📁 آخر الأخبار

رواية العطارين بقلم الكاتبة فريدة الحلواني الفصل السابع عشر

رواية العطارين بقلم الكاتبة فريدة الحلواني الفصل السابع عشر

رواية العطارين بقلم الكاتبة فريدة الحلواني الفصل السابع عشر

رواية العطارين بقلم الكاتبة فريدة الحلواني الفصل السابع عشر



الفصل السابع عشر 
بقلمي 







صباحك بيضحك يا قلب فريدة 



متزعليش على حاجة راحت منك... يمكن ربنا شالها من طريقك علشان يعوضك بحاجة تستاهل قلبك الطيب 

العوض الحلو دايمًا بييجي بعد صبر طويل  فخليكي واثقة في ربنا وأحسني الظن بيه 

أنا بحبك.




















كانت إيمان تقف داخل الغرفة تجمع بعض الملابس بعصبية شديدة  تُلقيها داخل الحقيبة بعنف واضح بينما كان أدهم يتابعها بصمت يعلم جيدًا ما سيأتي 

أغلقت الحقيبة بقوّة  ثم استدارت إليه قائلة بغضب جحيمي:

- أنا مش هسافر يا أدهم... ساااامع؟ مش هسافر 

زفر بضيق وهو يفرك وجهه ثم قال:

- إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟... الحج خد القرار وخلاص ومحدّش يقدر يكسر كلمته... هو خيّرك يا إمّا تسافري معانا يا ترجعي لأهلك

ضحكت بسخرية وهي تشير بيدها:

- والحج دياب كل ما ياخد قرار نمشي وراه مغمضين عنينا؟

مثّلت الحزن  ثم قالت بخبث شديد:

- أنا تعبت يا أدهم... تعبت من كتر ما حد غيرنا بيقرر عننا دايمًا أخوك كلمته ماشية على الكل إحنا لينا حياتنا وهما ليهم حياتهم... إحنا مش شبههم يا أدهم

اقترب منها قائلًا بهدوء، وقرر أن يتعامل معها باللين من أجل أولاده

- الموضوع كبير يا إيمان... أخويا مش بيعمل كده غير لو في حاجة خطيرة فعلًا 

التفتت إليه بعينين دامعتين وقالت بحزن مزيف:

- كبير إيه بس؟... أنا لسه جاية الساحل بالعافية بعد ما زعقتلي قدام عيالك  وعايزني ألم هدومي وأسافر الصعيد فجأة

خفض أدهم عينيه بغلب ثم رفعهما ورد عليها بمهادنة:

- أنا عارف إني غلطت ومكنش ينفع أعمل كده قدام ولادنا

ابتسمت بمرارة  ثم قالت:

- لأ... إنت مغلطتش... إنت بس فكرتني بمكاني الحقيقي... إن رأيي ملوش لازمة قدام رأي أهلك أو أي حاجة تخصهم 

أمسك ذراعها برفق، ثم قال:

- متقوليش كده  إنتي عارفة إني بحبك وبخاف على زعلك... بس المشكلة إنك دايمًا حاطة أهلي في دماغك ومصرّة تبعديني عنهم

نزعت يدها سريعًا وهي تقول بانفعال وغل لم تستطع إخفاءه:

- أومّال أقول إيه؟... إن كل مرّة أخوك الكبير يأمر وإنت تنفذ من غير ما تفكر... حتى لو على حسابي

ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يقول بهدوء:

- المرّة دي مختلفة يا إيمان

- مختلفة إزاي يعني؟

نظر إليها مطولًا، ثم قال بهم:

- لأن دياب خايف

عقدت حاجبيها بدهشة، وقالت:

- دياب... خايف؟... طب إزاي؟ ده راجل جبروت

هز رأسه ببطء  ثم قال:

- أنا عمري ما شوفت أخويا بالشكل ده... فيه حاجة مخبيها وحاجة كبيرة كمان بس إيه هي محدش يعرف

صمتت قليلًا قبل أن تقول باستسلام ظاهري لأن سفرها من الأساس قائم على تعليمات أبيها المشددة ألا تفارقهم مهما حدث:

- أنا مش مرتاحة يا أدهم... حاسة إن السفرية دي وراها مصيبة

اقترب منها وربت على كتفها بحنان  ثم قال:

- طول ما أنا معاكي محدش هيقدر يمسكم بسوء 

نظرت إليه طويلًا قبل أن تزفر بقلة حيلة أتقنتها ببراعة 

- ربنا يستر... فالعموم أنا مقدرش أسيبك إنت وولادي في مكان خطر زي ده من غير ما أكون معاكم

نظر لها بهدوء  لكن داخله لم يكن مقتنعًا بردها... يعلم أنها تخفي شيئًا وسيعرفه مهما كلفه الأمر 

في صباح اليوم التالي... توقفت سيارات آل العطارين تباعًا أمام بيت العائلة الكبير في الصعيد 

ما إن دوى صوت أبواق السيارات حتى انفتح باب الدار الكبير ليخرج منه الحاج رجب مهرولًا تجاههم  ومعه صالح ومصطفى... أما زوجته فوقفت عند الباب الداخلي لاستقبالهم بتكبر كي تفرض شخصيتها منذ اللحظات الأولى 

- ديااااااب 

هتف بها بصوت متهدج، قبل أن يسرع نحوه 

ترجّل دياب من السيارة وما إن وقعت عيناه على أخيه حتى اتسعت ابتسامته لأول مرة منذ أيام... احتضن الرجلان بعضهما بقوة وسط تأثر الجميع 

- وحشتني يا خوي... أخيرًا عاودت دارك كيه تجعد فيها  مكتش هتعتبها غير لو في نصيبه فالبلد 

قالها رجب بصوت مختنق ليجيبه دياب وهو يربت على ظهره:

- وإنت كمان يا رجب... وحشتني الدار كلها... لااااا البلد كلياتها 

اقترب خميس وأدهم ليحتضنا أخاهما الرابع بينما علت أصوات الترحيب والضحكات بين شباب العائلة... أما الفتيات فوقفن بخجل

أكثرهم اشتعالًا من الداخل هو عبدالعزيز، الذي كان يتابع صالح بترقب ليرى إذا ما كان ينظر لحبيبته أم لا

ومصطفى... ذلك الصلب الصامت دائمًا كان يرمق تاليا بغل بسبب تلك الثياب الفاجرة... من وجهة نظره

تحركوا نحو الداخل وفي الطريق مالت أماني لتهمس لسيدة ودلال قائلة بغيظ:

- بصوا بهية بنت الكلب... مش هاين عليها تطلع تستقبلنا

ردت دلال بغيظ:

- عايزة ترسم نفسها وتبين إنها صاحبة المكان بقى 

أكملت عنها سيدة:

مش كفاية علينا بنت الدرملي... إيه الوقعة السودة دي يا ربي

وسط كل هذا اقترب سعد من الفتيات سريعًا ثم لف ذراعه حول صغيرته التي شعر بخوفها الشديد... نظر لها بحنان لكنه قال بقوة :

إيه يابا... فوقي كده... خايفة من إيه؟

- مش اتفقنا إن مفيش حاجة تخوف وإنا جنبك دايمًا... مش عايز أشوفك كده... أمين

هزّت رأسها ببطء فأكمل بوقاحة بعد أن قبل وجنتها بتبجح : 

- شوية وهطلع بيكي فوق عشان أفهمك براحتنا... أصلًا معاد الدرس الجديد جه خلاص

ما إن دلف الجميع إلى داخل الدار حتى توقف دياب فجأة في منتصف الصالة

نظر حوله طويلًا... إلى الجدران... إلى الصور القديمة... إلى السلم الخشبي العتيق

ثم همس بصوت لم يسمعه أحد سواه :

- سامحني يا بوي... سامحني إني اتأخرت كل السنين دي

فجأة... لمحت عيناه شيئًا جعل الدماء تتجمد في عروقه

شيئًا لم يكن من المفترض أن يكون هناك أصلًا

تسمر في مكانه... بينما شحب وجهه فجأة

انتبه خميس إلى حالته فقال بقلق : 

 - مالك يا دياب... إنت تعبان من الطريج ولا إيه؟

أشار دياب إلى الحائط بيد مرتجفة

التفت الجميع نحو المكان الذي ينظر إليه... لتتسع أعينهم بصدمة

فالصورة العائلية الكبيرة التي التقطت منذ أكثر من ثلاثين عامًا...

