روايه صك الغفران الفصل السابع عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
روايه صك الغفران الفصل السابع عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
صباحك يضحك يا قلب فريدة
ماذا نفعل حين يمرّ بنا يومٌ عصيب فنظن أنه انتهى بسلام… ثم يفاجئنا القدر في لحظاته الأخيرة بأقسى اختبارٍ يمكن أن نمرّ به
تلك المسكينة… بعد كل ما عانته طوال اليوم من ضغطٍ نفسي وعصبي ورغم ذلك نجحت في تجاوزه، بل ونالت إشادة الجميع
وبمجرد أن قررت أن تغادر الشركة عائدةً إلى بيتها وجدته يقف أمامها… كجدارٍ من غضبٍ مشتعل وعيناه تقذفان شررًا يكاد يحرقها
قال بنبرةٍ جحيمية امتزجت فيها الغيرة بالغضب… وبشيءٍ أشبه بالرفض المجنون
إنتِي فرحانة بلمّة الرجالة حواليكي مرّة شريف… والنهارده أحمد؟
تعرفيه منين.وإيه اللي بينك وبينه عشان أول ما يدخل يسيب كل اللي واقفين يستقبلوه وييجي يطمن عليكي إنتِي
إنتِي مش ناوية تبطّلي الوساخه اللي في دمك دي....حتى بعد ما كبرتي وعيالك بقوا أطول منك… لسه مصمّمة تفضّلي كده
لأول مرة منذ عرفها يرى ذلك الغضب الأسود مرسومًا على ملامحها
غضبٌ لم يكن صراخًا… بل هدوء قاتل جعل قلبه يرتجف رغم عناده
نظرت إليه بقسوةٍ اخترقت غروره ثم قالت بصوتٍ منخفض… لكنه حاد كالنصل
الوساخة الوحيدة اللي عملتها هي إني دخلتك حياتي
افتكرت إني حبيت راجل… لكن للأسف إنت أبعد ما تكون عن الكلمة دي
إنت مريض… ومحتاج تتعالج
ابعد عن طريقي يا آدم… لأنّي أقسم بالله لو فكرت تقرب مني تاني أو تهينّي… هتشوف مني اللي عمرك ما تتخيله
كاد يرد عليها لكن الكلمات اختنقت في حلقه… حين لمح زوجته تدلف إليهما
وقفت أمامهما… نظراتها مشتعلة بحقدٍ حاولت إخفاءه خلف ابتسامة باردة متكلّفة
قالت ببرودٍ يحمل غضب العالم كله:
على فكرة… في كافيهات كتير تقدروا تقعدوا فيها بدل ما تتفضحوا وسط الشركة…
ويتقال إن مدير البنك ورجل الأعمال المحترم مرافق سكرتيرته اللي ما عندهاش ذرة ضمير… وبتلف حوالين راجل متجوز وعنده ولاد
صرخ آدم بغضبٍ انفجر دفعة واحدة
إنتِي إيه اللي جابك هنا وإيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟
وقبل أن ترد رفعت آسيا إصبعها السبّابة مشيرةً إليهما بقوةٍ وهي تقول بقوه و بكبرياءٍ
لمّ مراتك… قبل ما أنا اللي ألمها و اعرفها مقامها كويس.
