📁 آخر الأخبار

روايه العطارين الفصل الثالث والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه العطارين الفصل الثالث والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه العطارين الفصل الثالث والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه العطارين الفصل الثالث والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 


روايه العطارين 

الفصل الثالث والعشرون 

فريده الحلواني 



صباحك بيضحك يا قلب فريده 



مهما الدنيا ضاقت... افتكري إن ربنا عمره ما يقفل باب إلا وهو فاتحلك باب أحسن منه

متستعجليش الفرج... لأن لكل حاجة ميعاد ولكل تعب نهاية ولكل دعوة رفعتيها في سرك رب كريم سمعها ومستني الوقت المناسب عشان يجبر قلبك

خليكي مؤمنه... إن بعد كل عتمة نور وبعد كل وجع راحة وإن اللي جاي بإذن الله هيكون أجمل من كل اللي فات

ثقي في ربنا... وكملي طريقك لأن الأمل عمره ما خذل حد كان قلبه متعلق بربه

هيعطيكي حتى يرضيكي... أنا واثقة

و بحبك.




لا تخش الحقيقة... حتى وإن هدمت كل ما كنت تؤمن به

فالخداع قد يمنحك راحة مؤقتة لكنه لا يصنع نجاة

أما الحقيقة... فقد تؤلمك وقد تسقط أقنعة أحببتها لكنها وحدها القادرة على أن تضع قدميك على الطريق الصحيح

تذكّر دائما... ليس أخطر عدو هو الذي يقف أمامك بل الذي يجعلك تحارب الأشخاص الخطأ.



لم يكن الطريق الجبلي سهلًا في الليل بل كان مرعب للغاية

جلس أيمن خلف المقود يرمق الطريق بعين ويختلس النظر إلى عدنان بالأخرى

أما عدنان الجبالي... فكان يجلس إلى جواره صامت يقلّب الشارة المعدنية بين أصابعه للمرة العاشرة


الرمز نفسه... حية تلتف حول خنجر لم يكن مجرد نقش كان توقيع

همس لنفسه بصوت بالكاد سمعه أيمن:

- بعد خمسة وعشرين سنة... رجعتوا تاني

نظر إليه أيمن ثم قال:

- من ساعة ما لقينا الشارة وإنت ساكت... قولي دماغك وصلت لإيه؟



تنهّد عدنان دون أن يرفع عينيه ثم قال:

- وصلت لحاجة مخوفاني

- إيه هيّا؟

رفع الشارة أمام عينيه وقال بهدوء:

- اللي كان بيطارد سليمان زمان... هو نفسه اللي بيطاردنا دلوك

ساد الصمت قبض أيمن على المقود بقوة و قال :

- يعني... إحنا داخلين على حرب

ابتسم عدنان ابتسامة باهتة ثم قال:

- لااااه ياخوي... إحنا داخلين على حاجة اوسخ من الحرب.



في الناحية الأخرى... كان سعد يقف في فناء الدار ينظر ناحية الباب الخارجي

مر أكثر من ساعة وعدنان وأيمن لم يعودا اقترب منه عبدالعزيز وقال:

- مالك يا سعد؟

لم يرد ظل ينظر للطريق فكرر عبدالعزيز سؤاله:

- إنت قلقان عليهم؟

زفر سعد بضيق ثم قال:

- قلبي مش مطمن يا زيزو مينفعش يطلعوا الجبل لوحدهم 

في الوقت ده وأيمن لسه طري مش هيعرف يتصرف لو حصل حاجة


ابتسم عبدالعزيز محاولًا تهدئته و قال:

- عدنان الجبالي معاه... والراجل ده لو دخل وسط نار يطلع منها سليم



هز سعد رأسه ثم قال: 

- المشكلة مش في عدنان... المشكلة في اللي بنحاربه

ساد الصمت ثم التفت فجأة إلى عبدالعزيز و قال بحسم:

- بقولك إيه... أنا رايح وراهم خد بالك من الدنيا هنا

عقد حاجبيه و سأل بصدمة:

- رايح فين... إنت اتجننت يا سعد؟

لم يجبه اتجه مباشرة إلى الإسطبل أخرج حصانه الأسود وربت على عنقه

همس له:

- الليلة شكلها طويلة يا صاحبي

وفي أقل من دقيقة... كان يمتطي الحصان وينطلق خارج الدار

وقف عبدالعزيز ينظر لأثر انطلاقه بذهول ثم ضرب كف على الآخر و قال بغيظ:

- حتى مدانيش فرصة اقوله جاي معاك... ربنا يستر.


