📁 آخر الأخبار

روايه العطارين الفصل السادس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه العطارين الفصل السادس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه العطارين الفصل السادس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه العطارين الفصل السادس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه العطارين 

الفصل السادس والعشرون 

فريده الحلواني 



صباحك بيضحك يا قلب فريده 



إوعي تفتكري إن قوتك معناها إنك ما تتعبيش… قوتك الحقيقية 

إنك كل ما الدنيا توقعك تقومي تاني وتقولي... لسه بدري عليا عشان أستسلم

أنا ليا حلم ولسه هحققه... هتحققي حلمك باذن الله 

و هتكوني احسن ما بتتمني... انا واثقة فيكي 

و بحبك.







كانت السيارة تشق طريقها في شوارع القاهرة بهدوء بينما جلس سليمان في المقعد الخلفي مسندًا رأسه إلى الزجاج وعيناه معلقتان بالمدينة التي تغيرت كثيرا منذ آخر مرة وطئت قدماه أرضها

لم يكن ينظر إلى المباني... كان ينظر إلى الماضي

ذلك الماضي الذي ظن يومًا أنه دفنه إلى الأبد

رفع هاتفه مرة أخرى وأعاد فتح الصورة القديمة

خمسه رجال يقفون أمام دار العطارين

دياب... خميس... أدهم ... رجب... وهو معهم

ظل إصبعه يتوقف عند وجه دياب ابتسم ابتسامة خافتة ثم قال:

- كبرت يا دياب ...كبرت أوي وحسابك انت بالذات كبر معايا


 أغلق الصورة رن هاتفه نظر إلى الشاشة فظهر اسم لم يكن محفوظ

أجاب دون مقدمات:

- أيوه

جاءه الصوت من الطرف الآخر:

-انت وصلت؟

- في الطريق

- متأكد إنك عايز تدخل المستشفى بنفسك؟

ضحك سليمان بسخرية ثم قال:

- هو أنا بخاف و لا إيه ؟

صمت الرجل لحظة ثم قال:

- أنا مش قصدي كده... بس المكان ده ممكن يفتح نار قديمة


تغيرت ملامح سليمان قليلًا وهو يقول:

- وأنا رايح علشان احرقهم بالنار دي

- ولو اللي هتسمعه غير اللي في دماغك؟

نظر سليمان من النافذة و قال بشرود:

- يبقى نغير اللي في دماغنا إحنا كمان


في مكان آخر من القاهرة... جلس رجل خمسيني خلف مكتب خشبي ضخم

لم يكن المكان فاخر مثل فيلا سليمان لكنه كان أكثر برودة

أوراق مرتبة بعناية ملفات مغلقة وصورة قديمة موضوعة داخل إطار أسود

كان الرجل يحدق فيها منذ دقائق... شاكر الدمنهوري 

رفع يده وأمسك بالصورة كان فيها شاب في مقتبل العمر يقف بجوار فتاة تبتسم بخجل

مرر إصبعه فوق وجه الشاب ثم قال بصوت منخفض:

- لسه فاكرها... بعد كل السنين دي منستهاش و لا نسيت طارك 

فتح درج مكتبه وأخرج ملف طبي قديم

على غلافه اسم رجل قرأه للحظة ثم أغلق الملف بعنف و قال بغل:

- ضيعت عمرك بسببهم...

توقف لحظة ثم ابتسم ابتسامة باردة وأكمل بوعيد:

- وأنا هخليهم يدفعوا تمن كل يوم عشته ميت وإنت عايش

رن هاتفه أجاب سريعا:

- أيوه يا ايمان

- بابا... إنت فين؟

- في الشغل

- كنت عايزة أسألك على حاجة

- قولي

ترددت للحظة ثم قالت:

- إنت متأكد إن اللي طلبت مني أعمله صح

صمت شاكر ثم قال ببرود:

- إنتي عمرك ما سألتي السؤال ده قبل كده

- المرة دي مختلفة

- مختلفة إزاي؟

- حاسة إن الموضوع كبر أوي يا بابا و هيدمره

ابتسم أبيها بشر ثم قال:

- هو ده المطلوب و اللي بخططتله من خمسة و عشرين سنة

- بس...

قاطعها بغضب:

- إيمان... اسمعيني كويس

- إحنا مش داخلين حرب علشان نكسب فلوس ولا أرض

- أومّال علشان إيه؟

شد أصابعه حول القلم ثم قال:

- علشان حساب قديم وحق لا يمكن أتنازل عنه

ثم أغلق الخط ظل لحظات ينظر إلى الهاتف قبل أن يقول لنفسه:

- ولسه الحساب ما بدأش أصلًا... أنا هحرقهم بالنار اللي حرقوني بيها.



