روايه العطارين الفصل السابع والعشرين بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه العطارين الفصل السابع والعشرين بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه العطارين
الفصل السابع والعشرون
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
إنتي أقوى من كل حاجة حاولت تكسرِك وكل مرة وقعتي فيها وقومتي
تاني كانت بتثبت إنك لسه قادرة تكملي️
متستعجليش وصولك… طول ما إنتي بتتحركي حتى لو بخطوة صغيرة
إنتي بتقربي من حلمك ويوم نجاحك هيخلي كل التعب يستاهل
انا واثقة فيكي.
و بحبك.
مرّ يومان منذ جلسة سعفان مع الحاج عمران لكن كلماته لم تفارقه لحظة
منذ أن خرج من المضيفة وهو يعيش حربًا لم يسمع بها أحد
حرب بين ما تربى عليه وما بدأ يراه بعينيه لأول مرة
كان جالسًا في صدر مضيفة عائلته وحوله عدد من رجال البيت وأبناء عمومته لم يتحدث أحد فقد عرف الجميع من نظرة وجهه أن هناك أمر جلل سيقال
وضع سعفان فنجان القهوة أمامه ثم رفع عينيه إلى الرجال و قال بقوة:
- جبتكم النهارده لجل ما أجول كلمتين... واللي عنديه حديت بعدي يجوله
تحركت العيون نحوه باهتمام قال أحد الرجال:
- خير يا سعفان
ظل صامت للحظات ثم أخذ نفس عميق وقال:
- أني موافج ننهي الدم اللي بينا وبين العطارين
ساد الصمت كأن الرجل ألقى في منتصف المجلس قنبلة ولم يعرف أحد كيف يتعامل معها
رفع أحد كبار العائلة رأسه بسرعة وقال:
- إنت جولت إيه؟
كرر سعفان بهدوء:
- جولت ننهي الطار
ضرب الرجل كفه على ركبته وقال بغضب:
- بعد كل اللي حوصل... بعد ما جطعو راس أبوك
إشتد فك سعفان لكنه لم يرفع صوته و هو يقول:
- أبوي مات... وحجه مش هيروح
- أومّال كيف تنهي الطار؟
نظر إليه سعفان للحظه ثم قال:
- لأن الدم لو فضل مفتوح... مش هيرجّع أبوي
- بالعكس... هيجيب دم جديد وبعدها
إبن هيطالب بطار أبوه وحفيد هيطالب بطار جده
ونفضل ندفن في بعض لحد مهيفضلش حدى واصل
تدخّل رجل آخر قائلًا:
- العطارين مش هينسوا اللي حوصل و لا حرج أرضهم
- ولا أني هنسى دم أبوي
- يبجى ليه؟
خفض سعفان عينيه للحظة ثم قال:
- علشان النسب دخل بيناتنا
لم يفهم بعضهم ما يقصد قال أحدهم:
- نسب إيه ديه اللي بتتحددت عنيه؟
رفع سعفان رأسه وقال:
- عبدالعزيز.... عبدالعزيز واد عمنا خاطب بت دياب
- وسعد... متجوز بتنا و لا انتوا محاسبنهمش منينا و لاايه
صمت قليلا قبل أن يقول:
- من النهارده مفيش حاجة إسمها عيلتين بجينا نسايب
قال أحد الرجال بحدة:
- عبدالعزيز اختارهم هو حر إنما إحنا ملناش صالح بيه
نظر إليه سعفان وقال:
- لاااااه لينا... لأن يوم ما عبدالعزيز يكتب كتابه عليها
هيبجى جوز بنت العطارين... وهيبجى واحد من العيلة دي مهما عاندنا
تدخل رجل آخر:
- وإحنا نسيب حجنا علشان واحد باع أهله واتجوز من عدوينا؟
رفع سعفان عينيه إليه وقال:
- لااااه... إحنا بنجفل باب الدم علشان منخليش
ولادنا يدفعوا تمن حاجة حصلت قبل ما يتولدوا.