على بعد عدة كيلومترات... أبطأ أيمن السيارة فجأة نظر حوله باستغراب و قال:

- الطريق فاضي أوي... مش المفروض بيكون بتوع الكاوتش

قاعدين هنا عشان خدمات العربيات و لا إيه؟

رفع عدنان رأسه و قال بحيرة:

- وده اللي مقلقني



في اللحظة نفسها... إنعكس ضوء قوي في المرآة سيارة خلفهم

ثم ثانية ثم ثالثة اقتربت بسرعة غير طبيعية فقال أيمن:

- في عربية جاية ورا...

لم يكمل جملته إذ اندفعت السيارة الخلفية بقوة واصطدمت بمؤخرة سيارتهم

اهتزت السيارة بعنف صرخ أيمن وهو يحاول السيطرة على المقوّد:

- امسك كويس يا عدنااااااان

لكن قبل أن يستعيد توازنه... ظهرت سيارة أخرى من منعطف جانبي

لتغلق الطريق بالكامل ضغط أيمن الفرامل بعنف

توقفت السيارة على بعد أمتار قليلة ساد صمت ثقيل

ثم... انفتحت أبواب السيارتين وترجّل ستة رجال ملثمون

كل واحد منهم يحمل سلاح آلي

ابتسم أحدهم ابتسامة باردة ثم رفع بندقيته صرخ عدنان:

- انزل يا أيمن

في اللحظة التالية... انفجر الليل بصوت الرصاص



قفز الإثنان خلف صخرة كبيرة تناثرت الحجارة حولهما

وأخذ الرصاص يحصد التراب في كل اتجاه

التقط أيمن أنفاسه بصعوبة و قال:

- دول كتير أوي هنعمل إيه؟

أخرج عدنان مسدسه بهدوء ثم ألقى نظرة خاطفة

عاد بسرعة قبل أن تخترق رصاصة الصخرة و قال:

- ستة...

ثم صحح لنفسه

- لاااااه... سبعة

قال أيمن بدهشة:

- شفت السابع فين

ابتسم و قال بذكاء:

- اللي بيدي الأوامر... عمره ما يوجف وسط رجالته

في تلك اللحظة... خرج رجل طويل من خلف إحدى السيارات

لم يكن يحمل سلاح بل كان يراقب فقط

ثم صاح بصوت قوي:

- الشارة... سلّمها... وامشوا

قال أيمن بغضب:

- تعالى خدها بنفسك

ابتسم الرجل ابتسامة ساخرة ثم رفع يده لتنطلق دفعة جديدة من الرصاص



كان سعد يقترب من المكان بعدما سمع دوي الطلقات يتردد بين الجبال

شد لجام حصانه وقف فوق مرتفع صغير ومن هناك... رأى ألسنة النار الخارجة من البنادق

ورأى سيارة عدنان ورجالًا يطوقونها اتسعت عيناه

همس بغل :

يا نهار ابوكوا إسود يا ولاد الكلب 

 نزل عن الحصان بسرعة وربطه خلف صخرة وسحب بندقيته

لم يندفع مباشرة بل انبطح على الأرض... وبدأ يراقب

عد الرجال واحدا واحدا حدد أماكنهم لاحظ قائدهم

ولاحظ أن إثنين يقتربان من عدنان من الجهة اليمنى دون أن ينتبه لهما أحد

ابتسم سعد ابتسامة خطيره وقال لنفسه:

- أول غلطة يا روح امك

ثبت بندقيته على كتفه أخذ نفس عميق ثم... دوى أول إطلاق نار من بندقيته

أصاب الرصاص يد أحد الملثمين فسقط سلاحه وهو يصرخ

وقبل أن يستوعب البقية ما حدث... أطلق سعد طلقة ثانية

ثم ثالثة في ثوان تحول الكمين كله إلى فوضى

رفع عدنان رأسه بسرعة... وحين لمح مصدر الطلقات...

ارتسمت على شفتيه ابتسامة يعرفها جيدًا وقال بصوت خافت:

- كت خابر إنك مش هتجعد في الدار يا سعد...