ثم التفتت إلى حبيبة بنظرةٍ مليئة بتحدٍ أنثوي متعمّد وأكملت
وإنتِي… احترمي نفسك واعرفي بتتكلمي مع مين
مش ذنبي إنك عارفة نفسك مجرد ظل في حياته…
وإنه مهما حاول يبعد… قلبه وكل كيانه كان ليا
لو كنتِي ست بجد… كنتِ عرفتي تخليه ينساني
مَتحاسبينيش على ذنب مش ذنبي
وبالمناسبة… أنا مَبقيتش شايفاه أساسًا… وقريب جدًا هتسمعوا خبر جوازي
سحبت حقيبتها بعنف من فوق المكتب ثم رمقتهما بنظرة احتقارٍ موجعة… وغادرت تاركةً خلفها هواءً مثقلًا بالغضب والغيرة والخذلان
تركتهم و غادرت ....سارت بخطواتٍ ثابتة وظهرها مرفوع كما لو أنّها لم تترك خلفها ساحة معركة
لكن ما إن أُغلِق الباب من ورائها حتى بدأت الأرض تهتزّ تحت قدميها
لم تتوقّف.....كانت تعلم أن التوقّف يعني السقوط
تردّدت كلماته في رأسها كصدى بعيد ...لا يملك القوة ليكسرها بعد الآن لكنه يترك أثره الخفيّ كجُرحٍ قديم أُعيد فتحه دون استئذان
لم يكن غضبه هو ما يؤلمها… بل يقينه الزائف بامتلاكه لها
أوقفت اول سياره اجره مرّت امامها و ما أن صعدت بها وضعت حقيبتها إلى جوارها وأسندت رأسها إلى زجاج النافذة
المدينة تمضي في الخارج غير عابئة وكأن العالم لم يتوقف لتوّه عند قلبٍ حاول أن ينجو
كم مرّة أقنعت نفسها أنّها شُفيت
وكم مرّة اكتشفت أنّ بعض الجراح لا تُشفى… بل نتعلّم فقط كيف نتعايش معها دون أن تنزف أمام الجميع
لم تكن قوية لأنّها لا تتألّم بل لأنّها أتقنت إخفاء الألم
القوة لم تكن في تحدّيه بل في رفضها أن تعود تلك المرأة التي تنتظر اعتذاره أو تبرّر قسوته أو تلتمس له الأعذار
ابتسمت ابتسامةً باهتة....أيّ سخريةٍ هذه
ما زال يظنّ أنّ غيرته حقّ وأنّ اقتراب الآخرين منها خيانة… كأنّ سنوات الإهانة لم تسلبه هذا الامتياز
أغمضت عينيها فمرّت الذكريات كوميضٍ موجع
ليالٍ باردة كلماتٌ قاسية صمتٌ أطول من الاحتمال… وامرأة كانت تصغر نفسها كي يبقى هو كبيرًا
لم تعد تلك المرأة....رفعت رأسها ومسحت أثر دمعةٍ خانتها قبل أن تسقط
الدموع الآن ليست ضعفًا بل إعلان نجاة
أما حديث الزواج…لم يكن كذبة
ولم يكن وعدًا لأحد كان وعدًا لنفسها
وعدًا بأن تختار هذه المرّة من لا يكسرها
من لا يصرخ حين يغار ولا يُهين حين يخاف ولا يظنّ الحبّ سجنًا
لم تسأل نفسها من سيكون
فالسؤال الأهم كان قد حُسم
هل ستسمح لرجلٍ آخر أن يشبهه
والإجابة كانت واضحة وقاطعة.....لاااااا
تنفّست بعمق واستقامت في جلستها وعيناها معلّقتان بالطريق الممتد أمامها
الماضي خلفها… مهما حاول أن يلحق بها
وهي هذه المرّة لن تلتفت
ظلّ آدم واقفًا مكانه عينيه معلّقتين بالباب الذي خرجت منه… كأن جزءًا من روحه انسحب معها
قطعت حبيبة صمته بصوتٍ مرتجف من شدّة الغضب
لسه بتبص وراها ولا مستنيها ترجع تاخدك معاها
التفت إليها ببطء ملامحه متشنجة ثم قال بغضب شديد:
إنتِ تعديتي حدودك يا حبيبة ايه اللي جابك هنا اصلا ؟
ضحكت بسخرية لاذعة:
أنا اللي تعدّيت حدودي ولا إنت اللي عمرك ما عرفت يعني إيه تبقى راجل متجوز
قبض على يده بعنف:
خلي بالك من كلامك
اقتربت منه خطوة، وعيناها تلمعان بدموعٍ حارقة رفضت أن تسقط
لأ… المرة دي مش هخلي بالي أنا تعبت… تعبت من نظرتك ليها… ومن سكوتك لما حد يجيب سيرتها… ومن جنانك أول ما اسمها يتقال
زمجر بغضب
اسمها مَيتجابش على لسانك بالطريقة دي و لا تفتحي الموضوع ده انتي ساااااامعه
اتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بألمٍ مهين
أهو ده اللي أنا بتكلم عنه
حتى وأنا مراتك… لسه بتدافع عنها
مرّر يده في شعره بعصبية
الموضوع خلص من سنين… افهمي بقى
صرخت فيه بانفجار:
لو خلص… ليه عينيك بتفضحك كل مرة تشوفها؟
ليه بتتحرق لما حد يقرب منها
ليه لحد النهارده… مش قادر تكرهها زي ما أنا بكرهها رغم أنها خانتك ....خانتك يا ادم مكنتش مكفيها فبصت لغيرك
ساد صمت ثقيل…
صمت كان كافيًا ليؤكد لها كل مخاوفها
ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت بصوتٍ خافت لكنه قاتل:
أنا خسرت من أول يوم وافقت أتجوزك فيه
كنت فاكرة إني هكسب راجل
بس طلعت بنافس ذكرى ست تانية لسه ساكنة جواك رغم كل اللي عملته فيك و كل اللي شوفته بسببها
استدار عنها بعنف
لو خلصتي دراما… ياريت تمشي من هنا روحي بيتك و شوفي عيالك و لينا حساب لما ارجعلك
قالتها بمرارة وهي تتبعه
لأ… لسه ما خلصتش…
الدِراما الحقيقية لسه هتبدأ… يوم ما ترجع تخسَرني أنا كمان
انا مش هرجع بيتك يا ادم ...انا رايحه لأهلي و هما اللي يعرفو يجيبولي حقي منك
وقف وحيدًا المكان من حوله ساكن لكن داخله يعجّ بضجيجٍ لا يُحتمل
كان صدره يعلو ويهبط بعنف كأن أنفاسه خرجت تواً من معركةٍ خاسرة أو كأن نجاته كانت خطأً لم يُغتفر
أسند كفّه إلى المكتب وأغمض عينيه بقسوة… غير أنّ صورتها لم ترحل
قريبً جدًّا هتسمعو خبر جوازي
لم تكن جملة عابرة بل نصلًا مغروسًا في أعماقه يدور مع كل نبضةٍ في قلبه
الزواج...آسيا… تتزوّج
انفلتت من صدره ضحكة قصيرة مختنقة لا تمتّ إلى الفرح بصلة
كيف...كيف استطاعت أن تقف أمامه بكل ذلك الثبات بذلك الكبرياء الجارح وتلقي عبارتها كأنها تُسدل ستارًا نهائيًا على ما كان بينهما
ضرب المكتب بقبضته فارتدّ الصدى في المكان
لا… إنها تكذب هو يعرفها
يعرف ارتجاف صوتها حين تخفي الحقيقة ويعرف اضطراب عينيها حين تفرّ من المواجهة
لكن شيئًا لم يكن مضطربًا فيها
كانت صلبة....حاسمة....وهذا ما أفقده اتزانه
راح يمرّر يده في شعره بعصبية ذهابًا وإيابًا كأن الجدران تضيق عليه
لماذا يعجز عن التنفّس
لماذا يحترق صدره هكذا
ولِمَ تشعل فكرة أن يكون لرجلٍ آخر حقّ لمسها سماع ضحكتها امتلاك ضعفها… نارًا تأكله حيًّا
هو لا يحبّها...قال ذلك مرارًا.
