روايه العطارين بقلم الكاتبه فريده الحلواني الفصل الواحد والعشرون
روايه العطارين بقلم الكاتبه فريده الحلواني الفصل الواحد والعشرون
روايه العطارين
الفصل الواحد والعشرون
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
إوعي تخافي من الطريق الطويل... خافي بس إنك توقفي
النجاح مش حظ... النجاح قلب جامد عنده إصرار وعقل رفض يستسلم
وخطوة بتتاخد كل يوم حتى لو كانت صغيرة... يلا خدي الخطوة بسرعة
هتوصلي و هتنجحي... نا واثقه فيكي
و بحبك .
ساد صمت ثقيل داخل مجلس الحاج دياب صمت لم يكن يشبه أي صمت عرفه رجال العطارين من قبل
كان الرجل الغريب لا يزال واقف في منتصف المجلس ويداه مكبلتان خلف ظهره بينما إبتسامته الباردة لم تغادر وجهه و كأنه صاحب المكان لا أسير ينتظر مصيره
أما الحاج دياب... فقد ظل واقف أمامه عصاه تستقر على الأرض وعيناه ثابتتان في عينيه دون أن يرف له جفن
ولأول مرة... رأى أولاده شيئ لم يعتادوا رؤيته... الخوف
لم يكن خوف ظاهر... بل ارتباك خاطف مر فوق ملامحه لكنه لم يخفى عن عين عدنان الجبالي
نظر عدنان إلى دياب ثم أعاد بصره للرجل المكبل وقال بهدوء:
ـ يعني بتجول إنك شوفته بعينك صوح ؟
ابتسم الرجل ابتسامة خبيثة ثم قال:
ـ أيوه... وشوفته زين كمان
قال سعد بحدة وهو ينهض:
ـ مين ياإبن الكلب... إنطق بدل ما...
رفع دياب يده دون أن ينظر إليه و قال بأمر :
ـ مكانك يا سعد... متتكلمش
توقف سعد على مضض لكن صدره كان يعلو ويهبط من شدة الغضب
اقترب دياب خطوة أخرى من الأسير وقال بصوت منخفض:
ـ آخر مرة... شوفته إمتى؟
أجابه الرجل دون تردد:
ـ من أسبوعين
ساد الصمت... خميس تبادل النظرات مع أدهم و رجب
أما صالح فتمتم:
ـ يعني... الراجل اللي بيحكي عنه الحج... عايش بجد
لم يرد أحد... اقترب عدنان هذه المرة حتى أصبح بمحاذاة دياب
وقال وهو يراقب ملامحه:
ـ انت تعرف الراجل ديه ؟
ظل دياب صامت لثوان طويلة ثم قال دون أن يرفع عينيه:
ـ أعرف الماضي... إنما الحاضر... لسه مش عارف عنه حاجة
انعقد حاجبا عدنان لم تعجبه الإجابة بل زادت شكوكه
إلتفت نحو الرجل وقال:
ـ إنت مرسال ... ولا واحد من رجالة اللي باعتك؟
ابتسم الأسير ثم قال:
ـ مرسال... ومعرفش حاجة غير اللي أمرني أجوله
ـ وخلّصت رسالتك
ـ لاااااه... لسه فيه كلمتين فاضلين
إرتفعت أعين الجميع إليه ابتسم الرجل أكثر وهو يقول:
ـ بيجولكم...
