روايه العطارين الفصل التاسع والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه العطارين الفصل التاسع والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه العطارين
الفصل التاسع والعشرون
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
يمكن الدنيا أخرت فرحتك ويمكن وجعتك كتير... بس طول ما قلبك لسه بيحلم يبقى لسه في حكاية حلوة مستنياكي
متقوليش فات الأوان ولا تفتكري إن اللي راح هو آخر الخير... ساعات ربنا بيأخر الحاجة الحلوة عشان يديكي بدلها حاجة تستاهل كل الصبر اللي صبرتيه
خليكي قوية واوعي تسمحي لاي وجع يخليكي تحسي إنك مش من حقك تفرحي... إنتي تستاهلي الفرح وتستاهلي تتحبي وتستاهلي تبدأي من جديد... أنا واثقة
و بحبك.
لم تكن عودة دار العطارين إلى الإسكندرية تعني عودة كل شيء إلى ما كان عليه
فبعد أيام طويلة قضتها العائلة في الصعيد وسط الصلح والفرح والأسرار التي بدأت تطفو فوق السطح عاد الجميع إلى منازلهم محاولين استعادة حياتهم القديمة
لكن إيمان لم تستطع أن تفعل ذلك
منذ أن دخلت منزل العطارين وهي تشعر أن المكان يضيق عليها شيئا فشيئ
وقفت أمام نافذة غرفتها تنظر إلى الحارة الضيقة التي تحيط بها وإلى حركة الناس في الخارج وأصوات الباعة والجيران ثم أطلقت زفرة طويلة وأغلقت النافذة
كان أدهم يقف أمام المرآة يخلع ساعته حين لمح انعكاس وجهها المتجهم
قال دون أن يلتفت:
- مالك من ساعة ما دخلنا وإنتي وشك مقلوب كده؟
استدارت إليه وقالت بضيق:
- أنا مش عاجبني المكان ده يا أدهم
رفع عينيه إليها عبر المرآة و قال بغيظ مكتوم:
- ماله المكان... إيه اللي مش عاجبك فيه
أشارت إلى النافذة بعصبية و قالت:
- الحارة دي... و البيت... وطريقة العيشة هنا
اقترب منها قليلا وقال:
- إحنا عيلة كبيرة يا إيمان وده بيت العيلة من زمان
وأظن إن لما اتقدمتلك زمان كنتي عارفه إن أنا من هنا
- وأنا عارفة إنه بيت العيلة محدش قال حاجة
صمتت لحظة ثم أضافت:
- بس أنا مش هقدر أعيش هنا كتير يا أدهم
مش كفاية الفترة اللي قعدتها في الصعيد
نظر إليها أدهم باستغراب و قال:
- يعني إيه بقى إن شاء الله؟
- يعني أنا عايزة ارجع بيتي يا أدهم
ساد الصمت للحظات ثم ابتسم أدهم ابتسامة صغيرة وقال بمهادنة:
- إحنا لسه راجعين من السفر يا إيمان
إدينا فرصة نرتاح حتى من الطريق
قالت دون تردد و بغضب شديد:
- عشان أنا عارفة اللي هيحصل يا أدهم
عارفة إني لو سكت هفضل ساكتة لحد ما ألاقي نفسي عشت هنا سنين
اقترب منها أكثر و قال :
- وإيه المشكلة إنك تعيشي هنا؟
رفعت عينيها إليه وقالت بغل:
- ننننعم... بتهزر صح
عارف المشكلة فين يا سيادة النائب
المشكلة إن كل حاجة في حياتنا لازم تبقى على مزاج دياب
تغيرت ملامح أدهم و قال بغضب:
- دياب ماله... إنتي ليه حطاه في دماغك دايمًا
ضحكت بسخرية و قالت:
- ماله بجد مش عارف... مش عارف ان من ساعة ما رجعنا
وأنا بسمع نفس الكلام... دياب قال
دياب قرر دياب شايف دياب عايز
- إيماااااااان...