ساد الصمت من جديد كان الحديث مختلفًا هذه المرة
لم يكن سعفان يتحدث كرجل يريد الانتصار بل كرجل بدأ يشعر بثقل المستقبل فوق كتفيه
قال أحد الرجال بنبرة ساخرة:
- باين الحاج عمران عرف يلعب بعجلك صوح
ابتسم سعفان ابتسامة خافتة وقال:
- عمران جال حديت أني كت عارفه... بس مكنتش رايد أسمعه
اعتدل في جلسته وقال بحسم:
- أني موافج
رفع الجميع رؤوسهم إليه بصدمة فأكمل:
- ننهي الطار ونجعد مع العطارين جعدة صلح جدام الناس
وكل واحد يحط السلاح في جيبه
ثم نظر إلى كبير رجال العائلة وقال:
- واللي عنديه إعتراض... يجوله دلوك
لم يتفوّه أحد بحرف انتظر سعفان لحظات ثم قال:
- إكده زين جوي
وقف من مكانه وأكمل:
- ابعتوا للعطارين... جولولهم سعفان موافج على الصلح
ثم توقف عند الباب وأردف:
- والصلح يكون جبل فرح سعد و بت عمنا
التفت إليه أحد الرجال باستغراب:
- وليه جبل الفرح؟
نظر سعفان إليه وقال:
- لما الناس تدخل الفرح... تدخل وهي عارفة إن الدم اتدفن
خرج من المضيفة لكن قبل أن يصعد سيارته أخرج هاتفه
ظل ينظر إلى الإسم أمامه لثوان ثم ضغط على الاتصال
جاءه صوت ابن عمه بعد لحظات:
- أيوه يا سعفان
قال بهدوء:
- جولتلك جبلا كده إنك بتحبهم أكتر منينا يمكن علشان إنت عشت وياهم
بس المرة دي... أني اللي اخترت
سأله عبدالعزيز بحذر:
- اخترت إيه؟
أجاب سعفان:
- أنهي الدم يا واد عمي
ساد الصمت على الطرف الآخر ثم جاء صوت عبدالعزيز غير مصدق:
- بجد؟
ابتسم سعفان لأول مرة منذ يومين:
- أيوه يا واد عمي... بجد
- والله العظيم دي أحسن كلمة سمعتها منك من سنين
ضحك سعفان رغمًا عنه ثم قال:
- متفرحش جوي... لسه عيندي حديت كتير مع العطارين
- المهم إنك بدأت
صمت سعفان لحظة ثم قال:
- عبدالعزيز... لو يوم من الأيام حصلت حاجة
متجفش بين عيلتك وبين مراتك
تغير صوت عبدالعزيز و هو يقول:
- ليه بتقول كده... مش فاهم قصدك؟
أجابه بهدوء:
- علشان أني عارف يعني إيه الواحد يتحط بين نارين
ثم أغلق الهاتف ظل واقف للحظات أمام المضيفة يحدق في الطريق المؤدي إلى دار العطارين
ولأول مرة منذ سنوات لم يري أمامه عدو
رأى بيت... بيت سيصبح قريبًا جزءًا من بيته شاء من شاء وأبى من أبى
لكن ما لم يكن يعرفه سعفان... أن الرجل الذي دفعه طوال الشهور الماضية نحو الحرب لم يكن يريد للصلح أن يحدث من الأساس.
لم تكن دار العطارين قد شهدت حركة كهذه منذ سنوات
منذ الصباح والرجال يتوافدون إلى الدار تباعًا بعضهم جاء من القرى المجاورة
وبعضهم جاء فقط ليشهد اللحظة التي كان الجميع يظن أنها مستحيلة
جلس كبار العائلة في المضيفة بينما انتشر الرجال في الفناء الواسع
كان الحاج دياب يجلس في صدر المجلس وإلى جواره إخوته بينما جلس سعد وحمزة ونصر وجلال معهم أيمن و عبدالعزيز في الصف الثاني
لم يتحدث أحد كثيرًا فإسم سعفان وحده كان كافي ليعيد إلى المكان رائحة سنوات طويلة من الدم دخل أحد الرجال مسرعًا وقال:
- سعفان وصل يا كبيرنا
رفع دياب رأسه لم يتحرك وبعد لحظات ظهر سعفان عند باب المضيفة
دخل بخطوات ثابتة وخلفه عدد من رجال عائلته