وتوقف متعمدًا حتى بدأ الغضب يتسلل إلى وجوه الرجال
ثم أكمل ببطء:
- دي أول خطوة بس... ولسه اللي جاي... هيخليكم تتمنوا
إن السنين معدتش بيكم لجل ما تشوفوا اليوم ديه
صرخ سعد بغل:
ـ والله لأدفنك مكانك يا ######
أوقفه دياب مرة أخرى ثم نظر إلى الرجل وقال:
ـ اللي باعتك... رايد مني إيه؟
رد بثقة:
ـ الحساب
ـ حساب إيه؟
ـ حساب الدم... والخيانة... والسنين
أغمض دياب عينيه للحظة كانت لحظة قصيرة جدًا... لكن عدنان لمحها
ولمح معها شيئ آخر... يد دياب... كانت ترتجف
إرتجافة خفيفة... لكنها موجودة
وهنا... تيقّن عدنان أن الأمر أكبر بكثير مما يتخيل الجميع
قال دياب فجأة:
ـ خدوه
نظر الجميع إليه بإستغراب و قال سعد بعدم فهم:
ـ يعني إيه ناخده يابا .....نوديه فين؟
ـ يتحبس
ـ ويتساب حي؟
رد دياب بحسم:
ـ أيوه... حي
إعترض جلال:
ـ يابا... ده جاسوس إزاي نسيبه بس
ـ وعشان كده هيفضل عايش
نظر إليه الجميع بعدم فهم أما عدنان... فابتسم لأول مرة وقال:
ـ صوح... إكده عين العجل
نظر إليه سعد بضيق و قال:
ـ صح إيه يا عمده بس
أجاب عدنان وهو يقترب من الأسير:
ـ اللي باعته... أكيد مستني يعرف إحنا هنعمل فيه إيه
لو اختفى... هيعرفوا إنه مات لكن لو فضل عايش
هيفضلوا مستنيين
نظر دياب إلى عدنان وقال:
ـ هو ده اللي كنت رايده
التفت إلى نصر و مصطفى و قال بأمر :
ـ خدوه المخزن القديم محدّش يعرف مكانه غيركم
لا أكل من برا... ولا شربة مي ولا حد يكلمه غير بأمري
هز نصر و مصطفى رؤسهم بموافقة وأشار لإثنين من الرجال
ثم اقتادوا الأسير خارج المجلس لكن... قبل أن يخرج إستدار فجأة
ونظر إلى دياب ثم قال بابتسامة أرعبت الموجودين:
ـ سلملي على سليمان... لو شوفته
في اللحظة نفسها... وقف سعد بعنف و قال:
ـ سليمان... هو قصده عمي سليمان؟
لم يرد دياب و لكن الصمت هذه المرة... كان إجابة
بعد خروج الجميع...لم يبقي داخل المجلس سوى
دياب... وخميس... وأدهم... وعدنان معهم رجب
أغلق عدنان الباب بنفسه ثم عاد وجلس
وقال بهدوء:
ـ دلوك... محدش يسمعنا
رفع دياب رأسه إليه فقال عدنان بصوت منخفض:
ـ من ساعة ضرب النار لحد رسالة الراجل ولحد زيارة سعفان
كلها مربوطة ببعض
قال خميس:
ـ يعني سعفان ليه يد فاللي بيحصل
هز عدنان رأسه بالنفي
ـ لااااه ملوش صالح... عفان بيتحرك بأوامر من حدى تاني
ساد الصمت فأكمل بذكاء :
ـ الضرب بالنار كان علشان يزرع الشك
وزيارة سعفان علشان يكسر البيت من جوه
و المرسال علشان يرجع الماضي قدام الحج دياب
نظر مباشرة إلى دياب وأكمل :
ـ والسؤال دلوك... مين اللي يعرف السر اللي من خمسة عشرين سنة؟
لم يجب دياب ظل ينظر إلى الفراغ وكأنه عاد بعقله إلى زمن دفنه بيده
لكنه عاد الآن... ليطالب بثمنه
وفي تلك اللحظة... في مكان بعيد عن دار العطارين كان سعفان يجلس وحده داخل غرفته
أمامه ورقة صغيرة كتب فيها أربعة أسماء فقط
عمدة البلد... الشيخ عبدالرازق... الحاج منصور... الحاج عمران
رفع رأسه وقال لرجل يقف أمامه:
ـ ابعتلهم وجولهم...سعفان ولد عويضة طالب قعدة عرفية
والحكم هيكون على دياب غنيم نفسه
و فقط... إرتسمت إبتسامة باردة فوق شفتيه... وكأنه واثق أن الجولة القادمة لن تُحسم بالسلاح... بل بكلمة واحدة أمام كبار البلد.
في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيم على جناح النساء لكنه لم يكن هدوء راحة... بل هدوء بيت يخشى أن يسمع خبر يقلبه رأسًا على عقب
جلست نورا في ركن الغرفة تضم ركبتيها إلى صدرها وعيناها ما زالتا حمراوين من كثرة البكاء
كلما أغمضت عينيها... رأت سعد وهو يهجم على سعفان كالإعصار وهو يصرخ أمام الجميع
- دي مراتي... واللي يقرب منها هقطعه
كانت الكلمات تمنحها شعور بالأمان... وفي اللحظة نفسها تزرع داخلها خوف أكبر
همست بصوت مرتجف:
ـ انا السبب... كل ده حصل بسببي
جلست أماني بجوارها وربتت على كتفها برفق:
ـ يا بتي... بطلي جلد في روحك اللي حصل ده كان لازم يحصل يوم من الأيام
هزت نورا رأسها بسرعة و قالت :
ـ لا يا خالتي... لو مكانش كتب كتابنا مستخبي... مكانش حصل اللي حصل
دخلت سميحة وهي تحمل كوب من الينسون
ابتسمت بحنان وجلست أمامها ثم قالت:
ـ اشربي يا نورا... جسمك كله بيرتعش
أخذته منها بيد مرتجفة لكن الكوب كاد يسقط منها
أمسكت سندس يدها بسرعة:
ـ بالله عليكي اهدي... إحنا كلنا معاكي يا حبيبتي
رفعت نورا عينيها إليهن ثم انفجرت باكية مرة أخرى
ـ أنا خايفة عليه...