غير سعد مكانه سريعًا ليقف خلف صخره أخرى و هو يصرخ بأعلى صوته:

- أيمن... خد اليمين

نصر... لف من وراهم 

جلاااال... إوعى تطلع من مكانك


هنا عدنان ابتسم لأول مرة و قال في نفسه:

- مش بس جلبه جامد... ده عجله سابج سنه


عاد الاشتباك مره أخرى بقوة فانتقل عدنان إلى مكان آخر و أثناء ذلك... وقعت الشارة منه 

للحظة فكر أن يعود و يأخذها لكن قائد المجموعة كان الأسرع و التقطها من فوق

 الأرض

وأخذ يطلق الرصاص حتى يمنع الآخر من العودة


أصبح الثلاثة رجال على مقربة من بعضهم و هم يطلقون الأعيرة النارية على المهاجمين الذين انسحبوا سريعًا بعد ما حصلوا على ما يريدون

تحرك أيمن تجاه سعد بعد أن أصبح المكان خاليًا إلا من ثلاثتهم

عانقه بقوة ثم قال بغضب:

- إنت اتجننت يا سعد... إزاي تطلع الجبل لوحدك

لو كان جرالك حاجة كنت هعمل ااااااايه؟

ضحك وهو ينظف التراب من فوق ملابسه ثم قال برجولة:

- ولو كنتوا إنتوا اللي جرالكم حاجة... كنت هعمل مع نفسي إيه

أما عدنان فاقترب منه ثم نظر له لثواني و قال: 

- آني دلوك فهمت ليه الحاج دياب معلج آماله عليك.



مع أول خيوط الصباح... كانت ساحة المضيفة الكبيرة قد امتلأت برجال القرية وكبار العائلات جلس كل رجل في مكانه المعتاد بينما انتشرت الفِراشات العربية على الأرض وتوسط المجلس موقد كبير تتصاعد منه رائحة القهوة السادة


لم يكن أحد يتحدث بصوت مرتفع... فالكل يعلم أن هذه القعدة قد تنهي خصومة امتدت خمسةً وعشرين عام... أو تشعل حربًا لن تبقي ولن تذر

وقف نصر عند باب المضيفة يراقب الداخلين بينما كان سعد يقف إلى جوار والده الحاج دياب ملامحه جامدة إلا أن عينيه كانتا لا تتوقفان عن متابعة كل وجه يدخل المجلس


اقترب عدنان الجبالي وهمس في أذن دياب:

- البلد كلياتها حضرت... حتى اللي بينهم خصومات مع بعض

 سابوها وجم النهارده

هز دياب رأسه في صمت ثم دوى صوت أحد الرجال من الخارج:

- سعفان جه...

ساد الصمت... والتفتت كل الرؤوس نحو الباب

دخل سعفان بخطوات ثابتة وخلفه عدد من رجال عائلته حتى وقف في منتصف المجلس

ثم رفع عينيه نحو الحاضرين و قال :

- السلام عليكم

ردد الجميع السلام في صوت واحد ثم تقدم كبير البلد الحاج عمران وأشار إليه و قال:

- اجعد يا ولدي... إحنا النهارده جاعدين علشان

 نسمع من الكل والحج هيرجع لصاحبه

جلس سعفان لكنه ظل مستقيم الظهر وكأنه جاء مستعدا لمعركة أكثر من كونه جاء إلى مجلس صلح... أخذ الحاج عمران نفس عميق ثم قال:

- يا رجالة... اللي بين العيلتين كفاية عليه خمس وعشرين سنة دم ونار

والنهارده كل واحد هيجول اللي عنده

من غير سلاح ومن غير صوت يعلى على صوت العجل


 التفت إلى سعفان وأكمل:

- اتفضل... جول اللي عندك يا ولدي

ساد المجلس صمت ثقيل رفع سعفان رأسه وأخذ ينظر إلى وجوه العطارين واحدا تلو الآخر حتى استقرت عيناه على الحاج دياب ثم قال بهدوء أربك الجميع:

- أنا مش جاي افتح باب حرب جديدة

ولا جاي أتحددت على الدم اللي بيناتنا 

تار أبوي هاخده إكده و لا إكده

تنهد وأكمل:

- أنا جاي آخذ حجي و حج لحمي.



تبادل الرجال النظرات فقال أحد كبار البلد:

- حجك في إيه يا سعفان و لحم ايه اللي هتجول عليه ديه

رد دون تردد:

- حجي في أبويا يا كبير

ساد الصمت أكمل وهو يثبت نظره في دياب:

- أبويا مات... وآني اتجالي لما عاودت من السفر إنه كان المجرم

واتجال إن العطارين خدوا حجهم منيه

واتجال إن الدنيا خلصت لكن الحجيجه

ضرب بيده على ذراع المقعد ثم أكمل بغضب:

- الحجيجه إن ولا حد فينا عرف اللي حصل ليلة الحريج

نظر الحاج عمران إلى دياب و قال:

- عندك رد يا حاج؟

تنهد دياب وقال بهدوء:

- اللي حصل يومها... حصل جدام البلد كلها

قاطعه سعفان سريعًا:

- لااااااه... البلد كلياتها شافت آخر الليلة

إنما أولها... محدش يعرفه

بدأ الهمس يدور بين الحاضرين فقال خميس بغضب:

- يعني عايز تجول إن إحنا ظلمناكم ؟

التفت إليه سعفان و قال :

- أني مجلتش ظلمتونا أني بجول...