تلاقت عيناه بعيني دياب ثوان طويلة مرت دون كلمة
ثم تقدم سعفان وقال:
- السلام عليكم
رد دياب بهدوء:
- وعليكم السلام... تعالى يا سعفان
جلس في الجهة المقابلة كان بين الرجلين تاريخ أكبر من أن تختصره جلسة واحدة
رفع الحاج عمران يده وقال:
- جبل ما حدي منيكم يتحددت... إحنا مجتمعين النهارده
لجل ما نجفل باب إنفتح من سنين و كلياتنا خابرين إن الباب
ديه لو ضل مفتوح مش هيطلع منيه غير الخراب
نظر إلى سعفان ثم أكمل:
- إنت طلبت الجعدة... جول اللي عنديك يا ولدي
ظل سعفان صامت للحظات ثم قال:
- أني موافج أنهي الطار اللي بينا وبين العطارين
تحرك همس خافت بين الرجال فتابع:
- ومش جاي أجول إن اللي حصل منا محصلش
ولا جاي أجول إن عيلتي نسيت دمها
رفع عينيه إلى دياب وأكمل:
- بس الدم عمره ما رجّع ميت... واللي ماتوا مش هيرجعوا لو جتلنا بعض
ظل دياب يستمع بصمت فقال سعفان:
- وأني مش رايد ولادنا يدفعوا تمن حرب إحنا ورثناها
هنا تحدث دياب لأول مرة:
- والصلح عندينا مش حديت يتجال في جعدة ويتنسي بكرة
- خابر زين جصدك يا حج
- يعني مفيش سلاح يتشال على حد من عيلتك
ولا حدى من رجالتك يجرّب من حد من العطارين
- موافج
ولو حصل خلاف؟
أجاب سعفان:
- يتحل بين الكبار
هز دياب رأسه ثم قال:
وأنا موافج
ساد صمت ثقيل كأن كلمة دياب كانت آخر حجر في بناء الصلح
رفع عمران صوته:
- يبجى نشهد جدام الناس إن الدم اتجفل
ثم نظر إلى الطرفين وأكمل:
- لا العطارين يطلبوا دم سعفان ولا سعفان يطلب دم من العطارين
قال أحد الرجال:
- طب والجديم يا حج؟
رد عمران:
- الجديم اتدفن مع اللي ماتوا
نظر سعفان إلى الأرض للحظة ثم قال:
- موافج... ومن النهارده ملناش صالح بأراضي العطارين و لا بمصالحهم
كل واحد ياخد رزجه
رفع دياب يده و قال:
- وأني موافج... وكماني لو رايدين تبجى بيناتنا شراكة معنديش مانع
اقترب رجلان يحملان إناء صغير من الماء ووضعاه أمام كبار العائلتين
كإشارة قديمة إلى انتهاء الخصومة
ثم نهض دياب وقف سعفان في اللحظة نفسها
نظر الاثنان إلى بعضهما لم يكن بينهما ود ولم يكن مطلوبًا أن يكون
لكن دياب مد يده تردد سعفان لحظة ثم صافحه
ضجت المضيفة بالتكبيرات والدعوات لكن عمران لم يكتفي بذلك
قال:
- لسه في كلمة أخيرة عيندي
نظر الجميع إليه ابتسم وقال:
- النسب
تعالت بعض الابتسامات قال عمران:
سعد كاتب كتابه من زمان ودلوك عبدالعزيز داخل على كتب كتاب
نظر سعفان إلى دياب فأكمل الشيخ:
- وعشان إكده... لازم الفرح يكون أول علامة إن الدم خلص
قال دياب:
- فرح سعد ولدي بكرة
التفتت الأنظار إلى سعد رفع حاجبه بدهشة و قال بفرحة:
- بكرة؟
انفجرت بعض الضحكات ضحك عمران وقال:
- أيوه يا عريس... بكرة
هتف أحد الشباب:
- مبروك يا سعد
ضحك سعد بينما التفت إلى نوارة التي كانت تقف بعيد بين النساء وقد وصل إليها الخبر
فاحمرّ وجهها بشدة
أما دياب فتابع:
- وعبدالعزيز يكتب كتابه على بتي و الدخله بعد ما يجهّز شجته
قال سعفان:
- وأني موافج... إكده إحنا خوال وعمام ولادهم
و بجينا عيلة وحدة
للمرة الأولى ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه دياب قال:
- ربنا يتمم بخير
تعالت الدعوات في المكان لكن وسط كل هذا كان هناك رجل واحد لا يشاركهم الفرحة
ألا وهو... عدنان كان واقف في آخر المضيفة يراقب سعفان بصمت
لم تكن عينه على الصلح بل على الرجل نفسه
كان يعرفه منذ سنوات ويعرف أن سعفان رغم غضبه وعناده لم يكن يومًا بهذه الطريقة
اقترب منه بعد أن بدأ الرجال ينصرفون قال بهدوء:
- سعفان... تعالى معاي شوي
نظر إليه سعفان ثم أومأ خرج الاثنان من المضيفة
وبمجرد أن ابتعدا عن أعين الرجال أغلق عدنان الباب خلفهما
ثم استدار إليه وقال بصوت منخفض:
- دلوك... هنسأل سؤال واحد بس
رفع سعفان عينيه إليه ابتسم عدنان ابتسامة لم تحمل أي ود و قال:
- دلوك... هسأل سؤال واحد بس
رفع سعفان عينيه إليه فأكمل:
- مين كان بيحركك؟
لم يتغير وجه سعفان لكنه سكت ابتسم عدنان بسخرية ثم قال
- متفكرش كتير... أنا مش بسألك سؤال معرفش إجابته
رد سعفان ببرود:
- ومين جالك إن حدى كان بيحركني؟
اقترب عدنان خطوة و قال:
- أني اللي بجولك
- وإنت عرفت من وين؟
- علشان أني خابرك زين
تجمدت ملامح سعفان للحظة أكمل عدنان:
- عارف غضبك... وعارف دماغك... وعارف إنك لما
بتجرر تاخد حجك بتواجه بنفسك
ثم أشار إليه وأكمل:
- لكن اللي حصل الفترة اللي فاتت مكنش طبعك
- يعني إيه؟
- يعني إنك كنت بتتحرك في الوجت اللي حدى رايده
وبالطريجة اللي حدى رسمهالك
صمت سعفان فقال عدنان:
- أول مرة حصلت مشكلة ظهرت بعدها مشكلة تانية
- وكل ما العطارين يهدوا يحصل شيء يخلي النار تولع من جديد
- وكل مرة كت إنت في النص
ضحك سعفان بسخرية وقال:
- يمكن علشان اللي بينا وبينكم
- لاااااااه
قالها عدنان بحسم ثم أكمل:
- علشان إنت كت بتتحرك بأوامر
تغير وجه سعفان و قال بغضب:
- خد بالك من حديتك يا عدنان
- واخد بالي زين يا واد عمي
اقترب منه أكثر وقال:
- وأني مش بتهمك بالخيانة بالعكس... أني عارف إنك
كت بتحاول تعمل اللي شايفه حج أهلك
رفع سعفان عينيه إليه قال عدنان:
- بس في حدى تاني كان بيزجك ناحية النار
أشاح سعفان وجهه و قال كذبًا:
- مفيش حدى يجدر يزوجني
- سعفان... أني خابر إنك غير أبوك
تغيرت ملامح سعفان فتابع الآخر:
- عارف إن جواك حاجات كتير كنت رافضها
- وعارف إنك حتى يوم ما مشيت من البلد كان عندك أسبابك
- يبجى متخلينيش أغير نظرتي ليك
تنفس سعفان ببطء و قال:
- وإنت عايز تعرف إيه بالظبط؟
- عايز أعرف مين كان بيحركك
- ولو جولتلك؟
- هسمعك زين
- وبعدها؟
- بعدها ربنا يسهل
ضحك سعفان ضحكة قصيرة بلا فرح ثم قال:
- إنت عمرك ما بتعرف تسيب حاجة يا عدنان
- ولا إنت
ساد الصمت كانت لحظة طويلة حتى إن سعفان نفسه بدا وكأنه يصارع شيئ داخله
ثم قال أخيرا:
- سليمان
لم يتحرك عدنان لكن عينيه تغيرت وسأل بشك
- سليمان مين؟
ابتلع سعفان ريقه ثم قال:
- سليمان عبد الحي غنيم
تجمد مكانه لم يتحدث لثوان ثم قال بصوت منخفض:
- إنت متأكد؟
- أيوه
- إنت جابلته؟
-أيوه... أكتر من مرة
- وكلمك بنفسه؟
- أيوه
- طلب منك تعمل إيه؟
أشاح سعفان بوجهه و قال بخزي:
- حاجات كتير