قالتها بصراحة جعلت النساء ينظرن إليها في صمت
أكملت وهي تنتحب:
ـ أول مرة أشوفه بالشكل ده... كان هيقتل سعفان قدام الناس كلها
ابتسمت أماني رغم قلقها ثم قالت:
ـ لأنه بيحبك يا بتي... ده غير أن سعد راجل
و دمه حامي ميقبلش حد ينطق إسم حد من حريم بيته
احمرّ وجه نورا خجلًا لكن دموعها لم تتوقف فقالت برعب:
ـ لو جراله حاجة... أنا هموت
ساد الصمت للحظات قبل أن يفتح الباب ببطء... دخل سعد
كان شعره مبعثر وجلبابه ممزق عند الكتف وعلى يده اليمنى آثار دم جف فوق أصابعه
ما إن رأته نورا... حتى وقفت بسرعة ثم جرت نحوه دون أن تشعر
وتوقفت قبل أن تصل إليه بخطوة واحدة وكأنها تذكرت وجود النساء
خفضت رأسها في خجل
أما سعد... فلم يهتم بوجود أحد اقترب حتى وقف أمامها مباشرة
نظر إليها بعشق ثم رفع يده برفق ومسح دموعها بإبهامه
وقال بصوت خرج مبحوح:
ـ بلاش عياط... والله ما بحب أشوف دموعك
متخلنيش اروح أولع في أمه دلوقت
ارتعشت شفتاها و قالت بخوف:
ـ كنت... كنت هتموت
ابتسم ابتسامة صغيرة و قال بقوة رغم حنان نبرته:
- أموت... والله لو كانوا ألف واحد
كنت هدوس عليهم كلهم وأطلع ميتين أبوهم قبل ما حد فيهم يفكر يبصلك
إزدادت دموعها فقال بضيق وهو يلف ذراعه حول كتفها و يقربها منه:
ـ يا بت... متعيطيش بقى ده عيل إبن كلب ديّته طلقة و يغور في داهية
- همست:
ـ خوفت يا سعد
ـ وأنا خوفت أكتر يا قلب سعد
نظرت إليه بدهشة فابتسم بحزن و قال :
ـ أول ما سمعت ابن الكلب بيقول... هاخد نورا..
- حسيت إن روحي بتتسحب مني
أول مرة أعرف يعني إيه واحد يخاف علي حد بالشكل ده
شهقت نورا وهي تحاول منع دموعها
ـ سعد...
قطعها وهو يضمها داخل صدره:
ـ اسمعيني يا نواره
رفعت عينيها إليه فقال وهو ينظر داخل عينيها مباشرة:
ـ من النهارده... متخافيش من حد لا سعفان
ولا غير سعفان طول ما أنا عايش محدش هيقدر يقرب منك
ولو الدنيا كلها وقفت قصادي... هقف قصادها
ارتجف جسدها كله ثم قالت بصوت بالكاد يسمع:
ـ وأنا مش عايزة غيرك
ساد الصمت حتى النساء تأثرن بالكلمات
ابتسم سعد لأول مرة منذ ساعات ثم مد يده... وأخذها بين ذراعيه
احتضنها بقوة وكأنه يريد أن يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها
دفنت وجهها في صدره وهي تبكي بصمت
بينما كان يمسد على شعرها بحنان لم يره فيه أحد من قبل
ابتسمت أماني وهي تنظر إليهما ثم قالت وهي تشير لباقي النساء
ـ يلا بينا... خليهم يتكلموا براحتهم
خرجت النساء بهدوء وأغلقت أماني الباب خلفها
بقي سعد ونورا وحدهما لأول مرة منذ انتهاء المواجهة
ابتعد عنها قليلا ثم نظر إلى وجهها كانت عيناها متورمتين من البكاء
تنهد بحزن ثم قال بقهر :
ـ عملوا فيكي ايه يا نوارة قلبي علشان تخافي بالشكل ده
ابتسمت وسط دموعها:
ـ الدنيا كلها خوفتني... إلا إنت
شعر وكأن قلبه توقف لحظة اقترب منها ثم قبل جبينها قبلة طويلة
وقال:
ـ أوعدك... آخر مرة الخوف ده يبقي في عينك
طالما أنا بتنفس... هتفضلي في حمايتي
إنتي مرات سعد الجن يابا... يعني تمشي تكسري في الدنيا وأنا أجبس وراكي
إفتري على خلق الله وأنا في ضهرك و اللي أبوه دكر يفكر يقرّب منك
رفعت يدها الصغيرة ولمست الكدمة التي بدأت تظهر على وجنته