قاطعته:
- لااااااا... إسمعني للآخر
خفضت صوتها لكنها لم تتراجع
صمتت للحظة ثم قالت بخبث متواري:
- أنا بحترم دياب وعمري ما هتكلم عليه وحش
لأنه أخوك الكبير وأنا مقدّرة ده بس هو مش جوزي
عشان يتحكّم فيّا و في حياتي
نظر إليها بغموض فتابعت:
- إنت جوزي
وضعت يدها على صدره وأكملت بنعومة:
-وإنت اللي المفروض أرجعلك في أي حاجة تخص حياتي
مش كل شوية نستنى نشوف دياب هيقول إيه
إحنا كنا مرتاحين وإحنا بعيد عنهم يا حبيبي
حياتنا كانت ماشيه كويس جدًا
وولادنا كمان مش معقول بعد المستوى اللي كانوا
عايشين فيه فالآخر يعيشوا في حارة
تنهد أدهم وجلس على طرف الفراش ثم قال بحيرة:
- الموضوع مش بالبساطة دي
- ليه... فهّمني و لو مخبي عني حاجة قولهالي؟
- لأنه مش مجرد أخ كبير... دياب شايل العيلة كلها فوق دماغه
- وأنا مطلبتش منه يشيلني أنا وولادي
رفعت ذقنها بتحدي وأكملت بقوة:
- أنا عايزة أعيش حياتي مع جوزي اللي بحبه
نعيشها بدماغنا وأسلوبنا إحنا مش حد تاني
صمت أدهم... كان يعرف أن حديثها ليس مجرد نوبة غضب عابرة
بل ورائها شئ أخطر من هذا
قال بحرص و ثبات أيضًا:
- طيب لو قلتلك إني معاكي في كل كلمة قولتيها
نظرت إليه بدهشة و قالت:
- انت بتتكلم بجد؟
ابتسم و قال :
- بجد طبعًا هو انا عمري ضحكت عليكي
اقتربت منه وجلست بجواره ثم قالت:
- يعني هنرجع بيتنا ؟
- هشوف يا إيمان... يومين بس اعرف
ايه اللي ناوي عليه دياب بعدها نسافر
تجهّم وجهها و قالت بغل شديد:
- وأنا لسه هستني يومين... مش قولتلك
إنت مقدرش تاخد قرار بعيد عن أخوك أصلًا
رغم وجعه من تلك الكلمات السامة الا انه قرر أن يتمسّك
بالعقل فقال بهدوء غريب:
- فيه حاجة لازم تفهميها... أنا مش هسمح إن
الموضوع ده يتحوّل لمشكلة بينك وبين دياب
سحبت يدها منه و قالت بجنون:
- وأنا مش عايزة أعمل مشاكل معاه و عمري ما أعملها
- أومّال عايزه إيه فهّميني؟
- عايزة أحط حدود... بس لو المشاكل دي هتخليني أعيش مرتاحة معاك أعملها
ضحك أدهم ببرود لكنه قبل أن يرد جاء طرق على الباب
جاء صوت فرحة من الخارج:
- عمي أدهم... عمي دياب عايزك تحت
و بيتصل بيك فونك مقفول
نظرت إيمان إلى زوجها ببطء ثم قالت بسخرية:
- أهو... أول ما اتكلمنا عن الحدود... أخوك الكبير طلبك
ضحك رغمًا عنه ثم نهض و قال:
- هنزل أشوفه عايز إيه و هحاول أقوله
أننا يومين و هنرجع القاهره... إدعيلي
وقفت أمامه وقالت:
- أنا مستنياك لما ترجع وتقولي قالك إيه
اقترب منها وقبل جبينها حاضر يا ست إيمان
ثم خرج وأغلق الباب خلفه ظلت واقفة مكانها للحظات
ثم سحبت هاتفها وإتصلت بأبيها كي تخبره بآخر التطورات.
وقفت تلك البريئه داخل مطبخ شقتها الخاصة تُعد بعض الطعام الخفيف
كانت تنظر الي يدها المُرصعة بالمشغولات الذهبية و تبتسم بفرحة غريبة
دلف عليها بجسد عاري إلا من شورت قصير
لاحظ شرودها... اقترب و حاوطها من الخلف ثم قال بصوت خشن:
- مالك يابا... سرحانة في إيه يا حبيبي
نظرت إلى جانب وجهه و قالت بصدق و طفولة:
- الدهب اللي جبتهولي حلو أوي يا سعد
بس كتير أوي برضه يا حبيبي
قبّل جانب عنقها... لف جسدها الصغير ثم حاوط خصرها و قال بعشق:
- مافيش حاجة كتير عليكي يا قلب حبيبك
دانا عايز أجبلك الدنيا كلها تحت رجلك
رفعت جسدها و قبلت جانب فمه بجرأة اكتسبتها منذ أن أتموا زواجهم
نظرت له بعشق ثم قالت:
- ربنا يخليك ليا يا رب و ميحرمتيش منك ابدًا
إنت عارف امّي قالتلي ألبس شوية دهب من اللي جابهولي
سعفان و اللي جابهولي زيزو لما رجعنا
بس أنا مش عايزه
ضمّها أكثر... بل رفعها لتجابه طوله و قال بلهفة:
- ليه يابا... إلبسي واتمتعي و لو عايزه ألبسك
دهب في رجلك نعملها
داعبت أنفه بشقاوة ثم قالت :
- لا يا سعد... أنا مش عايزه أي حاجة غير بتاعتك و بس
امّي إمبارح جابتلي لبس كتير بس مش قادرة ألبس غير
اللي إنت جبتهولي
وامّك جابتلي قمصان نوم بالهبل برضه بس مش هلبسهم
حتى الدهب أهو مركون جوه... مش عايزاه
ابتلع لعابه بصعوبة... وضعها فوق الطاولة الصغيرة ثم أسند كفيه بجانبها و قال :
- طب ليه يا حبيبي... إلبسي وإتمتعي بحاجتك
امّي وامك قالوا هيشتروا شوية حاجات عشان ملحقناش نجيب الجهاز
و انا العفش اللي اتفقت عليه يتعمل عموله خلاص كلها اسبوع و تفرشيه بإيدك في بيتك
رفعت كفيها الصغيران وحاوطت وجهه ثم قالت بحروف تقطر عشقًا :
- عارفه كل ده... بس مش عاوزه
تنهّدت بوجع ثم أكملت :
- انا عرفت سبب اللي كانوا بيعملوا فيا يا سعد
وسامحتهم و الله... بس...
