روايه صك الغفران الفصل الخامس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه صك الغفران الفصل الخامس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
أتساءل بذهولٍ موجع... أهذا هو من أحببته عمري كلّه أم أنني كنت أعشق وهمًا وصحوت أخيرًا على شخصٍ غريبٍ لا يمتّ لذاك الذي سكن قلبي بصلة
كيف له أن يتلذّذ بوجعي…
كيف استطاع أن يحوّل ضعفي بين يديه إلى سلاحٍ يطعنني به بلا رحمة
أكان يرى انكساري… ويفرح أم أن قلبي وحده هو من بالغ في الإحساس حتى صار الألم فيه حياة
أم أن الحقيقة الأقسى…أنني لم أكن يومًا أرى ما كان عليه حقًا
بل كنت أراه كما أردته أن يكون… لا كما هو
وقفت معه في الخارج بعد تلك الكلمات التي ألقاها ادم فأحرجها أمام الجميع
كان الخجل يلتفّ حولها كعباءةٍ ثقيلة يُربك ملامحها ويُثقل أنفاسها بينما ظلّ هو ثابتًا على هدوئه يراقب اضطرابها بنظرةٍ هادئة تحمل شيئًا من التفهّم
ابتسم ابتسامةً وقوره وقال محاولًا أن يهوّن عليها
— انتي ليه مكسوفه كده… ملكيش دعوه باللي حصل بيني وبينه… ولا هو يخصك عشان تتضايقي بالشكل ده
رفعت عينيها سريعًا وكأن كلماته أصابت شيئًا حساسًا بداخلها وقالت باندفاعٍ تخفي خلفه ارتجافها
— كان يخصني… بس خلاص دلوقت مبقاش جوايا ليه غير الوجع وبس… ومعتقدش إنه بقى يهمني في أي حاجه
تأمّلها للحظة كأنه يحاول قراءة ما وراء كلماتها ثم قال بهدوءٍ
— انتي ست قويه يا آسيا… حتى لو الوجع باين في ملامحك وحتى لو روحك تعبت… انتي من جواكي لسه بتحاربي
سكت قليلًا ثم أكمل بنبرةٍ أكثر صدقًا
— أياً كانت قصتك معاه… أو مع غيره… انتي بتداوي نفسك بنفسك مش مستنيه حد ييجي يطبطب عليكي وده في حد ذاته قوه مش أي حد يقدر عليها...أنا شايف… وحاسس إنك شوفتي كتير… أكتر بكتير من اللي بتقولي عليه
وإنك لسه واقفه لحد دلوقت ده معناه إنك مش عاديه… ده معناه إنك بطله
ارتعش شيءٌ في داخلها كأن كلماته لامست جرحًا عميقًا لم يجرؤ أحدٌ من قبل على الاقتراب منه
لأول مرة… لا تشعر أنها مُدانة أو ضعيفة أو مُبالِغة… بل مفهومة
خفضت عينيها قليلًا وقالت بصوتٍ خافت أقرب للاعتراف
— أنا تعبت… مش من الوجع… أنا تعبت من إني دايمًا أبان قويه
نظر إليها بثبات وقال بنبرةٍ هادئة تحمل يقينًا
— القوه مش إنك تفضلي واقفه طول الوقت…القوه إنك تقعي وتعرفي تقومي تاني من غير ما تكرهي نفسك
ابتسمت ابتسامةً باهتة وقالت بإرهاق
— بس كل مره بقوم… بحس إني بتكسر أكتر
اقترب خطوةً بسيطة دون أن يتجاوز حدودها وقال
— طبيعي… عشان كل مره بتقومي بتبقي شايله وجع أكتر
بس في نفس الوقت بتبقي فاهمه نفسك أكتر
رفعت عينيها إليه وهذه المرة لم يكن فيهما غضب…بل هدوءٌ حذر وكأنها تسمح لنفسها أن تصدّق… ولو قليلًا
— أول مره حد يشوفني كده… من غير ما يحكم عليا
ابتسم بهدوء وقال