كانت معلقة في مكانها... لكنها لم تعد كما كانت

فقد اختفت منها صورة شخص واحد فقط... وكأن أحدهم تعمد تمزيق وجهه من الصورة

شخص يعرفه الجميع جيدًا

ساد الصمت داخل أرجاء المكان للحظات طويلة... صمت ثقيل كأن الزمن توقف داخله

تجمدت نظرات الجميع على الصورة المعلقة فوق الحائط... بينما شعر خميس بقشعريرة تسري في جسده وهو يقترب منها ببطء ثم قال بصدمة : 

- مين اللي عمل إكده؟

خرج صوته خافتًا وهو يمرر أصابعه فوق أطراف الصورة الممزقة

أما أدهم فالتفت نحو رجب بحدة وقال :

إنت شفت الصورة دي آخر مرة إمتى يا رجب؟

قطب رجب حاجبيه ثم اقترب منها... وما إن وقعت عيناه عليها حتى اتسعتا بصدمة

  - قال بصدق يملؤه الصدمة

 - والله العظيم ما كانت إكده... أني شوفتها امبارح وهي سليمة

اشتدت ملامح دياب أكثر بينما كان يحدق في مكان الصورة الممزقة وكأنه يرى شبحًا من الماضي

انتبه صالح إلى حالة عمه فقال بقلق : 

عمي... إنت زين؟... تعال اجعد

انتفض دياب على صوته وكأنه عاد من عالم آخر ثم قال بصرامة

- شيلوا الصورة دي من اهنيه

نظر إليه الجميع بدهشة

- نشيلها؟... ليه يا خوي؟

قالها خميس باستغراب... لكن دياب كرر حديثه بنبرة لا تقبل النقاش

- جولت شيلوها دلوك

أسرع مصطفى بإنزال الصورة بينما تبادل الجميع النظرات في حيرة

لم يفت على صالح ذلك الارتباك الواضح على وجه عمه فاقترب من والده هامسًا

- فيه إيه يا بوي؟... ماله عمي عامل أكده ليه؟

زفر رجب بضيق ثم قال :

- اسكت يا ولدي... مش وجت حديت دلوك... ربنا يجيب العواجب زينة

لم يقتنع... فمنذ أن وطأت أقدامهم تلك الدار والجميع يتصرف بغرابة


























بعد مرور ساعة... كانوا مجتمعين حول مائدة الغداء الكبيرة إلا أن الأجواء كانت متوترة بشكل ملحوظ... حتى النساء لاحظن الأمر

- همست إيمان إلى زوجها بخبث :

مالكم كلكم؟... من ساعة ما دخلنا البيت وشكم اتغير؟

نظر إليها أدهم ثم قال بهدوء مريب

- مفيش حاجة... متشغليش بالك

رمقته بنظرة غير مصدقة لكنها آثرت الصمت

أما دياب... فكان شاردًا لا يكاد يلمس طعامه... ويتابعه ابنه الأكبر والذي كان الأكثر صمتًا وهدوءًا بينهم

وفجأة... ارتفع صوت طرقات قوية على باب الدار الخارجي

توقفت الأحاديث دفعة واحدة... نظر الجميع لبعضهم باستغراب

قال رجب باستغراب وهو ينهض :

- مين اللي جاي في وجت زي ديه؟

سبقه دياب ليقف بسرعة أربكت الجميع

- استنى... أني هفتح

نظر إليه خميس باستغراب وقال :

- مالك يا دياب؟

لم يجبه... اتجه نحو الباب بخطوات بطيئة بينما كانت دقات قلبه تتسارع بصورة مخيفة

تحرّك خلفه سعد كي يكون في ظهر أبيه

فتح الباب... وتجمد في مكانه

اتسعت عيناه بصدمة وهو يحدق في الرجل الواقف أمامه

رجل تجاوز الستين بقليل يرتدي جلبابًا أسود ويمسك بعصا خشبية في يده

ابتسم الرجل ابتسامة غامضة وقال بهدوء :

- حمد لله عالسلامة يا حاج دياب...