- زي إيه... انطج انت هتنجطني بالحديت و لااييه؟
- كان بيوصلني معلومات... عن تحركات العطارين
- يجولي مين رايح فين ومين داخل ومين خارج
- وكان كل مرة يخليني أفتكر إن العطارين بيجهزوا حاجة ضدي
ضيق عدنان عينيه و قال:
- وإنت صدجته؟
قال سعفان بمرارة:
- وجتها ايوه... علشان كان بيجول كلام أنا أصلًا عايز أصدجه
صمت عدنان الجملة كانت كافية قال سعفان:
- كان بيلعب على وجعي... وعلى غضبي
- وكنت عارف هو عايز إيه؟
- لاااااه مكنش خابر حاجة واصل
- ولا مرة سألت؟
- سألته... جالي إنت خد حجك وأني هاخد حجي
رفع عدنان حاجبه و قال بدهشة:
- حجه من مين؟
- مخابرش يا عدنان بس كان محروج جوي
- وإنت صدجته؟
- مكنتش محتاج أعرف شي انا كت رايد
أخد طار أبوي و بس
نظر عدنان إليه للحظات ثم قال:
- إنت فاهم إن اللي حصل ديه معناتو إيه؟
- فاهم
- لااااااه... إنت لسه مش فاهم
اقترب عدنان منه وقال:
- لو سليمان هو اللي كان بيحركك يبجى اللي حصل
بين العطارين وعيلتك مش مجرد طار قديم
يبجى في حد كان رايد الحرب تكبر
أومأ سعفان ببطء ثم قال:
- عنديك حج في كل اللي جولته
سأله عدنان باهتمام شديد:
- من ميته وإنت تعرفه؟
- من جبل ما تبدأ الحكاية كلها
- جابلته وين و ميته؟
تردد سعفان ثم قال:
- القاهرة... بعد ما وصلت من بره طوالي
حتي جبل ما اعاود البلد إهنيه
- و كيف عرفت شكله ؟
- هو اللي عرفني بنفسه
وجالي إنه يعرف العطارين زين
ضاقت عينا عدنان و هو يقول:
- جالك إنه يعرفهم كيف يعني؟
- جالي... إنه عنده حساب جديم وياهم
لمعت عينا عدنان و قال:
- حساب... طب جالك إسمه الحجيجي اول ما جابلك؟
-لاااااه... جالي سليمان وبس و لما جالي
على اللي رايده مني صممت أعرف هو مين
وجتها جالي أنه اخوهم وأني افتكرته طوالي
ظل عدنان يفكر ثم قال:
- اسمعني زين يا واد عمي
اقترب حتى أصبح صوته لا يصل إلى أحد
- اللي حصل النهارده خلص حرب بين عيلتين
لكن ممكن يكون بدأ حرب أكبر
نظر إليه سعفان بقلق و قال:
- تجصد إيه؟
-أجصد إنك من النهارده متكلمش سليمان
- ليه؟
- علشان لو هو صوح اللي كان بيحركك...
يبجى مش هيكون مبسوط إنك جفلت الباب اللي كان فاتحه
سأل سعفان:
- وإنت هتعمل إيه؟
نظر عدنان ناحية دار العطارين ثم قال:
- لازمن أعرف ليه بينتجم من اخواته
و كيف زيف موته زمان
بس في حاجة واحدة لازم تعملها
- إيه؟
- لو كلمك تاني... متجولوش إنك حكيتلي شي واصل
- حاضر... اللي تشوفه يا واد عمي
استدار عدنان عائدًا نحو المضيفة لكنه توقف بعد خطوات
ثم قال دون أن يلتفت:
- سعفان... يمكن إنت النهارده نهيت طار عيلتين...
بس لسه في حد تالت... عايز يفتح ألف طار
ثم تركه وحده ظل سعفان واقف مكانه
أخرج هاتفه من جيبه وفتح سجل المكالمات
توقف عند اسم واحد... سليمان
ظل ينظر إليه للحظات ثم أغلق الهاتف
ولأول مرة منذ أن عرفه... شعر سعفان بالخوف منه.
منذ أن علمت النساء بخبر الصلح و حفل الزفاف تبدلت ملامح الدار بالكامل
كأن سنوات من الغضب و الخوف انزاحت عن الجدران فجأة وحل مكانها شيء يشبه الفرح حتى وإن كان الجميع يعرف أن الحكاية لم تنتهي تمامًا.
