📁 آخر الأخبار

رواية العطارين بقلم الكاتبة فريده الحلواني الفصل الثامن عشر

 رواية العطارين بقلم الكاتبة فريده الحلواني فقط وحصريا الفصل الثامن عشر 

رواية العطارين بقلم الكاتبة فريده الحلواني فقط وحصريا الفصل الثامن عشر

رواية العطارين بقلم الكاتبة فريده الحلواني فقط وحصريا الفصل الثامن عشر







روايةالعطارين 
بقلمي 
الفصل الثامن عشر 
صباحك بيضحك يا قلب فريده
إوعي ترخصي نفسك ولا توقفي عشان حد... كل خطوة بتاخديها النهارده بتقربك من الحلم اللي مستنيكي
خليكي مؤمنة إن ربنا بيجهزلك حاجة أحسن بكتير من اللي نفسك فيها
بس كملي ومتيأسيش... هتوصلي لأحسن ما بتتمني أنا واثقة
وبحبك
صوت إطلاق نار قوي أعقبه صوت جهوري يقول بقوة
- أني عدنان الجبالي... دار العطارين دي داري
- اللي هيجرب منيها ملوش دية عيندي
خرج الرجال سريعًا... رأوا عدنان يقف وسط رجاله... تحرّك ليقف أمامهم ويقول برجولة:
- وصلني اللي حوصُل... رجالتي تحت رجليكم
- من دلوك هيضلوا اهنيه محاوطين الدار
- وخلي كلب يجرّب منيكم
أطلقوا جميعا كلمات الشكر والامتنان ثم قال سعد بقوة: 
- تسلم يا غالي... بس رجالة العطارين تسد عين الشمس
- واللي يفكر يهوب عتبة بيتنا... يعدي على جثثنا الأول
أكمل دياب عن ولده وقد استعاد قوته أخيرًا:
- تعالى نتكلم جوه يا عدنان
تحرّك الجميع نحو الداخل وبعد أن جلسوا وقدموا واجب الضيافة
بدأ عدنان حديثه قائلا باستغراب:
- أني هتجن... سعفان جاب الجوة دي من وين؟
- معجوله عجلة اتخربط عشان ياجي ويضرب نار أهنيه؟
نظروا جميعًا إلى دياب في نفس اللحظة... لا أحد يستطيع أن يجيب على تلك الأسئلة غيره
قال بصوت هادئ في ظاهره وفي الباطن بركان أوشك على الانفجار:
- مش سعفان... ديه سليمان خوي... فاكره يا عدنان؟
انتفض من مجلسه وقال بصدمة
- واااااه... سليمان... كيف ديه؟
- سليمان كان صاحبي ومات وشبع موت يا حج دياب
ابتسم بهم ثم قال:
- بس محدّش شاف الجسة... كل اللي بيحصل من أول ما وصلنا
ورسالة الحج عمران... كل حاجة بتقول إنها هو
سأله باهتمام يشوبه الحذر:
- طب هيعمل أكده ليه مش فاهم؟... أني وهو كنا صحاب من أيام المدرسة
- كان واد جدع ورجولة... كيف يزيف موته ويوجعنا عليه؟
بالأعلى... أغلقت إيمان باب غرفتها بهدوء ثم نظرت إلى الشرفة تراقب حركة الرجال في ساحة المنزل الكبير
همست وهي تخرج هاتفًا صغيرًا من حقيبتها:
- يارب ترد قبل ما حد يكتشف غيابي
ضغطت على رقم محفوظ عن ظهر قلب ولم يمر سوى ثوان حتى جاءها صوت رجل وقور يحمل نبرة قوة وخبرة السنين
- أيوه يا إيمان... إيه الأخبار؟... قوليلي بالظبط إيه اللي حصل؟
خفضت صوتها أكثر وأخذت تسرد كل شيء منذ لحظة وصولهم إلى الصعيد... رسالة الحاج عمران... إطلاق النار... ثم الخبر الذي قلب الموازين
- بيقولوا إن سليمان... لسه عايش
ساد الصمت للحظات قبل أن يأتيها صوته متماسكا
- مين سليمان ده؟... شكله إيه وإنتي تعرفيه؟
- لا... والله يا بابا... أنا أصلا عمري ما كنت أعرف إن أدهم له أخ اسمه سليمان













































