روايه العطارين بقلم الكاتبه فريده الحلواني الفصل العشرين
روايه العطارين بقلم الكاتبه فريده الحلواني الفصل العشرين
روايه العطارين
الفصل العشرين
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
أوعى تستنى حد يقولك إنت قوية... القوة الحقيقة انك تقومي
كل مرة لما الدنيا توقعك وكأنك أول مرة تبداي
الثقة بالنفس مش إنك تبقى شايفه نفسك أحسن من الناس
لا طبعا... الثقة إنك تبقى عارفه قيمتك حتى لو الدنيا كلها حاولت تقلل منك
ارفعي راسك... مش غرور عشان اللي عرف قيمته عمره ما هيسمح لحد يقلل منه
و متخليش حد يقنعك إنك ضعيفه الجبل عمره ما يتهز
متستنيش حد ينقذك... لما تصدقي بنفسك هتكتشفي إن أقوى سند في حياتك.. هو انتي
انا واثقة... و بحبك
كان الصمت الذي خيم على مجلس الحاج دياب أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة
توقفت المسبحة بين أصابعه بينما ثبت نظره على الرجل الواقف أمامه ذلك الذي جاء يحمل رسالة لم يجرؤ أحد على حملها من قبل
أما الرجال... فكانت أيديهم تستقر فوق أسلحتهم وأنفاسهم خرجت بطيئة وعيونهم تتبادل النظرات في حذر وقبل أن ينطق أحد...
دوى صوت محركات سيارات ضخمة خارج الدار أعقبه صرير فرامل عنيف
ثم أصوات أبواب تفتح تباعًا
نظر سعد ناحية الباب وقال بحدة:
ـ دول وصلوا
تحرك حمزة تلقائيا نحو النافذة المطلة على الساحة ثم أزاح الستارة قليل
لعن بصوت خافت:
ـ يلعن ميتينك يابن الكلب... ده سعفان و جايب معاه نص رجالة البلد
نهض الجميع دفعة واحدة
أما دياب... فظل جالس مكانه وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ سنوات
رفع رأسه ببطء وقال بصوت ثابت:
ـ محدش يضرب طلقة... إلا بأمري
رد سعد بعصبية وهو يلتقط بندقيته:
ـ يابا... الراجل جاي يتحدانا قدام الدار
ضرب دياب الأرض بعصاه ثم قال بحسم:
ـ قولت... محدش يضرب
تبادل الرجال النظرات ثم خرجوا جميعا إلى الفناء
كانت عشر سيارات ربع نقل مصطفة أمام البيت الكبير
وراء كل سيارة وقف رجال يحملون بنادق آلية لكن فوهاتها كانت متجهة إلى الأرض
رسالة واضحة... جئنا مستعدين للحرب... لكننا لم نبدأها
فتح باب السيارة الأمامية ببطء وترجل سعفان
يرتدي جلباب أسود وعباءة داكنة وعلى وجهه ملامح لا تعرف الخوف
وقف في منتصف الطريق ثم رفع بصره نحو بيت العطارين
في اللحظة نفسها... خرج الحاج دياب يتقدمه أبناؤه وأشقاؤه
وقف سعد في المقدمة وبجواره حمزة وعبدالعزيز معهم نصر و ايمن و جلال
بينما تمركز عدنان الجبالي على الجانب يراقب كل حركة بعين صقر