في الصالة الكبيرة كانت أماني تجلس على الأرض أمام مجموعة من الأقمشة بينما جلست دلال إلى جوارها تقلّب في دفاتر صغيرة كتبت فيها كل ما يخص الفرح
أما السيدة فكانت تضع قائمة طويلة من الأشياء أمامها وتراجعها
وبهية... كانت جالسة في صدر المكان تمسك فنجان القهوة وتراقب
الجميع بعينين ضيقتين
قالت أماني:
- يا جماعة إحنا كده عندنا فرحين ورا بعض لازم نقسّم الشغل
ردت دلال بحماس:
- أنا من دلوقت هبدأ أجهز حاجات نوارة العروسة لازم كل حاجة فيها تبقى توب
رفعت بهية حاجبها وقالت:
- توب إيه يا دلال.... دي نوارة اصلًا عايشه معاكم
و بتنام مع سعد في أوضة واحدة
يعني مش رايحة تقدم على مسابقة ملكة جمال
نظرت لها دلال بغيظ ثم قالت:
- سيبينا نفرح ياختي... ده أول فرحتنا
- أفرحوا... أفرحوا أني بس بجول الكلام بعجل
رفعت أماني رأسها إليها وقالت:
- وإنتي هتعملي إيه بقي ياختي؟
هتفضلي قاعده تتفرجي علينا كتير
ارتشفت بهية من فنجانها وقالت:
- أني... أني هجعد مكاني مهتحركش منيه
مفياش صحة للمرار الطافح ديه
أعقبت قولها بالتحرك من مكانها ثم صعدت للأعلى سريعًا
نظرت لها أماني بغل ثم قالت:
- إلهي تشربي المرار لوحدك يا بعيدة
خليكي كده تاكلي في نفسك من غيرتك لحد ما تولعي
أغلقت الباب خلفها ثم أمسكت هاتفها و اتصلت بأحدهم
و حينما رد عليها قالت بهمس:
- الصلح تم يا سليمان... و بكره فرح سعد و زيزو
سألها بهدوء خطر رغم غليانه الداخلي :
- إمتى حصل الكلام ده... الفرح ده لازم يخرب على دماغهم
ردت عليه بخوف شديد:
-
اسمعني زين يا واد عمي... أني نفذت كل اللي
جولتلي عليه جبل سابج
الصورة والعكاز و كل حاجة بتحوصل في الدار بجولهالك بالحرف
إنما تجولّي اخرب الفرح يبجي انت رايدهم يطخوني عيارين
رد عليها بغيظ شديد:
- مليش فيه... الفلوس اللي بتاخديها تخليكي
تعملي أي حاجة سااااامعه
- غووووري دلوقت وإستني مني تليفون
و فقط... أغلق الهاتف في وجهها و جلس يفكر في خطوته القادمة.
كانت الدار قد هدأت أخيرا بعد يوم طويل امتلأ بالأحاديث والاتفاقات والتحضيرات
غدا سيكون فرح سعد ونوارة الفكرة وحدها كانت كافية لتجعلها غير قادرة على النوم
جلست أمام المرآة تفك ضفيرة شعرها ببطء بينما كانت ابتسامة صغيرة معلقة على شفتيها دون أن تشعر غدًا ستصبح زوجته أمام الجميع...
رغم أنها زوجته بالفعل إلا أن الغد كان يحمل شيئًا مختلف
فتح الباب ببطء رفعت عينيها إلى المرآة ثم قالت:
- سعد
قامت من مكانها و اتجهت نحوه فوجدته واقف أمامها بملامح هادئة
لكن عينيه كانتا تقولان عكس ذلك تمامًا
نظرت إليه باستغراب و قالت:
- مالك... انت كويس؟
ابتلعت لعابها بصعوبة حينما رأت النار المشتعلة داخله فأكملت:
- انا كنت هنام
اقترب منها خطوة وقال بابتسامة:
- كدابة
ضحكت بخفوت ثم قالت ببراءة:
- عرفت منين؟
- انا حافظك وبعدين... هو ينفع حد فينا ينام وأنا عارف
إن مراتي هتبقى عروستي بكرة
احمرّ وجهها بشدة و هي تقول:
- سعد... بطل بقى
ضحك واقترب أكثر ثم قال بعد أن لف ذراعه حول خصرها
- مالك يابا .....