همست بألم:
ـ وجعتك... صح
ابتسم وهو يميل برأسه على يدها ثم قال بجنون:
ـ الضربة الوحيدة اللي وجعتني... كانت لما قال إنه عايز ياخدك
ضحك بخفة وأضاف:
ـ غير كده... يضربوا براحتهم #### ميشغولنيش
ضحكت لأول مرة ضحكة صغيرة... لكنها أعادت الحياة إلى وجهها
وفي تلك اللحظة... دق الباب ثم دخل الحاج دياب
إعتدل سعد بسرعة أما نورا... فخفضت رأسها في حياء
نظر إليهما دياب ثم ابتسم ابتسامة هادئة نادرة
وقال بصوته الوقور:
ـ من النهارده... محدش في الدار ديه هيجول على نورا غير مرت سعد
سكت لحظة... ثم أكمل وهو ينظر إلى إبنه:
ـ واللي حصل النهارده خلى الرجوع مستحيل... فاستعدوا
رفع سعد حاجبيه و قال:
ـأستعد لإيه يابا فهمني؟
أجاب دياب وعيناه تحملان ثقل السنين:
ـ لأن سعفان مش هيكتفي بالقعدة العرفية
سعفان داخل على حرب... والحرب دي مش هتكون آخرها كلام
نظر لولده بعيون تحمل هم السنين ثم قال :
- تعالي معايا يا سعد
في حاجات كتير لازم تعرفها عشان تفهم انا بعمل ايه
بس اللي هيتقال بينا... مفيش مخلوق يعرفه
تطلّع إلى أبيه بقوة ثم ضرب جانب عنقه و قال برجولة
- رقبتي يابا... و لا حرف هيطلع وإنت عارف
لم يكن الليل قد انتصف بعد... لكن بيت العطارين كان مستيقظ بالكامل
مصابيح المجلس الكبيرة ألقت ضوء أصفر فوق الوجوه المتجهمة بينما جلس الحاج دياب في مكانه المعتاد واضع مسبحته أمامه دون أن يحركها
حوله جلس خميس وأدهم ورجب وعدنان الجبالي بينما ظل سعد واقف عند النافذة يراقب
ظلام الطريق وكأن سعفان قد يعود في أي لحظة
و عقله شارد في تلك الحقائق التي قصّها أبيه عليه
رغم أنها صادمة و لا يصدقها عقل... إلا أنه قررّ أن يقف في ظهر أبيه مهما حدث
قطع الصمت صوت دياب الهادئ:
ـ اتفضل يا عدنان... جول اللي كان واجف في زورك من الصبح
رفع عدنان رأسه ببطء ظل صامت للحظات... ثم قال:
ـ اللي حوصل النهارده... مش عاجبني
ابتسم صالح بسخرية ثم قال :
ـ هو فيه حاجه تعجب حد من أساسه يا عدنان
اللي احنا فيه ديه مرار طافح
هز عدنان رأسه و قال :
ـ لا... أني بتحددت عن ترتيب اللي حوصل
نظر الجميع إليه فأكمل بهدوء:
ـ الضرب بالنار... وبعدين الراجل اللي مسكناه وبعدين رسالة الميت
وبعدين زيارة سعفان... وبعدين القاعدة العرفية اللي هتتعمل
رفع إصبعه وأكمل بدهاء:
ـ أربع حركات... ورا بعض دي مش صدفة
قال عبدالعزيز:
ـ هو كتير اااه بس عادي كلها مترتبه على بعضها
نظر إليه عدنان و قال :
ـ لااااااه... مش ديه جصدي
آني اجصد فيه مخ... مخ كبير جوي
- جاعد يحرك كل واحد فينا كيه العرايس اللعبة
سأله رجب بحيرة :
ـ تجصد سعفان يعني؟
ابتسم عدنان لأول مرة و قال:
ـ لااااه... سعفان نفسه بيتحرك بأوامر
انعقد حاجبا سعد و قال:
ـ مستحيل... حسب علمي الراجل ده عمره ما سمع كلام حد
رد عدنان بهدوء:
ـ إلا لو اللي جدامه ماسك عليه حاجة
نظر إليه دياب بإهتمام و قال:
ـ كمل... جول اللي في دماغك
تنهد بهم ثم قال:
ـ سعفان من ساعة رجع البلد... وهو بيتصرف بعصبية
لكن النهارده... كان هادي زيادة كل كلمة جالها كانت مجصودة
حتى وجت ما سعد ضربه ما ردش... ليه
لأنه كان عايز الضربة دي
قال حمزة بدهشة:
ـ يعني كان مستنيها؟
- ايوه... لأن الضربة خلت الموضوع كله