ساد صمت للحظات ثم ابتسم سعفان ابتسامة باردة وقال بصوت وصل إلى الجميع:
ـ السلام على أهل الدار
لم يرد أحد... تقدم دياب خطوة واحدة فقط وقال بجمود:
ـ وعليكم السلام... خير يا سعفان
ابتسم الأخير ابتسامة خبيثة ثم قال:
ـ خير... طول عمرنا أهل ومهندخلش بيوت بعض إلا بالخير و الاصول
ضحك سعد بسخرية وهو يشير إلى الرجال الواقفين خلفه:
ـ أهل إيه اللي داخلين علينا بالسلاح؟
حول سعفان نظره إليه وقال ببرود:
ـ دول رجالتي كيه ما دول رجالتك
ثم أعاد بصره إلى دياب وأكمل:
ـ جاي أتكلم وياك... راجل لراجل و بعيد عن الطار اللي بيناتنا
رد دياب دون أن يهتز:
ـ جول اللي عنديك يا سعفان اني سامعك
تنهد سعفان ثم قال بنبرة هادئة على غير المتوقع:
ـ أني النهارده ماجتش آخد تار... ولا جاي أفتح حرب
ثم نظر مباشرة إلى عبدالعزيز وأكمل بقوة:
ـ وجاي كمان أجولك... خليك محتفظ بولد عمي حداك
انعقد حاجبا دياب أما عبدالعزيز فثبت عينيه عليه دون أن ينطق
أكمل سعفان بغل ظاهر:
ـ من النهارده... عبدالعزيز معادش من لحمي
لم يهتم سعد بكل ذلك بل قال بحدة:
ـ خلص اللي عندك و هات من الآخر
ابتسم سعفان ابتسامة مستفزة ثم قال الجملة التي قلبت المكان كله:
ـ إنما... نورا... دي بنت عمي ولحمي... جيت آخدها معاي
ساد الصمت... حتى الهواء توقف من حولهم و تحولت ملامح سعد إلى
أخرى شيطانية قبل أن يتفوه بحرف قال دياب بهدوء غريب:
ـ و انت رايدها ليه؟
رد عليه بثقة:
ـ لأنها من دمي... ومالهاش جعدة إلا وسط أهلها
ثم أضاف وهو ينظر إلى الجميع:
ـ هترجع معايا النهارده... لحمنا مهيجعدش حَدى الأغراب
وقبل أن يتحدث أحد... انفجر سعد اندفع نحوه كالإعصار
لم يفكر... لم ينظر لأحد... هوى بقبضته بكل قوته على وجه سعفان
ارتدّ الرجل للخلف وسقط أرضًا وسط ذهول الجميع
وفي اللحظة التالية... كان سعد يجذبه من جلبابه صارخًا بجنون:
ـ احااااااا على ميتين امك
ثم هزه بعنف وهو يزمجر:
ـ جاي تاخد مراتي من وسط بيتي يا ابن الكلب
تجمد الجميع اتسعت عينا الحاج دياب وانعقد حاجبا خميس
أما حمزة وعبدالعزيز فنظرا إلى سعد بعدم استيعاب
حتى عدنان الجبالي... رفع رأسه لأول مرة بدهشة حقيقية
أما سعفان... فنظر إليه مذهولا والدم يسيل من شفته السفلى
قال بصوت خرج متقطعًا يملأه الصدمة:
ـ مرتك... كيف ديه؟
قبض سعد على جلبابه بقوة أكبر حتى كاد يمزقه وصاح أمام الجميع
ـ أيوه... مراتي كتبت كتابي عليها... واللي يقرب منها هقطع إيده قبل ما توصلّها
وفي تلك اللحظة... بدأت أبواب الدار تفتح... إنتفضت النساء على صوت الصراخ...
