روايه صك الغفران الفصل الثالث والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه صك الغفران الفصل الثالث والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
صك الغفران
الفصل الثالث والعشرون
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
تكمله فلاش باك بعد المواجهه و اختفاء ادم
و قبل ظهوره مره اخري
في بعض الأحيان يؤلمنا جرحٌ قديم خاصةً حين يُعاد فتحه بعد أن ظننا أنه اندمل
فما بالنا إن كنا نحن من نفتحُه بأيدينا
فتحت جرحها…وتركتْه ينزف لا ضعفًا… بل تطهيرًا
وكأنها أخيرًا قررت أن تغسل سنواتها العالقة بالألم
لتبدأ… لنفسها وبنفسها
عادت إلى منزلها في وقتٍ متأخر بعد أن أنهت عملها بهدوءٍ غريب
هدوءٌ لا يشبهها… ولا يُطمئن لم تكترث لغيابه
وكأن وجوده أو عدمه أصبح سواء وحين سألتها نهال عن تلك الحالة التي لم تعهدها عليها
ردّت باقتضابٍ
- لما نخلص الشغل… نقعد في أي مكان ونتكلم مش هينفع دلوقت
وبمجرد أن انتهى يوم العمل الشاق صعدتا معًا إلى سيارة نهال
اقترحت نهال الجلوس في أحد الأماكن
لكنها رفضت واختارت أن تبقى داخل السيارة كأنها لا تحتمل وجود جدران حولها
الآن
أو ربما… لا تحتمل مواجهة نفسها في مكانٍ ثابت
نظرت إليها نهال بقلقٍ شديد ثم سألت برفق
- مالك يا آسيا… امبارح ماجيتيش الشغل ولما سألتك قلتي مشغولة…
والنهارده من الصبح حاسة إن فيكِ حاجة… حاجة كبيره
تنهدت ببطء…زفيرٌ يحمل سنواتٍ من الكتمان ثم قالت بصوتٍ خافت لكنه ثابت
- عشان… كنت بقفل صفحة الماضي يا نهال
أنا بقالِي عشرين سنة مجروحة بس كنت قافلة على الجرح بوساخته من غير ما أنضّفه
صمتت لحظة… وكأنها تتذوق مرارة ما تقول ثم أكملت
- امبارح… فتحته بإيدي
فتحته عشان أنضّفه وأقفله برضه بإيدي من غير ما أحتاج لحد… ولا حتى لنفسي القديمة
ألقت نهال عليها نظرة سريعة مزيج من عدم الفهم والخوف…ثم عادت بعينيها إلى الطريق قبل أن تتمتم
- مش فاهمة… تقصدي إيه
ردّت عليها دون أن تنظر إليها
- قابلت آدم
توقفت السيارة فجأة في منتصف الطريق
صرير الفرامل كان حادًا… كحدة الصدمة التي ضربت نهال
التفتت إليها باندفاع لكن أصوات السيارات من حولها أجبرتها أن تتحرك قليلًا وتصف السيارة جانبًا
ثم التفتت إليها بجنونٍ
- قابلتيه... فين.. وليه
أكيد هو اللي ضغط عليك… ما هو حيوان
ابتسمت آسيا ابتسامة باهتة لا تحمل أي دفء ثم قالت بهدوءٍ موجع
- آه… ضغط عليّا بس المرة دي… أنا اللي اخترت أستسلم للضغط ده
رفعت عينيها أخيرًا ونظرت إلى صديقتها مباشرة
- عشان أواجهه
عشان أقوله الحقيقة… كلها وعشان أفهمه قد إيه هو… إنسان غبي
سكتت لحظة لكن هذه المرة لم يكن الصمت ضعفًا… بل سيطرة
ثم أضافت بنبرةٍ أكثر قسوة
- ولأول مرة في حياتي…