 إنكم خدتوا بالحكاية اللي اتجالت لكم

 ومحدش دور على الحجيجه إذا كان أبوي

هو اللي حرج أرضكم و لا حدى غيره



رد سعد لأول مرة بصوت هادئ:

- والحقيقة دي عندك إنت بقى؟ 

نظر إليه سعفان طويلا ثم ابتسم ابتسامة خبيثه و قال:

- يمكن ليه لاااه

اشتعلت أعصاب سعد لكنه تمالك نفسه أما عدنان... فاكتفى بمراقبة الحوار في صمت


قال الحاج عمران بحزم:

- يا سعفان... متلفش بينا جول اللي عنديك دوغري

أخذ سعفان نفس عميق ثم قال:

- بعد موت أبويا... عاودت البلد لجل ماخد بتاره

الناس كلها كانت بتبصلنا و تجول اللي مخدوش تار أبوهم

اللي ابوهم حرج أرض العطارين 

و حديت كتير ملوش عازه ومحدش فكر يسمع منينا


 أشار نحو سعد ثم قال بغل:

-و اللي جطع راس آبوي عيميل ااااااايه؟

رفع أحد الرجال حاجبه فأكمل سعفان:

- سعد... اتجوز بنت عمي

همهمات قوية ملأت المجلس أكمل وهو يرفع صوته:

- اتجوزها في السر من غير ما يبلغ أهلها

ولا يحترم كبير من كبارها

رد سعد بهدوء شديد:

- مين قال أنه فالسر... اظبط الكلام أحسنلك

أنا طلبتها من أخوها وإتجوزتها بالحلال

ابتسم سعفان بسخرية ثم قال بخبث:

- بالحلال.....

 نظر إلى كبار البلد وأكمل:

- يا كبارات البلد ... أنتم أدرى مني

لما راجل ياخد بت من عيلتها في السر

من غير راجلها ولا كبيرها... ده اسمه إيه؟


قال شيخ كبير من آخر المجلس:

- العرف ميجبلش إكده

وقال آخر:

- مهما كانت الأسباب... كان لازم الكبارات تعرف


ساد الصمت رفع دياب رأسه لأول مرة وقال بثبات:

- وجتها حصلت ظروف اضطرينا نكتب عليها طوالي

وقف سعفان و قاطعه بعنف:

- وأنا مالي بظروفكم... أني اللي شيلت العار جدام الناس

وأني اللي كل يوم أسمع إن بنت عمي 

راحت للعطارين من غير علم أهلها


 سكت لحظة... وانخفض صوته فجأة:

- والنهارده... أنا جاي آخد حجي بالعرف

تبادلت العيون النظرات وشعر الجميع أن الجملة القادمة ستحدد مصير المجلس كله

مال الحاج عمران بجسده إلى الأمام وقال بهدوء:

- وإيه هو طلبك يا سعفان؟

رفع سعفان رأسه... ونظر مباشرة إلى الحاج دياب ثم إلى سعد

وقال ببطء شديد حتى كأن كل كلمة كانت تقع فوق صدور الرجال كالصخرة:

- زي ما سعد خد بنت عمي... أني رايد بت دياب... تبجى مرتي


ساد صمت ثقيل... حتى إن صوت احتراق الحطب داخل الموقد أصبح مسموعًا

اتسعت عينا خميس وقف جلال بعنف و انتفض أكثر من رجل واقفًا في لحظة واحدة

بينما ظل سعد... جالس في مكانه لا ينطق بكلمة وعيناه لا تفارقان وجه سعفان


الآن... لا نسمع الا صوت أنفاس الرجال  

ظل سعفان واقفًا في منتصف المجلس يحدق في الحاج دياب بثبات

 بينما كانت عيناه تمتلئان بتحد واضح

أما الحاج عمران... فأطرق بعصاه الخشبية على الأرض مرتين ثم قال بصوت جهوري

- معايزش اسمع نفس... محدش ينطج كلمة من غير إذني

هدأت الهمهمات تدريجيًا ثم التفت إلى سعفان و قال: 