وكانت نورا أول من نظر من خلف النافذة... رأت سعد يقف أمامه كالسد
وفي المقابل... وقف سعفان يمسح الدم عن فمه
ثم... ابتسم ابتسامة لم تُطمئن أحد
ظل ينظر إلى سعد لثواني ثم مسح الدم الذي سال من شفته بطرف إصبعه... نظر إليه ثم ابتسم مرّة اخرى ابتسامة باردة أرعبت الواقفين أكثر من أي صراخ
بصق الدم أرضًا وقال بصوت منخفض:
ـ إنت ضربتني... يا سعد؟
كان صدر سعد يعلو ويهبط بعنف وعيناه تشتعلان كالجمر
اقترب منه خطوة أخرى ثم صاح:
ـ وأقتلك كمان لو نطقت اسمها تاني... دي مراااااتي واللي هيمد عينه عليها هعميه
إرتفعت همهمة بين رجال سعفان أما رجال العطارين فكان الذهول يكسو وجوههم
إلتفت خميس إلى دياب وقد اتسعت عيناه:
ـ مش اتفقنا محدش يعرف دلوقت ؟
أما جلال فنظر إلى سعد ثم إلى أبيه وقد فهم أخيه من نظرة واحدة
بينما وقف عبدالعزيز مذهول وهو يتمتم:
ـ الله يخربيتك يا جن
رفع سعفان رأسه ببطء نحو الحاج دياب
اختفت الابتسامة من وجهه تمامًا وقال بصوت خرج كالفحيح
ـ الكلام ديه صوح يا حج دياب... كتبتوا علي بت عمي من وري أهلها ؟
ساد الصمت للحظات حتى أجاب دياب بثبات:
ـ صوح... جوزت بتي وأمانة عمك ليا لولدي الكبير
ـ وأني... آخر واحد يعرف؟
لم يرد دياب فاختنق صوت سعفان من شدة الغضب:
ـ يعني بنت عمي تتجوز... وكبيرها ما يعرفش
ضرب كفا بكف وهو يضحك بمرارة:
ـ الله أكبر... الله أكبر على الزمن و على اللي بيعمله ولد الأصول
أشار ناحية سعد بعصبية وأكمل:
ـ الواد ديه خد بت عمي من ورا ضهر أهلها... وإنت يا دياب وافجته
قال دياب بهدوء لكن كلماته كانت حاسمة:
ـ وافجت على الحلال... واللي حصل حصل برضاها وبرضاي
صرخ سعفان:
ـ برضاك إنت... إنما برضا العُرف و العوايد لااااااااه
ثم استدار ناحية الرجال الواقفين خلفه وكأنه يخاطب البلد بأكملها:
ـ اسمعوا يا رجال... الحاج دياب بنفسه بيجول إنه جوز سعد لبت عمي من غير ما يرجع لكبيرها
ثم عاد ينظر إلى دياب وأكمل بغل شديد:
ـ والله لأجمع كبار البلد كلياتهم... و الكل هيعرف إنكم كسرتوا عوايدنا قبل ما تكسروا كلامي
تحرّك سعد نحوه من جديد لكن عدنان الجبالي مد ذراعه في هدوء وأوقفه دون عنف
همس له:
ـ إرجع ورا... اللي هيكسب النهارده مش اللي يضرب... اللي هيعرف يسكت
شعر أنه يكاد يختنق و هو يقول بجنون:
ـ أسكت إيه يا عدنان..... ده جاي ياخد مرتي
رد عدنان دون أن يرفع صوته:
ـ ومحدش هيعرف ياخدها... طول ما إحنا واجفين سيب الكبير يتحددت
في الداخل... كان صدى الصراخ يصل إلى أرجاء الدار
وقفت نورا خلف باب الغرفة ترتجف بالكامل
كلما سمعت اسمها إزداد إرتجافها همست بصوت باكي:
ـ هوَّ... هوَّ عايز ياخدني
أسرعت أماني تحتضنها و هي تقول:
ـ لاه يا بتي... محدّش يقدر ياخدك من حضن جوزك
لكنها كانت ترتعش كعصفور مبتل دفنت وجهها في صدرها وهي تبكي
ـ خايفة... والله خايفة يا خالتي... خايفه يجرى لسعد حاجة
ربتت أماني على شعرها بينما وقفت سميحة وسندس و فرح عند النوافذ يحاولن معرفة ما يحدث بالخارج وقلوبهن تكاد تخرج من صدورهن
وفي الخارج... رفع سعفان سبابته في وجه دياب وقال بقسم:
ـ من النهارده... ليا عنديكم تلات حجوج
عدها بأصابعه و هو يكمل:
ـ حج التار...
ثم رفع إصبعًا ثاني وأكمل:
ـ وحج بت عمي اللي اتجوزت من غير علم أهلها
ثم رفع الإصبع الثالث ونظر مباشرة إلى عبدالعزيز:
ـ وحق راجل من دمي... باع أهله ووقف مع عدوينا.