محستش إني عايزة أطبطب عليه ولا أهون عليه… ولا أداوي وجعه
ابتلعت ريقها وكأن الكلمات نفسها تخدشها من الداخل
- بالعكس…أنا كنت قاصدة أوجعه
تجمدت ملامح نهال وهمست بذهول
- إنتِ بتقولي إيه يا آسيا…
أغمضت عينيها للحظة ثم فتحتهما ببطء وقد تحولت إلى شيءٍ أصلب
- بقول… إن اللي جوايا مات واللي فضل… مش نفس البنت اللي كانت بتكسر نفسها عشانه
مالت برأسها قليلًا وكأنها تراجع نفسها ثم أكملت بصوتٍ أكثر خفوتًا
- ويا ريته هيتوجع قد وجعي أو حتى اللي فيه دلوقتي يعوض سنين عمري اللي راحت
صمتت نهال قليلًا قبل أن تقول بحذر
- طب… وهو عمل إيه
ضحكت آسيا ضحكة قصيرة خالية من أي فرح
- ولا حاجة…وده اللي خلاني أتأكد أكتر
- اتأكدتي من إيه
نظرت أمامها بشرودٍ قاتم ثم قالت
- إن أنا كنت لوحدي طول الوقت حتى وهو موجود… كنت لوحدي
التفتت إليها نهال ببطء
- وآدم…
أجابت بنبرةٍ قاطعة
- آدم انتهى
ثم أضافت بعد لحظة صمت ثقيل
- أو… أنا اللي انتهيت منه
ساد الصمت داخل السيارة صمتٌ لم يكن مريحًا بل كان يشبه ما يأتي بعد العاصفة حين يهدأ كل شيء
لكن الخراب… يظل في مكانه
تنفست نهال بعمق ثم قالت بهدوءٍ حذر
- وآسيا الجديدة دي… هتقدر تكمل
أغمضت عينيها مرة أخرى لكن هذه المرة لم تهرب
- لازم
فتحت عينيها وحدقت في الفراغ أمامها
- عشان لو ماكملتش… هرجع لنقطة أسوأ من الأول
ثم همست وكأنها تعترف لنفسها قبل أي أحد
- وأنا… مش مستعدة أتوجع تاني
ظل الصمت جاثمًا بينهما لثوانٍ…ثوانٍ بدت أطول مما ينبغي
كأن الكلمات التي قيلت لم تنتهِ بعد… بل ما زالت تتردد داخل كلٍ منهما
أدارت نهال المحرك ببطء
وانطلقت السيارة من جديد
لكن هذه المرة… لم تسأل
وكأنها أدركت أن ما حدث أكبر من أن يُشرح بكلمات
مرّ الطريق طويلًا…
وآسيا تنظر من النافذة،
لكنها لم تكن ترى شيئًا
لم تكن ترى الشارع ولا المارة ولا حتى انعكاسها على الزجاج كانت ترى فقط…لحظة
نظرة عينيه حين أنهت حديثها لم يكن غاضبًا لم يصرخ لم يدافع حتى.
وهذا…هو ما أربكها
قطّبت جبينها فجأة
وكأن الفكرة صدمتها من الداخل
همست لنفسها دون وعي
- هو سكت ليه
التفتت نهال سريعًا
- بتقولي حاجة
هزّت رأسها بالنفي ثم قالت ببرودٍ متصنّع
- لا… مفيش
لكن داخلها لم يكن هناك ....مفيش
وصلت إلى منزلها ترجلت من السيارة ببطء وكأن خطواتها أثقل من المعتاد
وقفت نهال للحظة ثم قالت بقلق
- لو احتاجتي أي حاجة… أنا معاكي
نظرت لها نظرة ممتنة لكنها متعبة
- عارفة
ثم صعدت دون أن تضيف شيئًا
داخل المنزل…كان كل شيء كما تركته
لكنها… لم تكن كما كانت
خلعت حذاءها وتركت حقيبتها تسقط بإهمال
ثم جلست على الأريكة وأخيرًا…سقط القناع
وضعت يدها على صدرها
وكأنها تحاول تهدئة شيءٍ يضرب بعنف داخله
- ليه ساكت
قالتها هذه المرة بصوتٍ مسموع
أغمضت عينيها واسترجعت المشهد مرة أخرى…كلماتها القاسية…