يتجلب من طلب إنه ياخد نورا... لعار و غلط جدام كبار البلد
يعني خد اللي هو عايزه
ضرب خميس كفه بكفه و قال :
ـ يا ساتر يا رب... الطف بينا يا رب
إبتسم عدنان ابتسامة صغيرة ثم قال:
ـ الراجل خرج خسران في الظاهر... وكسبان في الحجيجة
هنا... تحدث دياب لأول مرة:
ـ طب هيستفاد إيه من ديه كله؟
نظر إليه مباشرة و قال بذكاء:
ـ إنه شتتنا... كل واحد فينا دلوجت بيفكر في حتة
سعد بيفكر في مرته... عبدالعزيز بيفكر في كلامه
إنت بتفكر في الجاعدة وأني بفكر في الراجل اللي جال
اللي باعتني واحد ميت
ساد الصمت للحظات ثم قال دياب فجأة:
ـ أني كمان بفكر فيه
رفع الجميع رؤوسهم قال أدهم ببطء:
ـ يا خوي...جولنا إنت تعرف مين ديه
لم يرد عليه ظل ينظر إلى الأرض ثم قال بصوت خافت:
ـ معرفش... بس الحديت فكّرني بحاجة كنت فاكرها ماتت
نظر إليه عدنان و قال :
ـ سليمان... صوح؟
ساد الصمت... حتى الهواء توقف رفع دياب عينيه إليه ببطء
ثم قال:
ـ متستعجلس يا واد عمي الأسامي دي... ليها تمن
قال سعد بحدة:
ـ ولو سليمان حي
نظر إليه دياب بحزن ثم قال:
ـ يبجى البلد كلها هتتجلب و العيلة اللي بحافظ عليها
طول عمري... هيتشجلب حالها يا ولدي
فجأة... دخل أحد رجال العطارين مسرعًا و قال:
ـ يا حج... الراجل اللي ممسوك طالب يشوفك لحالك
قال سعد بغيظ:
ـ مستحيل إنت أهبل ياض و لا إيه أبويا ميقعدش لوحده معاه
ابتسم الرجل بخوف ثم قال
ـ بيجول... الكلام اللي عندي لو اتجال قدام الناس هيبجى فيه دم
نظر الجميع إلى بعضهم أما عدنان... فلم تعجبه الجملة
وقف بهدوء و قال:
ـ أني هدخل وياك
هز الرجل رأسه و قال:
ـ رفض بيجول... الحاج دياب بس
نظر سعد إلى أبيه و قال:
ـ متدخلش يابا
قال حمزة:
ـ يمكن فخ
نهض دياب بهدوء أخذ عصاه ثم قال:
ـ اللي خايف من كلمة... مينفعش يبجى كبير
انا رايح لحالي... مهيجدرش يعمل حاجة و هو مربّط
و في جلب داري
اتجه نحو الغرفة الخلفية داخل المخزن الصغير
كان الرجل المكبل يجلس فوق كرسي خشبي رأسه منخفض
و حينما دخل دياب...رفع رأسه مبتسمًا و قال:
ـ اتأخرت ليه يا حج؟
وقف دياب أمامه:
ـ جول اللي عندك وإخلص بلاها رط فاضي
ابتسم الرجل و قال:
ـ الأول... جاوبني
قطب دياب حاجبيه
ـ أجاوبك على إيه؟
ـ إنت نمت مرتاح... بعد اللي حصل من خمسه عشرين سنة
تصلبت ملامح دياب لكنه لم يتحدث ضحك الرجل و قال:
ـ يبجى لسه فاكر
اقترب دياب خطوة و قال:
ـ مين اللي باعتك؟
همس الرجل:
ـ هو
ـ مين هو؟
رفع الرجل وجهه أكثر... حتى أصبحت عينه تناظر عيناه
ثم قال بهدوء شديد:
ـ اللي دفنته... وشاف بعينه التراب وهو بيتردم عليه
إتسعت عينا دياب أما الرجل... فابتسم ابتسامة واسعة
وأكمل:
ـ بيجولك... الجبر كان فاضي
ساد صمت مرعب ولأول مرة منذ سنوات طويلة
شعر الحاج دياب ببرودة تسري في جسده
بينما خارج الغرفة... كان عدنان الجبالي يقف مستند إلى الحائط
لم يسمع ما دار... لكنه رأى شيئا أخطر حين خرج دياب بعد دقائق
لم يكن وجهه هو وجه الرجل الذي دخل
كانت عيناه تحملان ذلك الخوف القديم الخوف الذي لا يصنعه إلا شبح من الماضي
إبتسم عدنان في داخله ابتسامة صغيرة وهو يهمس لنفسه:
- يبجى إكده صوح... وسليمان مش آخر السر... ده أوله.