ساد الصمت... لكن النظرة التي تبادلها دياب وعدنان في تلك اللحظة كانت تقول شيئ واحد
المعركة الحقيقية... لم تبدأ بعد
ظل الحاج دياب واقف مكانه... لم يهتز... لم يغضب
بل ظل ينظر إلى سعفان نظرة طويلة حتى شعر الأخير أن صمته أثقل من أي رد
وأخيرًا... قال بصوت هادئ لكنه خرج مهيبًا:
ـ خلصت يا سعفان
قطب حاجبيه و قال بغضب شيطاني:
ـ لسه مخلصتش... ولسه عندي كتير
هزّ دياب رأسه ببطء ثم قال بقوة:
ـ يبجى اسمعني زين... لأنك من دلوك مش هتعرف تجاطعني
إحتل الصمت المكان... حتى رجال سعفان ثبّتوا أنظارهم على كبير العطارين
قال دياب وهو يخطو خطوة للأمام:
ـ أول هام... نورا عمرها ماكانت بيعة و شروة
دي ست البنات... وليها ولي والولي وافج
ثم أشار إلى نفسه وأكمل :
ـ وأني كنت وليها
ارتفعت نبرة سعفان قائلًا بجنون:
ـ وأني كبيرها...هيَّ ليها عيلة و ناس يا ولد الأصول
ردّ دياب دون أن يرفع صوته:
ـ الكبير اللي يغيب عن لحمه... ميجدرش يرجع يجول أني أولى بيه
تجدر تجولي بجالك كد إيه غايب عن البلد ؟
هوَّ انت كت فاكر أن حِداك بت عمي من الأساس
ساد صمت ثقيل كانت الضربة موجعة... لأن الجميع يعلم أن سعفان هو من ابتعد عن أهله سنوات طويلة
احمرّ وجه سعفان وقال بغضب:
ـ بتلومني على اللي فات ؟
ـ لاااااه... آني بفكرك بيه
قالها دياب في هدوء ثم أكمل:
ـ يوم ما البت كانت محتاجة راجل يسندها... مجيتش
ويوم ما كانت خايفة... مجيتش
ويوم ما اتكسرت... مجيتش
ثم ضرب عصاه في الأرض وأكمل بغضب:
و يوم ما كان أبوك رايد يخطفها و يكسر بيها أخوه
ولد أمه وأبوه مكتش إهنيه يا سعفان
دلوجت... بعد ما ربنا سترها... جاي تاخدها؟
خفض كثير من الرجال رؤوسهم حتى بعض رجال سعفان تبادلوا النظرات في حرج
أما سعد... فكان ينظر إلى أبيه بفخر كبير
ابتسم عدنان الجبالي ابتسامة خفيفة وهمس لعبدالعزيز:
ـ عمك دياب لساته هيعرف يحط السكين في مكانها
و لكن سعفان لم يكن ممن يتراجعون ضحك فجأة... ضحكة خالية من الفرح
ثم قال:
ـ حلو... جوي الحديت ديه
اقترب حتى أصبح لا يفصل بينه وبين دياب سوى خطوات وأكمل:
ـ يعني بتجول إن اللي حصل شرع ربنا صوح؟
ـ صوح
ـ و عوايدنا؟
سكت دياب لحظة فابتسم سعفان بانتصار و قال بتشفي:
ـ أهه... سكت ليه عاد ما ترد عليّ
ـ لأن العوايد... إنكسرت يا ولد عويضه
قالها دياب دون مواربة فتعالت همهمة الرجال
و دياب أكمل بقوة:
ـ وإنكسرت بيدي... لأني فضّلت ستر بت على عادات ساعات بتظلم الناس
و حاميتها من عمها اللي كان هيضيعها
ساد صمت مهيب... حتى سعد نفسه لم يكن يتوقع أن يقول والده ذلك أمام الجميع
