📁 آخر الأخبار

روايه العطارين بقلم الكاتبه فريده الحلواني فقط حصريا الفصل الثاني والعشرون

 روايه العطارين بقلم الكاتبه فريده الحلواني فقط حصريا الفصل الثاني والعشرون

روايه العطارين بقلم الكاتبه فريده الحلواني فقط حصريا الفصل الثاني والعشرون









روايه العطارين بقلم الكاتبه فريده الحلواني فقط حصريا الفصل الثاني والعشرون





صباحك بيضحك يا قلب فريده 


في ناس بتحاربك علشان تكسرك... وناس بتحاربك علشان تكشفك

 والذكي هو اللي يعرف الفرق قبل ما يضيع عمره بيضرب في الهوا

خليكي ذكيه و اقرئي اللي بين السطور ...مش كل اللي يضحك في وشك يبقي صافيلك من جواه

ربنا يكفيكي شر النفوس السوده

انا بحبك 




رغم أن الدار كانت تغلي بالأحاديث عن القعدة العرفية والرسائل وسعفان والرجل الغامض

إلا أن الحياة لم تتوقف 

في الفناء الداخلي...كانت فرح تنشر بعض الملابس على الحبل بينما تتحرك بعصبية 

تشد قطعة القماش بقوة وكأنها تنتقم منها

رفعت سميحة حاجبها وهي تراقبها من بعيد ثم همست لسندس

- البت دي فيها حاجه من الصبح مش طبيعيه

ابتسمت سندس بخبث وقالت

- شكلها عامله كده بسبب ايمن اخويا 

بس معرفش عملها ايه الصراحه

ضحكت سميحة ثم قالت 

- وأنا اللي فاكرة إنها هتربيه اتاري هو اللي 

حارق دمها 

في تلك اللحظة...دخل أيمن من الباب الخارجي وهو يحمل كيس ورقي صغير

بمجرد أن لمح فرح...اتجه إليها مباشرة

أما هي...فما إن رأته حتى أدارت له ظهرها وأكملت ما تفعله وكأنها لم تره

ابتسم  وهو يهز رأسه ثم قال بمزاح

- يا ساتر... شكلك عايزه تولعي فيا و لا ايه

لم ترد اقترب أكثر و قال بحده زائفه

- السلام عليكم

لم يتبقي ردا منها فقال 

- طب ردي سلامي ربنا حتي



رفعت إحدى الملايات بعنف ونشرتها دون أن تنظر إليه

تمتم بضيق مصطنع

- لا كده الموضوع اكبر من المصايب مالي احنا فيها 

كادت تبتسم...لكنها تماسكت اقترب أكثر حتى أصبح بجوارها

رفع الكيس أمامها و قال بحنان

- جبتلك حاجة ممكن تقبليها


أخذت الكيس من يده...ثم وضعته على الأرض دون أن تفتحه

نظر إليها بصدمه و قال 

- حتى مش هتبصي عالي جواه

قالت ببرود وهي تعطيه ظهرها

- لاااااا.....مش هبص

- ليه طيب كده

- مالييش نفس عندك مانع

حك رأسه بحيرة ثم قال 

- طب افتحيه... يمكن يعجبك اللي فيه

استدارت أخير  ونظرت إليه بنظرة جامدة و قالت بغضب

- قولت مش عايزه هو بالعافيه


تنهد بهم ثم قال

- إنتي زعلانة اوي  كده

رفعت حاجبها و قالت بحزن

إنت شايف إيه

ابتلع ريقه و قال  محاولا تلطيف الجو

والله لو كنت أعرف إنك هتبقي حلوه بالشكل ده

و انتي زعلانه ..... كنت زعلتك من زمان

اتسعت عيناها و قالت بغيظ

- انت بتقول إيه

ضحك و قال بسرعة

- بهزر... بهزر والله

 أمسكت الكيس وألقته في صدره و قالت بغصب

- خد حاجتك وامشي من وشي 

التقطه بصعوبة و قال 

- ليه بس.....في ايه بس يا فرح

قالت وهي تشير إلى باب المنزل



















- عشان  مش طايقه أشوفك أصلا

ساد الصمت لثوان ثم قال بهدوء هذه المرة

- طب أعرف عملت إيه بس و انا اراضيكي

التفتت إليه فجأة وكانت عيناها تمتلئان بعتاب لم تستطع إخفاءه

- بجد مش عارف ايه اللي مزعلني


هز رأسه اقتربت خطوة و قالت بحزن

- يوم ما الدنيا ولعت هنا... ويوم البنادق اتوجهت على ولاد عمك

ويوم البيت كله كان مقلوب... كنت فين


عقد حاجبيه و قال 

- كنت معاهم يا فرح  

- وبعدين

- وبعدين...