مع أول خيوط الفجر... بدأ الخبر ينتشر في البلد كالنار في الهشيم
- سعفان بيلم كبار البلد
- هيعمل قاعدة عرفية والحكم هيكون في جوازة نورا
وأحاديث أخرى كثيرة... لم يتبقى في القرية بيت إلا ووصل إليه الخبر
داخل مضيفة الحاج دياب... دخل أحد الرجال مسرعًا وبعد أن ألقى السلام قال وهو يلهث:
ـ يا حج... سعفان بعت رسايل لكل العمّد والمشايخ
والقعدة بعد بكرة في مضيفة الشيخ منصور
رفع خميس رأسه وقال بضيق:
ـ كنا خابرين أنه هيعمل إكده... ماهو جالها امبارح
أما سعد فنهض بعنف حتى كاد المقعد ينقلب:
ـ وأنا هروح أجيب الواد ده من وسط رجالته
هقطع رأسه و اعلقها جنب راس أبوه
قال دياب دون أن ينظر إليه:
ـ تقطع راس مين يا سعد؟
ـ سعفان ال ### ده
ـ وبعدها... إيه اللي هيحصل؟
صمت سعد فأكمل دياب بهدوء:
- وبعدها... هتقتل كل اللي وراه
لم يجد سعد جوابًا فتنهد دياب ثم قال:
ـ المصيبة اللي احنا فيها دي محتاجه عقل مش عضلات
نظر أدهم إلى أخيه بإعجاب ثم قال:
ـ الحاج عنده حق لو روحنا لسعفان دلوقت
هنبقى اديناله اللي هو عايزه زي ما عدنان قال امبارح
قال عبدالعزيز:
ـ أومّال نسكت يعني... ده واحد وسخ شبه أبوه
- ممكن يسوء سمعة اختي عشان بس يوصل للي عايزه
دخل عليهم في ذلك الوقت عدنان و الذي قال سريعًا :
ـ لاااااه... ميجدرش يعملها مش عشان شهم
لاااه عشان محدش يحط عليه غلط
المهم عندينا دلوك نعرف مين اللي وراه .
وفي الجهة الأخرى... كان سعفان يجلس في مضيفته
حوله عدد من كبار عائلته وأمامهم دفتر قديم يكتب فيه أحد الرجال أسماء المدعوين
قال وهو ينظر إلى القائمة
ـ محدش يتنسي الشيخ منصور العمدة سلامة الحاج محفوظ
الشيخ عمران... كلهم يحضروا الجاعدة
قال أحد الرجال:
ـ وحتى رجالة الجبل
إبتسم سعفان و قال بخبث:
ـ أيوه كل ما العدد يكبر... يبجى كسرة دياب تبقى أكبر
أخرج من جيبه ورقة مطوية فتحها ببطء
كانت نسخة من عقد زواج سعد ونورا ناولها للرجل الجالس بجواره
ـ دي أول ضربة
نظر الرجل إليها بدهشة و قال :
ـ جبتها منين دي يا كبيرنا؟
ابتسم ابتسامة غامضة ثم قال :
ـ اللي يهمك إنها وصلتني لكن السؤال اللي لازم تسأله...
مين اللي وصلهالي؟
أكمل وهو يطرق بأصابعه على الطاولة
ـ دياب فاكر إنه بيحاربني وهو مش واخد باله
إن اللي بيحاربوه ناس من لحمه و دمه.