— عشان انتي مش محتاجه حد يحكم عليكي…انتي محتاجه حد يفهمك بس
ساد صمتٌ ثقيل بينهما…صمت لم يكن مريحًا بل كاشفًا كأن كل كلمة قيلت فتحت بابًا لا يمكن إغلاقه بسهولة
تحرّكت أخيرًا وكأنها قررت الهروب من ثقل اللحظة واستدارت لتغادر…لكن صوته أوقفها
- استني
تجمّدت مكانها… دون أن تلتفت
قال بنبرةٍ هادئة لكنها اخترقت دفاعاتها بسهولة
- انتي لسه بتحبيه… صح
اتسعت عيناها وشعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها للحظة
قبضت على كفّيها بقوة كأنها تحاول التماسك لكنها لم تلتفت إليه
مرّت ثوانٍ ثقيلة… قبل أن تقول بصوتٍ خرج أضعف مما أرادت
- الحب مش بيختفي بسهوله
سكتت قليلًا ثم أضافت بمرارةٍ صادقة
- بس اللي بيختفي… هو الأمان
هذه المرة لم يردّ فورًا
نظر إليها طويلًا وكأنه فهم ما لم تقله
ثم قال بهدوءٍ يحمل شيئًا من نفسه
- أخطر حاجه مش إننا نحب حد غلط…اخطر حاجه إننا نفضل فاكرين إننا منستاهلش غير الوجع
ارتجف قلبها عند كلماته…
ولأول مرة… لم تكن تحاول الهروب
ابتسم بحزنٍ وقال بنبرةٍ تحمل ثِقَل تجربةٍ لم تُحكَ بعد
- على فكرة… مش انتي لوحدِك اللي اتوجعتي
نظرت إليه بعدم فهم وقد انعقد الفضول في عينيها وكأن كلماته لمست بابًا لم يُفتح بعد
لكنّه لم يمنحها الفرصة للغوص أكثر بل قال بهدوءٍ
- لينا قعدة مع بعض… تعالي ندخل عشان محدش ياخد باله من غيابك
لم تُعلّق لكنها تحرّكت معه نحو الداخل، بينما عقلها عالق عند جملته…
- مش انتي لوحدك اللي اتوجعتي
جملة بسيطة… لكنها بدت كأنها تحمل وراءها حكاية كاملة
وفي طريقها وقعت عيناها على ريان يقف مع قاسم ومعاذ
توتر الأجواء بينهم كان واضحًا نظرات حادة وملامح مشدودة كأن شرارةً واحدة كفيلة بإشعال الموقف
توقفت فجأة وقالت بتوجّس
- إيه ده… مالهم شكلهم شادّين مع بعض… أنا هروح أشوف في ايه
تركها تغادر دون أن يحاول إيقافها…هو يعرف أن بعض المواجهات لا يجب أن تُمنع
وقفت أمامهم مباشرة ونظرت بينهم بحزمٍ وقالت
- في إيه… إنتوا متخانقين
ردّ ريان بعصبيةٍ وكأن الغضب كان ينتظر من يحرّره
- البهوات بيغفّلونا… طول الوقت مش شايلين عينهم عن البنات
اشتعلت عينا قاسم لكنه حاول السيطرة على نبرته وقال بغضبٍ مكتوم
- على فكرة… إحنا بنفهم في الأصول كويس… خد بالك من كلامك
تدخّل معاذ بسرعة وكأن ما بداخله أثقل من أن يُكبت أكثر
- أنا طلبت إيدها من أبوها… وقلت قدام الكل إني بعشقها
ليه يرفضني...أنا عملت إيه.. ذنبي إيه إني أتحرم من البنت اللي بحبها عشان حاجة معملتهاش
تجمّدت آسيا لحظة…
لم يكن الغضب هو ما صدمها بل الربط المفاجئ بينها وبين ما يحدث
قالت بعدم فهمٍ وقد بدأ القلق يتسرّب إلى صوتها
- أنت طلبت إيد شيرين… وأمير رفض إمتى حصل الكلام ده
نظر إليها معاذ بحزنٍ لا يحمل اتهامًا بقدر ما يحمل خيبة أمل
- من فترة…رفض بسبب قصتك إنتي وعمو آدم