نظراتها الحادة…اتهامها له…وجرحها المتعمد
ثم هو…يقف أمامها صامت ينظر إليها بنظرة لم تفهمها
فتحت عينيها فجأة
وقامت من مكانها بعصبية
- لا… مش مهم
قالتها بحدة وكأنها تقطع الفكرة من جذورها
- هو مش فارق معايا… وأنا اللي نهيت المره دي
لكن صوتها لم يكن مقنعًا
حتى لها
مرت الليلة ثقيلة بلا نوم حقيقي كلما أغمضت عينيها عاد نفس المشهد
لكن في كل مرة كانت تلاحظ تفصيلة جديدة
نظرة حزن...خذلان ولا… استسلام
وفي مكانٍ آخر…كان هو
وقف آدم في شرفته
منذ ساعات لم يتحرك
داخله…كان ساكنًا بشكلٍ مخيف
أنزل رأسه قليلًا ثم أخرج ضحكة خافتة…مكسورة
- غبي…
رددها ببطء وكأنه يتذوق الكلمة لأول مرة ثم هزّ رأسه لا نفيًا ولا اعتراضًا
بل اعترافًا
مرر يده على وجهه بتعب
ثم جلس على المقعد خلفه
عينيه كانت شاردة لكن ليس بها دموع وكأن الألم تجاوز مرحلة البكاء
- عندك حق يا آسيا…
قالها بصوتٍ خفيض
- أنا فعلاً غبي
صمت لحظة ثم أضاف بابتسامة مريرة
- بس الغباء الحقيقي…
إني صدقت إني اطلب فرصة أصلح كل اللي عملته
رفع رأسه
ونظر إلى الفراغ أمامه…
- المرة دي… انتي قفلتي الباب
ثم همس وكأن القرار خرج منه أخيرًا
- وأنا… مش هخبط تاني
هكذا اعتقد ...لكنه لا يعلم أنه حينما يعود سيطلب الغفران بل و يصر عليه
لم يذهب إلى عمله ولا الذي بعده ولا الذي يليه مرّ يوم…ثم يومان…ثم خمسة
وفي البداية…لم تلاحظ آسياأو…تجاهلت أن تلاحظ
لكن في اليوم السادس
وقفت فجأة أمام مكتبها
بعد أن سمعت جملة عابرة من أحد الزملاء
- هو آدم مجاش بقاله كام يوم كده
تجمدت يدها في الهواء
التفتت ببطء
- يعني إيه… مجاش
رد الآخر بلا اهتمام
- مش عارف… بقاله تقريبًا أسبوع
شعرت بشيءٍ بارد ينساب في عروقها
- أسبوع…
كررتها بهدوء لكن داخلها بدأ شيءٌ آخر يتحرك
ضحكت بسخرية خفيفة محاولة التماسك
- عادي… أكيد بمزاجه
لكن قلبها لم يضحك
جلست على المقعد ببطء
وعيناها ثابتتان أمامها
لكن عقلها لم يكن هنا
- وأنا مش هخبط تاني
الجملة…ترددت داخلها فجأة لا تعرف لماذا ولا كيف
ابتلعت ريقها بصعوبة وهمست بالكاد
- إنت عملت إيه يا آدم
مررت يدها على وجهها بتوتر ثم أخرجت هاتفها بسرعة
واتصلت بنهال ردّت فورًا
- أيوه يا آسيا
صوتها خرج… مختلفًا
- نهال…
آدم اختفى
قالت نهال بحذر
- طب… ممكن يكون مسافر
أغمضت آسيا عينيها
وتنهدت ببطء
- من غير ما يقول لحد…
فتحت عينيها فجأة وكأن فكرة ضربتها
- ولا حتى… يسيب أي أثر
صوتها بدأ يفقد تماسكه
- لا يا نهال… أنا عارفة آدم
سكتت لحظة ثم همست
- هو عمره ما كان بيهرب…
رفعت رأسها ببطء وعينيها تلمعان بشيءٍ جديد
شيء أخطر من الغضب
ومن الكبرياء…الخوف
- إلا لو…
توقفت
- إلا لو إيه
سألت نهال بسرعة
ابتلعت ريقها ثم قالت بالكاد
- إلا لو حصله حاجة