أما سعفان... فانفجر ضاحكًا كالمجذوب ثم صرخ بكل قوته:
ـ سمعتوا.... الحاج دياب بنفسه بيعترف إنه كسر عوايدنا
ثم استدار ناحية رجاله و قال:
ـ من النهارده... التار بجي تنين
عاد ينظر إلى دياب بعينين تشتعلان وأكمل:
ـ هنجمع كبار البلاد كلياتها... كل شيخ وكل كبير فيهم هيحكم بيناتنا
رد دياب في هدوء أثار جنون الجميع:
ـ اجمع مصر كلها لو رايد... محدّش هيغير حكم ربنا
و لا هيبعد مرت ولدي عن دار العطارين
إشتعل وجه سعفان و قال :
ـ يبجى متلومش غير نفسك لو الدم سال
وفي لحظة...صدر صوت تكتكة سلاح إستدار الجميع
كان أحد رجال سعفان قد رفع بندقيته دون قصد وهو يحاول التقدم
وفي أقل من ثانية... تحرك نصر... ومن الناحية الأخرى اندفع عبدالعزيز
وفي اللحظة نفسها... كان سعد قد أشهر سلاحه وصوبه مباشرة إلى رأس الرجل
صرخ بصوت هز المكان كله:
ـ قسمًا بالله... أول طلقة هتخرج... هقتل قصادها عشرة قبل ما توصل لحد من أهلي
ساد قلق رهيب... وأصبحت أصابع الجميع فوق الزناد
أما عدنان الجبالي... فكانت عيناه تتحركان بين الوجوه بسرعة
لكنه لم يكن ينظر إلى رجال سعفان بل كان يراقب رجال العطارين أنفسهم
وكأن شيئ ما لفت انتباهه... وكأن هناك رجلًا وسطهم لا يقف في المكان الذي ينبغي أن يقف فيه فلمعت عيناه... وهمس لنفسه
- إوعىاك تكون... أول حركه من الخاين
اشتعلت العيون... وانتفض الرجال في أماكنهم وكل طرف ينتظر شرارة واحدة فقط
لكن قبل أن ينطق أحد... خرج صوت نسائي يبكي بقهر من داخل الدار
كانت نورا... لم تستطع أن ترى ما يحدث لكنها سمعت اسمها يتردد أكثر من مرة
ثم سمعت صوت سعد وهو يصرخ... دي مراتي
فانهارت باكية ارتمت في حضن أماني مره أخرى وهي ترتجف
ـ هيموتوه... هيقتلوه بسببي... يا خالتي إعملي حاجة... بالله عليكي
إحتضنتها أماني بقوة وهي تمسح على رأسها ثم قالت بيقين:
ـ إهدي يا بتي... طول ما دياب العطار عايش
محدش يقدر يمد إيده على واحد من ولاده
أما في الخارج... فقال سعفان وهو يخلع عمامته ويلقيها أرضًا في غضب:
ـ يبجى اسمعني يا دياب... من النهارده مفيش حديت غير لما كبار البلد
يحكموا بيناتنا
ثم أشار إلى سعد وأكمل بغل:
ـ والواد ديه هيتحاسب جدام الناس كلها
لم يحتمل سعد أكثر... حاول الإنقضاض عليه من جديد لكن هذه المرة أمسكه أيمن من ذراعه بينما أمسك عبدالعزيز بالذراع الأخرى
صرخ سعد وهو يحاول الإفلات:
ـ سيبوني... والله ما هطلّعه من هنا إلا على نقاله
واد مين يابن الكلب يا ### ده انا #####
أخذ يسب سباب لازع جعلهم يصدمون بينما
قال حمزة بجنون وهو يضغط عليه بكل قوته:
ـ كفايه يا سعد... هو عايزك تغلط متوصلهوش للي عايزه
ضحك سعفان بإستهزاء ثم قال:
ـ خليه ياخوي... خليه يوري الناس تربية العطارين و يزود في غلطه
وهنا... حدث ما لم يتوقعه أحد رفع الحاج دياب عصاه عاليًا
وضرب بها الأرض ضربة دوي صوتها في الساحة
ثم صاح بصوت زلزل المكان:
ـ كفاااااية
حل الصمت في لحظة حتى سعد تجمد مكانه
نظر دياب إلى سعفان نظرة حادة وقال:
ـ إنت دخلت داري برجليك... وده ليه حرمة
ثم أشار إلى الباب الكبير وأكمل:
ـ اطلع منها برجليك قبل ما حد يشيلك على نجاله
كيف ما ولدي جالك
ابتسم سعفان ابتسامة باردة ثم قال وهو يتراجع للخلف:
ـ ماشي يا دياب... أني ماشي... لكن المرة الجاية... مش هاجي لوحدي
ـ هجيب عُمد البلاد... وكبارها... وهجيب وياي الدليل إنكم كسرتوا عوايدنا
ثبت عينيه في عيني سعد وأكمل بغل:
ـ وافتكر كلامي يا ولد... جوازتك منيها في السر... يا إما هنخلصها... يا إما هيتدفع تمنها دم
إستدار متجه نحو سيارته... وقبل أن يفتح الباب... ظهرت ابتسامة غامضة على وجهه
إبتسامة لم ينتبه لها أحد... إلا عدنان الجبالي
ظل يتابعه حتى ركب سعفان سيارته وتحرّك الموكب مبتعدًا
وقف عدنان ينظر خلف السيارات حتى اختفت تمامًا ثم همس لنفسه:
ـ لااااااه... الراجل ديه ماكنش جاي عشان البت بس
كان جاي يعمل حاجة تانية... وإحنا مخابرينش إيه هيا
ظل الجميع واقفون في أماكنهم حتى اختفى آخر أثر لسيارات سعفان وسط الطريق الترابي
لم يتحرك أحد... وكأن رحيله لم ينهي المعركة بل تركها معلقة فوق رؤوسهم
قطع الحاج دياب الصمت وهو يقول دون أن يلتفت لأحد:
ـ ادخلوا... كِلياتكم جوه خلاص فضيناها
لم يعترض أحد دخل الرجال إلى المجلس من جديد لكن هذه المرة لم يجلس أحد
حتى المسبحة التي لم تكن تفارق يد دياب وضعها أمامه على الطاولة
جلس عدنان في هدوء بينما ظل سعد واقفا يتحرك ذهابًا وإيابًا كذئب حبيس
وفجأة... إستدار دياب إليه و قال بأمر :
ـ اجعد يا سعد
رد على أبيه بعصبية:
ـ مش قادر يابا... نار جوايا مش هيطفيها غير دمه
انا مقدرتش أعمل حاجة إحترام لوجودك
مخدتش حقي
ـ جولتلك اجعد
كانت كلمة واحدة... لكنها حملت أمرًا لا يرد
جلس سعد وهو يزفر بقوة بينما نظر إليه دياب ثم قال:
ـ أني كنت ناوي أعلن كتب الكتاب بعد ما تهدى الدنيا... بس ربنا أراد إنه يتعرف بالطريجة دي
خفض سعد رأسه قليلا ثم قال بندم:
ـ غصب عني يا با... أول ما سمعته بيقول هياخدها... الدنيا اسودت في وشي
ابتسم دياب ابتسامة هادئه لم تدم أكثر من لحظة و قال بعدها:
ـ لو كنت سكت... كان زمانه فاكر إنها حاجه يضغط بيها علينا