ثم أضاف وهو ينظر إلى الجميع خلفه

- الظاهر إن عيلة العطارين اتجمعت أخيرّا

شحب وجه دياب بصورة ملحوظة بينما همس خميس بذهول :





















- الشيخ عمران

أما الرجل فاكتفى بالنظر إلى دياب قائلًا

- جولتلك زمان... السر عمره ما بيفضل مدفون يا دياب

وسقط الصمت على الجميع من جديد... لكن تلك المرة كان صمتًا يسبق العاصفة

تجمدت ملامح دياب بالكامل بينما شعر الباقون بأن كلمات الشيخ عمران لم تكن مجرد ترحيب عادي بل هي بمثابة عود ثقاب أُلقي على الحطب ليشعله

- تقدم رجب بخطوة للأمام قائلًا باستغراب:

خير يا شيخ عمران... إيه اللي جابك الدار في وجت زي ديه؟

حول الشيخ عمران نظره بين الوجوه قبل أن يستقر بعينيه على دياب الذي كان يقف صامتًا كالصخر ثم قال بغموض:

- جالي خبر إن العيلة كلها اتجمعت وجولت أجي أسلم عليكم... ولا إيه يا دياب... مش دي الأصول بردك؟

- ضغط دياب على فكه بقوة قبل أن يرد بجمود:

اتفضل يا شيخ عمران

دخل الرجل بخطوات هادئة لكن هيبته كانت كافية لإثارة القلق داخل الجميع

جلس في صدر المجلس بعد إلحاح من رجب بينما جلس الرجال من حوله في صمت

قطع خميس الصمت قائلًا:

- طول عمرك مبتجيش من غير سبب يا شيخ عمران... جول اللي عندك

ابتسم الشيخ ابتسامة غامضة ثم قال:

- يمكن صوح... أني مجيتش من غير سبب

تبادل الإخوة النظرات بينما شحب وجه دياب أكثر

أكمل الشيخ وهو ينظر مباشرة إلى دياب:

من تلاتين سنة يا دياب... وقفت إنت وإخواتك في نفس الدار دي... وخدتوا قرار غيَّر حياة ناس كتير

هُنا انتفض أدهم قائلًا بحدة:

- قرار إيه؟... احنا مخدناش أي قرارات زمان غير السفر إسكندرية والقاهرة

هتف دياب بغضب:

- عمررررران... كفاية

لكن الشيخ لم يلتفت إليه... أكمل بقوة:

- أني ساكت من سنين طويلة عشان وعد جطعته... لكن الوعد انتهى... مرضيتش أتكلم يوم ما جطعتوا راس عويضة... جولت أصبر لما المصيبة تعدي... واهي عدت

وقف دياب فجأة وقال بغضب جحيمي:

- جولت كفاية... لو مفكر إني هسمحلك تولع في عيلتي تيجي غلطان... بعّد عنينا يا عمران... وأني خابر زين اللي هعمله

ساد الصمت... فقد كان الجميع يرون دياب غاضبًا كثيرًا لكنهم لم يروه خائفًا قط

أما الشباب... فكانوا يراقبون المشهد بعيون مشتعلة وقال أيمن بقوة:

- عمي... إحنا من حقنا نفهم

التفت إليه دياب بحدة ثم قال بحسم:

- هياجي... الوجت المناسب اللي هتعرفوا فيه كل حاجة

لم يصمت الشيخ عمران بل قال بهدوء مريب:

- الوجت المناسب فات من سنين يا دياب

أخرج من جيب جلبابه ظرفًا قديمًا أصفر اللون ووضعه أمام دياب

نظر الجميع إلى الظرف في صمت

أما دياب... فبمجرد أن وقعت عيناه عليه ارتجفت يده

همس رجب بصدمة:

- معجول... الخط ده...