أول مرة أسمع الاسم كانت هنا
- أهم حاجة إنتي لوحدك دلوقت؟... في حد عرف إنك بتكلميني؟
- أبدًا... محدش واخد باله... الكل ملهي في المصايب
اللي واقعة على دماغهم من أول ما وصلنا
تنهد الرجل ببطء ثم قال بنبرة تحمل أكثر مما تظهر: 
- يبقى اسمعيني كويس... أي كلمة تسمعيها وأي حركة تحصل عندك تبلغيني بيها أول بأول... ومهما حصل... متدخليش نفسك في أي حاجة
نظرت أمامها بشرود ثم قالت بهدوء: 
- حاضر يا حبيبي... اللي تشوفه
صمت لحظة ثم أردف بصوت غامض:
- واضح إن الدنيا هتولع... واللي هيولعوها ظهروا أسرع مما توقعت
ارتسمت على شفتي إيمان ابتسامة خبيثة ثم قالت:
- متقلقش يا بابا... كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا
- خليكي فاكرة... الغلطة المرة دي تمنها كبير
أنهى المكالمة... وظلت تنظر إلى شاشة الهاتف لثوان ثم أخفته في مكانه كأن شيئا لم يكن
في الأسفل داخل جناح السيدات... كانت أماني ودلال وسيدة يجلسن في صمت ثقيل وكل واحدة منهن تحمل في عينيها ألف سؤال
قطعت أماني الصمت وهي تزفر بقوة: 
- والله ما عدت فاهمة حاجة... الدار اتقلب فوق دماغنا في يوم وليلة
- هزت دلال رأسها وهي تعبث بطرف طرحتها:
- مرة يقولوا سعفان... ومرة يقولوا سليمان... ومرة نار وضرب... الواحد بقى خايف حتى يسأل
تنهدت سيدة قائلة:
- ربنا يسترها على ولادنا... أنا حاسة اللي جاي مرار طافح
جلست بهية في طرف المجلس تراقبهن بنظرات متعالية ثم قالت بسخرية:
- إنتوا مكبرين الموضوع ليه؟... يعني راجل طلع عايش بعد ما كل الخلج فاكرينه مات
فيها إيه يعني؟... وكلت ديه من تحت يد الحج اللي المفروض كبيرنا
التفتت إليها أماني بنظرة باردة ثم قالت بغموض و بغل حاولت كبته: 
- اللي مالوش كبير... ميعرفش قيمة الكبير يا بهية

ابتسمت بهية باستهزاء: 
- ولا يمكن الكبير نفسه مخبي بلاوي محدّش يعرفها
اشتعلت عينا دلال لكنها تماسكت و هي تقول:
- خلي كلامك بميزان يا بهية... دي دار العطارين واللي ليه كلمة فيها معروف
رفعت بهية كتفيها بلا مبالاة و قالت بحقد:
- أني مجولتش غير اللي الكل خايف يجوله
ساد الصمت مرة أخرى... لكن هذه المرّة لم يكن صمت حيرة...
بل صمت يسبق انفجارًا جديدًا وكأن أسرار العائلة بدأت تخرج واحدًا تلو الآخر ولم يعد أحد يعرف من الصادق... ومن الذي يخفي وجهه الحقيقي

ابتلعت أماني غضبها بصعوبة ثم قالت وهي تنظر إلى بهية نظرة حادة:
- أنا مستغربة... الدار كلها واقفة على رجلها من اللي بيحصل وإنتي قاعدة ترمي كلام ملوش عازة... لمي لسانك يا بهية عشان أنا لو قومت عليكي محدّش يعرف يقعدني
أجابت بهية ببرود وهي تعدل طرف إسدالها:
- هو آني كدبت... ولا إنتوا خايفين من الحجيجة
ضربت سيدة كفًا بكف وقالت بضيق:
- يا بت بطّلي رط مالوش عازه... ربنا عالم كل واحدة شايلة هم إيه في قلبها
تنهّدت دلال وقالت وهي تنظر نحو الباب:
- أنا أول مرّة أشوف الحاج دياب بالشكل ده... 
الراجل كان عامل زي الجبل النهارده حسيت إن الحِمل كسر ضهره
هزّت أماني رأسها في أسى و قالت بحزن على زوجها الحبيب:
- ديه مش أول مصيبة تحصل للعيله... بس أول مرة أحس إن العدو عارف اللي
جوّه بيتنا وداخل علينا من كل ناحية
صمتت النسوة قليلا... وفجأة سمعن وقع خطوات سريعة في الممر
دخلت إحدى الخادمات وهي تلهث قائلة:
- الحج دياب طالب الجهوة تتجهز للمجلس... والرجالة لسه قاعدين
وقفت اماني سريعًا و هي تقول: 
- يلا بينا ... كل واحدة تشوف شغلها
  لم تتحرك بهية... ظلت جالسة مكانها وعيناها تضيقان وكأنها تفكر في شيء بعيد
راقبتها أماني بطرف عينها ثم قالت بنبرة خافتة لا تخلو من التحذير:
- مالك يا بهيه... شكلك سرحان في حسبة تانيه غير اللي احنا فيها
ابتسمت بهية ابتسامة باهتة لتخفيف خوفها ثم قالت: 
- كل واحد وله حسبة يا أماني... والأيام هي اللي هتبيّن مين كسب ومين خسر