قاطعته

- ولا مرة جيت سألت عليا لفيت على الدار كلها

سألت على اخواتك... وعلى خالتي... وعلى الرجالة

حتى البهايم سألت عليها يمكن... إلا أنا


رفع رأسه بسرعة و قال

- مين قال إني مسألتش عليكي

ضحكت بسخرية و قالت

-يعني سألت عليا

- أيوه و الله سالت  

- سالت مين بقي .....و قالو لك ايه

ارتبك للحظه فقد كان يسأل عنها عشرات المرات

لكن في الخفاء كلما رأى سميحة سألها

- فرح عاملة إيه....وكلما قابل سندس...أكلت

وكلما مر بجوار الغرفة...كان يطمئن أنها بخير

لكنه لم يجرؤ أن يقف أمامها.....خفض عينيه و قال 

- سألت.....البنات عليكي

قالتها وهي تعقد ذراعيها

- و انا مكنتش محتاجه تسال حد عليا يا ايمن

كنت عايزاك تسالني انا

رفع رأسه إليها و قال بحزن

- كان المهم عندي اني أطمن إنك بخير


ابتسمت بسخرية و قالت

- من بعيد....صح

لم يجد جواب فهمست بمرارة

- إنت شاطر قوي في البعد يا أيمن

أوجعته الجملة أكثر مما توقع اقترب خطوة

- فرح...اسمعيني

تراجعت خطوة للخلف و قالت

- خليك مكانك ...... متقربش

توقف في الحال نظر إليها حزن ثم قال بصوت خافت

- أنا خفت

رفعت حاجبها باستغراب و قالت بعدم تصديق

- خفت.....من ايه مش فاهمه

هز رأسه و قال بصدق

- أيوه

صمت فجاه لانه وكاد يقول

- خفت أقف قدامك وأبان قد إيه كنت مرعوب عليكي

لكنه ابتلع الكلمات وقال بدلا منها

- خفت تكوني زعلانة مني و مش حابه تكلميني

نظرت إليه باستغراب ثم هزت رأسها و قالت

وبدل ما تيجي تصالحني... اختفيت



حك مؤخرة رقبته بحرج ثم قال

والله... معرفتش أبدأ منين

سكتت لحظة...ثم قالت بعناد

- يبقى متبدأش يا ايمن ....خليك واقف مكانك كده

استدارت لتغادر لكن قبل أن تبتعد...ناداها

- يا فرح.....اسمعي بس

توقفت...دون أن تنظر إليه

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال

- عارفه أنا جبتلك إيه

قالت بملل

- مش فارق.....و لا يهمني

فتح الكيس وأخرج منه كيس صغيرا من اللب السوري

 وقطعة شوكولاتة وربطة شعر زرقاء كانت رأتها علي أحد المواقع 

منذ أسبوعان و قد اعجبتها للغاي

تجمدت مكانها لقد تذكرت كانت تريد شراؤها لكن وجودها في الصعيد

منعها من ذلك

نظر إليها وهو يحاول إخفاء ابتسامته ثم قال

- افتكرتك وإنتي بتبصي عليها

لم تلتفت...لكن دموع خفيفة لمعت في عينيها

اقترب ووضع الأشياء على المقعد بجوارها دون أن يلمسها

ثم قال وهو يستعد للمغادرة

- اعملي اللي يريحك... ازعلي يوم... واتنين... وشهر كمان


صمت لحظة...ثم أضاف وهو يعطيها ظهره

- بس بالله عليكي... متناميش وإنتي زعلانة

ابتلعت غصتها أما هو فأكمل وهو يسير نحو الباب

- لأني...توقف وأغمض عينيه ثم ابتسم لنفسه وقال بدل الحقيقه





















- لأني مبعرفش أنام والدنيا بينا مش مظبوطة

وغادر ظلت فرح واقفة مكانها تنظر إلى ربطة الشعر فوق المقعد

مدت يدها ببطء...أخذتها بين أصابعها

ورغما عنها...ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها

همست بخجل وهي تنظر إلى الباب الذي خرج منه

- يا غبي... هو إنت فاكر إن الزعل كان على ربطة شعر

ثم ضمتها إلى صدرها...بينما كان قلبها لأول مرة يعترف بما لم يجرؤ لسانها على قوله