سقطت الكلمات كحكمٍ مفاجئ ولأول مرة…
لم تفكر آسيا في جرحها ولا في كرامتها ولا في الماضي فقط…فيه
وهمست لنفسها بصوتٍ مرتعش
- أنا عملت إيه…
وفي اليوم التاسع كانت تقف أمام المرآة
تنظر إلى نفسها طويلًا ملامحها كما هي
لكن عينيها لم تعودا كما كانتا
رنّ هاتفها...نهال
ترددت لحظة…ثم ردّت
- أيوه
صوتها كان خافتًا متعبًا
على الطرف الآخر لم تمهلها فرصة
- إنتِ فين
- في البيت
- طيب افتحي… أنا تحت
لم تسأل كيف شعرت بما تعانيه و لا لماذا جاءت
كأنها… كانت تنتظرها
بعد دقائق…دخلت عليها بعاصفة
لم تجلس لم تهدأ وقفت أمامها مباشرة
تتأملها من رأسها لقدميها ثم قالت بحدة
- إنتِ شكلك عامل كده ليه
لم ترد آسيا
اقتربت أكثر وعيناها تضيقان بغضب
- بقالك كام يوم تايهة كده… لا بتتكلمي ولا مركزة…عشان إيه
رفعت آسيا عينيها ببطء…
وقالت بهدوء و نبره مكسوره
- آدم مختفي يا نهال
ثانية واحدة…ثم انفجرت بها
- ما يختفي ولا يغور في ستين داهية
ارتجفت آسيا من حدّة صوتها
لكنها لم تتوقف
- إيه يعني مختفي هو طفل صغير ولا إنتِ لسه خايفة عليه يجراله حاجة
- نهال…
حاولت آسيا تقاطعها
لكن الأخرى رفعت يدها بحدة
- لا... اسمعيني كويس بقى
اقتربت منها خطوة
وصوتها أصبح أكثر قسوة
- إنتِ بعد كل اللي حصل… لسه قلبك بيدق ليه
سكتت آسيا.وهذا كان كافيًا
ضحكت نهال بسخرية لاذعة
- لا بجد… انتي بتهزري صح
ثم أشارت عليها بإصبعها
- ده واحد اكتشف إنه غبي اكتشف إنه ضيّعك من إيده… وضيّع نفسه كمان
كانت الكلمات تسقط على آسيا كضربات متتالية لكنها لم ترحمها
- طبيعي يستخبى طبيعي يهرب واحد زي ده مش هيستحمل يقف قدامك بعد ما شاف نفسه على حقيقتها
هزّت آسيا رأسها ببطء
وكأنها تحاول الدفاع… حتى لو ضعيف
- بس… هو مش كده
اقتربت منها فجأة وقاطعتها بعنف
- لا... هو كده بس إنتِ اللي كنتِ شايفاه حاجة تانية
صمتت لحظة ثم قالت بنبرة أقل صخبًا… لكنها أشد تأثيرًا
- إنتِ تعبتي… وانتي بتبرريله وانتي بتستحمليه وانتي بتدي وهو ياخد
بدأت عيون آسيا تلمع لكنها لم تبكِ بعد
- وفجأة… لما وقفتي على رجلك وبصّتيله زي ما هو…هرب
سكتت…ثم همست بقسوة موجعة
- وده مش حب يا آسيا
ده ضعف منه
انخفضت عيون آسيا وتنفسها أصبح أثقل
اقتربت نهال أكثر لكن هذه المرة صوتها كان أهدأ… أعمق
- بصيلي
رفعت آسيا عينيها ببطء
- انتي زعلانة عليه ولا زعلانة من نفسك
السؤال…أصابها في مقتل
فتحت فمها لترد لكن لم يخرج صوت
أكملت نهال بهدوء قاتل
- زعلانة إنك لسه بتفكري فيه ولا زعلانة إنك حسيتِ للحظة… إنك ممكن ترجعيله
انكسرت أول دمعة لكن نهال لم تتراجع…
بل أمسكت كتفيها بقوة
- فوقي بقى
اهتزت آسيا قليلًا
- ده مش راجل تتمسكي بيه ده واحد لما جه الجد… اختفى
كل كلمة…كانت تهدم جزءًا من ذلك التردد بداخلها