لم يعجب الرد أيًا منهن لكن لم تعلق واحدة... خرجت النسوة تباعًا وبقيت  وحدها للحظات
التفتت حولها لتتأكد أن المكان خالٍ ثم أخرجت من جيب عباءتها هاتفا صغيرًا كانت تخفيه
نظرت إلى الشاشة ثم كتبت رسالة قصيرة جدًا:
- الدار كلها اتجلبت... وعدنان الجبالي وصل
أرسلتها في ثوان وأعادت الهاتف إلى مكانه قبل أن يراها أحد
ارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة ثم تمتمت بصوت لا يكاد يُسمع:
لسه البداية...

وفي الأسفل... كان المجلس قد عاد يغرق في الصمت قبل أن يقطعه الحاج دياب وهو ينظر إلى عدنان وقال بصوت ثابت
- عدنان... أني عندي إحساس إن  سليمان معاه حد تاني... مش  لوحده
قطب عدنان حاجبيه وقال:
- تجصد إيه...
رد دياب وهو يشبك أصابعه أمامه:
- أقصد إن في حد من زمان مستني اللحظة دي... وحد من جوه البلد بيوصله كل خبر
ساد الصمت...وتبادل الرجال النظرات
لأول مرة... بدأ الشك يدخل بين أهل العطارين أنفسهم

في بيت عويضة... كان الليل قد ألقى بثقله على منزلهم لكن مجلس الرجال هناك ايضًا لم يعرف للهدوء طريقًا
جلس سعفان  في المنتصف وإلى جواره رجال العائلة... الوجوه كلها مشدودة بعد أن وصلهم الخبر... قطع الصمت عوض ابن عمه وهو يقول بحدة:
- جول يا سعفان... إنت اللي بعت رجال تضرب نار على دار العطارين
ارتفعت عيون الجميع إليه تنتظر الإجابة
انتفض سعفان واقفًا وضرب كفه في صدره بقوة:
- وكتاب الله العظيم... آني لا  بعت رجالة ولا جولت لحد يروح هناك
قال رجل آخر بشك:
-بس البلد كلاتها هتجول سعفان هو اللي عملها
 بينكم تار والناس مش هتصدج غير أكده
زم سعفان شفتيه في غيظ ثم قال:
- وديه اللي محيرني... اللي عملها عايز يولعها بينا وبين العطارين ويخلينا نلبسها
آني هاخد بتاري منيهم بس مش في الخفى كيه الحراميه
سأله عمه وهو يحدق فيه بقوّة:
- طب مين له المصلحة يعمل إكده؟
هزّ سعفان رأسه بعصبية و قال بجنون:
- لو أعرف... كنت جبت راسه و حطيتها تحت رجلي
دخل أحد الرجال مهرولًا وهو يلهث:
- إلحج يا سعفان... مصيبة ووجعت فوج روسنا
التفت إليه الجميع بتوجس و خوف
- عدنان الجبالي وصل دار العطارين بنفسه... ونزل برجالته يحاوطوا الدار كلها
ساد الصمت... وكأن الخبر وقع عليهم كالصاعقة
بُهت وجه سعفان واتسعت عيناه دون إرادة
تمتم بصوت خافت:
- عدنان... راح برجالته عنديهم
أومأ الرجل ثم قال:
- إيوه... وواجف معاهم جدام الباب وجال إن دار العطارين داره واللي يجرّب منيها ملوش دية عنديه
قبض سعفان على عصاه حتى ابيضّت مفاصله ثم قال بغل:
- يعني بيعلن عداوته لينا وياهم
قال عوض بقلق:
- إكده الجبالي والعطارين بجيوا يد واحدة... واللي هيجرّب منيهم هيجف جصاد التنين
ظل سعفان صامتًا لحظات ثم جلس ببطء وكأنه يحمل فوق كتفيه جبلًا
قال وهو ينظر في الفراغ:
- ديه مش لعب عيال... عدنان عُمره ما يدخّل نفسه في خصومة مش خصومته يبجى فيه حاجة كبيرة مستخبية... مش جصة تارنا و بس.
رفع رأسه فجأة ونظر إلى رجاله ثم قال :
- اسمعوني زين...
وقف الجميع في انتظار أوامره
- جبل ما يطلع النهار أعرفوا مين اللي ضرب النار
 ومين اللي لف حوالين دار العطارين ومين اللي نشر خبر إن أني ورا اللي حوصُل
أشار إلى اثنين من رجاله ثم أكمل:
- إنت تروح النجع اللي جنبينا... وإنت تلف على المخبرين بتوعنا واللي يوصلني بخبر صوح... له اللي يتمناه
ردوا جميعا بحماس:
- حاضر يا كبير
وقبل أن يخرجوا استوقفهم سعفان مرة أخرى و قال بتحذير:
- واسمعوا الكلمة دي زين... محدّش من رجالنا يهوّب ناحية دار العطارين
 ولا حتى يعدي من جدامها اللي عايز يولعها بينا وبينهم مش هياخد اللي عايزه
هزّ الرجال رؤوسهم وانصرفوا
وبقي سعفان وحده يحدق في نار الموقد المشتعلة أمامه
همس لنفسه بقلق لم يره فيه أحد من قبل:
- لو عدنان دخل في الصف... تبجى الحكاية أكبر من تار بيناتنا
 نهض فجأة وقد استقر في قلبه شعور واحد...
هناك يد خفيّة تحرّك الجميع وإن لم تكشف سريعًا فلن يسلم منها لا العطارين... ولا آل عويضة