- أني سمعت طلبك يا ولدي... وديه عرف المجالس

كل راجل يجول اللي عنده 

دلوك... نسمع رد العطارين

نظر الجميع إلى الحاج دياب لكنه لم يتحدث

ظل ينظر إلى الأرض وكأنه يزن كل كلمة قبل أن تخرج

وقبل أن ينطق... وقف سعد رفع الجميع رؤوسهم إليه

حتى سعفان... عقد حاجبيه وهو يراقبه

قال سعد بهدوء:

- ممكن أتكلم يا حاج عمران... ده بعد اذنك يابا طبعًا

أومأ الرجل برأسه و قال:

- اتفضل يا ولدي جول اللي رايده 

نظر إلى أبيه الذي هز رأسه بهدوء:

أخذ نفس عميق ثم نظر إلى رجال البلد جميعهم و قال:

- أنا هقول كلمتين... وبعدها اللي تشوفوه صح اعملوه

ساد الصمت من جديد أكمل سعد بقوه و دهاء:

- سعفان قال إننا اتجوزنا في السر... وإننا كسرنا العرف

ثم التفت إليه مباشرة وأكمل:

- وأنا مش هكدب

اتسعت أعين بعض الرجال فأكمل سعد بثبات:

- أيوه... جوازي حصل في ظروف محدش

 فيكم كان يتمناها تحصل عنده وكان

 فيه أسباب أكبر من إننا نحكيها وقتها

 رفع صوته قليلًا وأكمل بقوة:

- لكن عمرنا ما فكرنا نهين حد... ولا نكسر كبير

إحنا رجاله ولاد اصول وإتربينا عليها 

هنا قال أحد كبار البلد:

- طب وطلبه يا سعد؟

نظر سعد إليه ثم قال بمكر شديد:

- قبل ما أرد على طلبه... لازم الناس كلها تعرف حاجة

 التفت ناحية الصفوف الخلفية و قال :

- عبدالعزيز... تعالى يا شق عشان إنت صاحب الليله دي

إرتبك عبدالعزيز و نظر إلى دياب... ثم إلى سعد

لم يكن يفهم ما ينوي فعله لكنه تقدم بخطوات هادئة حتى وقف إلى جواره

ابتسم سعد ابتسامة خطيرة ثم وضع يده على كتف عبدالعزيز

وقال:

- الراجل ده... كلكم عارفينه

نظر الحاضرون إلى عبدالعزيز

فأكمل سعد:

- كلكم عارفين إنه ابن عم سعفان...

لكن كلكم برضه عارفين إنه اتربى وسط العطارين

 من وهو عيل صغير ... ووصية أبوه كانت إنه يفضل بينا

هز أكثر من رجل رأسه بالموافقة فقال سعد:

- من شهر... عبدالعزيز جه بنفسه دخل بيتنا من بابه

وطلب إيد أختي...


ساد الصمت التفتت كل الوجوه ناحية عبدالعزيز

حتى دياب رفع رأسه فجأة أما عبدالعزيز... فاتسعت عيناه من الصدمة

لم يكن يتوقع أن يقول سعد هذا الحديث أمام الجميع

لكن داخله دقت طبول الفرح و ظهر هذا جليًا على ملامحه

أكمل سعد بهدوء:

- طلبها بالحلال وأنا وافقت 

وكنا مستنيين الدنيا تهدى... علشان نجمع 

كبار البلد ونعلن الخطوبة قدامكم

ثم نظر إلى دياب مباشرة وكان المفروض أول واحد يعرف... هو أبويا

ابتلع ريقه وأنا غلطت لما أجلت كلامي معاه

لكن لو كنت سكت النهارده... كنت هظلم أختي... وهظلم عبدالعزيز

ساد المجلس همس خافت أحد الرجال قال:

- معجول؟!

ورد آخر:

- والله دي أول مرة نسمع بالكلام ديه

رفع الحاج عمران يده و قال :

- اسكتوا... نسمع الراجل بنفسه

نظر الجميع إلى عبدالعزيز كان لا يزال مذهولًا ثم أخذ نفس عميق

وقال بصوت ثابت:

- الكلام اللي قاله سعد... كله صحيح

ثم نظر إلى الحاج دياب وأكمل بصدق:

- والله يا حاج... أنا كنت ناوي أول واحد 

أقعد قدامه وأطلب منه ايدها... هو حضرتك

بس سعد قال نستنى لما البلد تهدى وأنا وافقته

خفض رأسه باحترام ثم أكمل:

- ولو حضرتك شايف إني ما استحقهاش... فأنا هقبل حكمك

لكن... رفع عينيه إليه وأكمل بصراحه أدهشت الجميع

- والله ما عايز غيرها وما هبص لبت غيرها طول عمري

تأثر أكثر من رجل داخل المجلس


ظل دياب ينظر إلى عبدالعزيز حتى ظن الجميع أنه سيرفض

ثم نهض ببطء اقترب من عبدالعزيز حتى أصبح أمامه مباشرة

وقال بلهجته الصعيدية:

- زعلت منك يا ولدي... إنك مخبرتنيش

انخفض رأس عبدالعزيز و قال: 

- حقك عليا يا حاج

ابتسم دياب لأول مرة منذ أيام ثم وضع يده على كتفه

- بس أثبتّلي إني ربيت راجل وسط ولادي... يوم ما اخترت تدخل بيتي 

دخلت من بابه

 التفت إلى كبار البلد وقال بصوت ملأ المضيفة كلها:

- وأني... موافج


انفجرت الهمهمات داخل المجلس وقف أكثر من رجل في مكانه

بينما تجمد سعفان للحظات... قبل أن ينهض بعنف

وضرب كفه في الطاولة:

- لااااه... إكده بتلعبوا بالعرف

نظر إليه سعد بهدوء ثم قال بخبث:

- بنلعب... طب ابلع ريقك بقى بدل ما أقل منك 

قدام الرجالة دي كلها

أشار سعفان إلى عبدالعزيز و قال بغل:

- ديه ولد عمي... بس من سنين ما لوش صالح بينا

رد سعد دون أن يهتز:

- بس من دمكم و النسب حصل خلاص 

يبقى الطلب اللي طلبته... بقى ملوش لازمه 

لأن إبن عمك طلبها قبلك 

اشتعل وجه سعفان و قال:

- أني ما خلصتش كلامي يا سعد

ابتسم سعد ابتسامة هادئة وقال وهو ينظر في عينيه مباشرة:

- وأنا كمان... لسه مخلصتش


ظل سعد واقفًا في مكانه... ملامحه هادئة لكن كل من يعرفه كان يدرك أن هذا الهدوء يسبق العاصفة أما سعفان... فكانت أنفاسه تتسارع من شدة الغضب

ثم أشار بإصبعه نحو عبدالعزيز وقال بصوت غليظ:


- إنت بتجول إن النسب تم صوح

  على مين يا سعد... ديه راجل باع دمه ومبقاش له مطرح 

وسطينا من يوم ما اختار يعيش وياكم

تحرك عبدالعزيز خطوة إلى الأمام لكن سعد رفع يده يمنعه

نظر إليه وكأنه يقول... سيبهولي


ثم أعاد بصره إلى سعفان وقال بهدوء:

- عبدالعزيز ما باعش دمه... ولا عمره نكر أصله

ابتسم سعفان بسخرية و قال:

- لااااه... اومّال أني عمري ما شوفته واجف 

في عزى واحد من أهله ولا عمره حضر مجلس من مجالسنا

رد عبدالعزيز لأول مرة بغضب شديد:

- لأنكم أنتم اللي قفلتوا الباب في وشي... وأنا عندي خمس سنين

ساد الصمت... حتى سعفان نفسه لم يجد ردًا للحظة

أكمل عبدالعزيز وهو ينظر في عيون رجال عائلته:

- أبويا قبل ما يموت سلّمني للحاج دياب

 وقاله... الولد ده أمانة في رقبتك ومن يومها

عمر حد فيكم سأل عليا... ولا خبّط على بابي؟



ثم أشار إلى العطارين وأكمل:

- الناس دي هي اللي ربتني... هي اللي علمتني

وهي اللي وقفت جنبي أنا وامي و أختي

رفع رأسه بكبرياء و قال برجولة:

- لكن ده ما يمنعش إن دمي من دمكم



همهم عدد من كبار البلد وأخذ بعضهم يتبادل النظرات

قال أحد الشيوخ الجالسين في آخر المجلس:

- عداك العيب يا ولدي... الولد مجالش غير الصوح

لكن سعفان ضرب الأرض بعصاه و قال بغل:

- الصوح... الصوح إن اللي يسيب أهله

ميجيش يجول دمي من دمكم

وقبل أن يرد عبدالعزيز... وقف عدنان الجبالي لم يرفع صوته...