لم تكن الشمس قد ارتفعت كثيرا...لكن بيت العطارين كان قد استيقظ منذ ساعات

رجال يدخلون ويخرجون...أسلحة تنظف و تجهز وأعين لا تعرف النوم

أما الحاج دياب...فكان يقف وحده في فناء الدار يطعم حصانه بنفسه

اقترب منه عدنان الجبالي بخطوات هادئة

وقف إلى جواره دون أن يتحدث

ظل الاثنان صامتين لدقائق...إلى أن قال عدنان وهو ينظر إلى الحصان

- اللي يشوفك دلوجت... يفتكر إن الدنيا رايجه معاك

ابتسم دياب ابتسامة باهتة و قال

- وقت الشدة... الكبير لو اتهز... الدار كلها تقع

هز عدنان رأسه بإعجاب ثم قال فجأة

- أني عايز أسألك سؤال... و جسما بالله لو مش رايد تجاوب مش هزعل

التفت إليه دياب و قال

- اسأل يا عدنان علي طول

تنهد  ثم قال

- إنت... خبيت علينا إيه من خمسة وعشرين سنة

ساد الصمت حتى الحصان توقف عن الحركة

أما دياب...فاكتفى بالنظر أمامه ثم قال بهدوء

- لما ييجي وجته... هتعرف

ابتسم عدنان و قال بمكر

- يعني فيه حاجة صوح 

لم يرد دياب فاكتفى عدنان بقوله

- تمام... كفاية عليا السكوت ديه

وفي تلك اللحظة...دخل نصر مسرعا يا حج... لقينا حاجة

التفت الجميع إليه فأخرج نصر قطعة قماش سوداء ملفوفة بعناية

ناولها لعدنان فتحها ببطء.....فتجمدت ملامحه

كانت بداخلها...رصاصة مستخرجة من جذع الشجرة التي ضربت ليلة الهجوم

أخذها عدنان بين أصابعه...وقلبها أكثر من مرة

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة سأله سعد بلهفة

- ايه ده .....شكلك عرفت حاجه

رد بهدوء

- عرفت إن اللي ضرب النار... مكانش عايز يجتل حد

انعقدت الحواجب و قال حمزة

- يعني إيه

رفع الرصاصة أمام أعينهم و قال

- بصوا عليها زين

اقترب الجميع فأكمل عدنان بدهاء

- الطلجة دخلت جذع الشجرة بزاوية غريبه

 ولو اللي ضربها كان رايد يجتل... كانت دخلت المجلس نفسه

سأله عبدالعزيز باهتمام

















- يعني كان عايز يخوفنا بس و لا ايه

- لاااااه...كان بيجولنا أني أجدر أوصلكم في أي وجت

ساد الصمت ثم أكمل

- دي رسالة... مش محاولة جتل

نظر دياب إلى الرصاصة بتركيز ثم قال

- يعني اللي بيحاربنا... صابر

- وأذكى مما نتخيل

قالها عدنان ثم التفت إلى نصر و اكمل

- الرصاصة كانت فين بالظبط

- في الشجرة اللي جنب المجلس

- حد لمسها جبلك

- لا.....انا بس

هز عدنان رأسه ثم قال فجأة

- هاتلي حصان

تعجب سعد و قال 

- رايح فين يا عدنان ما تفهمنا يا جدع

ابتسم و قال

- مكان الضرب

بعد دقائق...كان عدنان يقف وسط الأرض التي شهدت إطلاق النار

انحنى على ركبته...وبدأ ينظر إلى التراب بينما وقف رجاله بعيدا يراقبونه

مرر أصابعه فوق الأرض ثم توقف فجأة كانت هناك...آثار حذاء

لكنها ليست بلدية ولا تشبه أحذية أهل الصعيد

نظر إليها بتركيز ثم قال لنفسه

- غريبة...

اقترب أحد رجاله و قال

- في إيه يا كبيرنا

أشار إلى الأثر

- شايف......تعرف حد هيلبس جزمه اكده

- لااااه يا كبير

ابتسم عدنان و قال

- وأني كمان

ثم أخرج منديل أبيض...ورفع منه شيئ صغير جدا

قطعة معدنية لامعة...تكاد لا تري

سأله الرجل

-  إيه ديه كماني

نظر إليها تحت ضوء الشمس ثم قال

- زرار.... بس مش زرار جلابية

قلبه بين أصابعه ثم ضاقت عيناه فجأة

- ده زرار جاكت عسكري

اتسعت أعين الرجال

- يعني اللي كان هنا...