- وإنتِ
أشارت إلى صدرها
- بعد كل اللي عملتيه بعد القوة اللي وقفتي بيها قدامه هترجعي تنهاري عشان هو مشي
سكتت لحظة ثم قالت بحزم
- لا يا آسيا…انتِ مش البنت دي
الصمت…لكن هذه المرة
لم يكن خانقًا كان…مفصليًا
انسحبت يد نهال ببطء
ثم قالت بنبرة حاسمة
- سيبيه
- ولو رجع
سألت آسيا بصوتٍ ضعيف
ابتسمت نهال ابتسامة فيها ثقة وقوة
- ساعتها…إنتِ اللي تقرري إذا كان يستاهل حتى تبصيله ولا لأ
ثم أضافت وهي تهمّ بالمغادرة
- بس طول ما إنتِ واقفة مكانك كده هتفضلي مربوطة بواحد… مشي بإرادته
توقفت عند الباب والتفتت لها مرة أخيرة
- اختاري نفسك بقى يا آسيا…ولو مرة واحدة
وأغلقت الباب خلفها
ساد الصمت لكن هذه المرة لم يكن نفس الصمت
وقفت آسيا مكانها دموعها تنزل بهدوء لكن ملامحها بدأت تتغيّر
رفعت يدها ومسحت دموعها ببطء ثم نظرت لنفسها في المرآة مرة أخرى…وهمست
- أنا… هختار نفسي
وقفت طويلًا لم تكن تبكي الآن ولا حتى حزينة بالشكل المعتاد كان هناك شيء آخر…هدوء
هدوء غريب كأنه جاء بعد معركة طويلة
مرّ شريط الأيام الماضية أمام عينيها سريعًا…وجعها…كلامها…صمته…واختفاؤه
ثم كلمات نهال…
- اختاري نفسك بقى يا آسيا
أغمضت عينيها لثوانٍ…
ثم فتحتها ببطء
هذه المرة لم تهرب من نفسها مدّت يدها وأمسكت هاتفها ترددت لحظة
ثم ضغطت
رنّ الهاتف قليلًا ثم جاء صوته
- ألو… آسيا
نبرة صوته كانت طبيعية…
لكن بها حذر طفيف
- أيوه يا ريان
صوتها كان هادئًا… ثابتًا بشكل لفت انتباهه فورًا
- خير يا اسيا فيكي حاجه
صمتت لحظة ثم قالت مباشرة
- عايزة نحدد معاد كتب كتابك انت و آيات
ثانية صمت…كأن حديثها لم يُستوعب فورًا
- نعم
قالها بدهشة واضحة
- إنتي بتتكلمي بجد
ابتسمت ابتسامة خفيفة لكنها لم تكن ضعفًا هذه المرة
- آه… بجد
- خلاص كفاية تأجيل
البنت محتاجه تفرح ...و انت كمان
تنفس ببطء.وكأنه يحاول قراءة ما بين السطور رغم فرحته
- إنتي… كويسة
رفعت رأسها قليلًا
ونظرت لنفسها في المرآة
- بقيت كويسة
لم يسأل أكثر فقط قال
- تمام زي الفل … أنا هكلم أمير ونشوف معاد مناسب
- لا…
قاطعته بهدوء
- خلينا نخلص كل حاجة مرة واحدة
سكتت لحظة ثم قالت بنبرة عملية واضحة
- أنا هكلم أمير دلوقت
ونحدد كل حاجة النهارده
- كل حاجة
- آه…
أخذت نفسًا عميقًا ثم أكملت
- كتب الكتاب…وافتتاح الكافيه
دهشة ريان كانت أكبر هذه المرة
- إنتي ناوية على إيه بالظبط يا آسيا
ابتسمت ابتسامة فيها شيء جديد…قوة
- ناوية أعيش و اعيّش ولادي ...ناويه اريح قلبك يابني
أغلقت المكالمة نظرت للهاتف لثانية ثم ضغطت اسمًا آخر
رد بسرعة
- آسيا... خير
- عايزة أقابلك النهارده
نبرة صوتها لم تترك له مجالًا للتأجيل
- تمام… في حاجة حصلت
- آه
سكتت لحظة.ثم قالت
- قررت نبدأ
- نبدأ إيه
- الكافيه