في دار العطارين... كان الصباح قد بدأ يعلن عن نفسه

الحركة عادت إلى الدار تدريجيًا... لكن في غرفة سعد لم يكن هناك شيء طبيعي

جلس أمام المكتب وأمامه الورقة التي كتب عليها بالأمس

سليمان عبد الحي غنيم ظل يحدق في الإسم ثم فتح أحد الملفات القديمة

قلب الصفحات لا شيء فتح ملفًا آخر لا شيء

ثم أخرج صورة قديمة وجدها بين الأوراق نظر إليها

تجمد للحظة كانت صورة جماعية قديمة رجال من العائلة يقفون أمام الدار

اقترب بالصورة من عينيه ثم قال:

- يلعن ميتين أبوكم كلكم 

أمسك الهاتف واتصل بحمزة جاءه صوته بعد لحظات:

- أيوه يا جن

- تعالى عندي إنت وإخواتك... عايزكم كلكم دلوقت

- في إيه. ..قلقتني؟

خفض سعد صوته و قال:

- لقيت حاجة

سكت حمزة لحظة ثم قال:

- تخص إيه؟

نظر سعد إلى الصورة مرة أخرى و قال:

- تخص سليمان


بعد أقل من عشر دقائق... دخل حمزة الغرفة وأغلق الباب خلفه

و كان معه كلًا من نصر و جلال معهم صالح ومصطفى 

أما زيزو وأيمن فكانوا خارج المنزل يأتون ببعض الطلبات وعلى وشك العودة


نظر الأول إلى سعد ثم إلى الأوراق و قال:

- في إيه؟

أعطاه سعد الصورة أمسكها حمزة و قال: 

- دي صورة قديمة لأبويا وعمامي

- بص كويس وركز 

اقترب حمزة منها و حوله باقي الشباب

- بص على الراجل اللي واقف وراهم

رفع نصر عينيه و قال:

- مين ده؟

ابتسم سعد ابتسامة صغيرة و قال بدهاء:

- ده المشكلة...

أخرج ورقة أخرى وأكمل

- الإسم ده موجود في سجل قديم

- سليمان؟

- أيوه

- طب ما إحنا عارفين أن كان عندنا عم صغير و مات 

هز سعد رأسه و قال:

- لأ... إحنا فاكرين إننا عارفين

اقترب جلال منه و سأل بعدم فهم:

- يعني إيه... ما ترسينا على الدور يا جن

رفع سعد عينيه إليه وقال:

- التاريخ مش راكب مع اللي حصل... في حاجة غلط

ساد الصمت ثم أخذ حمزة الورقة من يده قرأها مرة... ثم مرة ثانية

ثم قال بدهشة:

- مستحيل

- أنا قلت كده

- يعني إيه إن تاريخ الورقة قبل تاريخ ميلاده؟

ابتسم سعد دون فرحة ثم قال:

- يعني يا نصر... يا إما حد لعب في الورق...

-أو إن إحنا بندور على الشخص الغلط من البداية

رد عليه صالح بجنون :

- يحرج ابو اللي جابهم كلياتهم آني عجلي شت مني خلاص


في الناحية الأخرى من الدار... كانت فرحة تقف في الحديقة حين سمعت صوت خلفها

- فرحة

التفتت كان أيمن... نظرت إليه للحظة ثم حاولت الانصراف

أمسك ذراعها سريعًا ثم قال:

- رايحة فين؟

-داخله جوه عند ماما

- إستني عايزك يا فرحة 

- من إمبارح وإنتي بتتهربي مني

- مش بهرب و لا حاجة

- أومّال بتعملي إيه هااااا... فهميني

التفتت إليه أخيرًا و قالت بحزن:

- بحاول أفهم ياأيمن

-عايزه تفهمي إيه طيب وأنا أفهمك

ابتسمت بمرارة ثم قالت:

- ليه كل حاجة بينا لازم تبقى غلط؟

سكت أيمن اقترب خطوة ثم قال بحنان:

- فرحة...

- لأ يا أيمن متكملش

رفعت يدها تمنعه ثم قالت:

- متقولش إنك بتحبني... أنا عارفة

مش محتاجة إنك تعترف بيها

خفض عينيه فقالت بصوت مكسور:

- المشكلة إن الحب مش كفاية

نظر إليها بحزن ثم قال:

- وأنا مش مستعد أصدق ده

- لازم تصدقه

- لأاااااا

- ليه؟

رفع عينيه إليها ثم قال:

- علشان أنا لأول مرة في حياتي لقيت حاجة تستاهل أحارب علشانها

ارتجفت عيناها لكنه لم يقترب أكثر فقط قال:

- ولو هما شايفين إن فيه سبب يمنعنا... أنا عايز أعرفه

أمسك ذراعها مرة أخرى ثم سحبها نحو مكان متواري

لف ذراعه حول خصرها و قال بعشق :

- انا أول مرة اعترف بحبي ليكي يا فرحة 

ولأول مرة أقولك إني مش فاهم سبب رفض أهلنا لجوازنا من زمان

بس أنا خلاص مش قادر... هحارب لحد ماعرف السبب

قرب وجهه من خاصتها ثم أكمل بجنون: 

- و لو معرفتش هاخدك غصب عن الكل 

أعقب قوله بالتهام شفتيها في قبلة جامحة أودع فيها عشقه و خوفه من ضياعها .



وفي غرفة أخرى... كان نصر يتصل بشفاء 

و قد كان يقول بغيظ:

- هتبطلي تهربي مني إمتى؟

ردت عليه بتلجلج:

- أنا مش بهرب... إيه اللي يخليني أعمل كده

- أومّال كل ما أقرب خطوة ترجعي خطوتين ليه؟

تنهدت بهم ثم قالت بصراحة:

- نصر.... اللي حصل بينا بدأ غلط

انت عملت معايا موقف شهامة مقدرش أصدق أنه يتقلب لحقيقة

اختفت ابتسامته و قال بحسم:

- لأاااااااا... اللي حصل بدأ بموقف غلط

 إنما أنا حبيتك بجد وما صدقت أن ده يحصل 

عشان اخده حجه وأخليكي ملكي 

شوفتي بقى أنا صريح إزاي

ارتبكت و رغم صدمتها قالت برفض:

- متقولش كده تاني لو سمحت

- ليه؟

- علشان أنا مش عارفة أصدقك

حاسة إنك بتقول كده عشان تراضيني مش أكتر 

ابتسم بحزن ثم قال بصدق:

- يبقى هفضل أقولها لحد ما تصدقي

أكمل بهمجية وقد اشتعل صدره بنار لم يتحملها:

- و لو مصدقتيش هكسر دماغ امك واحط كلامي جواها عافية... ااااامين.