قاطعه عدنان

- مش من البلد ولا حتى من الصعيد كلياته


وفي اللحظة نفسها...كان رجل يجلس داخل سيارة قديمة متوقفة أعلى التل

يراقب عدنان بمنظار صغير ابتسم وهو يراه يلتقط الزر

ثم أمسك جهاز لاسلكي وقال بهدوء

- الجبالي بدأ يقرب

جاءه صوت خشن من الطرف الآخر

- يسيبه يقرب

- ليه

- لأننا عايزينه يوصل... للمكان الغلط

ابتسم الرجل ثم أغلق الجهاز وأدار محرك السيارة ببطء

لتختفي وسط طرقات الجبل...

بينما كان عدنان لا يزال ممسك بذلك الزر المعدني...دون أن يعلم

أن هناك من يقوده عمدا إلى أول فخ خطير


لم يكن الليل قد انتصف بعد...لكن دار العطارين كانت مضاءة بالكامل

رجال ينتشرون في الساحات...وبنادق تستند إلى الجدران

وكل عين تنظر للأخرى وكأنها تبحث عن إجابة لا تعرفها

داخل المجلس...كان الحاج دياب يجلس صامت

أمامه كوب الشاي الذي برد منذ ساعة لكنه لم يمد يده إليه

أما عدنان...فكان يقلب الزر المعدني الذي عثر عليه بين أصابعه وعقله لا يتوقف عن التفكير