لكنه قال بهدوء جعل الجميع يلتفت إليه:

- إحنا النهارده جاعدين علشان نطفي نار... مش نزودها

 نظر إلى سعفان وأكمل:

- وأني عندي سؤال واحد ليك

رد سعفان بحدة:

- اسأل

قال عدنان :

إنت رايد البت... لأنها بت دياب

 ولا رايدها علشان تحل الدم

تردد سعفان للحظة ثم قال:

- علشان ينتهي اللي بينا

هز عدنان رأسه و قال بقوة:

- يبجى انتهى

عقد سعفان حاجبيه و قال بعدم فهم:

- كيف يعني انتهي... تجصد إيه؟

أشار عدنان إلى عبدالعزيز و قال:

- الراجل ديه من دمكم... وهي من دمهم

- و النسب حوصل و خلاص لو قصدك الصلح

يبجى سبب الصلح موجود

رد سعفان بعصبية:

- وأني مجولتش رايد الصلح وبس.



ساد الصمت... وهنا ضاقت عينا عدنان وقال بنبرة مختلفة تمامًا:

- أومّال رايد إيه يا سعفان؟

نظر سعفان إلى الأرض للحظة... ثم رفع رأسه ببطء

وكانت نظرته هذه المرة مختلفة... خالية من الغضب

ومليئة بشيء أشبه بالوجع قال بصوت منخفض:

- أني رايد أعرف... ليه جتل أبوي؟


ساد المجلس صمت لم يعرفه أحد من قبل حتى دياب رفع رأسه فجأة

أكمل سعفان:

- لما عاودت من السفر كل الناس جالوا... العطارين جتلوا أبوك

بس ولا مرة... ولا مرة جدرت أصدج إن الحكاية سهلة للدرجادي

كيف يجطع راس أبوي و يعلجها على باب البلد

لجل ما أبوي حرج الأرض 

مدخلاش دماغي الحكاية دي


بدأ الهمس يدب بين الرجال أما سعد... فنظر إليه باهتمام لأول مرة

واصل سعفان حديثه:

- كل ما أجرب أمسك طرف... ألاجي حد يبعدني

أخرج من جيب جلبابه قطعة قماش قديمة ملفوفة بعناية

ووضعها فوق الطاولة تبادل الجميع النظرات سأله الحاج عمران:

- إيه ديه يا ولدي؟

رد سعفان:

- الحاجة اللي خلتني أرجع أدور من أول وجديد

فتح القماش ببطء... فظهرت طلقة نحاسية قديمة

 المنقوش على قاعدتها كان نفس الرمز الذي رآه عدنان فوق الشارة

حية تلتف حول خنجر تغير لون وجه عدنان أما دياب...

فوقف من مكانه دون أن يشعر همس بصوت خرج رغمًا عنه:

- مستحيل...

رفع سعفان الطلقة بين أصابعه وقال وهو ينظر إلى الجميع:

- دي الطلجه اللي خرجت من جسم أبويا... يوم ممات

وإحنا بنغسّله لجيناها محشوره جوه صدره

طب ليه حدى يضربه بالنار و هو رأسه مقطوعه من الأساس



 أشار إلى عدنان ثم أكمل :

- ولو إنت لقيت نفس العلامة... يبجى أني 

وإنت بندور على نفس العدو... من غير ما نعرف

تجمد المجلس بالكامل ولأول مرة... لم يعد السؤال

من ينتقم من العطارين بل أصبح... من هو صاحب الحية والخنجر

 الذي اختفى قبل خمسة وعشرين عام... ثم عاد اليوم ليشعل النار بين الجميع.




غادر سعفان المضيفة... لم يلتفت خلفه رغم أنه كان يشعر بعشرات الأعين تراقبه

كان صدره يعلو ويهبط من شدة الغضب كل ما حدث داخل المجلس لم يكن في حسبانه

كان واثق أن طلبه سيضع العطارين في مأزق أمام كبار البلد...

لكن سعد قلب الطاولة عليه في لحظة

ضغط على فكيه بقوة وهو يفتح باب سيارته


ألقى عقاله فوق المقعد المجاور ثم جلس خلف المقود وأغلق الباب بعنف

ظل للحظات ينظر أمامه في صمت ثم ضرب المقود بكفه:

- إبن الكلب... لعبها صح... طيب يا واكل ناسك 

آني هعرف كيف اعدل كفة الميزان من جديد


أدار المحرك... وانطلقت السيارة مبتعدة عن المضيفة

لم يكد يبتعد مئات الأمتار حتى بدأ الطريق يخلو من البيوت

أصبح وحده... لا يسمع سوى صوت المحرك واحتكاك الإطارات بالطريق الترابي

وفجأة... رن هاتفه نظر إلى الشاشة رقم خاص

انعقد حاجباه ظل الهاتف يرن تردد لثوان ثم ضغط زر الإجابة

رفع الهاتف إلى أذنه دون أن يتحدث

ساد صمت قصير... قبل أن يأتيه صوت رجل هادئ...

