روايه صك الغفران الفصل السادس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه صك الغفران الفصل السادس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
القرار… يكون صائبًا حين يُتَّخذ في اللحظة الصحيحة
لا حين يُولد من رحم الغضب… أو يُدفع إليه اندفاع موقف عابر
وهذا ما فعلته آسيا…بعد ليلةٍ كاملةٍ استنزفت فيها روحها بين حديثٍ طويل مع شيرين ورضوى
لم تكن مجرد كلمات، بل كانت محاولة لفهم ما يدور داخل قلوبٍ لم تُعلن كل ما بها
الآن…تقف داخل الشركة، خطواتها ثابتة لكن بداخلها ألف احتمال
تتجه مباشرةً نحو مكتب قاسم
ألقت التحية بهدوءٍ ثم طلبت منه أن يُحضر أخاه
وقف الشابان أمامها باحترامٍ واضح
هي لم تنظر إليهما كخصمين… بل كرجالٍ قد يُسلَّم إليهم أغلى ما تملك
بدأت الحديث بصوتٍ هادئ… لكنه يحمل حسمًا لا يُخطئه أحد
- أنا مش مع فكرة إنكم تتحاسبوا بذنب الماضي…
صمتت لحظة كأنها تزن كلماتها قبل أن تُكمل
- ولو مكنتش شايفة إنكم شباب محترم… وبتحبوا بناتي بجد… مكنتش هقف قدامكم دلوقت وأفتح الموضوع ده
نظرت إلى قاسم أولًا… نظرة فاحصة كأنها تقرأ ما خلف العيون ثم قالت
- معاذ… مشاعره واضحة من أول يوم… بتصرفاته وبالخطوة اللي خدها لما اتقدم لشرين
تحولت نظرتها إلى قاسم… أكثر عمقًا وأكثر حذرًا
- إنما أنت… أنت اللي محيرني
- شخصيتك صعبة… وأنا مش عايزة بنتي تعيش وهي بتحاول تفهمك كل يوم
- لو مش واثق من مشاعرك ناحيتها… ابعد
ارتفع صوتها قليلًا دون أن تفقد هدوءها
- او أنا اللي هبعدها… قبل ما تتوجع
ساد صمتٌ ثقيل…لم يكن صمت تردد بل صمت رجلٍ يختار كلماته بدقة
رفع عينيه إليها… بثباتٍ وقال بنبرةٍ عميقة خالية من التردد
- أنا عمري ما قربت من حاجة ولا خدت خطوة… إلا وأنا واقف على أرض ثابتة
- لازم أكون متأكد مليون في المية… وإلا مبكملش
تنفس ببطء… وكأن اعترافه القادم ليس سهلًا عليه
- مع رضوى… أنا متسحلتش بس… أنا اتغيّرت
- من غير ما أحس… بقيت بفكر فيها أكتر ما بفكر في نفسي
- في الأول كنت فاكرها مجرد تسلية… هزار تقيل كده بحب ارخم عليها و خلاص
ابتسم بسخرية من نفسه
- بس لما فوقت… خفت
خفت أكون بظلمها أو بفرض نفسي عليها
اقترب خطوة… صوته أصبح أهدأ لكن أصدق
- عشان كده قررت أمشي بالراحة… أخليها هي تيجيلي بإرادتها
- واحدة واحدة… من غير ضغط… من غير ما أحطها في موقف
توقف لحظة… ثم أكمل بصراحةٍ أقسى
- كنت ناوي ألعبها سياسة نفس طويل بس الحقيقة… مش قادر
رفعت آسيا حاجبها وكأنها تنتظر ما وراء هذا الاعتراف
أكمل وعيناه لم تهربا هذه المرة
- مش قادر أستنى وأنا شايف حد ممكن يقرب منها
- مش قادر أتعامل بهدوء… وأنا حاسس إن قلبي سبقني بمراحل
تدخل معاذ لأول مرة بنبرةٍ أخف لكن لا تخلو من الجد
- يعني بالمختصر… الواد وقع ومش عارف يقوم
نظر له قاسم بحدة
- خليك في حالك يا معاذ انت بالذات متتكلمش عالي وقع
عاد بنظره إلى آسيا أكثر جدية
- أنا مش جاي أقولك إني ملاك… ولا إني عمري ما غلطت
- بس أقدر أقولك إني عمري ما لعبت بمشاعر حد
- ولو قربت من رضوى… يبقى عشان شايفها مستقبل… مش مرحلة