واللي إحنا أصلًا لا نعرفها ولا لينا دعوة بيها
شعرت وكأن الأرض اهتزّت تحت قدميها للحظة…تلك القصة التي تحاول الهروب منها… تطاردها في كل اتجاه
لكنها تماسكت بسرعة ورفعت رأسها وقالت بعقلانيةٍ موجّهة حديثها للجميع
- الكلام ده مش هينفع يتقال هنا… ولا بالأسلوب ده
بكره… هقعد معاكم في الشركة هفهم منكم كل حاجة… وساعتها نقرر هنعمل إيه
كان صوتها ثابتًا… لكنه يخفي صراعًا داخليًا بدأ يشتعل من جديد
قال قاسم بنبرةٍ أخف محاولًا كسر التوتر
- أنا أصلًا كنت ناوي أكلمك بعد الافتتاح…قولت محدش هيحلها غيرك يا كبير
نظرت له بغيظٍ وقالت بحدةٍ خفيفة
- إنت بالذات أنا مش مطمّنالَك…معاذ غلبان إنما إنت استحالة وإنت فاهم ليه ماشي
ابتسم قاسم بخبثٍ وردّ بمراوغة
- هو أنا قلت حاجة على نفسي....انا بتكلم على أخويا اللي واقع ده
زفر معاذ بضيق وقال بحدة
- على فكرة الموضوع مش هزار يا قاسم
ردّ عليه قاسم بنبرةٍ أخف لكنها تحمل معنى أعمق
- وأنا بهزر عشان أنت بتغلي… مش عشان الموضوع سهل
تدخّل ريان مرة أخرى لكن هذه المرة بنبرة أقل حدّة وكأنه بدأ يستوعب حجم الموقف
- إحنا مش ضدك يا معاذ… بس الموضوع مش بإيدنا لوحدنا
صمتت آسيا لحظة… تنظر إليهم جميعًا
ثم قالت بهدوءٍ أثقل من أي انفعال
- في حاجات لما بتتربط بالغلط… بتبوّظ حياة ناس ملهاش ذنب
سكتت قليلًا ثم أضافت وكأنها تكلّم نفسها قبلهم
- بس المرة دي… مش هسيب ده يحصل
نظروا إليها جميعًا…
ولأول مرة لم يروا فقط ...آسيا.. التي يعرفونها بل رأوا شخصًا يستعد لمواجهة شيءٍ أكبر من الجميع
وفي مكانٍ قريب…كان هو يراقبها بصمت وعيناه تحملان نفس الجملة التي قالها قبل قليل
-مش انتي لوحدِك اللي اتوجعتي
لكن هذه المرة…بدا وكأنه مستعد أن يكشف لماذا
عادوا إلى الداخل وما إن خطت بضع خطوات حتى تجمّد بصرها على مشهدٍ أثار داخلها نفورًا حادًا امتزج بشيءٍ أقسى… شيءٍ يشبه الخذلان
كان يقف هناك… آدم
بجواره مروة، أخت شريف تقترب منه أكثر مما ينبغي تبتسم له بتلك الثقة التي لا تُخطئها عين امرأة
لم يكن الأمر عفويًا… لم يكن بريئًا هو يعلم جيدًا ما تكنّه له مروة من مشاعر
ويعلم أكثر… أن آسيا تراه الآن
كانت لعبة واضحة رخيصة… ومؤلمة
تصلّبت ملامح آسيا لكن عينيها فضحتا تلك الرجفة التي مرّت بقلبها
لم تكن غيرة فقط… بل صدمة فيمن ظنّته يومًا أعمق من هذه الأساليب
تقدّمت بخطواتٍ ثابتة رغم العاصفة التي تضرب داخلها
وعندما اقتربت تعمّد آدم أن يبتسم لمروة وقال بنبرةٍ تحمل تلميحًا واضحًا
- والله يا مروة وجودك فرق معايا النهارده
ابتسمت بخجلٍ وقالت بنعومة
- أهم حاجة إنك تكون مبسوط
في تلك اللحظة توقفت آسيا أمامهما مباشرة
نظرت أولًا إلى مروة.ثم إلى آدم… نظرة هادئة أكثر مما ينبغي
قالت ببرودٍ متقن
- واضح إنكم مبسوطين فعلًا
التفت إليها وكأن ظهوره لم يفاجئه بل كان ينتظره وقال بنبرةٍ عادية تخفي استفزازًا كبير