أردف وهو ينظر في عينيه:
ـ بس اللي عملته النهارده هيخليهم يطلعوا علينا كلام كتير
تدخّل خميس وهو يضرب كفًا بكف:
ـ والله يا خوي... سعفان مش هيسكت
رد عدنان بهدوء:
ـ حجه لو مسكتش... اللي حوصل النهارده
في عرف الصعيد كبير جوي هو دلوك معاه حجة يجف بيها جدام كبار البلد
زفر حمزة بضيق ثم قال:
ـ يعني كنت عايزنا نسكت و لا نسبهاله؟
نظر إليه عدنان باستغراب و قال:
ـ مين جال اكده... الفرج كبير بين إن يبجى معاه حج
وبين إنه ياخد اللي عايزه
هنا تكلم عبدالعزيز لأول مرة منذ انتهاء المواجهة
كان صوته منخفض...:لكن الجميع انتبه له:
ـ أنا مش مطمن..... سعفان عمره ما كان بيتحرك بالشكل ده
الراجل ده كل كلمة قالها كأنه حافظها
وكأنه داخل يمثل دور مكتوب ليه بالملي
هزّ عدنان رأسه موافقًا ثم قال:
ـ وأني جولت نفس الحديت ديه
ـ الراجل ماكانش جاي عشان للبت بس
قال سعد بغل يشوبه القلق:
ـ يعني إيه... كان عايز ياخد بطاره جوه بيتنا مثلًا؟
رفع عدنان بصره إلى الجميع و قال بذكاء:
ـ كان رايد حاجة تانية... وخدها
انعقدت الحواجب... قال نصر بعدم فهم:
ـ خد إيه... ماهو ماشي قفاه يقمر عيش قدامك
تنهد عدنان ثم قال :
ـ بصوا لبعض إكده
التفت الجميع إلى بعضهم فأكمل:
ـ قبل ما ييجي... كنا كلنا يد واحدة
دلوجت... كل واحد بيفكر في التاني و لاا بيبصله بشك.
ساد الصمت...لأن كلماته أصابت الحقيقة حتى خميس...
بدأ يسترجع حديث دياب عن وجود خائن
نظر دياب إلى عدنان بإعجاب خفي ثم قال:
ـ كمل يا عدنان .... آني سامعك
إعتدل عدنان في جلسته وأكمل:
ـ الضرب بالنار امبارح... وبعديه رسالة... وبعديها زيارة سعفان... دي مش صدف
دي خطوات مترتبة
همس عبدالعزيز:
ـ تقصد إن فيه حد بيحركه؟
رد عدنان دون تردد:
ـ أيوه.... إكده يبجى سعفان نفسه مش هو العدو الأكبر
وفي تلك اللحظة... دوى طرق خفيف على باب المجلس
دخل أحد رجال دياب انحنى باحترام وقال:
ـ يا حج... الراجل اللي مسكناه في الغيط... بيجول إنه مش هينطج غير جدامك
نظر دياب إلى عدنان ثم قال بهدوء:
ـ هاتوه
خرج الرجل... وبعد لحظات دخل أربعة من رجال العطارين يتوسطهم رجل مُكبّل اليدين
وثيابه مغطاة بالتراب وعلى وجهه آثار ضرب واضحة
كان يمشي بصعوبة لكن... الغريب أنه كان يبتسم
ابتسامة واسعة... وكأنه هو من أوقعهم في الفخ... وليس العكس
رفع رأسه ببطء... ونظر مباشرة إلى الحاج دياب
ثم قال بهدوء أربك الجميع:
ـ السلام عليكم... يا كبير العطارين
بعدهاتقدم الرجل حتى وقف في منتصف المجلس
ألقى نظرة بطيئة على الوجوه من حوله...