صمتت آسيا…لكن هذه المرة لم يكن الصمت ضغطًا بل تقييم
اقتربت خطوة… ونظرت إليه مباشرة
- الحب مش كلام حلو… ولا غيره لحظية الحب مسؤولية… وصبر وتحمل لأسوأ ما في الطرف التاني
أضافت بنبرةٍ حاسمة
- رضوى مش سهلة… وعندها خوف أكبر مما تتخيل لو قربت… لازم تكون قد ده
لم يتردد قاسم
- وأنا قدّه
نظرت له طويلًا… كأنها تحاول أن ترى المستقبل في ملامحه ثم التفتت إلى معاذ
- وأنت… جاهز تتحمل شيرين
ابتسم معاذ بثقةٍ وعشق واضح
- أنا مستني ده من زمان
تنهدت آسيا ببطء… وكأنها تضع القرار الأخير
- تمام
ثم أضافت بنبرة لا تقبل التهاون
- اللي جاي مش سهل...خطوة تصرف غلط او أي تصرف تعملوه يوجعهم… مش هتردد لحظه اني اشيل بناتي من حياتكم من غير رجوع
نظر الاثنان لبعضهما… ثم عادا إليها بثبات
- مفهوم
اكملت بقوه و قد اتخذت قرارها
- انا هتكلم مع اميره انهارده و بأذن الله أقنعه بالموافقة
غادرت المكتب…لكن هذه المرة… لم تكن تحمل القلق نفسه فبعض القرارات…
حين تُؤخذ في وقتها الصحيح
لا تُريح القلب بالكامل…
لكنها تمنحه شجاعة الانتظار
لم يذهب إلى العمل اليوم…
كان صدره ساحة حرب ونبضه كأنّه يركض هاربًا من شيءٍ لا يُرى
منذ الأمس…وصورتها لا تفارقه ثباتها… نظراتها التي لم تهتز جمالها الذي ازداد قسوةً عليه
ويدها… تلك اليد التي رآها غارقةً في كف رجلٍ غيره
ذلك المشهد وحده…كان كفيلًا أن يُشعل داخله نارًا لا تخمد
أدرك شيئًا واحدًا..إن ذهب إلى الشركة الآن… لن يرى فيها سوى الخيانة التي رسمها عقله وسينطق بكلماتٍ جارحة… لا تشبهه و لا تستحقها هي لكنه لن يستطيع كبحها
فكان الهروب هو قراره الوحيد أن يبتعد حتى يهدأ
لكن… وهل يهدأ قلبٌ عاشق
إذا اتخذ من البعد درعًا
أم أن البعد… يزيده اشتعالًا
في خضم أفكاره المتلاطمة كبحرٍ هائج اقتحمت عليه الغرفة
تلك الغرفة التي لم يعد يراها ملاذًا… بل سجنًا اختاره بنفسه
رفع عينيه إليها… ببرودٍ مصطنع بينما صدره يغلي كبركانٍ على وشك الانفجار
وقال بجفاء
- خير
ابتسمت بجانب فمها…ابتسامة مشبعة بالغل مغلفة بسخرية لاذعة
- طب قول صباح الخير… ولا أنت نسيت إن في حد عايش معاك في البيت ده
لم يرد… فقط نظر إليها بصمتٍ مستفز
فأكملت ونبرة العتاب فيها كانت أشبه باتهام
- من يوم ما كلمت ماما وطلبت مني أرجع عشان أنت مسافر… اختفيت أسبوعين
- محدشعارف كنت فين… ولا بتعمل إيه
- ومن ساعة ما رجعت… وأنت نايم لوحدك
- لا اعتذار… ولا حتى محاولة تراضيني
اقتربت خطوة… عيناها تلمعان بدموعٍ مصطنعة
- رغم إني… تنازلت وكملت معاك بعد اللي عملته فيا
سكتت لحظة… ثم أطلقت طعنتها
- ولا أنت فاكر إنك هتضغط عليّا ببعدك
همست بنبرةٍ أكثر قسوة
- أنت أصلًا بعيد عني طول عمرك يا آدم ...انت معايا جسمك بس
ابتسمت بمرارة
- وأنا اللي كنت بضحك على نفسي وأقول ده كفاية
تابعت وقد أتقنت دورها
- ضحيت بحاجات كتير عشانك… عشان بحبك بس أنت عمرك ما حسيت بيا
كانت تلك الجملة… كفيلة بأن تكسر آخر خيطٍ من تحمله
انتفض من مجلسه بعنف
عيناه اشتعلتا بجنونٍ
- إنتِ ليه مصممة تعيشي دور الضحية… وإنتِ أبعد ما تكوني عنه