في المساء... رن هاتف منة نظرت إلى الشاشة وجدته جلال:

حدقت في الإسم ثواني ثم أجابت:

- نعم يا أستاذ جلال

جاءها صوته ببرود متعمد:

-إنتي فين يامنة؟

- في البيت

-خلصتي الشغل بدري و لا إيه؟

- آيوه يا فندم

- مين سمحلك تخلّصى

اتسعت عيناها و قالت بغيظ:

- نعم؟

ضحك برجولة ثم قال:

- اهدى يا وحش أنا بهزر بس

- هزارك بارد

- طب اسمعي... بقى ملف الصفقة اللي طلبته منك ناقص

- مش ناقص استحالة انا مراجعة عليه تلات مرات

- متأكدة؟

- جدااااا

- طب بقولك إيه... انا عايز اتكلم معاكي دلوقت ينفع

نظرت إلى الساعة وجدتها قاربت على الثالثة فجرًا فقالت باستغراب:

- دلوقت؟

- أيوه فين المشكلة أنا بقولك نتكلم مش نخرج

- الساعة تلاته الفجر يا جلال بيه و بعدين انت سالت

على الشغل و انا جاوبتك معتقدش في كلام تاني بينا

رد عليها بجدية لأول مرة:

- عارف ان الوقت متأخر بس مخنوق ومش عارف أعمل إيه 

سألته باهتمام و قد اشفقت عليه:

- هو انتوا لسه عندكم مشاكل في الصعيد

شادي قالي إنكم مش جايين دلوقت

اشتعلت النار داخل صدره فقال بجنون:

- ميتين أم الواد الطري ده... هو مال امه

 قالت بغيظ:

- إنت مستفز بجد... هو عملك إيه عشان تغلط فيه

- احااااااا... إنتي بتدافعي عنه ولا إيه يا روح أمك


أغلقت الهاتف في وجهه بعدما عجزت عن الرد عليه 

لكنها اشتعلت غضبًا و قالت لنفسها:

- طب وحياة امي لأربيك وأقطعلك لسانك الطويل ده يا سافل. 


أمّا هو... نظر أمامه بجنون ثم قال بهمجية: 

- بتقفلي السكة فوشي يابنت الكلب 

طيب يااااا منة... هرجعلك وأعرف أربيكي 

أبو أم الحريم على اللي عايز يعرفها.




وفي مستشفى الشروق... توقفت سيارة سليمان أمام البوابة

نزل منها ببطء رفع عينيه إلى المبنى لم يظهر على وجهه أي انفعال

دخل إلى الاستقبال وأخرج بطاقة صغيرة

نظر إليها الموظف ثم تغيرت ملامحه

- حضرتك... سليمان بيه؟

ابتسم و قال بهدوء:

- أيوه

- الدكتور فؤاد مستني حضرتك

رفع سليمان حاجبه و قال باستغراب:

- الدكتور فؤاد؟

- أيوه يا فندم

سكت لحظة ثم قال:

- تمام

تحرك خلف الموظف لكن قبل أن يدخل المصعد... توقف

نظر إلى الممر الطويل الممتد أمامه وكأن شيئا في المكان أعاد إليه صوتًا قديم

صوت امرأة صوت بكاء طفل وصوت رجل يقول:

- إنت مش هتعيش هنا

أغمض عينيه للحظة ثم فتحهما وعادت ابتسامته الباردة

- مش النهارده...

قالها لنفسه ثم دخل المصعد ولم يكن يعلم... أن الشخص الذي جاء من أجله لم يكن ينتظره وحده بل كان هناك رجل آخر في الطابق الثالث... رجل يعرف إسم سليمان

ويعرف إسم دياب ويعرف سرًا... لو خرج من فمه الآن... لن تبقى عائلة العطارين كما كانت.



لم يكن الصباح قد اكتمل بعد حين كانت الشمس تلقي بخيوطها الأولى فوق أرض الصعيد

بينما خفتت حركة الرجال في مضيفة الحاج عمران

كان عمران جالسًا وحده على دكة خشبية قديمة أمام المضيفة يحتسي قهوته ببطء

وعيناه معلقتان بالطريق الممتد أمامه

منذ انتهت القعدة العرفية... والرجل لم يذق راحة

كان يعلم أن ما حدث لم ينتهي بانتهاء الجلسة

بل ربما كان قد بدأ للتو رفع صوته:

- يا ولد

جاء أحد رجاله مسرعًا:

- نعم يا حاج

- روح هاتلي سعفان... جوله إني رايده دلوك

تردد الرجل لحظة ثم قال:

- دلوك يابا الحج

رفع عمران عينيه إليه و قال:

- أيوه... جوله الحاج عمران رايدك ضروري

أومأ الرجل وانصرف بعد قرابة نصف ساعة... توقفت سيارة أمام المضيفة

ترجل سعفان منها بخطوات ثقيلة ودخل دون أن يلقي السلام إلا بعد أن رأى عمران أمامه:

- السلام عليكم يا حاج

رد عمران بهدوء:

- وعليكم السلام... تعالى يا سعفان

جلس سعفان أمامه وبقي صامتًا

وضع عمران فنجان القهوة على الطاولة ثم نظر إليه بهدوء و قال:

- إنت عارف أنا طلبتك ليه؟

رد سعفان دون تردد:

- لو أعرف... مكنتش جيت أسأل يا حج

ابتسم عمران ابتسامة صغيرة ثم قال :

- لسه زي ما إنت... راسك يابسه

- اللي عنده حج يا حاج... مبيغيرش حديته

تنهد عمران و قال :

- حج... هو لسه في حج بيتاخد بالدم بعد كل اللي حصل

شد سعفان فكه و قال بغل:

- عيلتي اتظلمت وآني مهسيبش حجهم

- وأني مجولتش غير إكده يا ولدي

- أومّال إيه مش فاهم يا حج... اتحددت طوالي 

اقترب عمران قليلًا منه وقال:

- أنا رايد تنهي الطار

تجمدت ملامح سعفان و قال بهدوء خطر:

- أنهي إيه؟

- الدم اللي بينك وبين العطارين

ضحك سعفان بسخرية قصيرة و قال:

- أكده مافيش حديت بينا... خلصنا

لااااه... لسه مخلصناش

- أنا جولت كلمتي يا حج و خلاص

ضرب عمران كفه على الطاولة ضربة خفيفة و قال بقوة:

- وأني بجولك اسمعني للآخر

سكت سعفان فتابع عمران:

- إنت فاكر إن الدم ده لو اتفتح... هيبقى نصر ليك؟

فاكر إنك هتجدر تدخل حرب مع العطارين وتطلع منها سالم؟

ظل سعفان صامتًا فقال عمران بهدوء أشد:

- يا سعفان... إنت مش جد العطارين

رفع سعفان عينيه إليه بغضب و قال:

- آني مش بخاف منيهم

- وأنا مجولتش إنك خواف

اقترب عمران منه وأكمل بحكمة:

- آني بجولك إنك عاجل 

العطارين مش بيتين ولا تلاتة... دول عيلة كبيرة

 وراها رجال وأرض وإسم وسنين عشان الكل بيعملهم ألف حساب

كلت ديه كوم و عدنان الجبالي اللي في صفهم كوم تاني لوحده يا ولدي

أشار إلى صدر سعفان وأكمل

- وإنت عنديك رجالتك صوح... بس مش كد حرب طويلة وياهم

هز سعفان رأسه و قال بتردد:

- واللي عملوه فينا يتنسي... ديه جطع راس ابوي 

و علّجها في البلد 

- محدش قال يتنسي يا ولدي

- أمال أعمل إيه؟

- تسامح

خرجت الكلمة كأنها صفعة ظل سعفان ينظر إليه ثم قال ببطء:

- أسامح؟

- أيوه يا ولدي

- بعد الدم اللي بناتنا

- أيوه

- بعد اللي حصل؟

- أيوه يا سعفان لازمن ديه يوحصل 

أشاح سعفان بوجهه ثم قال:

- سهلة عليك يا حاج عمران... إنت مش مكاني

ابتسم عمران بحزن ثم قال:

- ولا إنت مكاني... آني شايف الصورة كاملة

 وإنت شايف جرحك بس

رفع سعفان عينيه فقال عمران:

- بص حواليك... عبدالعزيز ولد عمك خاطب بنت دياب

تغير وجه سعفان قليلًا فأكمل الآخر:

- وسعد... متجوز بت عمك

توقف عمران لحظة ثم قال:

- خابر ديه معناته ايه

يعني النسب دخل بين العيلتين

ظل سعفان صامتًا فتابع عمران:

- بكرة عبدالعزيز يبجى جوز بت دياب رسمي

وسعد بجي جوز بت من عيلتك

وعيالهم هيبقوا ولادنا وولادهم

ثم انحنى نحوه وقال:

- هتفضل فاتح باب الدم لحد ميته يا ولدي ؟

خفض سعفان عينيه و قال 

- عبدالعزيز اختار طريجه

- لاااه

رفع عمران صوته قليلًا و هو يكمل:

- عبدالعزيز اختار إنه يصلح حاجة لساتك مصمم تخربها

لم يرد سعفان فقال عمران:

- وإنت لو كملت في الطار... أول واحد هيتحرج هو ولد عمك

رفع سعفان عينيه فجأة و قال بغل :

- عبدالعزيز ملوش صالح بينا 

هو اختارهم و باع أهله 

سكت عمران للحظه ثم قال:

- البت بجت من عيلتكم من اللحظة اللي عبدالعزيز حط اسمه جنب اسمها

يعني برضاك أو غصبن عنك ولادها هيشيلوا اسم عيلتك 

تنهد سعفان لكن الغضب لم يخرج من عينيه ثم قال:

- ولو وافجت انهي الطار و العطارين هما اللي بدأوا العداوة تاني

أجابه عمران سريعًا:

- وجتها لكل حادث حديث

- يعني أسيب حجي؟

- لاااه تجفل باب الدم... وتسيب باب الحج مفتوح

قطب سعفان حاجبيه و قال:

- مش فاهم.....تجصد ايه؟

ابتسم عمران و قال بحكمة:

- الحج بيتاخد بالعجل يا سعفان... مش بالرصاص

صمت طويل مر بين الرجلين ثم قال عمران:

- وبعدين إنت خابر العطارين أكتر مني

لو بحر الدم ده اتفتح...هم اللي هيكسبوا

هما أكتر منيك يا ولدي كيف ما جولتلك

 لو ضربت واحد منيهم.. هتلاجي عشرة واجفين مكانه

- وكل واحد فيهم هيبجى شايل طار في رجبته

 أضاف بهدوء:

- وجتها مش هتبجى حرب بين عيلتين

هتبجى حرب بين أجيال

ساد الصمت كانت الكلمات تدخل إلى عقل سعفان رغم مقاومته

قال عمران:

- إنت عندك فرصة دلوجت محدش كان يتخيلها

- إيه هي؟

النسب....خلي عبدالعزيز يبجي باب للصلح

ثم ابتسم وأكمل:

- وخلي سعد و مرتو يبجوا شاهدين إن الدم ممكن يتحول لنسب

سعفان لم يبتسم لكنه لأول مرة لم يجادل بقي ينظر إلى الأرض

ثم قال بصوت منخفض:

- بس أنا مش هجدر أطلب السماح

- محدش جالك اطلبه

- ولا هجدر أنسى

- ولا تنسى

- ولا أجدر أجمل إن اللي حصل زمان مكنش حاصل

- ومحدش طالبك باكده

رفع عمران فنجان القهوة و قال:

- كل اللي بطلبه منيك... إنك تكون أول واحد يجفل باب الدم

مش لجل العطارين.....لجل عبدالعزيز ولد عمك يا ولدي

كانت تلك أول كلمة أصابت المكان الصحيح خفض سعفان رأسه

فهو يستطيع أن يخسر أرضًا...ويستطيع أن يخسر مال...

حتى يستطيع أن يخسر معركة

لكن أن يكون سبب في أن يقف عبدالعزيز يومًا بين عائلته وخطيبته

 لا يعرف إلى أي جهة ينتمي...تلك كانت خسارة لا يريدها

هو يكن لابن عمه حبا خفي بل كان يتمني أن يكونوا معا منذ الصغر

لكن ابيه الراحل منعه من ذلك بل و حاول زرع الكره داخله تجاهه

بعد لحظات قال:

- هفكر و ارد عليك يا حج

ابتسم عمران و قال

- أنا مش طالب أكتر من إكده يا ولدي

وقف سعفان وقبل أن يتحرك أوقفه الشيخ قائلا:

- سعفان....لو وافجت... يرجى موافجتك لازم تكون من جلبك

لأن لو هملت باب التار موارب.....الدنيا مسيرها تخرب يا ولدي


نظر إليه سعفان لفتره ثم أومأ برأسه و قال

- فاهم يا عم الشيخ.....فاهم

خرج من المضيفة وظل عمران يراقبه من خلف الباب

وما إن اختفى الرجل عن عينيه حتى زفر ببطء وتمتم:

- يا رب... يكون لسه في وجت

ثم نظر نحو دار العطارين البعيدة وأكمل:

- لأن المرة دي... لو الدم اتفتح محدش هيجدر يجفله

لم يكن سعفان قد ابتعد كثيرا عن مضيفة الحاج عمران حين أخرج هاتفه من جيبه

ظل ينظر إلى الشاشة ....اسم واحد كان أمامه.....عبدالعزيز

ضغط على الاتصال لم يكد الهاتف يرن للمرة الثانية حتى جاءه صوت عبدالعزيز ساخرا:

- أيوه يا ابن عمي....اوعي تقولي وحشتك 

سكت سعفان لحظة كان هناك شيء ثقيل في صدره

كلمات كثيرة يريد قولها لكنه لم يجد بينها كلمة واحدة مناسبة:

- إنت وين؟

- في الدار

- جابلني دلوك ....شرج البلد

تغير صوت عبدالعزيز فسأله بتوجس:

- خير فيحاجة.....مفيش بينا اللي يخلينا نتقابل يا سعفان

- لما أشوفك هجولك

- تمام ....عشر دقايق و هكون عندك

أغلق سعفان الهاتف لكنه لم يعد إلى بيته

ظل جالس داخل سيارته يحدق أمامه بشرود

لأول مرة منذ سنوات...كان يفكر في معنى أن يترك الثأر

ولأول مرة أيضًا لم يكن القرار يخصه وحده.



في مكان بعيد عن بيوت القريه....كان عبدالعزيز يقف هناك حين رأى سيارة سعفان تقترب

تقدم نحوه وبعد أن ترجل من السيارة ابتسم وقال:

- خير يا ابن عمي؟

نظر إليه سعفان لفتره ثم قال:

- تعالى نمشي شوي

سارا معًا بعيدا ....ظل الصمت بينهما عدة خطوات

ثم قال سعفان:

- إنت بتحبها؟

عرف عبدالعزيز من يقصد لم يحاول الإنكار

- أيوه

- كد إيه؟

ابتسم عبدالعزيز و قال بصدق

- قد إني مستعد أخسر أي حاجة علشانها

توقف سعفان نظر إليه وسأله بحزن:

- حتى عيلتك؟

اختفت ابتسامة عبدالعزيز و قال: 

- لااااا.....مش عيلتي بس ....انا اخسر نفسي عشانها  

و بعدين هي فين عيلتي اللي بتتكلم عنها يا سعفان

انا معرفش عنها غير اسمها 

انتو بعتونا من زمان ....متجيش دلوقت تطلب مني اشتريكم


شعر سعفان بالم حاد أهل صدره فقال بهدوء غريب:

- لو طلبت منك تختار انك ترجع لعيلتك تاني و لا ...