أقنع نفسه به أعوامًا حتي يطفيء نار غيرته بعدما علم بزواجها من اسلام
لكن الحب لا يُقاس بالكلمات بل بما يخلّفه من جنون
بالغضب الذي لا مبرّر له
بالغيرة التي تشتعل دون حق
بالرغبة الأنانية في حرمانها من الحياة… إن لم تكن معه
قد تم طلاقها و هو ظهر مره اخري في حياتها ...لن يسمح باقتراب ظل رجل منها حتي و ان لم يعيدها إليه
انفتحت عيناه فجأة مرّ طيف أحمد في ذهنه وقفته الواثقة
نظرته المطمئنة
اقترابه منها دون خوف دون تردّد
انقبضت يده حتى انغرست أظافره في جلده
أم شريف...أم رجلٌ آخر لم يظهر بعد
رجل أهدأ....أنقى...لا يصرخ… لا يضرب… لا يُهين
كانت الفكرة طعنة أعمق من سابقتها
لااااااا.....لا يحقّ لأحدٍ أن يأخذها منه
حتى وإن كان هو من دفعها بعيدًا
دلف الى المرحاض سريعا ثم اقترب من المرآة وحدّق في انعكاسه
ملامح قاسية عينان متّقدتان بالهزيمة
رجل متزوّج… وقلبه ما زال عالقًا عند امرأةٍ ليست زوجته
همس بصوتٍ أجشّ كأنما يواجه نفسه للمرة الأولى
من....؟سكت لحظة ثم أعادها بحدّةٍ أشد وكأنه يستجوب غيابها
من الذي ستتزوّجينه يا آسيا؟!
حين أسدل الليل ستاره وخفتت الأصوات عادت آسيا إلى وحدتها
الوحدة التي لا تُشبه الصمت بل تُشبه غرفةً مغلقة على قلبٍ متعب
خلعت حذاءها ببطء كأن قدميها تحملان ثِقل اليوم كلّه ثم جلست على طرف السرير دون أن تُشعل الضوء
الظلام كان أرحم… لا يطالبها بأن تكون قويّة
تمدّدت وأسندت رأسها إلى الوسادة لكن النوم أبى أن يطرق بابها
العينان مغمضتان والعقل مستيقظ على اتّساعه
تسلّل اسمه إليها بلا استئذان
لم ترده… لم تستدعِه… ومع ذلك حضر كما يحضر الألم حين نعتقد أنّه رحل
راودتها فكرة سخيفة… مرعبة
ماذا لو لم يكن كل ذلك سوى سوء فهم
ماذا لو كان الغضب حبًّا أعمى
ماذا لو بالغت هي في الهروب
شهقت فجأة وجلست
لااااااااا…..هذه هي الخيانة الحقيقية أن تُكذّب ذاكرتها
مدّت يدها إلى هاتفها
الشاشة السوداء انعكست عليها كمرآةٍ تُظهر وجه امرأة متردّدة لا تشبهها
فتحت قائمة الأسماء… ومرّت بإصبَعها على اسمه
توقّفت.....كم مرّة أمسكت هذا الهاتف في ليالٍ سابقة
كم مرّة كتبت… ثم مسحت
كم مرّة انتظرت كلمة تطمئنها فجاءها صمتٌ أوجع من اي حديث
انهمرت دمعة واحدة فقط حارقة
لم تكن شوقًا… كانت حنينًا لامرأةٍ كانت تظنّ أنّ الحبّ يبرّر الألم
أغلقت الهاتف ووضعته بعيدًا كأنها تُبعد سمًّا بطيئًا عن متناولها
همست لنفسها بصوتٍ مكسور لكنه صادق
ليس كلّ ما نشتاق إليه يستحقّ أن نعود إليه
شدّت الغطاء حول جسدها وضغطت الوسادة على صدرها تحاول كتم ذاك الفراغ الذي لا يُرى
القلب موجوع… نعم
لكنّه لم يعد أعمى شيئًا فشيئًا هدأت أنفاسها
لم تنَم لكنها نجت من تلك اللحظة
وفي منتصف الليل… كانت هذه النجاة كافية حينما غفت بسلام كاذب و قلب يحاول كتم نزيفه