تراجعت خطوة… ليس خوفًا بل ترقبًا أكمل وصوته يحمل كل ما كتمه لسنوات
- عمرك ما كنتِ زوجة…
توقف لحظة كأن الكلمة القادمة أثقل من أن تُقال
- فشلتي تكوني ام ....فشلتي حتى تكوني إنسانة صادقة مع نفسها
ضحكت بسخرية
- يا سلام… بقى أنا وحشه كده
اقترب منها أكثر… نظراته تخترقها
- تعالي نرجع من الأول خالص
خفض صوته… لكنه أصبح أخطر
- كنتِ عارفة إني بعشقها
عارفة إني كنت مكسور… ومش شايف قدامي من اللي حصل
اشتدت نبرته
- وإنتِ استغليتي ده قربتي من أمي… وفضلتي تسمميها بكلام عن آسيا
- تكرهيها فيها… وتقطعي أي فرصة ترجع ليا
ارتجف فكها… لكن كبرياءها منعها من الاعتراف
- و وافقتي على الخطوبة… بمنتهى الأنانية
- وأنا رافض… ومش ناوي أتجوز أصلًا بس أمي حطتني قدام الأمر الواقع و اتقدمتلك
سادت لحظة صمت ثقيلة
ثم قالت ببطء وكأنها تمسك بخيط دفاع أخير
- وأنا...أنا كنت المفروض أعمل إيه أسيبك لواحدة رمتك ومشيت....خانتك من غير ذره ضمير
اشتعلت عيناه أكثر
- إنتِ ما سبتنيش أقرر حتى
ما سبتنيش أواجه وجعي لوحدي
- إنتِ خدتِ قرارات تخص حياتي… من غير ما تسأليني و انا كنت في أضعف حالاتي
اقتربت منه فجأة… بعصبية شديده
- لأني بحبك...لأنك لو كنت فضلت كده كنت ضيعت نفسك
سكت لحظة…ثم ضحك ضحكة خالية من أي روح
- حب
هز رأسه ببطء
- الحب عمره ما كان أنانية بالشكل ده
نظرت له بحدة
- وأنت...حبك لآسيا كان إيه
مش هو اللي خلاك تدمر كل حاجة حواليك
تجمد مكانه…اسمها فقط كان كفيلًا أن يفضحه
خفض صوته… لأول مرة يظهر فيه صدقٌ مؤلم
- الفرق…
رفع عينيه إليها
- إني عمري ما حاولت اوجعها طول فتره علاقتي بيها… ولا فرضت نفسي عليها قبل ما احس أن قلبها بقي ملكي
- سيبتلها مساحتها و عملت كل الي اقدر عليه عشان تتعلق بيا
- و لما بقيت اناني في حبها لاني بعشقها مش مجرد حب و بس
صمتت… لكنها لم تستسلم
- انت لسه بتحبها
لم ينكر…لم يدافع فقط قال بهدوءٍ قاتل
- دي الحاجة الوحيدة اللي عمري ما عرفت أتحكم فيها
تنفس بعمق ثم اكمل بغضب جحيمي
- مشكلتك انك مش شايفه غير نفسك ....بدل ما تساليني ليه انا ام فاشله فتحتي قصه اسيا عشان بس توجعيني و متخلنيش اواجهك
- ممكن تقوليلي تعرفي ايه عن ولادك
- عمرك صاحبتي بنتك أو قربتي منها عشان تحكيلك الي بيحصل معاها بره
- عمرك حافظتي علي سر بيتك و محكتيش كل الي بيحصل هنا لأهلك
- بلاش كل ده ....امتي فضلتيني انا و ولادك عنهم و اتنازلتي عن فسحه او سهره عشان بس تقعدي معانا
- انا معنديش حاجه اقولها تاني يا حبيبه ....انتي الي بإيدك تحافظي عالبيت ده و تصلحي كل اخطاءك و انتي الي بإيدك هتخربيه
اهتزت نظراتها… للحظة فقط
ثم تماسكت… وقالت ببرود
- يبقى كده كل حاجة واضحة
التفتت لتغادر دون أن تهتم بكل ما قال …توقفت عند الباب
- أنا مش هفضل في حياة واحد قلبه مع واحدة تانية
لم يرد…لم يمنعها…فقط ظل واقفًا مكانه كأن المواجهة أنهكته… أو كأن الحقيقة أخيرًا خرجت منه
أغلقت الباب خلفهاوبقي هو…
بين نارين امرأةٍ لا يحبها… لكنه ارتبط بها
وأخرى…يحبها حد الاحتراق
ولا يملك منها شيئًا
ولأول مرة…يشعر أن الهروب لم يعد خيارًا