رفع دياب رأسه ببطء نحو الشيخ عمران وقال بصوت أجش:

- جايبه من وين الجواب ديه؟

رد الشيخ بهدوء:

- ما جبتوش... صاحبه هو اللي بعته

قطب خميس حاجبيه وقال بعدم فهم:

- صاحبه... كيف يعني؟ ومين صاحبه ديه؟

صمت الشيخ لثوانٍ قبل أن ينطق بالجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع:

- المرسال جابه من مصر... من الحاج زين

ساد الصمت... صمت مرعب

فالحاج زين مات منذ خمسة وعشرين عامًا

تسمرت الأعين على الشيخ عمران بينما شحب وجه رجب فجأة حتى ظن صالح أن والده سيسقط أرضًا من شدة الصدمة

أما خميس فقد نهض من مكانه صارخًا:

- إيه الحديت الماسخ ديه يا شيخ عمران؟... أبونا مات من خمسة وعشرين سنة

هز الشيخ عمران رأسه ببطء ثم قال:

- أني جولت اللي عندي... الجواب وصلني من أسبوع... والمرسال حلف بالطلاج إنه استلمه من راجل عجوز

 جاله بنفسه وقاله... وصّله لولادي العطارين لما يتجمعوا كلياتهم في الدار

ابتلع أدهم ريقه بصعوبة قبل أن يسأل بصوت مرتجف:

والمرسال وصف الراجل؟

نظر الشيخ عمران إلى دياب قبل أن يقول:

- وصفه بالحرف... مش طويل جوي... جلابية بيضا... عكاز من الأبنوس... وعلامة حرج صغيرة تحت دجنه الشمال

شهقت إيمان بخفوت بينما تجمد دياب تمامًا

فهذا الوصف... وصف الحاج زين غنيم حرفيًا

واسم زين لا يعرفه الكثيرون فهو معروف باسم عبد الحي منذ أن وُلد

انتبه صالح إلى شحوب وجه عمه فاقترب منه قائلًا بقلق:

- عمي... إنت زين؟

لم يجبه دياب بل ظل محدقًا في الظرف وكأنه يرى شبحًا أمامه

تدخل رجب أخيرًا قائلًا بصوت أجش:

- افتح الجواب يا خوي

رفع عينيه إلى أخيه ثم أمسك الظرف بيد مرتجفة

ساد الصمت في أرجاء المندرة حتى صوت أنفاسهم كاد أن يُسمع

فتح الظرف ببطء شديد ثم أخرج ورقة قديمة اصفرّ لونها بفعل الزمن

بدأ يقرأ أول سطر... وما إن وقعت عيناه عليه حتى سقطت الورقة من يده

انتفض الجميع

- مالك يا دياب

لم يجب... انحنى سعد سريعًا والتقط الورقة 

لكن قبل أن يقرأ حرفًا واحدًا انتزعها دياب من يده بعنف وهو يهتف بغضب

- محدّش يلمس الورقة دي

ساد الصمت مرة أخرى... نظر إليه سعد بصدمة ثم قال :

- ليه يابا... في ايه... قول وإحنا في ضهرك

تنفّس دياب بعنف قبل أن يقول :

- لأن اللي مكتوب فيها... لو اتعرف دلوك العيلة دي كلاتها هتضيع

قطب مصطفى حاجبيه قائلا بغضب مكتوم :

- يعني إيه الحديت ديه يا عمي 

أغلق دياب عينيه لثوان ثم قال بصوت مبحوح

- من النهاردة... محدّش يخرج من الدار لوحده

 ومحدّش يتحددت مع أي غريب ومحدش يسألني عن أي حاجة

نهض خميس غاضبا: 

- لا والله... وإحنا هنفضل جاعدين مستنيين المصيبة تنزل علينا واحنا مش فاهمين حاجة

وقبل أن يرد دياب... دوى صوت إطلاق نار بالخارج

انتفض الجميع من أماكنهم....هرع صالح ومصطفى إلى الباب بينما أخرج جلال سلاحه سريعًا

لكن دياب صرخ فجأة :