قاطعه عبدالعزيز دون تفكير:

- مش هختار

- يعني إيه؟

- يعني مش هقبل إنك تحطني في الاختيار ده

لانه اصلا مش في محله ....العطارين هما اللي ربوني 

انا مقدرش ابيعهم مش عشان خطيبتي لااااا

عشان هما عيلتي بجد

صمت سعفان و امتلأت عينه بالحزن .....يعلم أن لديه كل الحق

بداخله يعلم أن ابيه الراحل هو السبب في كل ما حدث و يحدث

لكنه لا يقوي على الاعتراف بذلك

سحب نفس عميق ثم قال: 

- الحاج عمران كلمني

ارتفع حاجب عبدالعزيز و سأله بتوجس:

- خير.....في حاجه و لا إيه؟

- عايزني أنهي الطار

تجمد عبدالعزيز للحظه ثم سأل باهتمام:

- وإنت......هتوافق؟

أشاح سعفان بوجهه و قال:

- جولتله هفكر

اتسعت عينا عبدالعزيز و قال بعدم تصديق :

- بجد.....و رحمة أبوك قولت كده؟!

التفت إليه و قال بغيظ:

- متفرحش جوي إكده

ضحك عبدالعزيز لأول مرة ثم قال:

- يا راجل ده أنا كنت فاكر إني هفضل 

في حرب معاكم طول العمر

ابتسم سعفان رغمًا عنه ثم قال:

- بس الموضوع مش علشانك لوحدك

- عارف

- النسب بجى بين العيلتين

- عارف

- ولو حصلت مصيبة... إنت و هي أول ناس هتدفع تمنه.

خفض عبدالعزيز رأسه ثم قال:

- ربنا يهدينا كلنا.....علي فكره العطارين دول ناس جدعه

و رجالة اوي خسارة إنك تعاديهم 

و أنا متأكد انك من جواك عارف إن ابوك اللي بدأ بالغلط

و اللي اعرفه من زمان انك كنت رافض تصرفاته عشان

كده هجيت و سيبت البلد

هز سعفان رأسه بهدوء ثم قال :

- سيبها على الله ....اللي فيه الخير يجدمه ربنا عاد.




داخل الدار...كانت سميحة تجلس بجوار فرحة

لم تتحدث أي منهما في البداية لكن فرحة كانت تراقب وجهها

- مالك يا بت مسهمه كده ليه؟

ابتسمت و قالت:

- مفيش حاجة

- سميحة...

تنهدت ثم قالت:

- عبدالعزيز كلمني

ابتسمت فرحة و قالت بلهفة:

- وقالك إيه......احكيلي بالحرف

إحمرّ وجهها وقالت:

- معرفش... كلام كتير

ضحكت فرحة و قالت:

- يعني اعترف اخيرًااااا

- هو تقريبًا قال كل حاجة

- وإنتي يا قلب اختك قولتي اللي جواكي ؟

سكتت للحظة ثم قالت:

- أنا خايفة اوي يا فرحة

- من إيه يا حبيبتي؟

- من إن اللي بينا يبقى سبب مشاكل أكتر

نظرت فرحة إلى الأرض و قالت: 

- الحب عمره ما كان المشكلة

رفعت سميحة عينيها إليها و سألتها باهتمام:

- أمال إيه المشكلة؟

ابتسمت بحزن ثم قالت:

- الناس هما المشكلة

انا بحب أيمن بس إحنا مش لبعض

سألتها سميحة بعدم فهم:

- مين قال الكلام ده؟

- الكبار اللي قاله يا سميحة 

من يومين كان بيكلمني و قالي لو بايدي هتجوزك 

دلوقت بس للأسف أهالينا مش هيوافقوا

- وإنتي مصدقة الكلام ده ....طب ازاي و صالح اتقدملي كذا مرة؟!


رفعت فرحة عينيها و قالت بحيرة:

- و ده اللي هيجنني بجد ....بس انا لازم اصدق الكلام ده

لأن أيمن هو اللي قالي وأكيد مش بيكدب عليا


وضعت سميحة كفها فوق يدها و قالت بتعقل:

- يمكن هما عارفين حاجة إحنا منعرفهاش

نظرت فرحة إليها و قالت بحزن:

- وأنا خايفة أعرفها لان لو عرفتها هتاكد أن مفيش امل اخد اللي بحبه.


في غرفة سعد.....كان حمزة يقف أمام المكتب

أمسك الورقة القديمة التي أعطاها له سعد:

- إنت متأكد من التاريخ؟

-متأكد.