بل مجرد تأجيل… لانفجارٍ قادم لا محالة
بعد مرور أكثر من ساعتين
لم يعد يحتمل تلك العزلة التي فرضها على نفسه
الجدران تضيق… والأفكار تنهش رأسه بلا رحمة
وخاصةً بعد مواجهته مع حبيبة… التي تركت داخله فوضى لا تُحتمل
لم يجد مفرًا سوى الهروب إلي عمله كأنّه يظن أن الزحام… قد يُسكت ما بداخله و ايضا يراها حتي لو لم يتحدث معها يكفي أن يتنفس هواها
لكنه… لم يكن يعلم أن ما ينتظره هناك… أقسى بكثير
دخل الشركة وفي نفس اللحظة… التي كانت تقف فيها هي
تضحك…بكل بساطة وكأن العالم لم ينقلب داخله منذ الأمس
تقف مع أحمد الشيمي
الذي قال لها بحماسٍ
- بقولك إيه… سيبي باقي الشغل وكمّليه بكرة
- أنا ميت من الجوع… دي مكنتش عزومة ده أنا اتعذبت يا ستي
ابتسمت بهدوء… تلك الابتسامة التي كانت يومًا تخصه وحده
تدخلت نهال بمزاحٍ
- ده إنت لو قررت تعزمها على الغدا… لازم تاكل قبلها مرتين
- دي بتخليني يجيلي هبوط من كتر ما بستناها
نظرت لها بغيظٍ مصطنع… وعيناها تلمعان بروحٍ مرحه
- ماشي يا جزمة… لينا حساب بعدين
عادت بنظرها إلى أحمد
- أنا أصلًا خلصت… يلا بينا
تحركت…مرت من جواره قريبة جدًا للدرجة التي كاد أن يمد يده ويوقفها
لكنها… لم تنظر إليه لم يكن تجاهلًا بل كان هروبًا
خافت… أن تلتقي عيناها بعينيه ان يهتز ثباتها الذي بنتْه بصعوبة طوال الليل
أما هو…فتجمد في مكانه
جسده هنا لكن روحه سُحبت مع خطواتها وهي تبتعد
اشتعل صدره من جديد
لكن هذه المرة لم تكن نار الغيرة فقط بل شعور أعمق أقسى....الفقد
تقدم خطوة دون وعي
ثم نادى بصوتٍ خرج أخشن مما أراد
- آسيا
توقفت...توقفت قدمها لكن قلبها هو من تعثر
أغمضت عينيها لثانية…كأنها تجمع ما تبقى من قوتها ثم استدارت ببطء نظرت إليه نظره ثابتة… لكنها لم تكن خالية
كان هناك شيء...الم… حنين… وكبرياء يقاتل كي لا ينهار
- خير يا أدم
كانت جملة عادية لكنها بينهما… كانت جدارًا
اقترب منها… متجاهلًا نظرات أحمد ونهال
- ممكن دقيقة
تدخل أحمد بهدوء لكن بنبرة تحمل حدودًا واضحة
- لو في شغل… ممكن يتأجل لبكرة
نظر له آدم… نظرة حادة
- الموضوع مش شغل
ساد صمت يملأه الغضب
نظرت آسيا إلى أحمد… ثم قالت بهدوء
- خمس دقايق… وأنا جاية
تردد أحمد لحظة… ثم أومأ
- تمام
ابتعدو عنهم قليلا حتي بقي الاثنان…وجهًا لوجه
مسافة صغيرة… لكنها مليئة بكل ما لم يُقال
تكلم آدم أخيرًا
- كنتي هتمشي من غير ما تسلمي
رفعت حاجبها قليلًا
- هو لازم
ضغط على فكه
- مش ده اللي كنتي بتعمليه زمان
ابتسمت ابتسامة باهتة
- زمان… كان في حاجات كتير غير دلوقت
اقترب خطوة… صوته انخفض
- زي إيه
نظرت إليه مباشرة
- زي إنك كنت شايفني
سكت…وكأن الكلمة أصابته في مكانٍ لا يُرى
أكملت بهدوءٍ مؤلم
- دلوقت… أنا مجرد اختيار قديم
- حاجة كنت عايزها… و معدش ليها لازمه
هز رأسه بعنف
- ده مش حقيقي
رفعت يدها قليلًا… توقفه قبل أن يقترب أكثر
- بلاش يا أدم…بلاش تخليني أضعف وأصدقك وأنا عارفة النهاية
صوته خرج مشدودًا
- وأنا....انا أعمل إيه بكل اللي جوايا ده
اهتزت عيناها… للحظة فقط
ثم تماسكت
- تتحمله… زي ما أنا اتحملته
صمت…ثم قال بصدقٍ موجع