هادئ إلى درجة بعثت القشعريرة في جسده

تجمدت أصابع سعفان فوق المقود واتسعت عيناه همس دون إرادة

- إنت...؟!

جاءه الصوت هادئًا كعادته:

- اسمعني زين يا سعفان... ومتجاطعنيش

ابتلع ريقه وأخذ ينظر في المرآة الخلفية وكأن أحدا يراقبه

قال بصوت خافت:

- إنت فين؟

لم يجبه الرجل بل قال:

- أني عرفت اللي حصل في الجعدة... وعرفت طلبك

و فهمت ليه جولتلي إنك هتحلها وحدك

قطب سعفان حاجبيه و قال بغيظ:

- إنت كنت بتراجبنا؟

تجاهل السؤال ثم قال بنبرة غريبة... كأنها تحمل تحذير أكثر من كونها تحمل حديثًا

- أوعى تخلي غضبك يعميك

رد سعفان بعصبية:

- خلصني... إنت عايز إيه؟

ساد صمت قصير... ثم خرجت الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقه

- أني... مش صاحب الحية والخنجر

ضغط سعفان على الفرامل بعنف توقفت السيارة في منتصف الطريق

ظل ممسكًا بالهاتف...كأنه لم يستوعب ما سمعه ثم صاح:

- يعني إيييييه.....؟

- يعني اللي سمعته يا سعفان

- لو مش إنت... أمال مين اللي بيبعت الرسائل؟

- مش أني

- ومين اللي فتح الجبر؟

- مش أني برضك

ازدادت أنفاس سعفان اضطرابًا و قال بجنون:

- يبجى مين؟!

ضحك الرجل ضحكة قصيرة... لكنها كانت كافية لتزيد ارتباكه ثم قال:

- السؤال الصح... مش مين

السؤال... ليه

أغمض سعفان عينيه حاول أن يستوعب ما يحدث ثم قال:

- إنت بتكدب علي 

جاءه الرد حاسمًا:

- لو كنت أني اللي بحرك الدنيا... مكنتش هسيبك تعيش للنهارده

و كيف ما ولد اخوي جطع راس أبوك

آني كت هحرج عيلتك كليات٨ها وإنت خابر زين إني أجدر اعملها



ساد الصمت ثم أردف سليمان بنبرة أصبحت أكثر جدية:

- اسمع الكلمة ديه زين...

قبض سعفان على الهاتف

- إنت... والعطارين... وحتى أني...

توقف لثوان ثم قال ببطء شديد:

- كلياتنا... بنترجّص على نفس المسرح

شعر سعفان ببرودة تسري في أطرافه

- في واحد... بيلعب بينا كلنا

انعقد حاجباه و سأل بتوجس:

- مين هو؟

تنهد سليمان ثم قال:

- لما تعرف اسمه... هتعرف إن الحرب اللي

 بينكم عمرها ما كانت هيّا الحرب الحجيجيه

وقبل أن ينطق سعفان بحرف... قال سليمان آخر جملة:


خلي عينك على اللي واجف جنبك... مش اللي واجف قدامك



ثم... انقطع الاتصال ظل سعفان ينظر إلى الهاتف... ثم أنزله ببطء

رفع رأسه نحو الطريق المظلم ولأول مرة منذ سنوات... شعر بالخوف

ليس من العطارين... ولا من الماضي... بل من عدو لا يعرف حتى إسمه



وفي الجهة الأخرى... داخل مضيفة الحاج دياب... كان الجميع قد غادر

لم يبق سوى الحاج دياب وعدنان الجبالي و معهم سعد

همس دون أن يشعر عدنان:

- إحنا من أول يوم... بندور في المكان الغلط

رفع دياب رأسه إليه و قال:

- جصدك إيه؟

- جصدي... إن عدونا... لا هو سعفان... ولا سليمان




من هنا... سيتغير كل شئ في تلك القصة و ستكون بدايتها من تلك النقطة المُظلمة

هناك فتيات يعشقن حد الجنون

و هناك رجال يذوبون عشقًا لكن... من منهم سيكمل قصته 

و من منهم سيُكتب عليه الألم 

حقًاااااااا... لا نعلم 

فالقادم... مرعب للغاية.


ماذا سيحدث ياترى.....


سنرى......


انتظرووووني.... 


بقلمي/فريده الحلواني 

تعليقات