في الطابق العلوي...كان الهدوء يخيم على الممر الطويل لا يقطعه سوى ضوء المصابيح الخافتة وصوت الرجال القادم من الأسفل
تحرّك حمزة نحو غرفته على عجل ليبحث عن ملف أخذه من  سيارة أخيه قبل ساعات لكنه توقف فجأة... ففي نهاية الممر كانت سندس تخرج من غرفتها تحمل كوبًا من الماء
رفعت عينيها... والتقت عيناهما تجمد الاثنان في مكانهما
مرّت ثوان طويلة لم ينطق فيها أحد
خفضت سندس بصرها أولًا ثم تحركت لتكمل طريقها وكأنها لم تره من الأساس
لكنها ما إن أصبحت بمحاذاته حتى قال بهدوء:
- سندس...
لم تلتفت... واصلت السير
استدار خلفها وقال مرة أخرى بصوت أكثر انخفاضا لكنه ملئ بالغيظ:
- استني... عايز اكلمك
وقفت...لكنها لم تنظر إليه قالت ببرود حاولت أن تخفي به ارتجاف قلبها:
- خير... معتقدش أن في بينا كلام 
ابتسم ابتسامة صغيرة وكأنه وجد أخيرًا فرصة للحديث معها فقد اشتاقها حد الجحيم
سألها ببرود متعمد: 
- عاملة إيه
ضحكت ضحكة قصيرة  لكنها كانت موجوعة أكثر منها ساخرة:
- بجد يا حمزة.... بعد كل اللي حصل... ده أول سؤال

ظل ينظر إليها دون أن يجيب... هزت رأسها في أسى ثم قالت:
- عارف... كنت فاكرة إنك لو بعدت هيبقى عندك سبب كبير
كنت كل يوم أقول أكيد مشغول... أكيد مضغوط... أكيد هيكلمني بكرة
صمتت لحظة ثم أكملت وعيناها تلمعان بالدموع:
- بس بكرة مجاش
شعر  بانقباض في صدره لكنه أخفى ذلك خلف ملامحه الهادئة
قال وهو يقترب خطوة:
إنتي مكبرة الموضوع ليه كده؟ 
رفعت رأسها إليه أخيرًا ونظرتها كانت مليئة بالخذلان قالت بصدمة:
- مكبراه... شهور يا حمزة... شهور وأنت لا بتسأل
 ولا بترد ولا حتى بتطمني إنك كويس ولما تفكر تكلمني... تقولي مكبرة الموضوع


