنفس الكفاءه و التركيز اطّمن حضرتك
أومأ أحمد برأسه عيناه تحملان إعجابًا صادقًا لكن بدون مبالغة
لا.....انتِي اللي كنتِي قد الموقف... الطريقة اللي أدرتِي بيها كل حاجة... صراحة عجبتني جدًا
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه آسيا شعرت بدفء داخلي لم تعهده من قبل
خجلها لم يمنعها من أن تقول بنبرة هادئة لكنها حازمة
أيوه... أنا حاولت أركز برغم التوتر و شد الأعصاب
استاذ شريف مش بيتهاون في غلطه
اقترب أحمد خطوة أخرى وكأن مسافة الأمان بينهما أصبحت صغيرة جدًا
نظراته تبحث في عينيها محاولة قراءة شعورها لكنه حافظ على الحدود التي تضعها للجميع
حسيت إنك تعبتي شوية... عايزة تشربي حاجة؟
رفعت آسيا رأسها وهي تشعر بفرحة وامتنان قلبها يخفق بسرعة
لا ... شكرًا... أنا تمام... لو انت محتاج تشرب حاجه قولي
ابتسم أحمد تلك الابتسامة التي تحمل مزيجًا من الإعجاب والود
وقال بصوت منخفض
تمام... لو احتجتي أي حاجة... أنا موجود... مش بس انهارده اي وقت انا موجود
تسمرت آسيا لوهلة شعرت بأن كل كلمة منه تثبتها أكثر
دفء داخلي يملأ صدرها خجل يلون وجهها
لكن في نفس الوقت شعور بالقوة والطمأنينة
شكرًا.....كفايه اللي عملته معايا
وقفا للحظة صامتين كل واحد يحاول فهم مشاعر الآخر
ثم ابتسم أحمد ابتسامة خفيفة وكأنها تقول
كل شيء سيكون بخير
وعيناه لا تزالان ترقبانها بإعجاب واهتمام
أما آسيا فقد شعرت بأن العالم حولها يهدأ
وأن شخصًا واحدًا فقط قادر على أن يجعل قلبها يخفق بحرية
وأن حضورها بين الجميع لم يعد مجرد واجب بل قيمة يُحتفل بها
ماذا سيحدث يا ترى
سنري
انتظروووووني