- آه… الحمد لله في مشكلة
ثبتت عينيها فيه وقالت بهدوءٍ
- لا خالص… بالعكس
ثم التفتت إلى مروة وأضافت بابتسامة خفيفة لا تصل لعينيها
- خلي بالك منه… هو بيعرف يبان كويس جدًا قدام الناس
ارتبكت مروة قليلًا ونظرت إلى آدم بتساؤل بينما ضاقت عيناه هو مدركًا أنها لم تبتلع الطُعم كما أراد
قال بنبرةٍ أخفض موجهًا حديثه لآسيا
- تقصدي إيه
اقتربت خطوة بسيطة وقالت بصوتٍ منخفض لا يسمعه سواه
- أقصد إنك بتعرف تمثل… بس مش عليّا
تصلّب فكه وظهر في عينيه وميض غضبٍ لكنه أخفاه سريعًا وقال ببرود
- شكلك اضايقتي
ابتسمت بسخريةٍ وردّت
- لا… أنا بس استغربت
مفتكرتش إنك ممكن توصل لمرحلة إنك تستخدم حد عشان توصل رسالة
ساد صمتٌ ثقيل بينهما…
لحظة مواجهة صريحة بلا أقنعة
قال بنبرةٍ أخطر وقد بدأ القناع يسقط تدريجيًا
- ويمكن الرسالة وصلت
رفعت حاجبها قليلًا وقالت بثبات
- لا… الرسالة وضّحتلك إنت أكتر
تأمّلها للحظة…ثم قال بصوتٍ منخفض يحمل شيئًا من التحدي
- يعني مش غيرانه
للحظة… فقط لحظة… ارتعش شيءٌ داخلها
لكنها تماسكت وردّت ببرودٍ قاسٍ
- الغيرة بتكون على حد ليه قيمة
توقفت ثم أضافت وهي تنظر في عينيه مباشرة
- مش على حد بيستسهل يوجّع
تغيّرت ملامحه وكأن كلماتها أصابت هدفها بدقة
أما مروة... فبدأت تشعر بأنها في موضعٍ لا تفهمه وقالت بتوتر
- أنا… هسيبكم تتكلموا براحتكم
ردّت آسيا بهدوء
- لا خالص… كمّلي واضح إن الحوار بينكم مهم
ثم التفتت لتغادر لكن صوته أوقفها هذه المرة بلا تمثيل
- آسيا
توقفت… دون أن تلتفت
قال بصوتٍ أقل حدّة أقرب لشيءٍ لم يُسمَّ
- مش كل حاجة تشوفيها بعينك تبقى حقيقية
أغمضت عينيها للحظة ثم قالت بهدوءٍ موجع
- وأنا مبقاش عندي رفاهية أفسّر
وسارت…تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا ونظرةً في عيني آدم… لم تكن انتصارًا كما أراد
بل بداية خسارة لم يتوقعها
في تلك اللحظة… اقتربت نهال بخطواتٍ سريعة وملامحها مشدودة بغضبٍ ثم قالت لمروة بنبرةٍ آمرة لا تحتمل نقاشًا
— مروة… تعالي عايزاكي ضروري
ارتبكت مروة من الأسلوب الجاف لكنها استأذنت على عجل وغادرت معها إلى الخارج
ما إن ابتعدتا عن الضوضاء حتى توقفت نهال فجأة واستدارت إليها بعينين تشتعلان بينما وقفت الاخري قبالتها بدهشةٍ
— في إيه يا نهال… إنتي أول مرة تكلّميني كده
انفجرت بغضبٍ لم تحاول كبحه هذه المرة
— عشان إنتي مصمّمة تفضلي تأذي نفسك
مصمّمة تغرقي وتعيدي نفس الوجع تاني وكأنك ما اتعلمتيش
تراجعت مروة خطوة وقد بدأت ملامحها تتصلّب دفاعًا عن نفسها لكن نهال لم تمنحها فرصة وأكملت بحدّة
— أنا كام مرة حذّرتك من آدم هااا
من أول ما قولتيلي إنك معجبة بيه وأنا بقولك بلاش… ده راجل متجوز
وإنتي… إنتي تستاهلي واحد يكون ليكي لوحدك مش حد عايش نصه معاكي ونصه مع غيرك