تنهّد وأدار وجهه قليلا ثم عاد ينظر إليها و هو يقول ببرود ظاهري:
- المهم... إنتي كويسة دلوقتي
ضحكت وهي تمسح دمعة أفلتت رغمًا عنها ثم قالت بصدق:
لا... مش كويسة... تعرف أكتر حاجة وجعتني
لم يرد عليها فاكملت بقهر:
- إنك يوم الساحل... كنت هتتحبس علشاني... اتخانقت وغيرت و مقبلتش ان حد يبصلي...
 ولمّا رجعنا رجعت تبقى غريب تاني


رفع حمزة عينيه إليها... كان يعرف أنها محقة لكن الاعتذار لم يكن يومًا سهلًا عليه
قال بهدوء:
- أنا  لسه زي ما أنا متغيرتش لو حد رفع عينه فيكي هعميه
هزّت رأسها بالنفي ثم قالت بحزن:
- لأ... حمزه اللي كنت اعرفه زمان عمره ما كان هيسيبني أوصل للمرحلة دي
- عمره ما يهون عليه وجعي و حيرتي 
اقترب منها خطوة أخرى حتى لم يعد يفصل بينهما سوى مسافة صغيرة
قال بصوت خافت:
- بُصيلي
رفضت فقال بنبره آمره يملأها القوّة:
- بُصيلي يا سندس
رفعت عينيها رغمًا عنها... فوجدته ينظر إليها بنفس النظرة التي كانت تذيب كل غضبها قديمًا
قال وهو يبتسم ابتسامة بالكاد ظهرت:
- الزعل لايق عليكي... شكلك عسل و عايزه تتاكلي بصراحة
رمقته بنظرة غاضبة ثم قالت بجدية زائفة:
- متحاولش تضحّكني... انا استحالة اكلمك تاني
- أنا ما بحاولش اصلًا يا روح امك 
- أومّال بتعمل إيه... و بعدين احترم نفسك و بطّل همجية
لم يهتم بما قالت... بل أجاب بقوّة دون أن يشيح بعينيه عنها:
- بحاول أخليكي متبعديش عني... انفوخك لو فكرتي بس تعمليها


ارتجف قلبها للحظة... لكن عقلها انتصر... تراجعت خطوة إلى الخلف وقالت بصوت ثابت:
- اللي بِعد... هو اللي اختار البُعد يا حمزة


ثم مرت من جواره... ولمّا أصبحت خلفه مباشرة همست دون أن تنظر إليه:

- أصعب حاجة... إنك تفضل مستني حد وهو يكون ناسي أصلا إنك مستنيه
وأكملت طريقها

أمّا هو... فظل واقفا مكانه يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف باب غرفتها
زفر ببطء ثم مرر يده على وجهه وهو يتمتم لنفسه بجنون:
- والله ما ناسي... بس اللي جوايا أكبر من الكلام


وفي الجهة الأخرى... أسندت سندس ظهرها إلى الباب بعد أن أغلقته وأغمضت عينيها
كانت تحاول أن تقنع نفسها أن قلبها لم يهتز... لكن دمعتها التي انزلقت على خدها قالت العكس تمامًا


في آخر الليل... انطفأت الأصوات في الدار شيئًا فشيئًا ولم يبقى إلا رجال الحراسة بالخارج 
صعد سعد الدرج بخطوات هادئة وقد بدت عليه علامات الإرهاق بعد يوم لم يترك في قلب أحد راحة

فتح باب غرفته برفق... وجد صغيرته جالسة على طرف الفراش
 تضم ركبتيها إلى صدرها وعيناها معلقتان بالنافذة
كانت ما تزال ترتدي نفس ثيابها... وكأنها لم تستطع حتى أن تتحرك من مكانها
أغلق الباب بهدوء ثم اقترب منها دون أن يتحدث
جلست هي في صمت... ولم تلتفت إليه
وقف أمامها لحظة ثم جلس على ركبتيه حتى أصبح في مستوى عينيها
قال بصوت منخفض:
- منمتيش ليه يابا... كده هتتعبي
هزّت رأسها بالنفي و قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابت:
- ولا هعرف أنام
ظل ينظر إليها قليلًا ثم مد يده يزيح خصلة شعر هربت على وجهها
ثم قال بحنان يشوبه القلق:
- وشك أصفر يا حبيبي
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت:
- أول مرة أخاف بالشكل ده يا سعد... حسيت إن أي حد فينا ممكن يروح في لحظة
نظر إليها طويلا... ثم أمسك يدها بين يديه كانت باردة كأنها قطعة ثلج
فعبس وقال بغيظ:
- إيدك ساقعة أوي... ليه كده بس يا حبيبي 
ابتسمت ابتسامة باهتة ثم قالت بصدق:
- الخوف بيعمل أكتر من كده و انا مرعوبة مش خايفة بس