الحاج دياب... خميس... أدهم... رجب
سعد... حمزة... عبدالعزيز... جلال و نصر وأيمن
توقفت عيناه عند عدنان الجبالي لثانية واحدة وابتسم ابتسامة صغيرة كأنه يعرفه
التقط عدنان تلك النظرة لكن ملامحه لم تتغير
قال الحاج دياب بصوته الوقور:
ـ إسمك إيه؟
ابتسم الرجل وقال بهدوء
ـ وهيفرج معاكم في إيه اسمي؟
دوي صوت سعد وهو يندفع نحوه بغل و يقول:
ـ يعني إيه ميفرقش يا روح امك
وقبل أن يصل إليه أشار دياب بعصاه
ـ مكانك يا سعد
توقف سعد بصعوبة بينما واصل الرجل ابتسامته المستفزة
قال دياب:
ـ أسألك وترد... ده أحسنلك
رد الرجل بثقة غريبة:
ـ ولو مردتش هتعمل إيه؟
قال دياب دون أن يرفع صوته:
ـ يبجى هتخليني أعمل حاجة مبحبهاش
ضحك الرجل ضحكة قصيرة لكنها باردة ثم قال:
ـ والله يا حاج... لو جت على الموت... إحنا ميتين من زمان
تبادل الرجال النظرات... قال عدنان بهدوء وهو يتأمله:
ـ إنت مش من البلد صوح؟
نظر إليه الرجل بإعجاب ثم قال:
ـ بتفهم يا كبير
ـ لا لهجتك من إهنيه... ولا وشك شوفناه جبل كده
ابتسم الرجل و قال:
ـ صح....عندك حق
تقدم عبدالعزيز خطوة و قال:
ـ مين اللي باعتك... إنطق وإخلص
رفع الرجل رأسه ثم نظر إلى سقف المجلس للحظة وكأنه يسترجع شيئًا قديم
ثم قال بهدوء:
ـ لو قولتلكم... مش هتصدقوا
قبض سعد على قبضته و قال بغضب جم:
ـ عليّا الحرام من ديني لو ما نطقت لأفلقك نصين
التفت الرجل إليه ثم قال جملته ببطء... كأنه يتعمد أن تقع كل كلمة كالحجر:
ـ اللي باعتني... راجل... المفروض إنه ميت
تجمد المجلس نظر خميس إلى دياب
أما أدهم... فقد قطب حاجبيه وهو يحاول أن يتذكّر
لكن... كانت الصدمة الحقيقية على وجه الحاج دياب
لأول مرة... تغيرت ملامحه ولم يفُت ذلك عدنان
إقترب قليلًا وهو يراقب دياب قبل الرجل
ثم قال:
ـ مين الراجل ديه انطج... كيف واحد ميت هيبعتك؟
ابتسم الأسير ابتسامة واسعة هذه المرة وقال:
ـ أصل شكله... معرفش يموت
وفي لحظة... صاح سعد بغضب:
ـ اسمه اااااااايه؟
نظر إليه الرجل مباشرة ثم قال:
ـ مش من حجي أجول اسمه لكن من حجي أوصل رسالته
ضرب دياب بعصاه الأرض و قال بجنون:
ـ جولها و خلصنا بدال الحديت الماسخ ديه
أخذ الرجل نفس عميق ثم قال بصوت ثابت:
- جول لدياب... الحساب اللي بدأ من عشرين سنة... جات ساعة سداده
حل صمت ثقيل... شعر الجميع وكأن هواء المجلس اختفى
نظر خميس إلى أخيه و قال باستغراب:
ـ عشرين سنة؟!
أما أدهم... فبدأ القلق يظهر في عينيه
بينما ظل دياب ينظر إلى الرجل دون أن يرمش
قال الرجل وهو يبتسم:
- و بيجولك كمان... الميت لما يرجع... أول حاجة بيدور عليها... هي اللي دفنوه
هنا... وقف الحاج دياب ببطء واقترب منه حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى خطوة واحدة
نظر في عينيه بقوه... ثم قال لأول مرة بنبرة خرجت مختلفة:
فيها خوف قديم لم يسمعه أولاده من قبل
ـ إنت شوفته؟
ابتسم الرجل وهز رأسه بالإيجاب
في تلك اللحظة... شعر عدنان الجبالي أن الدم تجمد في عروقه
لأن السؤال الذي سأله دياب... كان معناه شيئ واحد
أن الحاج دياب... يعرف جيدًا من يقصده الرجل
لكن السؤال هو... هل يكون سليمان... أم أن هناك شخصًا آخر من الماضي لم يمت كما ظن الجميع
ماذا سيحدث يا ترى
سنرى
انتظروووووني
بقلمي / فريده الحلواني