في الجانب الآخر لم يكن الليل رحيمًا عليه ايضا
جلس آدم في الظلام لم يُشعل الضوء كأنّه يعاقب نفسه على شيءٍ لا يستطيع تسميته
الساعة تجاوزت منتصف الليل لكن الزمن عنده كان واقفًا… عالقًا عند لحظة خروجها
أعاد المشهد في رأسه للمرة الألف
نظرتها.....نبرتها....الكبرياء الذي لم يستطع كسره
كلّ شيء فيه كان يصرخ.... لقد انتهى
لكن شيئًا أعمق كان يرفض التصديق
فتح هاتفه ثم دخل إلى اسمها المسجل
كتب....ثم توقّف....مسح....كتب من جديد
كلمات ناقصة مهزومة لا تشبه الرجل الذي أراد أن يكونه أمامها و حينما انتهى لم يضغط علي زر الارسال
ألقى الهاتف بعيدًا ونهض بعصبية راح يذرع المكان جيئة وذهابًا
الفكرة التي كانت تلتهمه لم تكن فقدانها
بل استبداله....أن يكون هناك رجلٌ آخر
يستمع دون أن يصرخ يغار دون أن يُهين يحبّ دون أن يُدمّر
اقترب من المرآة حدّق في وجهه طويلًا
رأى رجلًا خاسرًا يحاول إقناع نفسه أنّه ما زال يملك شيئًا
همس بصوتٍ متكسّر
أنا مَخسرتكيش… إنتِي اللي خونتيني و هربتي
لكن المرآة لم تُصدّقه
جلس على حافة السرير وأسند رأسه بين كفّيه
لأول مرّة، لم يكن غاضبًا كان خائفًا
خائفًا من أن تكون قد نجت
ومن أن يكون هو… العالق وحده في الحطام
في تلك الليلة المظلمه....كانت آسيا تقاوم بداية جديدة
وكان آدم يختنق بنهايةٍ لم يعترف بها بعد
وهناك…..في مكانٍ بعيدٍ عن كل هذا الصخب، كان أحدهم يجلس داخل طائرته الخاصة مغمض العينين مستسلمًا لذكرياتٍ لم يكن ينوي استدعاءها لكنها حضرت بإصرار
أحمد الشيمي…منذ عودته إلى وطنه اعتاد ارتياد ذلك المقهى الهادئ الذي يطلّ على شارعٍ واسع حيث كانت آسيا تجلس وحيدة في أغلب الأوقات تتأمل الخارج من خلف الزجاج، تمسك فنجان القهوة بين يديها وتحتسيه بهدوءٍ لا يعكس ما يختبئ في عينيها
لفت نظره ذلك الحزن العميق الحزن الذي لا ينهار بل يتماسك في كبرياءٍ صامت
ورغم ثباتها وهيبتها الواضحة كان في ملامحها شيء مكسور… شيء لا تخطئه عينٌ اعتادت قراءة البشر
رآها مرّتين....وفي المرّة الثالثة كان يجلس برفقة رجل يُدعى ناجي والذي بمحض الصدفة البحتة كان هو نفسه الشخص الذي لجأ إليه آدم سابقًا ليجمع له معلوماتٍ عن آسيا وعن زوجها وعن أولادها
وحين لاحظ ناجي نظرات أحمد التي كانت تتبعها دون وعي دفعه الفضول لأن ينظر في الاتجاه ذاته ثم سأله بتحفّظ
إنت تعرفها؟
أجابه أحمد دون أن يشيح بنظره عنها:
مين؟
قال ناجي وهو يحدّق فيها قليلًا:
الست اللي إنت بتبص عليها دي… آسيا؟!
اعتدل أحمد في جلسته فجأة وكأنّ كل حواسه قد انتبهت دفعة واحدة ثم التفت إليه وسأله بجدّية واضحة:
هو إنت تعرفها؟
أجابه ناجي بإسهاب غير مدرك أن كلماته تلك ستشكّل نقطة تحوّل في حياة آسيا
ليا واحد صاحبي… مدير بنك وعنده شركة كبيرة
كانت خطيبته زمان وحصل بينهم مشاكل وسابوا بعض.