في بيت العطارين...كان عدنان يراجع كل ما حدث خلال الأيام الماضية
امسك ورقه بيضاء ورسم عليها عدة دوائر
كتب في الأولى... الطلقات
وفي الثانية... الراجل الغريب
وفي الثالثة... سعفان
وفي الرابعة... الخاين
وقف الجميع ينظرون إليه قال أيمن باستغراب:
ـ هو إنت بتعمل إيه؟
إبتسم و قال :
ـ بفكر
رسم خط يصل بين الدوائر وقال:
ـ بصوا... كل واحدة من دول مربوطة بالتانية
بس فيه نجطة ناجصه
سأله نصر باهتمام:
ـ إيه هيا؟
أمسك القلم كتب في منتصف الورقة كلمة واحدة... الماضي
نظر الجميع إليها فقال:
ـ كل اللي بيحصل سببه حاجة حصلت من خمسه عشرين سنة
سأل خميس:
ـ وإنت عرفت منين كل ده؟
ابتسم و قال بذكاء :
ـ لأن الراجل اللي اتمسك... ولا مرة سأل عن الطار
ولا عن نورا ولا عن سعفان
كل كلامه كان عن السنين اللي عدت
يعني... الماضي هو الجضيه كلياتها
أما اللي بيحصل دلوك... فهو مجرد وسيلة
ساد الصمت بشكل خطر أما دياب... فظل ينظر إلى الكلمة المكتوبة
الماضي... ثم أغلق عينيه للحظة
وكأن ذكريات دفنها منذ سنوات بدأت تخرج من تحت التراب
وفي مكان بعيد... داخل منزل مهجور على أطراف الجبل
كان رجل يجلس في الظلام لم يظهر من وجهه شيء
أمامه مصباح كيروسين صغير
دخل إليه الرجل الذي كان أسير لدى العطارين ثم أطلق سراحه ليلًا في ظروف غامضة
انحنى باحترام و قال :
ـ الرسالة وصلت يا باشا
خرج صوت الرجل الجالس في الظلام هادئ وخشن:
ـ شوفت الخوف في عينيه؟
ابتسم المبعوث و قال بفخر:
ـ أول ما قلتله... الجبر كان فاضي... وشه اتغير
ساد صمت قصير ثم... خرجت ضحكة منخفضة من الرجل المجهول
وقال:
ـ كويس... لسه فاكر يعني كده حلو أوي
اقترب المبعوث وسأل:
ـ والخطوة الجاية ايه يا كبير؟
مد الرجل يده من الظلام... فظهر خاتم فضي قديم يحمل نقش على شكل حية تلتف حول خنجر وقال بصوت مليء بالحقد:
ـ نخليه يشك في أقرب الناس ليه... ولما يبقى واقف لوحده
ساعتها... هيبدأ الحساب الحقيقي.
كان الليل قد عاد ليبسط عباءته السوداء فوق القرية
لكن هذه المرة لم يكن الهدوء طبيعي
كل بيت يتحدث عن القعدة العرفية وكل مجلس يردد اسم العطارين
داخل بيت الحاج دياب... كانت النساء قد إجتمعن في المندرة الداخلية
جلست أماني تقلّب سبحتها وهي تهمس بالأذكار بينما كانت سميحة تحاول أن تبدو قوية لكن أصابعها المرتجفة فضحت قلقها
أما نورا... فكانت تجلس في ركن الغرفة تضم ركبتيها إلى صدرها
منذ مواجهة سعفان... لم تنم إلا دقائق متقطعة
كلما أغمضت عينيها... رأت سعد واقفًا أمامها وهو يصرخ
- دي مراتي... ثم ترى البنادق موجهة إليه
فتنتفض من نومها باكية
اقتربت منها سيدة وجلست بجوارها ثم أمسكت يدها بحنان
ـ مالك يا بتي؟
همست نورا وعيناها ممتلئتان بالدموع:
ـ خايفة...
ـ من إيه؟
ـ يكون اللي حصل بسببي لو مكنتش اتجوزته مكنش كل ده حصل
ربتت على رأسها بحنان أم ثم قالت:
ـ اسمعيني كويس الرجالة دي لو كانت عايزة حرب... كانت هتلاقي أي سبب
إنتي مش السبب يا نورا... إنتي الحِجة اللي أهل ابوكي اخدوها عشان يوصلوا للي عايزينه
رفعت نورا عينيها إليها و قالت بعدم فهم:
ـ يعني ايه ياما مش فاهمه؟
ـ يعني اللي ولّع الدنيا دي... مش جوازك... في حاجةأكبر بكتير و انا متأكدة
إن الزفت سعفان جاي يعمل اللي ابوه معرفش يعمله معانا
بس اللي مطمني إنك بقيتي في حِمى راجل هياكل اللي يقرب منك... ربنا يحميكم يا بنتي.