- شوفت ايدك في ايد واحد تاني
انخفض صوتها…
- وأنا شوفتك عايش مع واحدة غيري
ضربة مقابل ضربة لكن هذه المرة… الألم كان متساويًا
اقترب أكثر… رغم مقاومتها
- انتي لسه…
قاطعته بسرعة
- متكملش
سكت فأكملت هي… بصوتٍ بالكاد خرج
- لأن الإجابة هتوجعنا إحنا الاتنين
نظرا لبعضهما…لحظة طويلة كأن الزمن توقف عندها
ثم تراجعت خطوة
- أنا ماشية
استدار ليوقفها…لكن هذه المرة لم يفعل تركها تمشي
لكن داخله…كان يصرخ
لأن الحقيقة أصبحت واضحة
هي لم تبتعد لأنه لا يعنيها
بل لأنها…تعنيه أكثر مما يجب
وهو…تأخر كثيرًا في الاعتراف بشيء لم يعد يملك حق المطالبة به
لم يتحرك…ولا حتى رمش
وهي… تمشي أمامه بكل هدوء كأن شيئًا لم يكن
لكن داخله… كان ينهار
خطوتان فقط…وكانت ستخرج من حياته لا من باب الشركة فقط
فجأة… خرج صوته
أعلى مما أراد… وأقسى مما توقع
- آسيا
تجمد المكان لثانيةالتفتت كل الرؤوس وتوقفت هي ببطء… استدارت ثم نظرت إليه نظرة ثابتة… لكن خلفها ارتباك حاولت قتله
اقترب منها … خطواته سريعة حادة حتى وقف أمامها مباشرة
- رايحة فين
سؤال بسيط…لكن نبرته كانت أقرب للمحاسبة
رفعت حاجبها قليلًا
- خارجه… واضح يعني
اشتدت ملامحه
- معاه
نظرت ناحية أحمد… ثم عادت إليه
- آه… في مشكلة
كان السؤال هادئًا…لكن وقعه عليه كان صفعة
اقترب خطوة… صوته انخفض لكنه أصبح أخطر
- وأنا إيه ...المفروض اقبل عادي كده
اهتزت عيناها للحظة…لكنه لم يترك لها فرصة للهروب
- امبارح بس… كنتي واقفة قدامي و انهارده… خارجة مع واحد تاني عادي كده
شدت نفسًا عميقًا… تحاول تثبيت نفسها
- وأنت امبارح كنت فين يا آدم
صمت…لثانية واحدة لكنها كانت كفيلة
أكملت… ونبرتها بدأت تقسو
- ولا تحب أفكرك
اشتعلت عيناه
- متدخليش حد في اللي بينا و وقوفي معاها انتي كنتي عارفه سببه كويس
ابتسمت بسخرية
- ما هو بقى في ...حد... يا آدم… غصب عنك
تدخل أحمد بتعقل… لكنه كان واضح قوته و مقصده
- لو في مشكلة… ممكن تتحل بهدوء
التفت له آدم بنظرة حادة
- وإنت مالك
رد أحمد بنفس الهدوء
- ليا… طول ما هي معايا دلوقت
كانت الجملة بسيطة…لكنها كانت كفيلة تشعل النار أكثر
قبض آدم على يده بقوة
عروقه برزت… وصدره يعلو ويهبط بعنف
عاد بنظره لآسيا
- انتي عاجبك على الكلام ده
نظرت له…طويلًا هذه المرة
وكأنها تختار بين قلبها… وكرامتها ثم قالت بهدوء قاتل
- آه
كلمة واحدة…لكنها أنهت كل شيء اهتز واقعه للحظة
- يعني خلاص
- بسهولة كده
صوتها خرج أضعف… لكنه ثابت
- مش بسهولة...أنا تعبت عشان أوصل لكده
اقترب منها خطوة أخيرة
- ولسه… بتحبيني
صمتت…كانت تلك اللحظة
الأصدق بينهم
انخفض صوتها… بالكاد سُمع
- مش كل حب ينفع نكمله
سقطت الكلمة بينهما… كحكم نهائي
مد يده…كأنه سيمنعها
لكنها تحركت قبله لفت وجهها بعيدًا عنه
ثم…مسكت ذراع أحمد
بهدوء بدون مبالغة لكن بقرار واضح
- يلا يا أحمد
نظر لها… ثم إلى آدم وتحرك معها
مرّت من جواره… مرة أخرى
لكن هذه المرة لم يكن هناك تردد
أما هو…فظل واقفًا مكانه
كأن الأرض سُحبت من تحته
عيناه تتبعها…
خطوة… خطوة… حتى اختفت
ولأول مرة…لم يشعر بالغيرة فقط بل شعر أنه خسرها فعلًا
