📁 آخر الأخبار

روايه العطارين الفصل الخامس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه العطارين الفصل الخامس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه العطارين الفصل الخامس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه العطارين الفصل الخامس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه العطارين 

الفصل الخامس والعشرون 

فريده الحلواني 


صباحك بيضحك يا قلب فريده 





لكل واحدة لسه بتحارب بصمت... أوعى تفتكري إن تعبك رايح هدر

 يمكن الطريق طويل ويمكن النتيجة لسه متأخرة

 بس كل خطوة بتقرّبك من اللي نفسك فيه

 خليكي ثابتة وثِقي إن ربنا عمره ما بيضيع تعب حد

هتوصلي و هتنجحي... أنا واثقة

وبحبك.




كانت الشمس تميل إلى المغيب بينما بدأت الحركة تخف شيئ فشيئ داخل الدار بعد يوم طويل أثقل الجميع

في المطبخ... كانت سميحة تقف أمام الموقد تقلّب الشاي بشرود بينما تتردد كلمات النساء داخل رأسها للمرة

 الألف

- يا رب... قلبي واجعني و مش قادرة أتحمّل 

فكرة إني أكون كبش فدى 

يارب هونها عليّا... إنت عارف إني بحبه 

تنهدت بصمت ثم حملت الصينية واتجهت نحو الباب الخلفي المؤدي إلى الحديقة

ما إن فتحت الباب... حتى اصطدمت بجسد صلب

شهقت بفزع وكادت الصينية تسقط من يدها لولا أن يد قوية امتدت سريعًا وأمسكتها:

- بالراحة... بالراحة على مهلك هتقعي

رفعت رأسها... فتجمدت وجدت عبدالعزيز

وقف أمامها مرتبكًا يرفع الصينية بيد بينما ينظر إليها كأنه نسي كل الكلمات التي حفظها طوال الطريق

ساد الصمت ثوان... بدت لكل منهما كأنها عمر كامل

أخذ منها الصينية بهدوء ووضعها فوق المصطبة المجاورة ثم عاد ينظر إليها

أما هي... فاكتفت بالنظر إليه دون كلمة دون ابتسامة دون حتى سلام

ابتلع ريقه بصعوبة... ثم حك مؤخرة رأسه كعادته كلما توتر و قال:

- إزيك... يا سميحة

جاءه الرد بارد:

- الحمد لله

ثم همت أن تتجاوزه لكنه تحرّك خطوة ليسد الطريق دون قصد

نظر إليها مرتبكًا وقال:

- استني... لو سمحتي

رفعت عينيها إليه أخيرًا كانت نظرتها هادئة... لكنها أوجعته أكثر من أي صراخ

قالت بهدوء شديد:

- خير؟

تنفس بعمق... ثم قال بصوت خرج متقطعًا:

- أنا... جاي أعتذر

عقدت حاجبيها و قالت باستغراب:

- تعتذر؟

هز رأسه بسرعة و قال:

- أيوه... والله العظيم أنا مكنتش أعرف إن سعد هيقول اللي قاله

أنا أول واحد إتفاجئ ولو كنت أعرف... والله ما كنت أسمح إنها تحصل بالطريقة دي

ظلت تنظر إليه في صمت ثم قالت:

- وبعدها؟

ارتبك و قال بعدم فهم:

- بعدها إيه... مش فاهم؟

- يعني اعتذرت... وبعدين؟

خفض رأسه... ولم يجد إجابة

ابتسمت ابتسامة صغيرة... لكنها كانت موجوعة ثم قالت:

- عارف يا عبدالعزيز... أنا من إمبارح مستنية

رفع رأسه بسرعة و سألها بلهفة:

- مستنية إيه؟

- مستنية تيجي

اتسعت عيناه فأكملت بصوت خافت:

- مش علشان تعتذر... علشان تقول لي إن اللي حصل كان غلط وإنك هتصلحه

سكت أما هي فأردفت والدموع بدأت تلمع داخل عينيها:

- أنا زعلت من الكل... بس أكتر واحد وجعني... إنت

كلماتها أصابته في صدره مباشرة شعر كأن أحدهم انتزع الهواء من رئتيه

قال بصوت مبحوح:

- أنا؟

هزت رأسها و قالت بقوة:

- أيوه لأنك الوحيد... اللي كان المفروض يجيلي قبل أي حد

يسألني... يراعي كسرتي حتى لو مفكر إنك هتترفض

على الأقل كنت هحس إن ليا قيمة

أغمض عينيه للحظة... ثم قال بندم حقيقي:

- عندك حق... والله عندك حق أنا غلطت

غلطت لما خوفت وغلطت لما سكت

وغلطت لما سيبت غيري يتكلم مكاني

ساد الصمت ثم رفع عينيه إليها... وقال لأول مرة دون خوف:

- بس فيه حاجة واحدة... مغلطش فيها

نظرت إليه باستفهام اقترب خطوة... وقلبه يكاد يقف ثم قال :

- إني بحبك

تجمدت مكانها أما هو... فأكمل بابتسامة مرتبكة:

- بحبك من سنين كل يوم كنت أقول... بكرة كل مرة كنت أقول... لسه بدري

و كل ماأنوي أخد خطوة أقول ياض بلاش

انت مش قد المقام... بلاش تخسرهم لما يرفضوك

حتى لما اتكلمت معاكي قبل كده و لا لما متحكمتش

في غيرتي... مكنتش قادر أقولها صريحة

فضلت خايف لحد ما لقيت نفسي هضيّعك بإيدي

أنا... مستعد أتحمل أي عقاب منك

- تزعليني... تزعقيلي تضربيني حتى بس متحرمنيش

 من إني أحاول أصلح اللي حصل و لا إنك تبعدي عني

نزلت دمعة وحيدة من عين سميحة فسكت... ينتظر حكمها

ولأول مرة... كان عبدالعزيز الذي لم يخف يومًا من رصاصة أو سلاح

يرتجف... من انتظار كلمة واحدة... منها.



في المضيّفة... كان الحاج دياب يجلس وحده

انصرف الرجال منذ قليل ولم يبقى إلا صمت ثقيل يملأ المكان

أمامه فنجان قهوة برد منذ وقت طويل بينما كانت سبحته تدور بين أصابعه ببطء

لم يكن يفكر فيما حدث في القعدة... بل فيما سيأتي بعدها

كلما أغمض عينيه عاد إليه وجه عدنان وهو يخبره بالحقيقة:

- متخليش حد من العيال يعرف دلوقت

زفر ببطء وهمس لنفسه:

- يا رب... استرها.



قطع الصمت صوت طرقات خفيفة على الباب رفع رأسه وقال:

- ادخل

دلف حمزة بخطوات ثابتة لكنه كان يخفي خلف ثباته معركة كاملة

وقف أمام الحاج دياب ثم انحنى يقبل يده

ابتسم دياب بحب وربت على كتفه و قال:

- تعالى يا ولدي واقف ليه... اقعد

جلس حمزة لكن يديه ظلتا متشابكتين بقوة لاحظ دياب ارتباكه

 فابتسم ابتسامة صغيرة و قال:

- مالك ياض... أول مرة أشوفك مش على بعضك كده ؟

حاول حمزة أن يبتسم لكنه فشل ظل صامت للحظات

ثم أخذ نفس عميق وقال:

- عمي... أنا جايلك في طلب

اتسعت ابتسامة دياب و قال بحنان:

- خير يا ولدي... اطلب

نظر في عينيه مباشرة وقال دون تردد:

- عايز أتجوز سندس


اختفت الابتسامة توقفَت السبحة بين أصابع دياب

وساد صمت ثقيل لم يكن صمت رفض... ولا صمت دهشة

بل صمت رجل يعرف شيئ لا يستطيع البوح به


ظل ينظر إلى حمزة لفتره ثم سأله بهدوء:

- ليه دلوقت يابني ليييه؟


ابتسم حمزة لأول مرة و قال بقوة:

- مش من دلوقت يا عمي 

- من مدة... ويمكن داخل علة سنة وأنا بحبها أنا مش هقدر أخد غيرها يا حج

مرضتش أتكلم من فترة كنت مستني الوقت المناسب


خفض دياب رأسه وأغمض عينيه للحظة ثم قال بهمس:

- يا رب... ليه الامتحان ده دلوقت

رفع رأسه مرة أخرى كانت نظراته مليئة بالحزن قال بصوت خافت:

- لو كان الأمر بإيدي يا حمزة... والله كنت كتبت كتابكم النهارده قبل بكرة

انعقد حاجبا حمزة و قال بعدم فهم:

- يعني إيه؟

تنهد دياب تنهيدة خرجت من أعماق قلبه و قال:

- يعني... فيه أمور أكبر مني

وقف حمزة فجأة و قال بغضب مكتوم:

- أكبر منك إزاي يا عمي؟

إنت كبير الدار... وكلمتك بتمشي على الكل

هز دياب رأسه ببطء و قال بحزن:

- مش كل مرة يا ولدي في حاجات... حتى أنا واقف قدامها متكتف


نظر إليه حمزة بعدم استيعاب و سأله بحيرة:

- يعني القرار اللي سمعناه زمان صح... إنتوا مش هتجوزوا عيالكم لبعض

رفع دياب بصره إليه... ثم سكت وكان هذا الصمت إجابةً أوضح من أي رد

شعر حمزة بأن الأرض تميد تحت قدميه لكنه لم يتراجع

اقترب من دياب خطوة وقال بحزم:

- وأنا مش هتنازل عنها حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي... أنا مش هشوف غير سندس مراتي.


ارتجفت شفتا دياب للحظة ورأى أمامه شاب يشبه نفسه قبل ثلاثين عام

بنفس العناد... ونفس النار فابتسم رغم ألمه ثم وقف

 ووضع يده على كتف حمزة وقال بصوت يحمل حب الأب وخوفه:

- وأنا عمري ما هكسر قلبك بإيدي

بس إديني يومين... يومين بس

لا أوعدك بحاجة... ولا أوعد نفسي

لكن أوعدك... إني هحارب عشانكم لو لقيت للحرب باب



خرج حمزة من المضيفة وقلبه معلق بين الأمل والخوف

أما دياب... فبقي واقف مكانه

ثم نظر إلى صورة أبيه المعلقة على الحائط وقال بصوت بالكاد خرج:

- سامحني يا حاج... واضح إن السر اللي دفناه زمان إبتدى ياكل في عيالنا.



في القاهرة... كانت إحدى السيارات السوداء الفارهة تشق طريقها بثبات في شوارع التجمع الخامس

توقفت السيارة أمام بوابة فيلا ضخمة يحيط بها سور حجري مرتفع وكاميرات مراقبة في كل إتجاه

ترجّل السائق أولا ثم أسرع يفتح الباب الخلفي

نزل سليمان... يرتدى بدلة رمادية أنيقة ونظارة سوداء أخفت نصف ملامحه

بينما علت شفتيه تلك الابتسامة الهادئة التي تخدع كل من يراها

اقترب منه أحد رجال الأمن فقال بأدب:

- حمد الله على السلامة يا فندم

أومأ برأسه دون أن يرد ثم دخل الفيلا بخطوات واثقة


في الداخل... كان كل شيء يعكس الثراء الفاحش

لوحات أصلية وتحف نادرة وسجاد فارسي يغطي الأرضية

ألقت إحدى العاملات التحية فانحنت باحترام و قالت:

- صباح الخير يا باشا

اكتفى بإيماءة صغيرة بعد أن تفحصها بعينه الفاجرة ثم صعد إلى الطابق الثاني


دخل مكتبه... غرفة واسعة تطل على حديقة خلفية

تتوسطها مكتبة ضخمة وخلف المكتب صورة قديمة لرجل في الستين من عمره

تملأ ملامحه الهيبة

توقف سليمان أمام الصورة لثوان نظر إليها لفترة ثم قال بصوت خافت:

- انا رجعت... بس المرة دي مش هرجع زي كل مرة


جلس خلف مكتبه وما هي إلا لحظات حتى طرق السكرتير الباب

- اتفضل

دخل رجل في الأربعين من عمره يحمل جهاز لوحي و قال:

- صباح الخير يا فندم

- صباح النور

- اجتماع المستثمرين الساعة اتناشر وبعده مقابلة مع وفد إماراتي وبالليل حفلة غرفة التجارة


كان سليمان يستمع بهدوء ثم قال:

- تمام

وقبل أن يخرج السكرتير استوقفه:

- كريم

- أفندم؟

خلع سليمان نظارته ببطء ثم قال بنبرة هادئة... لكنها حملت معنى آخر تمامًا:

- عايز ملف عيلة العطارين يبقى عندي قبل آخر النهار

تجمًد كريم للحظة فهو يعرف أن هذا الاسم... لا يذكر إلا في الاجتماعات المغلقة

أخفض رأسه سريعًا و قال:

- حاضر يا فندم



خرج وأغلق الباب خلفه أما سليمان... فدار بكرسيه ناحية النافذة

وأخذ يتأمل أُفق القاهرة ثم همس لنفسه بابتسامة باردة:

- زمان... كنت أنا اللي بجري وراهم... لكن دلوقت هما اللي هيجروا ورا الحقيقة

والمشكلة... إن الحقيقة أنا اللي كاتبها.


رفع هاتفه وضغط على رقم محفوظ دون إسم لم يرن الهاتف سوى مرة واحدة ثم جاءه صوت رجل خشن:

- أوامرك يا كبير

ابتسم سليمان ابتسامة لم تصل إلى عينيه ثم قال:

- راقبوا كل حركة في دار العطارين... بس محدش يقرب منهم لسه... الوقت مجاش

أغلق الخط ثم فتح أحد الأدراج وأخرج صندوق خشبي صغير

ظل يتأمله لحظات... قبل أن يفتحه ببطء

وفي داخله... استقرت حية سوداء صغيرة ملتفة حول نفسها في هدوء

ترفع رأسها ما إن شعرت بوجوده

مد إصبعه وربت برفق على رأسها كأنها حيوان أليف

ثم ابتسم وهو يهمس:

- قرب الوقت... يا... بركه...


أغلقت الحية عينيها ببطء... بينما كان صاحبها يبتسم وكأنه يرى المستقبل كله أمامه.


في دار العطارين حل منتصف الليل... وسكنت الدار من جديد

انطفأت الأنوار تباعًا ولم يبقى سوى ضوء خافت يتسلل من غرفة سعد

كان يجلس على الأرض وقد أسند ظهره إلى الفراش

أمامه عشرات الأوراق القديمة التي أعطاها له الحاج دياب

وأوراق أخرى بيضاء بدأ يكتب عليها بخط يده

لم يكن يقرأ... بل كان يحاول أن يفهم رفع إحدى الصور القديمة...

تأملها بتركيز ثم وضعها جانبا

وأخذ قلم أسود وكتب في منتصف الورقة:

- مين المستفيد

ظل ينظر إلى السؤال ثم بدأ يكتب أسفله أسماء متفرقة

عوض... سليمان... صاحب الحية و الخنجر... النار... القعدة

ثم توقف زفر بضيق وألقى القلم بعيدًا ثم قال:

- لأ... أكيد في حاجة ناقصة

مررَّ يده في شعره بعصبية ثم أعاد ترتيب الأوراق من جديد

كان كلما وصل إلى خيط... انقطع أمامه عشرة خيوط أخرى

طرقات خفيفة على الباب رفع رأسه و قال: 

- ادخل

دخلت نوارة تحمل كوب من القهوة

ابتسمت وهي تنظر إلى الفوضى التي تملأ الغرفة

- يا ساتر... دي أوضه نوم و لا قلبتها مكتب محاماة

ابتسم ابتسامة مرهقة ثم قال:

- الإتنين

وضعت القهوة أمامه وجلست بجواره نظرت إلى الورق ثم إليه و قالت:

- منمتش ليه... مش قولتلي هتريح ساعتين؟

هز رأسه و قال بغلب:

- النوم رفاهية اليومين دول انا دماغي مش عايزه تفصل

ظلت تراقبه لحظات ثم قالت بهدوء:

- من ساعة ما رجعت من عند الحج... وإنت مش إنت

رفع عينيه إليها ابتسم ابتسامة صغيرة ثم قال:

- هو قالي شوية حاجات... قلبوا الدنيا جوا دماغي

مدت يدها وأمسكت كفه ثم قالت برقة:

- هتقولي؟

نظر إلى أصابعها المتشابكة مع أصابعه ثم ابتسم بحزن و قال:

- نفسي... بس مقدرش... مش هينفع يابا تعرفي حاجه من البلاوي دي

لأول مرة... يشعر سعد أن بينه وبين زوجته سر

وشعر بثقل ذلك السر فوق قلبه تنهد وقال:

- سامحيني متزعليش

ابتسمت نوارة برقة ثم قالت بحكمة:

- أنا مش زعلانة إنك مخبي عليّا

أنا زعلانة عشان الحمل تقيل عليك لوحدك

نزلت كلماتها على قلبه كالماء رفع يدها وقبّلها برفق ثم قال:

- ربنا يخليكي ليا يا قلب سعد 

ابتسمت ثم أشارت إلى الأوراق و قالت:

 - طيب... وصلت لإيه؟

ظل صامت لحظة ثم قال وكأنه يحدث نفسه:

- اللي عمل كل ده... ذكي أوي

ذكي لدرجة إنه سايبنا نبُص ناحية ناس... وناسيين نبص على حد تاني

عقدت حاجبيها و قالت بعدم فهم:

- قصدك إيه؟

هز رأسه و قال:

- مش عارف... بس حاسس إننا بندور على اللي بيضرب

وسايبين اللي بيديله الأوامر

ساد الصمت ثم فجأة... اعتدل سعد في جلسته

وسحب ورقة بيضاء جديدة وكتب في أعلاها:

- سليمان عبد الحي غنيم

ثم ظل ينظر إلى الإسم لفترة قبل أن يرسم تحته خط أسود عريض

همس لنفسه:

- لو إنت حي... فأنا هعرف أوصلك

ولو ميت... فهعرف مين اللي عايش بإسمك


في تلك اللحظة... طرق أحدهم الباب بعنف انتفض الإثنان

ثم جاء صوت حمزة من الخارج:

- سعد... إنت صاحي؟

نظر سعد إلى نوارة... ثم جمع الأوراق بسرعة وأخفاها داخل درج المكتب

قال بصوت مرتفع:

- ادخل يا حمزة

فتح الباب لكن ملامحه لم تكن مطمئنة دخل وأغلق الباب خلفه...

ثم قال وهو ينظر إلى سعد مباشرة:

- أنا كلمت أبوك

 اعتدل سعد في جلسته:

- وقالك إيه؟

أخذ حمزة نفس عميق ثم قال:

- طلع الموضوع أكبر من اللي كنا فاكرينه... وأنا مش ناوي أسكت.



حل الصمت بينهما لثوان... نظر سعد إلى وجه حمزة فوجد فيه الغضب لأول مرة منذ سنوات

غضب رجل ضاق به الطريق لكنه لم ينكسر بعد

أشار له بالجلوس

- اقعد يا حمزة... مالك؟

جلس الآخر وهو يزفر بقوة ثم مرر يده فوق وجهه:

- روحت لعمي دياب طلبت إيد سندس


ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه سعد ثم قال بجدية:

- ودي خطوة كان لازم تعملها من زمان 

مانت مش هتقعد تحب في بت عمك كده في السر


 لم يبتسم حمزة بل قال بصوت خافت:

- مرفضش... بس برضه موافقش و لا قال حتى إنه هيفاتح عمي أدهم فالموضوع



اختفت ابتسامة سعد و سأل باهتمام:

- قالك إيه بالظبط ؟

- قال إن في حاجة أكبر منه وإن الموضوع مش بإيده


عقد سعد حاجبيه لكنه لم يتحدث أكمل حمزة بمرارة:

- لأول مرة أشوف أبوك بالشكل ده يا جن

كان موجوع... كأنه نفسه يجوزنا بس مربوط

صمت للحظة ثم نظر إلى سعد وأكمل:

- إنت فاهم حاجة؟

تجمّد سعد للحظة تذكّر وصية أبيه

- مهما حصل... محدش يعرف باللي حكتهولك يابني... إوعى يا سعد


خفض بصره وقال بهدوء:

- لأ... مش فاهم

ابتسم حمزة بسخرية ثم قال بغيظ:

- الكدب مش لايق عليك يا شِق

رفع سعد رأسه نظر إليه بغموض ثم قال:

- في حاجات... لو عرفتها دلوقتي هتتعب أكتر

اقترب حمزة منه و قال بحزن:

- انا تعبان أصلًا يا حبيب اخوك لأول مرة أحس إني عاجز

أنا طول عمري أعرف أتصرف وأفوت في الحديد

إنما دلوقت... واقف مستني قرار مش فاهم سببه


اقترب سعد وربت على كتفه و قال:

- اصبر يا شِق... هتتعدل 

هز حمزة رأسه بعنف:

- لأ... أنا مش هسكت أنا هعرف السبب... حتى لو هقلب العيله كلها


نظر إليه سعد بعينين ضيقتين ثم قال بهدوء يحمل تحذير:

- إوعى... في فرق كبير بين إنك تدوّر على حقك

وإنك تخبط في حيطة وإنت مغمض


أشار حمزة إلى صدره و قال بجنون:

- أنا قلبي بيقول إن في مصيبة مستخبية.


ساد الصمت ولأول مرة... شعر سعد أن حمزة يقترب من الحقيقة بالفطرة

فغير الحديث سريعًا:

- فوكّك من كل ده... قابلت البت بعد ما كلمت الحج؟

ابتسم حمزة رغم تعبه ابتسامة صغيرة... لكنها كانت كفيلة أن يقرأ سعد ما حدث

ضحك بخفة و قال:

- أيووووو... الوش ده أنا حافظه و المصحف

رفع حمزة حاجبه و قال بغيظ:

- ماله وشي يا جن؟ 

- ده وش واحد... رقع حبيبته بوسه مشبك

احمرّ وجه حمزة فجأة و ظهر عليه الغضب:

فرفع سعد يديه مستسلمًا وهو يضحك ثم قال:

- خلاص يا عم ... فهمت كل حاجة و مش هتكلم.



ضحك حمزة لأول مرة منذ دخوله الغرفة ثم قال بخجل حاول إخفاءه:

- يا أخي... هي ضحكت بس معملتش حاجه تاني و الله

اقترب سعد منه وربت على رأسه:

- يا ابني... ضحكة البت اللي بتحبها تساوي الدنيا كلها


 اعتدل في جلسته وعادت الجدية إلى ملامحه و هو يقول:

- اسمعني كويس مهما حصل... متعملش أي خطوة من دماغك

ولا تواجه حد ولا تسأل حد لحد ما أنا أفهم الدنيا ماشية إزاي

نظر إليه حمزة باستغراب و قال:

- إنت ناوي على إيه يا سعد؟

ابتسم سعد ابتسامة غامضة وقال وهو ينظر إلى الأوراق المخفية داخل الدرج:

- ناوي أفتح باب... محدش فتحه من سنين.



في القاهرة... لم تكن كل الأسرار تدفن في المقابر

بعضها يدفن داخل خزائن حديدية لا يملك مفاتيحها سوى أصحاب النفوذ

في مبنى قديم يقع بوسط القاهرة... توقفت سيارة سوداء أمام بوابة ضخمة تعلوها لافتة نحاسية كُتب عليها... دار المحفوظات التاريخية

ترجّل سليمان من سيارته بخطوات هادئة بينما كان في استقباله رجل تجاوز الستين

 يرتدي نظارة سميكة وبدلة رمادية قديمة

ابتسم الرجل وهو يمد يده و يقول:

- نورتنا يا باشا

صافحه سليمان بابتسامته المعتادة ثم قال:

- عامل إيه يا دكتور فؤاد؟

- الحمد لله... تحت أمرك 

تقدما معا داخل الممرات الطويلة

على الجانبين امتدت أرفف خشبية تحمل آلاف الملفات والسجلات التي مر عليها عشرات السنين قال الدكتور فؤاد وهو يسير بجواره:

- الملف اللي طلبته... طلّعته بنفسي

توقف سليمان نظر إليه بهدوء ثم قال: 

- محدش شافه؟

- لأ طبعًا... زي كل مرة

أومأ سليمان برأسه ثم دخلا غرفة صغيرة في آخر الممر

أغلق الدكتور الباب بالمفتاح ووضع ملف جلدي قديم فوق الطاولة

ظل سليمان ينظر إليه للحظات... دون أن يلمسه

قال الدكتور فؤاد باستغراب:

- مش هتفتحه؟

ابتسم سليمان ابتسامة باردة ثم قال: 

- انا حافظه


فتح الملف بهدوء كانت أول صفحة تحمل تاريخ يعود إلى أكثر من ثلاثين عام

وتحت التاريخ... عدة أسماء توقف إصبعه فوق اسم واحد

- دياب زين الدين العطار

ثم تحرك إلى الإسم الذي يليه

- عدنان... وبعده... إسم ثالث

ابتسم ابتسامة بالكاد ظهرت ثم أغلق الملف مرة أخرى

قال الدكتور فؤاد:

- طول السنين دي... وإنت كل فترة تيجي تبص عليه

كأنك مستني حاجة

رفع سليمان عينيه إليه وقال بهدوء أخاف الرجل:

- مش مستني... أنا بتأكد

- بتتأكد من إيه؟

وقف سليمان وهو يحمل الملف بين يديه واتجه نحو النافذة ثم قال:

- إن كل واحد... لسه ماشي في الطريق اللي أنا رسمته

ساد الصمت ثم أعاد الملف إلى مكانه و قال:

- رجعه مكانه زي ما هو ولو في يوم... أي حد سأل عليه

حتى لو كان وزير... تبقي تكلمني الأول سامع

ابتلع الدكتور فؤاد ريقه و قال بخوف:

- حاضر يا باشا



غادر سليمان الغرفة وبقي الرجل العجوز ينظر إلى الباب المغلق ثم همس لنفسه:

- يا ترى... إيه اللي مستخبي في الملف ده

يخلي راجل زي سليمان يرجعله كل كام سنة


وبعد خروجه... ركب سليمان السيارة

لم يطلب العودة إلى الفيلا بل قال للسائق بهدوء:

- على مستشفى الشروق

التفت السائق باستغراب و قال:

- دلوقت يا فندم؟

- أيوه

انطلقت السيارة وبينما كانت تشق شوارع القاهرة... أخرج سليمان هاتفه

ونظر إلى صورة قديمة محفوظة داخله كانت الصورة باهتة... أربع رجال يقفون بجوار بعضهم

اقترب بإصبعه حتى اختفى ثلاثه منهم... ولم يبقي على الشاشة سوى وجه دياب

نظر إليه لفترة... ثم همس بابتسامة لا تحمل أي دفء و قال:

- قرّبت يا دياب... قربت تعرف إن اللي هربت منه زمان... راجع ياخد حقه

 أغلق الهاتف... وأغمض عينيه في هدوء بينما كانت السيارة تواصل طريقها

إلى وِجهة لا يعلم أحد... أنها ستكون بداية سقوط أول حجر دومينو في الحكاية بأكملها.


ماذا سيحدث ياترى.......


سنرى.......


انتظروووووني.......


بقلمي / فريده الحلواني 





بعتزر أن الفصل قصير بس كان لازم اقفله هنا لأن اللي جاي 

جااااااحد 

تسريبه صغننه 

الفصل اللي جاي كله فراشات و سليمان هيطفحهالكم في آخره بساديته😂😂😂😂😂😂

تعليقات