رفع يدها إلى شفتيه وطبع قبلة هادئة على ظاهر كفها ثم قال :
- طول ما أنا عايش... محدّش  هيقرّب منك ليه مش عايزه تصدقي ده


ارتعشت شفتاها و قالت برعب: 
- عشان النهارده عرفت إن الرصاصة مبتفرّقش بين حد وحد
اقترب منها أكثر ثم كوّب وجهها و  قال وهو ينظر في عينيها:
- يمكن مبتفرّقش... بس أنا  هبقى قبلها
سرحت بعينيها في ملامحه... ثم همست بصراحة لأول مرّة:
- متخلينيش أخاف عليك
ابتسم ابتسامة صغيرة و قد خفق قلبه بشدة لكنها قال بقوّة تعمّدها:
-يبقى متخافيش... لأن الخوف مش هيغيّر اللي ربنا كاتبه

صمتت لحظة... ثم لأول مرة منذ أن عرفته مالت برأسها على كتفه
تنهد سعد براحة ولف ذراعه حولها بحنان وكأنه يحاول أن يمنحها الأمان
 الذي سرق منها في ساعات قليلة... قال وهو يربت على ظهرها برفق:
- عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني النهارده


رفعت رأسها تنظر إليه ثم سألته باهتمام:
- إيه... بعيد الشر عليك من الوجع
- إنك كنتي خايفة... وساكتة حتى ما ناديتيش عليّا


خفضت بصرها وقالت بخجل:
- كنت فاكرة إنك مشغول مع الرجالة... ومينفعش أكون حِمل زيادة عليك
رفع ذقنها بطرف إصبعه حتى أجبرها تنظر إليه ثم قال:
- إوعي تقولي الكلمة دي تاني... إنتي مش حمل
 إنتي راحتي ولما ألاقيكي مرعوبة الدنيا كلها بتسوّد في عيني
احمرّ وجهها بشدة وأسرعت تخفض عينيها... ضحك بخفة ثم قال:
- لسه بتتكسفي مني يابا... يا خسارة دروسي ليكي


همست بصدق جعل قلبه يشتعل من شدة برائتها:
- هفضل أتكسف منك
مال قليلًا  حتى أصبحت المسافة بينهما لا تذكر وقال بنبرة دافئة:
وأنا هفضل أعشق كسوفك ده... بس برضه ميمنعش حبة خربشة

ارتبكت أكثر وهمست وهي تبتسم لأول مرة منذ الصباح:
- سعد... اقعد جنبي... متسبنيش لوحدي
لم يجب بالكلمات... بل شدّها إليه برفق حتى استقرت بين ذراعيه وأراح ذقنه فوق رأسها
ظلّ يربت على شعرها ببطء حتى بدأ توترها يهدأ  وأنفاسها تنتظم
وقبل أن تغمض عينيها سمعته يهمس بالقرب من أذنها:
- نامي... وأنا صاحي ولو الدنيا كلها وِلعت أول واحد هيقف قدامك هيكون أنا عشان أحميكي من نارها


أغمضت نورا عينيها أخيرا... ولأول مرة منذ أن دوى صوت الرصاص في دار العطارين...
شعرت أن الخوف انسحب من قلبها ولو قليلا وهي بين ذراعي الرجل الذي جعلها تشعر أن الدنيا
 رغم كل ما فيها ما زال فيها مكان آمن

ابتعدت نورا عنه قليلا وقد عاد الخجل يلون وجنتيها... همست وهي تتجنب النظر إليه:
- متبصليش كده... و ربنا بتكسف حتى لو مش شيفاك
ابتسم  ابتسامة جانبية وهو يقترب أكثر من وجهها ثم قال بوقاحة:
- ابص لمين طيب غير مراتي .. إحمدي ربنا إني ببص على وشك بس... كنت ناوي أبُص على حاجة 
تانيه بس قولت بلاش النهارده... هستحمل لحد
الصبح و ده آخري خلي بالك

