قطع الصمت دخول مصطفى مهرولا كان يلهث بشدة

حتى إنه لم يستطع التحدث

نهض سعد بعنف و قال

- في إيه يا مصطفى

حاول التقاط أنفاسه ثم قال بصوت متقطع

- الراجل...اللي محبوس في المخزن اختفى

ساد صمت مرعب وقف دياب فجأة

- كيف يعني اختفى

- والله يا حج... دخلتله بالعشا... ملجيتوش

صرخ سعد بجنون

- إنت بتخرف و لا ايه 

- ورب الكعبة يا سعد ... المخزن فاضي

انطلق الجميع نحو المخزن القديم


بعد دقائق...وقفوا جميعا أمام الباب الحديدي

القفل ما زال في مكانه لم يكسر ولم يفتح

نظر نصر بدهشة و قال

- والله ما حد فتح الباب غيري

اقترب عدنان فحص القفل ثم انحنى نحو الأرض

لا توجد آثار أقدام لا كسر لا دم لا شيء

فتح الباب ببطء دخل الجميع الغرفة كما هي المقعد الخشبي في مكانه

الحبال مقطوعة...لكن بطريقة نظيفة جدا

وكأنها قطعت بسكين حاد اقترب سعد من المقعد

قبض على الحبل ثم قال بغضب

- في حد طلعه

رد نصر بسرعة

- مستحيل... والله العظيم محدش دخل

أشار عدنان إلى الأرض و قال 

- اصبر ياخوي 

اقترب الجميع كان هناك شيء صغير جدا قطعة شمع سوداء ذابت فوق الأرض

التقطها عدنان...شمها ثم تغيرت ملامحه

- ريحة لبان

نظر إليه خميس باستغراب و قال

- يعني إيه

أجاب وهو يفكر

- يعني اللي دخل... كان معاه شمعة سودا مخصوص

عقد سعد حاجبيه و قال بذكاء

- يعني كان داخل وهو عارف إنه مش هيلاقي نور

نظر الجميع لبعضهم ثم أكمل

- يعني حافظ المكان كويس اوي

ساد الصمت حتى قال دياب بهدوء مخيف

- حد من البلد.....أو من الدار

وفجأة...قطع الصمت صوت أحد الرجال من خارج المخزن

- يا حج... تعالى بسرعة

خرج الجميع كان الرجل يحمل شئ ملفوف بقماش أبيض

فتحه أمامهم ظهر بداخله...الحبل الذي كان يقيد الأسير

لكن...كان مربوط عليه شيء آخر ورقة صغيرة

تناولها دياب فتحها ببطء لم يكن مكتوب فيها سوى سطر واحد

- قلتلك... القبر كان فاضي

ضغط دياب على الورقة بقوة حتى كادت تتمزق

بينما قال سعد بغضب

- ولاد دخلوا دارنا وخرجوا واحنا مش حاسين

رد عدنان بصوت هادئ...لكنه كان أخطر من الغضب

- لااااه...اللي عمل اكده... مطلعش من الدار أصلا

ساد الصمت التفت ادهم إليه و قال بشك

- تقصد إيه

أجاب وهو ينظر في عيون كل رجل يقف أمامه رجل... رجل

- أجصد... إن اللي فك الأسير كان واحد من اللي

 كانوا واجفين معانا النهارده

تجمدت الوجوه ولأول مرة...نظر رجال العطارين إلى بعضهم

بعين الشك أما دياب...فأغمض عينيه للحظة

ثم قال بصوت موجوع

- ربنا يستر... لو الشك دخل بين الرجالة

يبجى العيلة دي هتجع قبل ما العدو يضربها


وفي مكان بعيد...كان الأسير يجلس داخل عربة كارو مغطاة بالقش

إلى جواره الرجل صاحب الندبة

ابتسم الرجل وهو ينظر إلى الورقة نفسها ثم قال بهدوء

- أول ضربة كانت خوف...

 رفع رأسه نحو الطريق المؤدي إلى القرية

وأكمل بابتسامة باردة

- أما الضربة دي... فهي الشك

ولما الإخوات يشكوا في بعض... يبقي هكون كسبت نص الحرب



بدت القرية وكأنها تحبس أنفاسها

حتى أصوات الأطفال التي كانت تملأ الأزقة كل يوم... اختفت

كل بيت يتحدث عن القعدة العرفية...وكل رجل ينتظر ما سيحدث غدا




















في مضيفة الحاج دياب...كان الجميع مجتمعين حول مائدة طويلة لكن الطعام بقي كما هو

لا أحد يملك شهية رفع خميس قطعة خبز... ثم أعادها مكانها وهو يتمتم

- والله اللجمة ناشفة في حلجي

رد عبدالعزيز وهو ينظر إلى الأرض

- الواحد مش عارف هيصحى بكرة على إيه

أما سعد...فكان يطرق بأصابعه على الطاولة بعصبية شديده

وفجأة...وقف و قال بجنون

- كفاية كده 

نظر الجميع إليه فقال وهو يزفر بقوة

- إحنا قاعدين مستنيين الضربة... ليه

ليه منروحش إحنا نجيب آخره

قال صالح  بهدوء

- وبعدين؟

- نخلص عليه ونخلص من وجع الدماغ ده

رد عدنان الذي كان صامت منذ بداية الجلسة

- ولو سعفان مات... هتعمل إيه مع اللي بيحركه

ساد الصمت نظر سعد إليه

- إنت لسه مصمم إن فيه حد وراه

ابتسم عدنان ابتسامة خفيفة ثم أخرج الورقة التي رسم عليها الدوائر في الليلة الماضية