ثم خفّض صوته قليلًا وأضاف:
من فترة جالي وطلب مني أجمعله كل المعلومات اللي أقدر عليها عنها… عن جوازها عن ولادها عن حياتها كلها
توقّف لحظة وكأنّ الذكريات أثقلت صوته ثم قال:
طلعت ست غلبانة… لسه مطلّقة قريب
جوزها كان ابن كلب واطي مرتشي و بيخونها
اتعذبت معاه كتير ولما اتطلّقت مااداهاش حاجة
أخدت ولادها ومشيت… حتى هدومهم مَخدتهمش
شدّت القصة انتباه أحمد واستفزّته رغم اختصارها فسأله باهتمامٍ صريح:
وصاحبك ده بيدوّر وراها ليه؟
يعني لسه عايزها؟
ولا ناوي يرجعلها ويعوّضها عن اللي شافته؟
هزّ ناجي كتفيه بلا يقين:
والله ما أعرف يا أحمد بيه؟!
أنا اديته اللي جمعته ومن ساعتها ما كلمنيش.
ولا أعرف عمل إيه ولا ناوي على إيه.
ثم أضاف بعد تردّد:
بس اللي أنا عارفه إن آدم كان بيحبها من زمان…
بس واضح إن اللي حصل بينهم أكبر من إنهم يرجعوا لبعض
والله أعلم.
شغلته القصة طويلًا، دون أن يسعى خلف تفاصيلها
لم يبحث ولم يتقصَّ لكنه لم ينسَ
وحين رآها لاحقًا كانت المواجهة دون تخطيط
دافع عنها باستماتة أمام إسلام حتى إنه لم يتردّد في ضربه وتهديده دون أن يعرف لماذا اندفع بتلك القسوة
وعندما رآها داخل الشركة في ذلك اليوم لم يحتج إلى كثيرٍ من التركيز ليدرك أن آدم هو حبيبها السابق
كل شيء كان واضحًا في النظرات وفي التوتر وفي الصمت المشحون بينهما
حينها.... اتّخذ قراره ليس بدافع التحدّي ولا بدافع البطولة
بل بدافع رجلٍ رأى امرأةً جميلة حزينة محاطة بأشباه رجالٍ لم يعرفوا قيمتها ولم يحسنوا الاحتفاظ بها
فتح أحمد عينيه داخل الطائرة وزفر بهدوء.ثم قال بصوتٍ منخفض اتّسم برزانته المعهودة
ست جميلة… وقوية
بس للأسف النوع ده دايمًا حظه وحش في الدنيا
اعتدل في مقعده وقد استقرّ الجسد بينما ظلّ العقل في حالة حركةٍ لا تهدأ
لم تكن آسيا مجرّد وجهٍ عابرٍ مرّ في ذاكرته ولا قصةً سمعها مصادفة ثم طواها النسيان
ثمّة شيء ما…شيء ظلّ يقاوم محاولاته المتكرّرة لتجاهله
فتح عينيه ببطء وحدّق في الفراغ أمامه
لم يكن من عادته أن يتدخّل في حياه الآخرين ولا أن يحمل أوجاعًا لا تخصّه
تعلّم باكرًا أن لكلّ إنسان معركته وأن الإنقاذ غير المطلوب قد يكون شكلًا آخر من أشكال الأذى
لكن هذه المرّة…لم يكن الأمر شفقة ولا فضولًا
كان شعورًا مزعجًا بالمسؤولية كأن القدر وضع أمامه امرأةً أنهكتها المعارك ثم سأله صامتًا
هل ستمرّ من هنا دون أن تفعل شيئًا؟
استعاد ملامحها وهي تجلس وحدها ثابتة الظهر مكسورة الروح كما وصفها دائما
تذكّر كيف كانت عيناها تحملان وجعًا قديمًا لا يصرخ بل ينتظر من يراه
هو يعرف هذا النوع من الحزن
الحزن الذي يصنعه رجالٌ يملكون القوة… ويفتقدون الإنسانية
مرّ طيف آدم في ذهنه ذلك الغضب الأعمى
تلك النظرة التي لا ترى المرأة كإنسان بل كشيءٍ فقد السيطرة عليه
زفر أحمد ببطء وأدار وجهه نحو النافذة الصغيرة
السماء ممتدّة صافية لا تشبه الفوضى التي تركها خلفه على الأرض
قال في نفسه بحزمٍ هادئ:
أنا مش هرجع الزمن ولا همسح وجعها بس على الأقل مش هسيبها لوحدها في مواجهة ولاد الكلب دول
لم يكن ينوي أن يكون بطلًا ولا منقذًا كان ينوي فقط أن يكون حاضرًا
حاضرًا بما يكفي ليضع حدًّا إن لزم الأمر
التقط هاتفه فتحه و اخرج اسمها ثم توقّف
لم يتصل و لم يرسل رسالة
ابتسم ابتسامة خفيفة أقرب للقرار منها للرضا وهمس بصوتٍ منخفض كأنه يعلن اتفاقًا مع نفسه
اللي جاي أنا جزء منه والست دي تستاهل حد يقف جنبها بجد
أغلق الهاتف وأسند رأسه إلى المقعد
القرار اتُّخذ دون ضجيج ودون إعلان
وفي الأسفل…كانت آسيا تمضي في طريقها لا تعلم أن هناك رجلًا قرّر في صمت
أن يكون العائق القادم في وجه كل من ظنّ أن كسرها كان سهلًا… أو بلا ثمن
المكان يعج بالصخب والعمل الجاد وكانت أجواء الحماس تتخلّل كل زاوية
وقف في منتصفه الثلاثة إخوة ريان محمود ومحمد يعملون جنبًا إلى جنب مع العمال يداً بيد حتى ينهوا بسرعة تجهيز حلم حياتهم
دخل عليهم قاسم بصحبة شريف الذي عرّفّه عليهم وكان قد تابعهم من بعيد في الأيام السابقة وأعجب كثيرًا بروحهم وجهدهم
تمازحوا قليلًا ثم انشغلوا بالحديث الجاد عن الخطط القادمة خصوصًا في يوم الافتتاح
لكن فجأة.... ساد الصمت المكان حين دلفت عليهم رضوى بابتسامة بشوشة واحتضنت الثلاثة شباب بعفوية وحنان
شعر قاسم بنار غريبة تحرق أحشائه حين رأى هذا المشهد ولم يستطع تمالك نفسه فاندفع يسأل:
هو مين فيهم أخوكي؟
نظر الثلاثة إليه بتحفّز بينما تقدّم ريان وسحب رضوى لتقف بجانبه وقال بحدة طفيفة
كلنا إخواتها… خير في حاجة؟!
تدخل شريف سريعًا لينقذ الموقف بحكمة:
هو بس مستغرب… رضوى معروف عنها أخلاقها العالية ومابتحتكش مع حد… أكيد لفت نظره إنها داخلة تحضنكم وتبوسكم… بس بيطمّن عليها مش أكتر
في تلك اللحظة كانت شيرين تخرج من باب الشركة متجهة نحو إخوتها حيث قابلها في الطريق فهد بابتسامة هادئة
الناس اللي مزوغة من شغلها رايحة فين يا هانم
ابتسمت بحذر ثم قالت:
رايحة أشوف إخواتي وصلوا في تجهيز الكافيه لايه
بدأ يتحرك معها قائلاً:
طب هاجي معاكي… أنا نفسي اتعرف عليهم جدا
تحركت بخجل معه حتى وصلا إلى المكان الذي يبعد خطوات قليلة عن مكان وقوفهم ولم تلاحظ وجود ذلك المختل الذي كان يراقب المشهد من بعيد وقد اقترب بسيارته
قاد سيارته بسرعه متهورة رغم قصر المسافة وعندما دخلت شيرين مع فهد داخل المكان انتفض الجميع على الفور
سمعوا صرير عجلات السيارة تصرخ فوق الأسفلت وارتجف المكان لحظة ثم رأوا معاذ ينزل من سيارته تاركًا الباب مفتوحًا دون اكتراث بالطريق متجهًا إليهم بغضب شديد
نظر إلى الثلاثة شباب بعينين متقدتين بالجنون وقال:
مين فيكم أخوها؟
تجمد الجميع من هول المفاجأة
تجهم قاسم وضرب جبهته بكفه وهو يهمس بغضب
يخرب بيت أم غشَمتك… أنا مش عارف أعمل إيه
أما ريان فصرخ بغضب محاولًا مواجهة الموقف
وأنت مين بقى لا مؤاخذة… وإيه الدخلّة الأكشن دي كده هنخاف يعني و لا ايه؟!