- انت بتكسفني أوي على فكرة
- وإنتي فاكرة إني هبطل و لا إيه
استعد يا بطل المعركة اللي بجد هتبدأ بكره خلاص
عضت شفتها السفلى بخجل فأكمل بجدية و بصوت أكثر هدوءا:
- عارفة أكتر حاجة فرحاني؟
- إيه؟
- إن بكرة الناس كلها هتبقى شاهدة إنك بتاعتي
رفعت حاجبها وقالت بمشاكسة:
- بتاعتك إيه يا سعد... هو كل ده و مبقتش بتاعتك
ضغط على خصرها بقوة ثم قال بهوس:
- أنا مش عايز أمتلكك... أنا عايز أكسبك كل يوم
نظرت إليه بحب واضح ثم قالت:
- كفاية كلام حلو بقى
- ليه يابا بس... مش عاجبك كلامي و لا إيه؟
- عشان هصدقك
- وأنا مش عايز حاجة غير إنك تصدقيني
رفعت عينيها إليه وقالت بهمس:
- أنا مصدقاك من زمان
تغيرت ملامحه و قال بجنون:
- قوليها تاني... عشان خاطري
ابتسمت بخجل فمال عليها وقبّل شفتيها قبلة طويلة هادئة
ثم ابتعد قليلًا ونظر إلى عينيها ثم قال بحنان:
- خايفة من بكرة؟
هزت رأسها و قالت بصدق:
- لأ مش خايفه من بكره... أنا خايفة من حاجة تاني
- من إيه يا حبيبي
تنهدت وقالت:
- من إن السعادة دي تخلص
اختفت ابتسامته أمسك وجهها بين كفيه وقال بجدية:
- بصيلي يا نوارة
رفعت عينيها إليه فأكمل:
- أنا مش هسمحلك تخافي من حاجة وإنتي معايا
ثم ابتسم وأضاف بوقاحة:
- وبعدين يابا اللي لازم تخافي منه هو دخلتها
دانا هدغدغ عضم أمك و كل صبري عليكي
هيطلع على جتتك
ضحكت وهي تضرب صدره بخفة و تقول بشجاعة واهية
-مانا عارفه إنك قليل الأدب و سافل
أمسك يدها التي ضربته بها ثم قربها منه و قال:
- وأنا عارف حاجة واحدة عنك
- إيه؟
- إنك مهما حاولتي تخبي اللي جواكي ليا
أول ما أبص في عينيكي بتفضحي نفسك
اقترب منها وقبّلها قبلة قصيرة ثم ابتعد وكأنه يتعمد استفزازها
فتحت عينيها ونظرت إليه بغيظ:
- سعد....
ضحك برجولة ثم قال باستفزاز:
- نعم يا قلبه
- إنت بتستعبط صح
- شوية
أمسكته من قميصه وجذبته إليها ثم قبلته سريعًا وهي تبتسم
تجمد للحظة ثم ضحك بصوت مليء بالفرحة و قال:
- أيوه كده أيووووووو يا جدعان
انا دوبت خلاص
احمرّ وجهها بشدة فألصقها به و نظر لها بعيون تلمع عشقًا ثم قال :
- بقيتي بتبتدي يا نوارة من غير خوف و لا كسوف
لمستك دي... بالدنيا و ما فيها
و البوسه اللي اديتهالي يا نواره خلعت قلبي من جوه
ملّس على مقدمة صدرها ثم أكمل بجنون:
- لو هدفع عمري كله قصاد إني أعيش جوه حضنك... أنا راضي
إلتمع العشق والتصميم داخل عينه و هو يكمل :
- دُخلتي عليكي بكره يا نور عين سعد و عمره كله
همست بابتسامة:
- ربنا يخليك ليا يا سعد...
هل يتحمل سعد كل هذا العشق الذي ضخّم قلبه
أم يتحمل اقترابها منه و تلك النظرة التي أهلكته
لا والله... لن يتحمل أكل ثغرها أكلا تحرك بها وألصقها بالحائط
حاولت أن تصرخ بعد أن سحق جسدها بينه و بين الحائط و لكنها فشلت بعدما ابتلع صرختها داخله
ابتعد عنها بصعوبة ثم قال بهمس متحشرج
- أنا لو كمّلت دلوقت هدخل عليكي و مش هقدر أمسك نفسي
تركها وإبتعد سريعًا ثم قال بجنون :
- أنا مش هبات هنا النهارده... مش قادر
نظرت له بحزن يشوبه الهياج ثم قالت ......
ماذا سيحدث ياترى.......
سنرى.......
انتظرووني........
بقلمي/فريده الحلواني