ووضعها أمامهم و قال

- تعالوا نفتكر بالعجل كلت ديه بيحصل

في وجت واحد

كل ديه خطوات... مش مصايب

سأله رجب

- ايه الفرق مش فاهم

أجابه بهدوء

- المصيبه بتوجع و خلاص  ... أما الخطوة فوراها عجل

أومأ دياب برأسه في صمت بينما أكمل سعد بذكاء

والعقل ده... كل مرة بيخلينا نجري ناحية اللي هو عايزه


في تلك اللحظة.......دخل نصر مسرعا و قال 

- يا حج... في راجل برة بيقول إنه تاجر خيل... و عدي يسلم عليك

نظر عدنان إلى دياب...ثم ابتسم ابتسامة لم تعجب أحدا و قال



















- تاجر خيل.... في حدي شافه جبل سابج

- لا

- دخل البلد كيف و ميته

- وصل من شوية

وقف سعد سريعا و قال

- متدخلوش

اكمل وهو يتجه إلى الباب و الباقي لحقوق به سريعا

- لأن البلد كلها واقفة على رجل وآخر حاجة ممكن

 تحصل إن تاجر خيل يفتكر يزور العطارين النهارده



خرج الجميع إلى الفناء كان الرجل يقف بجوار عربة صغيرة يمسك لجام حصان عربي جميل

بمجرد أن رأى دياب...ابتسم و قال بهدوء

- السلام عليكم يا حج

رد دياب

- وعليكم السلام

اقترب الرجل و قال

سمعت عن خيلك... وحبيت أتشرف بمعرفتك

و قبل أن يرد دياب...كان عدنان قد اقترب من الحصان نفسه

مرر يده على رقبته ثم انحنى...ونظر إلى الحافر

ابتسم وقف ثم التفت إلى الرجل وقال بهدوء

- إنت مش تاجر خيل

ارتبك الرجل لكنه رد بثبات

- ليه يعني و انت ايه عرفك 

أجاب عدنان وهو يشير إلى الحصان

- لأن اللي يربي خيل... عمره ما يهمل الحدوة بالمسمار المكسور ديه

تغير لون وجه الرجل أما عدنان...فأكمل

- ولا يسيب الحصان عطشان بالشكل ديه



نظر إليه الرجل في صمت ثم فجأة...قفز فوق العربة

وضرب الحصان بالسوط وانطلقت العربة بأقصى سرعة

صرخ سعد

- امسكووووووه

قفز أيمن وعبدالعزيز خلفه بينما انطلق سعد على حصانه في لحظات

أما عدنان...فلم يتحرك ظل ينظر إلى الغبار الذي خلفته العربة

ثم قال بهدوء

- هو خد اللي كان عايزه خلاص

ساد الصمت ثم قال دياب بقلق

- يعني إيه.....كان عايز ايه

نظر عدنان إلى باب الدار.....ثم إلى الرجال الواقفين

وقال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقهم

- الراجل ديه... ماكنش جاي يشوفك

كان جاي يعرف عددنا

نظر الجميع حولهم بعدم فهم أما عدنان...فهمس لنفسه

- دلوك عرف عدد الرجالة... وعدد البنادق ومداخل الدار ومخارجها

 التفت إلى دياب وقال بجدية

-اللي بيخطط للحرب... عمره ما يبدأها قبل ما يعرف زين

ارض المعركه


ساد صمت ثقيل...بينما كانت الشمس تغيب خلف الجبل

وكأنها تُعلن انتهاء آخر يوم هادئ...قبل أن تبدأ الحرب الحقيقية














كان الليل قد أرخى سدوله على القرية...

واختفت الأصوات إلا من نباح كلب بعيد وصوت الريح وهي تعبث بأوراق الأشجار

داخل مضيفة الحاج دياب...لم يبق سوى هو وعدنان الجبالي

أما باقي الرجال، فقد خرجوا كل لينفذ ما كلف به

جلس عدنان يقلب فنجان القهوة بين يديه بينما كان دياب ينظر إلى النار المشتعلة في الموقد

قطع عدنان الصمت قائلا

- من ساعة ما الراجل جال ...الجبر كان فاضي... وإنت مش إنت يا حج

لم يجب دياب ظل ينظر إلى النار ثم قال بعد صمت طويل

- في جراح... الزمن ما بيعرفش يداويها يا عدنان

نظر إليه عدنان باهتمام و قال

- بس يمكن المواجهة تداويها

ابتسم دياب ابتسامة موجوعة و قال

- أوقات... المواجهة بتفتح الجرح من أول وجديد

وقبل أن يضيف كلمة...دوى طرق عنيف على باب المضيفة

دخل نصر مسرعا كان وجهه شاحب

- يا حج... لازم تيجي معايا حالا

نهض دياب و قال بقلق

- خير يابني في ايه

- بلع نصر ريقه و قال

 -تعالى بس


بعد دقائق...توقفت سيارة دياب أمام المقابر القديمة

ترجل الجميع كان المكان خالي إلا من ضوء الفوانيس التي يحملها الرجال

اقترب سعد وهو يقطب حاجبيه

- إيه اللي جابنا الترب دلوقت ما تنطق يا نصر

انت خلينا نجري وراك من غير ما نفهم حاجه

لم يرد نصر بل أشار بيده فقط

اتجهت الأنظار إلى قبر قديم...يقع في آخر المدفن

توقف دياب فجأة وشحب وجهه

همس رجب برعب

- يا ساتر...