ازدادت ضربات قلبها وحاولت أن تبتعد لكنه سبقها ووضع كفه على رأسها من الخلف
 رفعت عينيها إليه بتوتر ثم قالت:
- سعد...
قال بصوت متحشرج ونظراته لا تفارق وجهها:
- من أول ما طلعت وإنتي بتهربي بعينيكي مني
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت بطفولة:
- عشان... مكسوفة
أعقبت قولها بعض شفتها السفلى... فاقترب قليلًا حتى شعرت بدفء أنفاسه
قال بهوس :
- ودي أكتر حاجة بتجنني فيكي... بتخليني عايز أكلك 
أغمضت عينيها للحظة وكأنها لم تعد تحتمل قربه
رفع يده ببطء وأزاح خصلة من شعرها خلف أذنها ثم ظل يتأمل ملامحها في صمت
- تعرفي... النهارده... أول مرّة أحس إني ممكن أخسرك بجد
ارتجفت نظرتها و قالت برعب:
- متقولش كده... انا مليش غيرك يا سعد
ابتسم بحنان ثم طبع قبلة طويلة على جبينها:
- عشان كده... من النهارده كل ما أشوف الخوف في عينيكي... هفضل جنبك لحد ما يختفي
رفعت يدها بتردد ثم أمسكت طرف قميصه لأول مرة من تلقاء نفسها
ابتسم وهو ينظر إلى يدها الصغيرة ثم قال بمزاح:
- أهو... ده أحسن بكتير من السكوت
احمرّ وجهها أكثر وهمست:
- متضحكش عليا... بس بقى
أجاب وهو يميل برأسه قليلا:
- أنا لو هضحك... هضحك من حلاوة كسوفك و جمال امك اللي مجنني
فضربته بخفة على صدره وهي تبتسم لأول مرة منذ ساعات
فضحك سعد ثم ضمها إلى صدره بهدوء وبقي يحتضنها طويلا حتى شعرت أن كل الرعب الذي عاشته في ذلك اليوم بدأ يذوب بين ذراعيه
كان يريدها بجنون لكنه فضّل أن يبثها الأمان بين ذراعيه بدلا من أن يبث عشقه لها فوق جسدها... صبر نفسه أن الأيام بينهم لن تنتهي
لكنها اليوم لا تريد إلا الأمان ولن تقوى على أي شيء آخر... لذا أعطاه لها بسخاء وكتم رغبته من أجلها... هي فقط
وسط فيلا فاخرة تحيط بها الحراسة من كل جانب انبعث ضوء خافت من مكتب واسع جدرانه من الخشب الأسود تتوسطه مكتبة ضخمة وصور لمدن مختلفة من العالم
وقف رجل أمام الواجهة الزجاجية المطلة على البحر... طوله يقترب من المترين عريض الكتفين
في الثامنة والثلاثين من عمره
جسده الصلب يشهد بسنوات من التدريب القاسي يرتدي قميصًا أسود ضيقًا أبرز عضلات ذراعيه وساعة فاخرة تزين معصمه
أشعل سيجارا كوبيًا ثم أخذ نفسًا طويلا قبل أن يخرجه ببطء
كانت ملامحه جامدة... لكن عينيه كانتا تحملان نارًا لم تخمد منذ سنوات
استدار ببطء... إنه سليمان الرجل الذي ظنه الجميع ميتًا
جلس على المقعد الجلدي الكبير واضعا إحدى ساقيه فوق الأخرى بينما وقف أمامه رجل في منتصف
 الأربعينيات يبدو عليه الاحترام الشديد
اسمه فارس... ذراعه اليمنى والرجل الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة
قال فارس بهدوء:
- الرجالة بلغوني إنهم مش قادرين يستوعبوا اللي حصل
لم يرفع سليمان رأسه... ظل يتأمل السيجار بين أصابعه
ثم قال بصوت أجش هادئ لكنه يحمل من القوة ما يكفي لإسكات غرفة كاملة:
- كنت عارف إن اليوم ده هييجي
اقترب فارس خطوة ثم قال بحذر:
- الناس هناك بقت مقتنعة إنك عايش
ابتسم ابتسامة باردة ثم قال:
- طب حلو ده... خليهم يقتنعوا
- مش هتظهر؟
رفع سليمان عينيه إليه... نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تجعله يصمت
ثم قال:
- الظهور دلوقت... غباء
أخذ نفسا آخر من السيجار ثم أكمل:
أنا استنيت سنين... أقدر أستنى كام يوم كمان
قال فارس بتوجس:
- بس كلهم بيدوروا عليك دلوقت وعدنان دخل معاهم
ضحك سليمان ضحكة قصيرة خالية من الفرح ثم قال:
- يفضلوا يدوروا... يمكن أول مرة في حياتهم يحسوا باللي أنا حسيته
عقد فارس حاجبيه ثم قال:
- كل السنين دي... ولسه النار جواك زي ما هيا
نهض سليمان من مقعده فجأة... تحرك حتى وقف أمام النافذة من جديد






