- محدّش يخرج برة

التفتوا إليه جميعا بذهول... أمّا هو فكان ينظر إلى الباب المفتوح وعيناه تمتلئان بالرعب

 قبل أن يهمس بصوت بالكاد سمعوه :

- خلاص... عرفوا إننا وصلنا


تبادل الجميع النظرات بصدمة بعد كلمات دياب الأخيرة بينما كان صوت الرصاص قد توقف كما بدأ فجأة

نهض خميس بعصبية وهو يقول :

- مين اللي عرفوا  يا دياب... وإحنا بنستخبى من مين أساسًا

هو احنا لينا أو علينا طار مع حد غير عويضه ؟

لم يجبه... بل اتجه ناحية النافذة وأزاح الستارة بحذر شديد ثم أطلق زفرة طويلة وهو يغلقها مرة أخرى

- محدّش هيخرج... كلمتي هتمشي على الكل

صاح أدهم وقد نفد صبره

- لا يا دياب... كده كتير... إحنا مش عيال صغيرة عشان تتعامل معانا بالطريقه دي


تدخّل رجب لأول مرة منذ وصول الشيخ عمران  الذي غادر دون أن يتفوّه بحرف بعد أن سلّم الخطاب ....وقد بدت عليه علامات القلق الشديد :

- جول يا دياب... خلصّنا إيه اللي بيحصل

أغلق دياب عينيه لثوانٍ قبل أن يفتحهما من جديد لكن قبل أن ينطق

 انفتح باب المندرة فجأة ليدلف صالح ومصطفى اللذان كانا قد خرجا رغم تحذيره

و خلفهم نصر و حمزه 

- قال مصطفى بلُهاث :

-مفيش حد بره يا بوي... بس...

توقف عن الحديث وهو ينظر إلى عمه بتوتر

قطب رجب حاجبيه و سأل بتوجس :

- بس إيه يا ولدي.... انطج

أخرج صالح شيئا من جيبه ووضعه على الطاولة أمام الجميع

كانت... طلقة رصاص لكنها لم تكن الشيء الذي أثار الرعب

بل الورقة الصغيرة الملفوفة حولها

مدَّ دياب يده بسرعة خاطفة والتقط الورقة لكن خميس سبقه هذه المرة وانتزعها منه بعنف

- كفاية يا دياب

فتح الورقة وبدأ يقرأ ما بها لتتسع عيناه تدريجيًا

- افتكروا الوعد... لأن الحساب قرب

ساد الصمت.....نظر أدهم إلى أخيه بصدمة  قال :

- وعد إيه... انا مش فاهم حاجه

 لم يستطع دياب أن يرد عليه بل جلس على المقعد خلفه وكأنه فقد القدرة على الوقوف

اقترب منه رجب ببطء وقال بصوت خافت : 

- معجول يكون... رجع

رفع دياب رأسه إلى أخيه وكانت عيناه تحملان خوفًا لم يره أحد فيه من قبل

- لو كان هوَّ... يبجى إحنا كلنا في خطر

انتفض جلال واقفا ثم قال بنفاذ صبر :

- حد يفهمنا يا جدعان... مين هو  وإيه اللي عملتوه زمان

وقف دياب فجأة وقال بحسم :

- اللي حصل زمان يفضل مدفون و لو حد فكر يطلعه... هدفنه معاه بايدي

رد صالح حمزه يشبه عناد عمه :

- والماضي أهو جه لحد عندنا يا عمي... يبقي نعرف الليله بقى

قبل أن يرد دياب دوى صوت صراخ نسائي حاد من الطابق العلوي

شهقت النساء بينما اندفع الجميع نحو السلم

صعدوا مسرعين ليجدوا بهيه تقف أمام إحدى الغرف وجهها شاحب وعيناها متسعتان من الرعب

اقترب منها رجب بسرعة ثم قال بلهفه :

مالك يا وليه ...إيه اللي حوصل؟

أشارت بيد مرتجفة إلى داخل الغرفة وهي تهمس:

- الأوضة... الأوضة دي كانت مجفوله

قطب رجب حاجبيه و قال :