لكن معاذ لم يكترث وألقى كلامه بمنتهى القوة والجنون:
أنا عايز أتجوز أختك… اتقدّم لمين فيكم؟
صدمة تملّكت الجميع والهواء في المكان أصبح ثقيلاً كأن الجنون ذاته ملأ الجدران
ارتجف الجميع للحظة ثم حاول قاسم أن يسيطر على غضبه ووقف أمام معاذ كحاجز بينه وبين الثلاثة شباب:
معاذ… ركّز كده إنت بتتكلم علي إيه بالظبط؟!
لم يلتفت لأخيه... عيناه مشتعلة وصوته يرتجف بالغضب
أنا عايز اتجوزها فين المشكله… مين فيكم اخوها أنا مش هستني أكتر من كده؟
تقدم ريان بخطوة إلى الأمام حاملاً نفسه بحزم:
اهدي كده و قول هديت … إحنا متاكولش معانا الدخلّة دي فهّمنا انت مين و عايز إيه… الكلام ده ميتاقلش كده
صرخ معاذ فجأة وكأن الصمت أهان كبرياءه
هدوء... هدوء ايه هو انا اتعصبت اصلا … أنا عايز اتجوز أختك دلوقت قولي اطلب أيدها من مين ؟
ارتعش قاسم من قوة صوته وبدأ يشعر بالذعر و الخجل الطفيف بسبب أخيه المختل
بينما محمود ومحمد تراجعوا خطوة محاولين السيطرة على الموقف دون تصعيد الأمور
تدخل شريف على الفور محاولًا تهدئة الوضع بعقلانية
يلا يا معاذ… الموضوع ميبقاش بالشكل ده إحنا هنا في مكان شغل… لو حابب تطلب ايدها انا هكلم ابوها
تجاهل معاذ شريف تمامًا اقترب خطو ونظر إلى الثلاثة شباب بعينين لا تعرف الخوف
مش مهم الشغل دلوقت… أنا مش هسيبها… لازم أعرف مين فيكم هيوصلني بابوها
تجمد قاسم لثوانٍ ثم أغمض عينيه للحظة محاولًا جمع نفسه:
يابني استهدى بالله.. كده هيقولو عليك مجنون .. الكلام ده مش طريقة تتعامل بيها مع نسايبك
قالها بخبث جعل الجميع ينظر له بتعجب بينما اشتعل فهد غضبا و غيره لكنه لم يجد مساحه له كي يتدخّل خاصا حينما وجد تلك المسكينه تمسك باختها و تكاد أن تموت من شده الخجل و الخوف
تنهّد معاذ ببطء وكأن الجنون لم يترك له مجالًا للتفكير ثم رفع يده واهتز صوته كأن كل غضبه وتوتره قد انفجرا دفعة واحدة:
أنا مش مستني… عمو شريف لو سمحت وصلني بعمو امير دلوقت.
في هذه اللحظة شعر الثلاثة شباب بثقل الموقف على عاتقهم في تحمل هذا المجنون الذي من الواضح انه يعشق اختهم الصغيره حد الهوس
بينما رضوى وشيرين حاولتا أن يتركا المكان لكن الخوف والدهشة كانا مرسومين على وجوههم فعجزو عن التحرك خطوه واحده
كان الجو مشحونًا بالغضب الجنون،والخطر… وكل حركة أو كلمة يمكن أن تفجّر الصمت القاتل حولهم
انهى قاسم تلك الحاله حينما امسك زراع أخيه مجبراً إياه علي التحرك معه و حينما اصبحا بالخارج قال بغضب جم يملأه الحكمه .......
ماذا سيحدث يا ترى
سنري
انتظروووووني
بقلمي / فريده الحلواني