اهتزّ شيءٌ داخل مروة لكن العناد ظهر في عينيها وقالت بنبرةٍ مرتفعة قليلًا
— وأنا طلبت منه حاجة أنا حتى ما عملتش حاجة غلط
ضحكت نهال بسخريةٍ مريرة وقالت
— هو لازم تعملي عشان تبقي غلطانة
كفاية اللي في عينيكي كفاية إنك واقفة مستنية منه نظرة أو كلمة
سكتت لحظة ثم اقتربت منها أكثر وقالت بصوتٍ أخفض لكنه أشد وقعًا
— تجربة طلاقك مدمّراكي… وأنا شايفة ده كويس
اتسعت عينا مروة بصدمة وكأن الكلمات صفعتها وقالت بوجعٍ واضح
— إنتي بتقولي إيه
تنفّست نهال بعمق وقد خفّ غضبها قليلًا لكنه تحوّل إلى ألمٍ صادق
— بقول الحقيقة…إنتي من يومها بقيتي بتجري ورا أي إحساس يخلّيكي تحسي إنك مرغوبة… حتى لو كان غلط
ارتعشت شفتا مروة وقالت بصوتٍ مكسور رغم محاولتها التماسك
— أنا مش كده
هزّت نهال رأسها ببطء وقالت:
— لأ… إنتي مش كده فعلًا…بس اللي بيحصل ده مش شبهك
سكتت لحظة ثم أردفت بنبرةٍ أهدأ لكنها أعمق
— إنتي مش بتحبيه…انتي محتاجة تحسي إنك اتعوضتي… إنك لسه تستاهلي حد يبصلك بإعجاب
انخفضت عينا مروة وكأنها لم تعد قادرة على المواجهة بينما استمر صوت نهال هذه المرة بحزن
— بس آدم مش هيعوضك…
آدم هيكسرك أكتر
رفعت مروة رأسها فجأة وقد اختلط الغضب بالدموع في عينيها
— وإنتي عرفتي منين يمكن هو مختلف
ابتسمت ابتسامةً باهتة وقالت
— عشان أنا شايفاه بوضوح…شايفه إزاي بيستخدمك… شايفة إزاي بيبص حواليه وهو واقف معاكي… مستني حد تاني يشوف
تجمّدت مروة…
فقد أصابت تلك الكلمات شيئًا كانت تحاول تجاهله
أكملت نهال بهدوءٍ قاسٍ
— إنتي مش في باله…انتي مجرد وسيلة
سقطت دمعة من عين مروة رغمًا عنها لكنها مسحتها بسرعة وقالت بعنادٍ مكسور
— حتى لو… أنا حرة
اقتربت منها أكثر ووضعت يدها على كتفها وقالت بنبرةٍ ثابتة
— طبعًا حرة…بس الحرية مش إنك تختاري الوجع بإيدك
صمتت لحظة ثم أضافت بهدوءٍ
— أنا مش ضدك… أنا خايفة عليكي
انكسرت ملامح مروة أخيرًا وابتعدت بنظرها وكأنها تهرب من حقيقةٍ بدأت تتسلل إليها رغمًا عنها
وبصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع قالت
— أنا بس… كنت عايزة أحس إني لسه ينفع أتحب
أغمضت نهال عينيها للحظة ثم قالت برفقٍ لم يكن موجودًا من قبل
— وإنتي فعلًا تتحبّي…بس مش بالطريقة دي
سادت لحظة صمتٍ ثقيل…
لكنها هذه المرة لم تكن صمت صدام
بل صمت إدراكٍ مؤلم… وبداية وعي
اجتمعت الفتيات داخل منزلها بعد أن أخبرت أمير أنهن سيبيتن معها تلك الليلة
لم يكن الأمر مجرد سهرة عابرة بل كانت تخطط لشيء أكبر
شيء يضع كل واحدة منهن أمام حقيقتها التي تهرب منها
جلست تتأملهن في صمت
تراقب التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها أحد
نظرة شرين الشاردة كلما ذُكر اسم معاذ
توتر رضوى الخفي حين يمر اسم قاسم على مسامعها كأنه يوقظ شيئًا تحاول دفنه
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بنبرة هادئة لكنها حاسمة