- أيوه....دي أوضة أبوي الله يرحمه محدّش بيدخلها

ابتلعت بهية ريقها بصعوبة ثم قالت :

- آني لجيت الباب مفتوح لما دخلت  دلوجت... لجيت حاجة على السرير

اندفع الجميع إلى الداخل وما إن وقع بصرهم على الفراش حتى تجمدوا في أماكنهم

فوق الوسادة البيضاء القديمة... كان هناك عكاز أسود من الأبنوس

العكاز الخاص بالحاج زين 

العكاز الذي دفن معه منذ خمسة وعشرين عامًا

تراجع الجميع للخلف في صدمة بينما كان دياب ينظر إلى العكاز وكأنه رأى شبحا أمامه

همس رجب بصوت مرتعش:

- مستحيل... العكاز ديه اندفن معاه

اقترب سعد من الفراش وأمسك العكاز... قلّبه بين يديه عدة مرات ثم قال بجدية :

- لا يا عمي... ده مش نفس العكاز... ده مش بتاع جدي

التفتت إليه الأنظار دفعة واحدة

رفع سعد العكاز مشيرًا إلى أسفله ثم قال بذكاء:

- بصوا... محفور عليه حرف ... س
















خطف دياب العكاز من يده بسرعة وما إن وقعت عيناه على الحرف حتى شحب وجهه بشدة

لاحظ خميس الأمر فقال بحدة:

- إيه حكاية الحرف ده يا دياب

أغلق دياب قبضته على العكاز بقوة حتى برزت عروق يده وهو يقول بصوت أجش:

- محدّش يسأل عن حاجة.....ما تسمعو الكلاااااام بقى

صاح أدهم بعصبية:

- لا هنسأل... إحنا مش ضيوف عندك إحنا عيلة  ومن حقنا نعرف

صمت دياب طويلًا ثم قال اخيرًا بعد أن نظر الى سعد ليؤازره

- من تلاتين سنة... كان لينا أخ خامس

ساد الصمت.....نظر الجميع إليه بصدمة و قالوا في نفس اللحظة: 

- أخ خامس؟!

أومأ دياب برأسه ببطء ثم أكمل:

إسمه سليمان

اتسعت عينا رجب بينما هتف خميس بخوف:

- دياب...

 رفع يده مانعًا إياه من الحديث ثم قال بحسم:

- كفاية سكوت... اللي جاي أخطر من إننا نفضل مخبيينه

انا مكنتش ناوي اتكلم بس آدام وصلت أنه دخل البيت من غير 

ما حد يحس يبقى لازم تعرفوا الحقيقة

جلس الجميع في صمت تام بينما أكمل دياب:

- سليمان كان أصغرنا... وأكتر واحد أبويا كان بيحبه

لكن في يوم حصلت مصيبة قلبت حال العيلة كلها

ابتلع ريقه بصعوبة ثم أكمل:

- سليمان اتهم أبونا إنه حرمه من حقه في الميراث

 و طلع من الدار بعد خناقة كبيرة... يومها بعتلنا صاحبه يبلغنا

إنه راجع ياخد حقه ولو بعد مية سنة

همس رجب بقهر:

- وبعدها بأسبوع... لجينا عربيته مجلوبه في الجبل

أكمل خميس بصوت خافت:

- وطلّعوا الجثة متفحمة

قطب سعد حاجبيه ثم قال :

- يعني اخوكم  مات جوه العربية؟

رفع دياب عينيه إلى ابنه وقال:

- لا يا سعد... إحنا عمرنا ما شفنا الجثة

ساد الصمت من جديد... ثم أردف:

- والنهاردة... بعد تلاتين سنة...  في حد بيفكرنا بسليمان

تجمّدت ملامح الجميع... أما مصطفى فقال ببطء:

- تجصد إن عمنا سليمان... ممكن يكون عايش

وقبل أن يجيب دياب...دوى صوت إطلاق نار جديد بالخارج

ثم أعقبه صوت جهوري قوي اخترق سكون الليل

يقول بغل شديد ........





ماذا سيحدث يا ترى 



سنرى



انتظروووووني 



بقلمي / فريده الحلواني

تعليقات