ثم قال دون أن يلتفت:
- النار دي مش نار يا فارس... دي قبر مفتوح... وأنا عايش جواه من عشرين سنة
خفض فارس رأسه... كان يعلم أن الحديث عن الماضي هو الشيء الوحيد الذي يكسر هدوء سليمان... قال بحذر:
- يمكن لو قعدت مع إخواتك...
استدار بسرعة وقاطعه بصوت هادر:
- إخواتي... متجبش السيرة دي على لسانك تاني
تنفس عدة مرات حتى استعاد هدوءه... ثم قال بنبرة أخفض لكنها كانت أشد قسوة:
- الأخ... هو اللي يسند ضهرك... الأخ... هو اللي يدور عليك لو غبت...
الأخ... هو اللي يصدقك حتى لو الدنيا كلها كذبتك
اقترب من فارس حتى أصبحا وجها لوجه
- أما اللي يسيب أخوه يضيع... يتظلم حتى لو من أبوه... يبقى اسمه إيه؟
لم يجد فارس إجابة... ابتعد سليمان عنه ووضع السيجار في المنفضة ثم قال:
- فاكر لما خرجت من البلد؟
أومأ فارس فأكمل بغل:
- خرجت ولا معايا جنيه... ولا اسم... ولا أهل... ولا حتى قبر أبكي عنده
كنت كل يوم أصحى وأسأل نفسي... أرجع؟
وأرد على نفسي... أرجع لمين؟
صمت لحظة ثم ابتسم ابتسامة موجوعة وأكمل:
- اشتغلت... واتبهدلت... ونمت في الشوارع... واشتغلت حمال...
وسواق... وحارس... وكل قرش جمعته كان له هدف واحد
قال فارس:
- الفلوس... وعشان تبقى أقوى وأغنى منهم
هز سليمان رأسه بالنفي ثم قال بغل:
- لا... الفلوس عمرها ما كانت غاية
التفت إليه بعينين يملؤهما الإصرار ثم أكمل:
- الفلوس كانت سلاح... سلاح أرجع بيه وأنا أقوى منهم كلهم...
سلاح أخليهم يحسوا إن الأرض اللي واقفين عليها ممكن تتسحب من تحت رجليهم في لحظة
جلس مرة أخرى... وأراح ظهره على المقعد
- الناس فاكراني بجري ورا المال...
وأنا... والله لو عايز مال بس كنت عشت بره ومارجعتش مصر أبدا
صمت لحظة... ثم قال بصوت يكاد يكون همسا:
- أنا راجع عشان الحساب
رفع فارس رأسه وسأله باهتمام:
- وهتبدأ بإيه؟... إنت مش عايز تفهمني أي حاجة؟
نظر سليمان إلى صورة قديمة موضوعة داخل درج مكتبه...
لم يسمح لفارس يوما أن يراها ثم أغلق الدرج بهدوء وقال:
- مش هبدأ بضرب نار... ولا بقتل... الحاجات دي سهلة...
- الانتقام الحقيقي... إنك تهد جبل حجر... حجر...
تخلي كل واحد فيهم يشوف الدنيا وهي بتضيع من بين إيديه...
وما يعرفش يمسكها
قال فارس بقلق:
- بس عدنان الجبالي دخل معاهم
ابتسم ابتسامة لم تبشر بخير ثم قال:
- خليه يدخل
- ده راجل تقيل يا سليمان
اقترب من الطاولة وأخذ ملفا سميكا ألقاه أمام فارس
الذي قام بفتح الملف... فاتسعت عيناه
أسماء... وصور... وأوراق ملكيات... وحسابات... ومعلومات دقيقة عن كل فرد في عائلة العطارين
قال سليمان وهو يعيد إشعال سيجار جديد:
- فاكر لما كنت بقولك... إني عمري ما هارجع إلا وأنا حافظ أنفاسهم؟
رفع فارس رأسه ببطء فأردف الآخر بثقة:
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى...
انتظروني...
بقلمي /فريده الحلواني












تعليقات