ليس لأنها مع غيره لكن لأنها…اختارت تمشي
و لم تنظر خلفها تبص حتى مرة واحدة
اختفت من أمامه…لكن أثرها لم يختفِ ظل واقفًا مكانه
كأن الزمن قرر أن يعاقبه بالتجمّد عند تلك اللحظة
قبضته ما زالت مشدودة
وعيناه ثابتتان على الفراغ الذي تركته
حتى قطع الصمت… صوتٌ حاد
- كفاية بقى
التفت ببطء…فوجد نهال تقف أمامه
عيناها مشتعلة… ليست غضبًا فقط، بل حماية
اقتربت منه خطوة
- أنت إيه بالظبط
لم يرد… فقط نظر لها بصمتٍ مرهق
فأكملت بحدةٍ
- هو إنت فاكر إنك كده بتحبها اللي عملته دلوقت ده اسمه وجع مش حب
ضغط على فكه… لكنه لم يقاطعها
- كل شوية تظهر في حياتها… تقلبها… وتختفي وهي
وأشارت بيدها في اتجاه خروج آسيا
- هي اللي تدفع التمن في الآخر
اقتربت أكثر… صوتها انخفض لكنه أصبح أقسى
- ابعد عنها بقى كفاية اللي شافته منك...كفاية إنها فضلت متمسكة بحاجة إنت نفسك مكنتش عارف عايزها ولا لأ
رفع عينيه لها أخيرًا…وفيها شيء انكسر
- أنا عارف إني غلطت
سكتت… لم تتوقع تلك الجملة
أكمل… وصوته هذه المرة لم يكن غاضبًا
بل مثقلًا باعترافٍ طال تأجيله
- غلطت زمان… لما سبتها تواجه كل حاجة لوحدها
- لما صدّقت اللي اتقال… ومسمعتش منها
- لما اخترت أهرب بدل ما أتمسك بيها
ابتلع ألمًا مرئيًا
- ودفعت التمن… كل يوم بعدها
نظرت له … لكن حدة عينيها بدأت تهدأ قليلًا
- طب دلوقت جاي تعمل إيه
ضحك ضحكة قصيرة… خالية من أي سخرية
- معرفش
رفع عينيه لها
- بس عارف حاجة واحدة
سكت لحظة… كأن الكلمة القادمة تحتاج شجاعة
- إني مقدرش أنساها و لا أقدر أبعد
اشتدت ملامح نهال مرة أخرى
- وده اسمه أنانية
هز رأسه ببطء
- يمكن
ثم أكمل بصدق موجع
- بس الأكيد… إني مش قادر أشوفها مع غيري
- ومش قادر كمان أرجعها بإيدي بعد كل اللي عملته
صمتت نهال…تنظر له كأنها تقيّمه من جديد ثم قالت بحسم
- يبقى تختار
قطب حاجبيه
- أختار إيه
ردت بوضوح
- يا تسيبها تعيش… وتبعد بجد
- يا ترجع تحارب عشانها… بس المرة دي بجد مش بنص قلب بس الي متاكده منه انك مش هقدر تعمل ده يا آدم لانك اناني و اخدتها ملكيه خاصه و مش هتصدق إنها قدرت تطلع بره دايرتك
سكت…لأول مرة لا يملك ردًا
أكملت وهي تستدير لتغادر
- انما اللي بتعمله ده…
توقفت لحظة دون أن تنظر له
- هيكسرها… وهيكسّرك إنت كمان
وتركتُه…واقفًا وحده لكن هذه المرة…لم يكن واقفًا بين خيارين
بل بين قرارين إما أن يتركها… فيخسرها بهدوء
أو يقاتل…ويواجه كل ما هرب منه يومًا
ولأول مرة…لم يكن السؤال
- هل يحبها
بل…هل يستحقها
داخل أحد المطاعم الفاخرة
جلس معها بهدوء و راحه لم يشعر بها من قبل
جلست أمامه…تحاول أن تبدو طبيعية
لكن يدها التي تمسك الكوب كانت ترتجف قليلًا
وعيناها… لم تكن هنا بالكامل
لاحظ ذلك بسهوله… لكنه لم يضغط
قال بخفةٍ يحاول كسر الصمت
- أنا لسه عند كلامي… دي مش عزومة، ده اختبار صبر
ابتسمت ابتسامة خفيفة… بالكاد ظهرت
- وأنت نجحت
هز كتفيه
- لسه… مستني الحكم النهائي
سكتت لحظة…ثم شردت
الصوت…نظراته…اسمها وهو يناديها
كل شيء عاد مرة واحدة
لاحظ أحمد غيابها…فقال بهدوء
- لسه هناك
رفعت عينيها له
- ها