صمت لثوانٍ ثم جاء صوته، وفيه دهشة ممزوجة بحماس
- إنتي بتتكلمي جد
- جدًا
بدأت تتحرك في الغرفة
كأنها تستعيد طاقتها واحدة واحدة
- المكان جاهز بنسبة كبيرة والشباب مستنيين فرصة كانو عايزين يفتحوه من اسبوع بس طلبت منهم يأجلو لحد ما شريف يرجع من السفر
ثم أضافت بحزم
- خلاص بقى ...اهو راجع بكره
ضحك أمير بخفة
- واضح إن في إعصار عدى عليكي...دانتي هتفحتي العيال
توقفت لحظة…ثم قالت بهدوء عميق
- كان لازم يعدي
- وخلص
نظرت أمامها نظرة ثابتة
- لا…بس أنا مش مستنية لما يخلص عشان أعيش
سكت أمير لحظة ثم قال بإعجاب صريح بعد ان فهم ما تعنيه
- تمام… أنا معاكي
- عايزة كل حاجة تتحدد النهارده ميعاد الافتتاح…التجهيزات…
وكل التفاصيل
- خلاص… نقعد بالليل أنا وإنتي وريان و باقي الشباب
- تمام
أغلقت الهاتف ببطء…
وقفت في منتصف الغرفة
تتنفس بعمق.لأول مرة منذ وقت طويل.تشعر أن حياتها بدأت تتحرك ليس بسبب أحد ولا لأجل أحد بل…لأجلها هي
اقتربت من النافذة وفتحتها دخل الهواء بقوة
فحرك خصلات شعرها
أغمضت عينيها للحظة ثم همست
- أنا مش مستنياك يا آدم
فتحت عينيها وعلى وجهها نفس الهدوء لكن هذه المرة كان أقوى
- ولو رجعت
سكتت لحظة ثم أكملت بثبات
- هتلاقيني اتغيرت….اوعدك مش هتلاقي البنت اللي عملتها علي ايدك
- واتحكّمت فيها كل السنين دي ...انا هتحرر من سجنك يا آدم
جلس قاسم على الأريكة الجلدية داخل مكتبه بهدوءٍ يليق بمكانه… وبشخصٍ مثله
وأمامه… جلست رضوى
تُقلّب بعض الأوراق بتركيزٍ ظاهري
لكن داخلها كانت تشعر بثِقل نظراته
نظرات ثابتة لا تتحرك كأنها تدرسها… لا تراها فقط
ساد الصمت…صمتٌ لم يكن مريحًا بل كان ممتلئًا بشيءٍ غير مفهوم
رفعت عينيها فجأة…فالتقتا لحظة امتدّت أكثر مما ينبغي حديثٌ طويل…لكن بلا كلمات
ارتعشت ابتسامة خجولة على شفتيها.تحاول كسر هذا الثقل فقالت
- حضرتك… بتبصّلي كده ليه
لم يبتسم لم يُحرج بل سألها بهدوءٍ مباشر
- إيه رأيك في موضوع معاذ وشيرين تفتكري كان من حق باباكِ إنه يرفض
ظهرت الحيرة جليّة على ملامحها فهذا السؤال… لم تكن تتوقعه منذ ما حدث…
لم يفتح معها هذا الموضوع مطلقًا
هزّت رأسها بعدم فهم ثم قالت بصراحة خرجت دون تفكير
- أنا أصلًا معرفش بابا رفض معاذ ليه هو ماقالش سبب
سكتت لحظة ثم أضافت بنبرةٍ أهدأ
- بس اللي حاساه… إن أخوك فعلًا بيحب شيرين
وللأسف… مفيش حد بإيده يعمل حاجة علشانه
ظلّ قاسم ينظر إليها بنفس الهدوء لكن هذه المرة
كانت نظراته أعمق
- اكلمك الصراحة
سألها فجأة
تفاجأت بالسؤال لكنها أومأت
- آه
مال قليلًا للأمام مستندًا بمرفقيه على ركبتيه
وعيناه لم تتركاها
- الحب… لوحده عمره ما كان كفاية
ساد صمت قصير ثم أكمل
- معاذ… أخويا بيحب بس متهور
ارتبكت ملامحها قليلًا وكأنها لم تفهم قصده بالكامل