- ومحدش شاف الورقة دي؟

- لأخالص 

قلب حمزة الورقة و قال بحيرة:

- طب نعمل إيه؟

قال سعد:

- نرجع للمصدر

- يعني إيه مش فاهم؟

- الشخص اللي كتب السجل

ضحك حمزة بسخرية ثم قال:

- وإنت فاكر إن الراجل ده لسه عايش؟

رفع سعد عينيه إليه و قال :

- لو مات... هندور على أهله

- ولو أهله مش عارفين حاجه

- هندور على اللي كان موجود وقتها

قال حمزة:

- إنت ناوي تقلب التاريخ كله و لا ايه يا شقيق

ابتسم سعد و قال بقوة:

- لو التاريخ هو اللي مخبي الحقيقة... يبقي هحفر لحد ما اطلعها


طرق الباب دخلت نوارة و قالت بصوت منخفض:

- الأكل جاهز

نظر سعد إليها:

-هياكلوا دلوقت

- أيوه دلوقت

نظر إلى حمزة و قال بوقاحة: 

- حصّل اخواتك بقى يا حبيب أخوك و انا خمسة كده و نازل

نظر له الآخر بغيظ لكنه ذهب في الحال 

كادت أن تنهره برقة إلا أنه رفعها سريعًا بين ذراعيه وإلتهم شفتيها الصغيرة بجنون

خجلت في البداية لكنها بادلته بجهل بل لفت ساقيها حول خصره 

ابتعد و قال بفرحة من بين أنفاسه اللاهثة: 

- هو انا وحشتك أوي كده يابا؟

إحمرّ وجهها خجلا لكنها قالت بهمس:

- وحشتني أوي يا سعد 

أين سعد .....سعد يتجه بها الآن نحو الفراش بعد أن ذهب عقله بهذا الاعتراف الصغير 

بمجرد أن وضعها و كاد أن يتخلص من ثيابه ....رن هاتفه باسم كان ينتظره منذ ساعات

تغيرت ملامحه إلى أخرى شيطانية حينما رد عليه قائلا :

- اخيرااااا ....كنت متأكد إنك هتكلمني.



وفي القاهرة...كان سليمان يقف أمام باب غرفة مغلقة داخل مستشفى الشروق

وقف الطبيب أمامه و قال:

- قبل ما تدخل... لازم تعرف إن الراجل ده بقاله سنين مش بيتكلم

نظر إليه سليمان و قال باستغراب:

- ولا كلمة؟

- نادر جدًا 

-طب فاكر الناس يعني و لا لأ؟

- أوقات

- فاكر الماضي؟

صمت الطبيب للحظه ثم قال:

- أوقات أكتر مما تتخيل و ده اللي مستغربه 

ان الماضي محفور جواه بشكل غريب

ابتسم سليمان و قال :

- يبقى كفاية.....انا مش عايز أكتر من كده

فتح الطبيب الباب دخل سليمان كانت الغرفة هادئة

رجل مسن يجلس قرب النافذة ينظر إلى الخارج

لم يلتفت اقترب سليمان ببطء و قال بهدوء:

- مساء الخير

لا رد.....اقترب أكثر ثم قال:

- أنا سليمان

توقفت يد الرجل تحركت أصابعه فوق ذراع الكرسي

ثم رفع رأسه ببطء نظر إلى سليمان ثواني مرت ثم تغير وجهه بالكامل

اتسعت عيناه ارتجفت شفتاه وقال بصوت مبحوح خرج بصعوبة:

- إنت...

توقف الرجل فاقترب سليمان و قال:

- أنا مين؟

رفع الرجل يده المرتعشة وأشار إليه ثم قال كلمة واحدة:

- أمك

تجمد سليمان لم يفهم اقترب أكثر

- إيه؟

لكن الرجل بدأ يصرخ فجأة

- خدوا البنت

انتفض الطبيب ودخل مسرعا أمسك الرجل برأسه وهو يصرخ:

- خدوا البنت... متخلوهمش ياخدوها

وقف سليمان مكانه وعيناه لا تفارقان الرجل

- البنت؟


أي بنت.....ولماذا يناديه وكأنه يعرفه

قبل أن يخرج التفت سليمان إلى الطبيب وقال ببرود:

- الراجل ده كان يعرف أمي؟

تردد الطبيب وهنا...عرف سليمان أن الإجابة أخطر من السؤال




ظل سليمان واقف أمام الطبيب وعيناه ثابتتان عليه لم يكن في وجهه شيء

لا دهشة...ولا غضب...فقط ذلك الهدوء المخيف الذي يسبق العاصفة

- الراجل ده كان يعرف أمي؟

ابتلع الطبيب ريقه وقال:

- أنا معرفش تفاصيل حياته قبل ما يدخل المستشفى

اقترب سليمان خطوة و قال بهدوء خطر:

- بس إنت قلت إنه فاكر الماضي

- أيوه قولت كده

- يبقى أكيد تعرف حاجة

- أعرف إنه بقاله سنين عنده نوبات مرتبطة بحادثة قديمة بس 

محدش قدر يفهم تفاصيلها كاملة

- حادثة إيه؟

تردد الطبيب لكنه قال بتحفظ:

- هو ساعات بيتكلم عن ست... وساعات عن طفل

 وساعات عن بيت في الصعيد


تغيرت عينا سليمان وسأل باهتمام

- بيت.....بيت مين ....اسمه ايه

- مش واضح

اقترب سليمان أكثر و قال بغضب حاول كبته:

- حاول تفتكر

أجاب الطبيب بحذر:

- كان بيقول اسم... زين

ساد الصمت


للحظة شعر سليمان بأن شيئ بارد مر داخل صدره.....زين

نفس الاسم الذي قضى سنوات يطارده سأل بهدوء:

- قال اسم تاني؟

- لأ.