في الخارج... كان سعد يجلس وحده فوق سطح البيت
بندقيته إلى جواره وسيجارة تحترق بين أصابعه
نظر إلى السماء ثم همس:
ـ والله لو الدنيا كلها وقفت قصادي... ما حد هيلمسك
سمع خلفه صوت خطوات التفت... فوجد الحاج دياب
إقترب الأب وجلس إلى جوار ابنه دون أن يتكلم
ظل الإثنان صامتين دقائق ثم قال دياب:
ـ انت زعلان مني يابني؟
هز سعد رأسه سريعًا و قال:
ـ لا يابا... أزعل منك ايه بس
ـ أومّال مالك ؟
تنهد سعد ثم قال بصراحة:
ـ حاسس إني السبب....
ابتسم دياب ابتسامة هادئة ثم قال :
ـ الراجل اللي يدافع عن مراته... عمره ما يبقى غلطان
بس لازم يعرف إمتى يضرب... وإمتى يصبر
خفض سعد رأسه و قال :
ـ والله حاولت بس لما قال... هاخدها.... حسيت إن روحي بتتسحب مني
وخرجت الكلمات من قلبه قبل لسانه أكمل بصدق:
ـ أول مرة أعرف يعني إيه أخاف أخسر حد بالطريقة دي
قلبي كان هيتخلع مني يابا و الدنيا اسودت في وشي
نظر إليه دياب ثم وضع يده على كتفه و قال :
ـ انت كده بقيت راجل كامل من كله يا جن
لأن الراجل... مش اللي يعرف يقتل
الراجل... اللي يعرف يحافظ على اللي بيحبه
إبتسم سعد ابتسامة صغيرة لأول مرة منذ أيام ثم قال :
- دي نور عيني اللي بشوف بيه يابا مش بحبها بس
ابتسم دياب براحة لكن سرعان ما ارتسم الحزن على ملامحه و هو يسأله بتوجس
- شايفني ازاي يا سعد بعد ما حكتلك الحقيقه كلها؟
إعتدل سريعًا و قال بقوة:
- شايفك أجدع أب وأرجل راجل فالدنيا
و محدش غيرك ينفع يبقي كبير يا حج.
وفي الناحية الأخرى من البلد... كان عدنان الجبالي يقف وسط الغيطان
وبجواره اثنان من رجاله انحنى أحدهم وأخرج شيئ من بين الأعشاب
ناوله لعدنان نظر إليه... فتغيرت ملامحه
كانت... فوارغ طلقات قلبها بين أصابعه ثم ابتسم ابتسامة و قال:
ـ زي ما فكرت بالتمام
سأله الرجل:
ـ فكرت في ايه يا كبيرنا؟
رفع عدنان الظرف الصغير الذي وضع فيه الفوارغ ثم قال:
ـ ديه مش من سلاح رجالة سعفان ولا من سلاح العطارين
ساد الصمت للحظه وأكمل:
ـ يعني اللي ضرب النار ليلة الهجوم... كان طرف تالت
شعر الرجل بالدهشة فسأله باهتمام:
ـ تجصد إن اللي بيولع الدنيا... مش سعفان؟
ابتسم و قال:
ـ من أول يوم وأني بجولها... سعفان مجرد حجر شطرنج
لكن الملك... لسه مستخبي
وفي مكان مجهول... كانت غرفة يغمرها الظلام
لا يرى منها سوى شعلة نار صغيرة داخل موقد قديم
إمتدت يد رجل إلى طاولة خشبية... وأمسكت بصورة قديمة
نظر إليها طويلا كانت الصورة تجمع أربعة رجال شباب
أحدهم كان الحاج دياب في مقتبل عمره
والثاني خميس أما الثالث... فقد مزق وجهه من الصورة عمدًا
ولم يبق منه سوى جزء من كتفه
أما الرابع... فكان يقف واضع يده على كتف الرجل الذي مزق وجهه
مرر الرجل أصابعه فوق الصورة... ثم همس بصوت مبحوح:
ـ خمسة وعشرين سنة... وأخيرًا جه وقت الحساب
رفع الصورة نحو النار لكن قبل أن يحرقها
ظهرت في الضوء لمحة من وجهه
ندبة طويلة تمتد من صِدغه حتى أسفل رقبته
ثم إنطفأ الضوء... ولم يظهر شئ آخر
ماذا سيحدث ياترى.......
سنرى........
انتظروووووني
بقلمي/فريده الحلواني