ابتسم ابتسامة صغيرة… فيها فهم و ليس اتهام
- معاه… لسه واقفة معاه هناك
تنهدت ببطء… وكأنها استسلمت للحقيقة
- حاولت أمشي…بس واضح إني سيبت جزء مني واقف
هز رأسه بتفهم
- طبيعي
نظرت له باستغراب خفيف
- طبيعي
- آه....لما حد يوجعنا بجد مش بنبعد منه بسهولة
- بنبعد بجسمنا بس… إنما الباقي بيتأخر شوية
سكتت…ثم قالت بصوت منخفض
- أنا تعبت
لم تكن تشكو…كانت تعترف
- تعبت من إني كل مرة أقف على رجلي… ويرجع يوقعني بنفس الطريقة
صمت أحمد لحظة ثم قال بهدوء
- بس المرة دي… إنتي اللي وقفتي ومكملتيش
نظرت له…كأنها تحاول تصدقه
- وليه حاسه اني أنا بس بهرب
ابتسم ابتسامة خفيفة
- حتى لو هروب… فهو في الاتجاه الصح
سكتت…ثم قالت فجأة
- إنت ليه فاهم اوي كده
نظر لها لحظة طويلة ثم قال بهدوء
- عشان أنا كنت مكانك قبل كده
تجمدت نظرتها
- إزاي
أخذ نفسًا عميقًا كأنه يفتح بابًا قفله منذ زمن
- كنت متجوز
اتسعت عيناها قليلًا
- بجد
هز رأسه
- أيوه
سكت لحظة… ثم أكمل
- كانت كل حاجة بالنسبالي
- مش حب عادي… لأ… أنا كنت شايف حياتي كلها فيها
انخفض صوته…
- بس هي… مكنتش شايفاني بنفس الطريقة
نظرت له باهتمام صادق هذه المرة
- كانت معايا… بس مش ليا
- زي ما يكون قلبها في حتة تانية… وأنا مجرد محطة
ابتسم بسخرية من نفسه
- وأنا كنت فاكر إني مع الوقت هكسبها
صمت لحظة…ثم أكمل
- فضلت أدي… وأستحمل… وأبرر
- لحد ما في يوم… اكتشفت إنها أصلًا كانت بتحب واحد غيري
انقبض قلب آسيا
- وعملت إيه
ضحك ضحكة قصيرة موجوعة
- ولا حاجة
- سبتها
هز رأسه ببطء
- هي اللي سابتني
صمت…ثم قال بهدوء قاتل
- طلبت الطلاق… ومشيت
نزلت عينه للأرض للحظة
- وساعتها فهمت… إن في حب… مهما عملت فيه… مش هيبقى ليك
رفعت آسيا عينيها له و داخلها ألم مختلف
- وجعتك
ابتسم… ابتسامة هادية جدًا
- كسرتني
ثم رفع عينيه لها
- بس علمتني
سكتت… تنتظر
- علمتني إن اللي بيحب بجد… مش لازم يكمل
- وإن التمسك أوقات… بيبقى إهانة لروحك
كانت كلماته تدخلها… بهدوء… لكن بعمق
- عشان كده لما قلتلك… مش إنتي لوحدك اللي اتوجعتي…كنت فاهم أنا بقول إيه
سكتت…ثم قالت بصوت ضعيف
- طب ونسيت
نظر لها…ثم ابتسم نفس الابتسامة الهادية
- لا
سكتت
- بس اتعلمت أعيش من غيرها
نظرت له طويلًا…ثم همست
- وأنا… ليه مش عارفة أعيش من غيره
رد بهدوء
- لسه
رفعت عينيها له
- كل وجع… ليه مدة بس إحنا اللي بنطولها… لما نفضل واقفين عنده
صمتت…لكن هذه المرة لم تكن منهارةكانت… تفكر
وفي مكانٍ ما داخلها بدأ شيء صغير…يحاول ان يتعافى
لكن رغم ذلك…ظل اسمه يتردد في قلبها بإلحاحٍ مؤلم
كأنه…لم ينتهِ بعد
دخلت عليه غرفته
بخطوات ثابتة… لكن قلبها كان مثقلًا بكل ما تحمله من مسؤولية
لم تكن ذاهبة لتطلب…بل لتدافع
رفع أمير عينيه إليها فور دخولها
نظرته حادة… كأنه كان ينتظرها
- في إيه يا آسيا هدي قالتلي انك عايزاني ضروري لوحدنا
لم تلتف… ولم تمهّد
تقدمت خطوة وقالت بهدوء محسوب
- جاية أتكلم في مستقبل البنات
ابتسم بسخرية خفيفة… لا تخلو من غضب
- مستقبلهم ولا تكرري نفس الغلطة تاني
تجاهلت نبرته…
- قاسم ومعاذ متقدمين للبنات وعايزين خطوة رسمية