- يعني إيه
ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها لم تكن دافئة بل تحمل معنى أعمق
- يعني لما الدنيا تقف ضده بيقف هو كمان و بيلغي عقله
توقفت أنفاسها لحظة ثم سألته بهدوءٍ حذر
- وإنت
لم يتردد لم يفكر
- أنا لأ
قالها ببساطة لكن بثقةٍ ثقيلة
اعتدل في جلسته ونبرته أصبحت أهدأ… لكنها أشد وضوحًا
- أنا بصبر…و استني و أحسب كل خطوة
تسارعت دقات قلبها دون سبب واضح
- ولما أقرر إني عايز حاجة
سكت لحظة وعيناه تغوصان في عينيها
- بوصل لها
انخفضت عيناها لا.إراديًا
ثم عادت تنظر إليه بتوتر
- حتى لو… مش من حقك
سؤالها كان جريئًا لكنه لم يغضبه بل ابتسم ابتسامة هذه المرة… فيها شيء أخطر
- كلمة ...من حقي دي بتتحدد على حسب أنا مستعد أعمل إيه علشانها
شعرت بقشعريرة خفيفة تسري في جسدها
- يعني ممكن تاخد حاجة… مش بتاعتك
سكت لحظة ثم قال بهدوءٍ قاتل
- لا...أنا باخد اللي أستحقه
الصمت…عاد أقوى من قبل ثم فجأة قطع هذا الثقل بجملة لم تكن تتوقعها
- وعلى فكرة… أنا ما سألتكيش عن معاذ وشيرين صدفة
رفعت عينيها بسرعة
- أمال ليه
تأملها للحظة طويلة هذه المرة ثم قال ببطء
- عشان أعرف… إنتِ بتفكري إزاي
ازدادت حيرتها
- ليه
وهنا...تغيّر شيء في نظرته لم تعد فقط حادة
بل أصبحت… صريحة
- عشان في حاجة جوايا ليكي يا رضوى
تجمدت...لم تصدمها الكلمة بقدر ما أربكها هدوؤه لم يكن اعترافًا عاطفيًا…كان تقريرًا
- وأنا مش زي معاذ
أضافها بنفس الهدوء
- أنا ما بجريش ورا إحساس وخلاص ولا بسيب الأمور للظروف
اقترب قليلا لكن دون أن يلمسها
- أنا باخد وقتي…افهم…وأقرر
ابتلعت ريقها بصعوبة
- وإنت قررت
نظر إليها مباشرة
- آه
صمت للحظه ثم قال بثباتٍ لا يقبل الشك
- قررت إني مش هتجاهل اللي جوايا ومش هسيبه يضيع
دق قلبها بعنف
- وأنا
سؤال خرج منها دون وعي
تأملها للحظة…ثم قال بنبرة أهدأ لكنها أعمق
- إنتِ… لسه بفهمك
سكت…ثم أضاف
- بس لما أفهمك كويس
اقتربت كلماته منها ببطء… وخطورة
- هعرف إزاي أوصلك
اتسعت عيناها قليلًا
- قاسم
قالتها بتحذير خافت لكنه لم يتراجع بل قال بهدوءٍ واثق
- ما تقلقيش…أنا صبور
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة…
- وبعرف أوصل للي عايزه… من غير ما أتهور
الصمت…لكن هذه المرة لم يكن صمتًا عاديًا كان بداية شيء أعمق...وأخطر
ظلّت واقفة أمامه…
لكنها لم تعد كما كانت منذ دقائق
الكلمات التي قالها.لم تكن مجرد اعتراف كانت دخولًا مباشرًا إلى مساحتها
ابتلعت ريقها ببطء وحاولت تستجمع نفسها
- أنا… مش فاهمة إنت بتقول إيه بالظبط
لم يضغط عليها لم يقترب أكثر بل عاد يستند بظهره إلى الأريكة كأن ما قاله… أمر طبيعي
- مش لازم تفهمي دلوقت
قالها بهدوء
زاد ارتباكها…هذا الهدوء أصعب من أي ضغط
- بس أنا محتاجة أفهم.