- احنا مش قاعدين هنا نتسلي و نسهر مع بعض ولا نضيع وقت ...أنا محتاجة كل واحدة فيكم تبقى صريحة مع نفسها قبل ما تبقى صريحة معايا
تبادلتا النظرات في قلق واضح
لكنها لم تمنحهما فرصة للهروب
اكملت وهي تنظر مباشرة إلى شرين
- انتي بتحبي معاذ ولا مجرد تعود عشان قرب منك الفتره الي فاتت و انا ملاحظه ده كويس
ارتبكت شرين للحظة
ابتلعت ريقها وهي تحاول الهروب بعينيها
لكن صوتها خرج ضعيف رغم محاولتها التماسك
- أنا مش عارفة
ابتسمت بسخرية وقالت
- لا....انتي عارفة كويس بس خايفة تقولي خايفة تعترفي إنك بقيتي حابه وجوده أكتر من أي حاجة
وإن غيابه بيكسر فيكي حاجة مش قادرة توصفيها
سكتت شرين
وعينيها لمعت بشيء حاولت تداريه لكنها فشلت
لفتت نظرها إلى رضوى
- وانتي بقى...قاسم بالنسبالك إيه
رفعت رضوى رأسها بسرعة كأن السؤال لمس جرح مفتوح
وقالت بحدة دفاعية واضحة
- ولا حاجة
اقتربت منها قليلًا وقالت بصوت أخفض لكنه أشد
- ولا حاجة اللي بتخليكي تتلخبطي أول ما تشوفيه
ولا حاجة اللي بتخليكي تفضلي فاكرة كل كلمة قالها
ولا حاجة اللي مخلياكي مش عارفة تكرهيه رغم كل اللي حصل منه ايام ما كنتي شغاله في مكتبه
انكسرت ملامح رضوى للحظة
ثم همست كأنها بتعترف رغم عنها
- انا حاولت أكرهه والله
بس مش قادرة ....حاجه جوابه بتشدني ليه رغم اني متحفظه جدا في معاملتي معله
ساد الصمت
لكن الصمت مليء اعترافات أكتر من الحديث
ابتسمت أخيرًا ابتسامة خفيفة فيها راحة ممزوجة بتعب
- كده الصورة وضحت
رفعت عينيها اليهم وقالت بثبات
- بكرة أنا هتكلم مع الشباب
بس قبل ما أعمل كده
لازم كل واحدة فيكم تبقى عارفة هي عايزة إيه بالظبط
مش هينفع نكمل بنص مشاعر ولا بخوف
نظرت شرين لرضوى وكأنهم يبحثون عن إجابة لدي بعضهم
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي حديث
همست شرين بصوت مهزوز
- طب ولو اللي جوانا ده وجعنا
ردت عليها بهدوء
- اللي بيستخبى هو اللي بيوجع أكتر
إنما الحقيقة مهما كانت قاسية بتريح
رفعت رضوى عينيها وقالت لأول مرة بدون دفاع
- طب ولو هو مش شايفني بنفس الطريقة
سكتت لحظة
ثم قالت بنبرة فيها يقين غريب
- يبقى على الأقل هنبقى احنا شوفنا نفسنا صح
وده أول طريق لأي حاجة حقيقية
قامت من مكانها وقالت
- الليلة دي مش لمجرد سهرنا مع بعض...الليلة دي للمواجهة
تركتهم مع أفكارهم...مع قلوبهم اللي أخيرًا بدأت تقول الحقيقة حتى لو بصوت واطي
ماذا سيحدث يا تري
سنري
انتظروووووني
بقلمي / فريده الحلواني
الفصل صغير انا عارفه بس للامانه مليش نفس اكتب اكتر من كده
رايكم في الفصول هو اللي بيشجعني عشان اكتب و اطلع احسن ما عندي انما للاسف انتو مستخسرين فيا الكلمه أو الرأي
براحتكم بس بعد ما صك الغفران تخلص و ابدا روايه العطارين هيكون في نظام تاني و مش هرجع فيه لو الدنيا اتهدت