تصلبت ملامحه فورًا
- مفيش حاجه هتحصل من الكلام الفارغ ده
قالها بحسمٍ قاطع
سكتت لحظة… ثم سألته بثبات
- ليه
رفع صوته قليلًا
- انتي بجد بتسألي
اقترب خطوة…
- دول ولاد اخو آدم
خرج الاسم… مشحونًا بكل ما يحمله من رفض
تنفست ببطء… تحاول ألا تنفعل
- آدم حاجة… وهم حاجة تانية
هز رأسه بعنف
- لا… مش حاجة تانية
اللي اتربى في نفس البيت… بيطلع شبهه
اشتدت عيناها
- الكلام ده ظلم و انت عمرك ما كنت ظالم يا امير
- ده خوف
قالها بقوة
- وأنا كأب… حقي أخاف
اقتربت أكثر…
- تخاف عليهم… ولا تعاقبهم بذنب معملهوش
سكت لحظة…فأكملت بنبرة أعمق
- إنت شايف فيهم آدم… فقررت تقفل الباب
- من غير ما تديهم فرصة يثبتوا إنهم مختلفين
رد بحدة
- وأنا مش مضطر أدي فرصة على حساب بناتي
صمتت لحظة…ثم قالت بهدوء قاتل
- طب وحق بناتك
نظر لها بعدم فهم
- حقهم في إيه
- في إنهم يختاروا…
في إنهم يحبو ويتحبّوا من غير ما يتحاسبوا على ذنب مش ذنبهم
ضيق عينيه
- الكلام ده ينفع في الكتب… مش في الحياة يا اسيا ...انا عمري ما يسمح لعيله المصري تدخل حياتنا تاني
اقتربت خطوة…
- بالعكس… ده اللي ينفع في الحياة أكتر من أي حاجة
- و عيله المصري مش كلها ادم
سكت… فاستغلت لحظة الصمت
- أنا شفتهم…شفت معاذ وهو بيحب شيرين من غير ما يضغط عليها وشفت قاسم… رغم صعوبته بيحاول يقرب لرضوى بطريقته
انخفض صوتها…
- دول مش شبه آدم
رد سريعًا
- وإنتي كنتي شايفة آدم إزاي
تجمدت…السؤال أصابها في نقطة ضعفها لكنه أكمل
- مش كنتي شايفاه ملاك
رفعت عينيها إليه…
وفيها صدق موجع
- كنت شايفاه إنسان… وغلط
سكتت لحظة… ثم أكملت
- بس غلطه مش معناه إن كل اللي حواليه نسخة منه
هز رأسه برفض
- أنا مش هغامر
اقتربت أكثر…صوتها أصبح أهدأ لكنه أعمق
- دي مش مغامرة… ده عدل
- العدل إني أحميهم
قالها بصرامة
ردت فورًا
- والحماية مش معناها الحبس و كسر القلب يا أمير
سكت…فأكملت بنبرة أقسى
- ولا معناها إنك تحرمهم من فرصة ممكن تكون هي الصح… بس عشان إنت خايف
اشتدت ملامحه
- الخوف ده نتيجة تجربة و تجربه صعبه وجعتنا كلنا مش انتي بس
نظرت له بثبات
- وتجربتك كانت مع آدم… مش مع قاسم ولا معاذ
صمت…ثم قال ببطء
- وأنا مش مستعد أعيد نفس الغلطة
تنهدت…
- الغلطة مش إنك تدي فرصة…الغلطة إنك تحكم قبل ما تشوف
نظر لها طويلًا…فقالت بهدوء
- انت مش بتحاكمهم… إنت بتحاكم اسمهم
سكت…وكانت تلك أول مرة يتردد
اقتربت خطوة أخيرة
- آدم… موضوعه اتقفل
قالها بوضوح
- ومش معنى إنه عمهم… إن البنات يدفعوا تمن اللي حصل
صمت ثقيل…ثم أضافت
- لو رفضت… يبقى القرار قرارك بس ساعتها… خليك صريح مع نفسك
نظرت في عينيه مباشرة
- وقول إنك اخترت الخوف… مش مصلحة بناتك
سكت…
طويلًا هذه المرة
كانت كلماتها تصطدم بجدار داخله… بدأ يتشقق
لكنه قال في النهاية… بصوت أقل حدة
- طب اضمن منين ان بناتي ميتوجعوش زيك يا اسيا
ردت بقوه رغم الحزن الظاهر داخل عيناها
- لانهم مش اسيا يا أمير ....و حكايتي معاه عمر ما في حد هيعيشها تاني و لا بحلوها ....و لا بوجعها
ماذا سيحدث يا تري
سنري
انتظروووووني
بقلمي / فريده الحلواني