- متأكد؟

- متأكد

استدار سليمان ناحية الباب وقبل أن يخرج قال الطبيب:

- سليمان بيه...الراجل ده ممكن يكون مفتاح لحاجة إنت مش عارفها

انا حبيت اقولك كده لان اللي كلمني وصاني عليك 


التفت إليه سليمان و قال:

- أنا طول عمري بدور على المفاتيح

ثم ابتسم ابتسامته الباردة و أكمل:

- بس عمري ما بخلي حد يفتح الباب قبلي



تركه و غادر .....و في الممر أخرج سليمان هاتفه

اتصل برقم محفوظ جاءه الصوت:

- أيوه يا كبير؟

- عايز كل حاجة عن الراجل اللي في الدور التالت

- اسمه ايه يا باشا

- هبعتهولك

- حاضر طلباتك اوامر

- ومن غير ما حد يعرف إني سألت

- مفهوم متقلقش يا باشا


أغلق الهاتف ثم توقف فجأة أعاد النظر إلى باب الغرفة

شيء واحد ظل يضرب داخل رأسه.....امك


منذ خمسة وعشرين عام...لم يسمح لنفسه أن يسأل كثيرا عن أمه

كان كل شيء واضح في رأسه كما حكى له

أم ماتت...وأب مات...وإخوة أخذوا حقه...وحياة انتهت


لكنه لأول مرة شعر أن هناك صفحة لم يقرأها أحد له

رفع عينيه نحو باب الغرفة ثم قال لنفسه:

- لو إنت فاكر أمي...

ابتسم ببطء

- يبقى عندك كلام أنا مستعد أسمعه.



في دار العطارين...كان صالح يقف في فناء الدار والهاتف في يده

فتح قائمة الأسماء ظل إصبعه فوق اسم مي لفتره

ثم ضغط اتصال رن الهاتف مرة مرتين ثلاث

كاد يغلقه حين جاء صوتها:

- ألو؟

تغير وجهه و هو يقول:

- مي.... إنتي كنتي نعسانة؟

- لااه

- طب ليه مردتيش عليا طوالي

ضحكت بخفة و قالت:

- كت بفكر أرد عليك ولا لااه

ابتسم و قال

- و جررتي تردي صوح

سكت لحظة ثم قال:

- وحشتيني

ساد الصمت قالت بسرعة:

- صالح... متجولش الحديت ديه تاني

- ليه؟

- علشان أنا مخطوبة

- خابر

- وأنت عارف إن الموضوع ديه مش هينفع

- خابر

- أومّال بتكلمني ليه؟

تنفس صالح ببطء ثم قال:

- علشان أنا حاولت أبعد ومجدرتش

سكتت فأكمل:

- حاولت أجنع نفسي إن اللي بيناتنا وجت... وإنه هيروح

- وراح؟


- لااااااه....عشجك بيذيد يوم عن يوم 

لو هجتل ولد المحروج ديه هعملها لجل ما تيبجي ليا 

ردت عليه باختناق:

- اني من يوم ما اتحددت وياي و جولتلي الحجيجة وآني هتجن

مبجيتش طايجه ألمح طيفه يا صالح 

بس أخوي هيضربني لو رفضت اجعد وياه 

و اللي زاد وغطى ....دعاء بت عمي اللي هتعشجك دي

جات هي و امها في العصرية و جالت لامي لازمن 

نتمم الجواز لجل البلد متجيبش سيرتي 

لأن طولت في الخطوبة 


اشتعلت النار داخل صدره و قال بجنون:

- آني بحبك.....خابره ديه معناته اااااايه 

ابتلعت لعابها بخوف فأكمل: 

- اني هحرج البلد كلياتها لجل عويناتك يا جلب صالح


- صالح... إنت مجنون إعجل الله يخليك 

- من وجت ماعشجتك و حبه العجل اللي حيلتي طاره

ضحكت رغمًا عنها وكانت تلك الضحكة الصغيرة كافية ليبتسم 

ثم قالت:

- تصبح على خير

- وإنتي من أهله يا جلبي

أغلقت الهاتف لكنها لم تتحرك ظلت تنظر إلى الشاشة.

ولأول مرة منذ خطبتها...بدأ سؤال صغير يخيفها:

- ماذا لو كان صالح صادقًا؟



كان دياب يقف أمام باب غرفته لم يكن يعلم شيئ عن أوراق سعد

ولا عن المستشفى ولا عن الرجل الذي بدأ يبحث في الماضي.

لكن شيئ واحدا كان يشعر به منذ الصباح...أن الماضي لم يعد بعيد

دخل إلى غرفته وأغلق الباب جلس على طرف الفراش

فتح درج قديمًا وأخرج منه صورة صغيرة

صورة احتفظ بها أكثر من ثلاثين عام نظر إليها ثم قال:

- يا رب... ما يرجعش اليوم اللي كنت فاكر إني دفنته

وفي اللحظة نفسها...رن هاتفه نظر إلى الشاشة

رقم غريب ظل الهاتف يرن مرة...اثنتين....ثلاث ثم أجاب:

- ألو؟

لم يسمع رد قطب حاجبيه:

- ألو؟

جاءه صوت رجل خافت...متقطع كأنه يتحدث من مكان بعيد:

- دياب...

تجمدت ملامحه وسأل بتوجس:

- مين معايا؟

صمت الرجل لحظة ثم قال:

-انت لسه فاكرها .....صح؟

سقط الهاتف من يد دياب وتوقفت أنفاسه لأن هذا السؤال...

لم يكن من الممكن أن يسأله أحد إلا شخص واحد فقط.


ماذا سيحدث ياترى.....


سنرى.......


انتظرووووني......


بقلمي/فريده الحلواني 

تعليقات