قالتها هذه المرة بنبرة أضعف مما أرادت
نظر إليها نظرة طويلة ثابتة
- إنتِ مش متعودة على حد بيتكلم كده صح
صمتت…لأنه أصاب الحقيقة
- متعودة إن الأمور يا تمشي لوحدها يا تبوظ لوحدها
خفضت عينيها قليلًا
- وأنا… مش كده
رفعت عينيها ببطء
- أنا لما بدخل حاجة بدخلها للنهاية
دق قلبها أسرع…ليس خوفًا فقط بل شيء آخر لم تعترف به
ابتعدت خطوة صغيرة…
كأنها تحتاج مسافة تتنفس فيها
- بس أنا مش حاجة حد يدخلها ويقرر يكمل فيها
لأول مرة ظهر شيء خفي في عينيه…إعجاب
ابتسم ابتسامة هادئة
- كويس
تفاجأت
- كويس
- آه…...عشان أنا كمان ما بحبش الحاجة السهلة
ارتبكت أكثر
- قاسم… الكلام ده مش مريحني
هز رأسه بتفهم
- عارف
ثم أضاف بهدوء صادق
- ومش مطلوب منك ترتاحي
الصمت…لكن هذه المرة
لم يكن خانقًا كان مشدودًا
نظرت له للحظة طويلة ثم قالت بصوتٍ خافت
- أنا خايفة
لم يسخر لم يقلل بل سأل ببساطة
- مني
ترددت ثم قالت الحقيقة
- منك… ومن نفسي
سكت لحظة ثم قال بهدوءٍ أعمق
- خوفك ده… طبيعي
اقترب خطوة واحدة فقط…
كافية لتشعر به لا لتبتعد
- بس أنا مش جاي آخدك غصب عنك
نظرت له وعيناها تبحثان عن صدق كلماته
- أنا بس… مش هبعد
هذه الجملة…كانت أخطر من أي اعتراف
بعد ساعة…خرجت رضوى من مكتبه الممر كان هادئًا لكن داخلها…لم يكن كذلك
كانت خطواتها بطيئة
كأنها تحمل شيئًا أثقل منها
- أنا مش هبعد
ترددت الجملة في عقلها
مرة…واثنتين…وعشرات
وضعت يدها على صدرها
- إيه ده
لم يكن حبًا واضحًا ولا رفضًا صريحًا كان…ارتباكًا ممزوجًا بانجذاب وهذا…أخطر
هزّت رأسها بعنف
- لا… مش هينفع
لكن قلبها…لم يقتنع
في نفس الوقت…داخل المكتب لم يتحرك قاسم من مكانه كان ينظر إلى الباب الذي خرجت منه بنفس الهدوء
لكن عينيه…لم تكن هادئة
و قلبه قرر أن يخوض المعركه حتي تنزف اخر قطره في دمه
كان مكتب شيرين هادئ…
الشمس تتسلل من النوافذ
وهي منهمكة في أوراقها
تراجع الملفات وتكتب بعض الملاحظات
و فهد يجلس على المقعد المقابل تنقل عيناه بين الشاشه وبينها…نظراته كانت واضحة لكنها لم تلاحظها
دخل معاذ المكتب فجأة
خطواته سريعة وواثقة
عيناه توقفتا على فهد
لحظة… شعر الغيرة في صدره
لكن لم يظهرها بوضوح
تجاهله و تحرك مباشرة ناحية شيرين
مد يده بحركة عفوية
وقدم لها علبة صغيرة من الشوكولاتة
- دي ليكِ
ردت شيرين بخجل محاولة ترفض
- لا… يعني… مش لازم...ليه حضرتك تتعب نفسك
لكنه أصر برقة وبنبرة مليئه بالحب
- أنا حسيت وشك اصفر شويه فقلت أجيبهالك ...شكلك فطرتيش
رفعت حاجبها قليلاً ابتسمت بخفة وأخذت الشوكولاتة منه لكن لم تقل كلمة أكثر
نظر لها لحظة…عيناه تقول كل شيء
هو مهتم وبيهتم فقط بها
وبحب صامت… عميق… مستحيل يخفيه
التفت إلى فهد ابتسم ابتسامة خبيثه… لكنها خفيفة حادة
- فهد....روح هات ملف شركه ### من الارشيف
تفاجئ من النبرة و رغم غضبه الداخلي الا انه أومأ برأسه سريعًا ثم نهض و غادر بغيظ
توتر الجو بين معاذ وشيرين… كله صمت لكنه ممتلئ بشيء جلس معاذ أمامها
رفع علبة الشوكولاتة قليلاً
- كليها بقي
ابتسمت شيرين بخجل…
ولكن في قلبها… شعرت بشيء دافئ
شيء يعرف أن معاذ… لا يزاحم أحد ولا يترك فرصة… إلا ويهتم بها
ظل معاذ ينظر لها للحظة
ثم جلس بجانب مكتبها
عيونه تتبع حركاتها برقة كأنها محور العالم كله
الصمت كان بينهما لكن صامت مليء بالشوق…
والمعنى…كأنه يقول
- أنا هنا… وأنا موجود… ومش هسيبك
- نهايه الفلاش بااااك.....
ماذا سيحدث يا تري
سنري
انتظروووووني
بقلمي / فريده الحلواني