كان القبر.....مفتوح والتراب متناثر حوله ركض سعد إليه

ثم انحنى ينظر داخله تجمد مكانه رفع رأسه ببطء

ونظر إلى أبيه ثم قال بمغزي

- القبر فاضي

ساد الصمت اقترب دياب بخطوات ثقيلة وقف أمام القبر

لم ينظر داخله وكأنه يعرف ما سيجده أو بالأحرى...ما لن يجده

قال عدنان بهدوء

- جبر مين ديه

ظل دياب صامت لكن خميس أجاب بصوت مرتجف

- قبر... سليمان

بعد ما لجينا العربيه محروجه و مافيهاش جثه

عملنا العزا من غير دفنه

بعديها بشهر جالنا صاحبه اللي كان وياه 

جالنا أن جتته في المشرحه و هو كان متصاب و معرفش

ياجي يبلغنا ....وجتها دفناه من سكات 



ارتجف الرجال جميعا أما سعد فنظر إلى أبيه بعدم تصديق

- يعني ايه ....

أغمض دياب عينيه ثم قال بصوت مبحوح

- محدش يجرب من الجبر

نظر إليه عدنان باستغراب

- ليه.....ما تجول في ايه يا حج

أني اول مره اسمع انكم لجيته جتت سليمان و دفنتوه

فتح دياب عينيه...وكانتا ممتلئتين بألم عمره خمسة وعشرون عام

- لأن اللي فتحه... كان عايزنا نشوفه

ساد الصمت ثم أكمل

- وأني... مش هديه اللي هو عايزه

 عدنان...لم يقتنع اقترب من القبر انحنى ببطء...ثم أخرج مصباح صغير من جيبه

سلط الضوء داخل الحفرة وفجأة...قال

- بص يا حج

اقترب الجميع وأشار  إلى شيء في قاع القبر

كانت هناك...ورقة مطوية بعناية نظر دياب إليها ثم قال

- متلمسهاش




















  ابتسم سعد بشر ثم قال

- لو كان فيها موت... كان حطهولك في الدار مش هنا يابا

أخرج منديل من جيبه والتقط الورقة بحذر فتحها ببطء

لم يكن فيها سوى سطر واحد

- دوروا على الحقيقة... بعيد عن القبور

تبادل الجميع النظرات قال سعد بغضب

- يعني بيلعب بينا ابن الكلب ده و لا ايه

 عدنان...ظل ينظر إلى الجملة ثم أعاد قراءتها مرة أخرى

وفجأة...اتسعت عيناه همس

لااااااه...نظر إليه دياب و اكمل بثقة

- دي مش رسالة تهديد...

سأله جلال

- أمال إيه انا دماغي لفت و ربنا

نظر إلى دياب مباشرة وقال

- ديه... نصيحة

ساد الصمت أما دياب...فأول مرة منذ بداية الأزمة

ظهرت الدهشة على وجهه لأن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه أصبح أخطر من كل ما سبق

هل الرجل الذي يحاربهم... يريد الانتقام فعلا

أم يحاول أن يكشف لهم الحقيقة التي دفنت منذ خمسة وعشرين عام


 كان القمر ينعكس فوق القبر المفتوح...وكأن الماضي

خرج بالفعل من تحت التراب




كان الليل قد ألقى ستاره الأسود فوق القرية واختفت الأصوات إلا من نباح كلب بعيد وصوت الريح وهي تعبر بين أشجار الجميز العتيقة

داخل مضيفة الحاج دياب...كانت الخريطة الورقية التي رسمها عدنان الجبالي لا تزال ممدودة فوق المنضدة دوائر وأسهم وكلمة واحدة في المنتصف...الماضي

وقف عدنان ينظر إليها ثم أمسك الفحم وكتب تحتها

- ليلة الحريج

رفع خميس عينيه إليه وقال باستغراب

- بتكتب إيه يا عدنان

رد وهو ما زال يحدق في الورقة


- الليلة اللي اختفى فيها سليمان... هي مفتاح كل اللي بيحصل دلوك

قال سعد وهو يعقد ذراعيه

- وإحنا هنعرف بعد خمسة وعشرين سنة ايه

اللي حصل يومها ازاي

ابتسم عدنان ابتسامة هادئة ثم قال

- لو الحجيجه ماتت... مكنش حد رجع يدور عليها


ساد الصمت ثم التفت فجأة إلى دياب و قال

- جولي حج... العربية اتحرجت فين بالظبط

رفع دياب رأسه ببطء وكأن السؤال أعاده خمسة وعشرين عام إلى الوراء

قال بصوت منخفض

- عند طريج الجبل الجديم... قبل وادي الحجر بشوية

نظر عدنان إلى أيمن وقال

- هات بندقيتك... وتعالي معاي

قال أيمن باستغراب

- دلوقت....هنروح فين

قال سعد بسرعة

- وأنا كمان  جاي معاكم

هز عدنان رأسه و قال بحسم

- لااااه... أنت خليك جنب الحج

أنا رايد عين هادية... مش حد داخل الحرب بقلبه

ابتسم سعد بسخرية و قال

- يعني أنا متهور و لا معنديش عقل افكر 

رد بمزاح عدنان وهو يخرج من المضيفة 

من ساعة دخلت مرتك حياتك... وأنت بجيت بتفكر بقلبك جبل عجلك

ابتسم سعد رغما عنه بينما خرج عدنان ومعه أيمن



بعد نصف ساعة...كانت سيارة عدنان تتوقف عند بداية الطريق الترابي المؤدي للجبل

ترجل الرجلان أضاء أيمن الكشاف وقال وهو ينظر حوله

- معقول بعد السنين دي نلاقي حاجة

انحنى عدنان ولم يجب ظل يتفحص الأرض ببطء...شجرة صخرة

بقايا طريق قديم ثم قال فجأة

- اوجف اهنيه

اقترب أيمن وجد عدنان ينظر إلى جذع شجرة ضخمة

مرر أصابعه فوق أحد الفروع ثم ابتسم و قال

- الحمد لله لجيتها

اقترب أيمن أكثر و قال باستغراب

- لقيت إيه؟

أشار عدنان إلى أثر دائري صغير داخل الجذع

ثم أخرج سكين صغير وبدأ يحفر حوله بحذر

وبعد لحظات...سقط جسم معدني صغير على الأرض

التقطه أيمن نظر إليه باستغراب ثم قال

- دي... رصاصة؟

هز عدنان رأسه

- أيوه....الرصاصة دي دخلت الشجرة من خمسة وعشرين سنة

سأل أيمن

- وإيه يعني مش فاهم

ابتسم عدنان و قال بذكاء

- يعني النار ما كانتش أول حاجة حصلت

نظر إليه أيمن بعدم فهم فأكمل

- العربية اتحرجت بعد ضرب نار

مش الأول








اتسعت عينا أيمن و قال بدهشه

- يعني كان فيه اشتباك طب عرفت ازاي

- أيوه صوح...ومش اشتباك صغير كماني

بدأ الاثنان يفتشان المكان وبعد دقائق...توقف عدنان فجأة

كانت الرمال بجوار صخرة كبيرة مختلفة عن باقي الأرض

ركع على ركبتيه وأزاح التراب بيديه ثم سحب قطعة قماش سوداء متآكلة

فتحها بحذر وبداخلها...قطعة معدنية صغيرة

أخذها أيمن و قال 

- ايه ده

نظر إليها عدنان ثم تغيرت ملامحه 

كانت...شارة معدنية قديمة وعليها نقش واضح حية تلتف حول خنجر

ارتجف أيمن و قال

- نفس العلامة...

همس عدنان

- أيوه...نفس الخاتم

يعني اللي كان هنا ليلة اختفاء سليمان


نفس الناس اللي رجعت النهارده


في الوقت نفسه...كان الحاج دياب يقود سيارته وحده

لم يخبر أحدا إلى أين يذهب كأنه يسير خلف ذكرى لا خلف طريق

حتى توقف أمام مكان مهجور...أرض جرداء تتوسطها شجرة  ضخمة

ترجل ببطء ظل ينظر حوله ثم همس

- خمسة وعشرين سنة...ورجعتني لنفس المكان تاني يا سليمان


اقترب من الشجرة مد يده يلامس جذعها وأغمض عينيه


لكن فجأة...توقفت يده كان هناك شيء مثبت بخنجر صغير في جذع الشجرة

ورقة مطوية تجمد مكانه نظر حوله بسرعة لم يكن هناك أحد

انتزع الورقة فتحها ببطء ولم يكن مكتوب فيها سوى سطر واحد

- دورت على الحقيقة وسط الرماد... مع إن النار عمرها ما كانت هي القاتل


ارتجفت يد دياب ثم قلب الورقة...فوجد على ظهرها نفس الرمز

حية... تلتف حول خنجر تراجع خطوة ولأول مرة منذ خمسة وعشرين عام

شعر أن الماضي...لم يكن مدفون بل كان يراقبه في صمت

وينتظر اللحظة المناسبة...ليعود


فصل طويل اووووي اهووووو عشان اعوضكم عن يوم السبت

مش هنزل عشان تسليم السفيره



ماذا سيحدث يا تري 


سنري


انتظروووووني 


بقلمي / فريده الحلواني

تعليقات