قرّب وجهه من خاصتها و قال بإهتمام شديد:
- بس إيه يابا... قولي كل اللي جواكي أنا سامعك
ابتسمت بفرحة بسبب إهتمامه الزائد بها ثم قالت:
- عايزه كل حاجة فيّا تبقى بتاعتك
أنا يعتبر اتولدت على إيدك يا سعد
مش لما العيل بيتولد أبوه هو اللي بيجبله حاجته
- أنا كده بالظبط... مكنتش أعرف حاجة عن الدنيا
وإنت اللي فتحت عيني عليها
كنت بخاف من خيالي وإنت اللي قوّيت قلبي
مكنتش أعرف أقول كلمتين وإنت اللي علمتني اتكلم
وأفكر وأرد كمان على أي حد وأي حاجة
تضخّم قلبه العاشق بسبب ذلك الاعتراف الذي لم يحلم به... تنفس بصعوبه فاكملت
- زي ما مليت قلبي بحبك و زي ما غطيت لحمي بجسمك
مش عايزه أشوفني لابسه أي حاجة غير حاجتك
حتى لو هتلبسني خيش و بدل الدهب ده يبقى صفيح
أنا راضية... المهم أنه بتاعك انت
إنت اللي جايبه عشان نوارتك
إنت اللي سيبت شغلك و الدنيا بحالها و روحت تجبلي حاجه ليا أنا
نظرت له بعيون تلمع بالعشق ثم قالت:
- فاهم قصدي إيه يا سعد
زفر بجنون ثم قال بهوس:
- يا دين أم سعد... فاهم يا قلب سعد و دنيته
فاهمك بطريقة تخوف وربنا
كادت أن ترد عليه إلا أنه إقتحم ثغرها بهمجية ليسحب لسانها و يمتص منه ذلك الشهد الذي أمطرته على قلبه العاشق فجعلته يتضخم من شدة العشق
زاد في فجوره فقابلته بجنون وتملك كان جديد عليها
و بمنتهى الجرأة التي لم يتخيلها
دفعت صدره ليبتعد و حينما نظر لها... رأي داخل عيناها عُهر أشعل صدره
هبطت من فوق الطاولة متعمدة أن تحتك بجسده... إبتعد قليلًا ليعطيها الفرصة
كي تركع أمامه
ابتسم بجنون حينما أخرجت وحشه الثائر و بدأت تلعقه بخبرة ضئيلة اكتسبتها طوال الأسبوع المنصرم
لم يقوى على تحمل جهلها و هياجها الذي استشعره أيضًا
أمسك رأسها بقوة ثم أخذ يدفع رجولته داخل فمها و يُلقي عليها
كلماته الهمجيه التي اعتادت عليها
ابتعد سريعًا ثم سحبها... قبّلها بجنون و بعدها شق ثوبها الخفيف و هو يقول بجنون:
- هبقى أجبلك غيره يا قلب سعد
و فقط... هبط بجسده بعد أن أجلسها فوق الطاولة مرة أخرى
دفن رأسه داخلها ثم ضاجعها بلسانه فوجدها تقول بعهر:
- عضه يا سعد
و سعد لم يبخل عليها بتلك العضات التي تهلكها بل جعلها تصرخ بهياج و جنون
ارتشف شهدها لآخر قطرة... ارتفع ليقف أمامها و يلتهم ثديها بينما سحب خصرها
فأصبحت تجلس على الحافة
اقتحمها بعنف جعلها تشد خصلاته و هو مازال يلتهم حلمتها
أخرجه بعد فتره ثم أجبرها علي الوقوف أرضًا
لفّ جسدها ثم دفعها بقوة كي تضع نصفها العلوي فوق الطاولة و هو يقول بهياج
- جننتني امي يابنت الكلب
أعقب قوله بإمساك خصرها و دفع وحشه من الخلف... ضاجعها بقوة لم يستخدمها معها من قبل
كلماتها أثرت فيه و جعلت عقله يغيب و ينسى صغر سنها بل وحجمها الضئيل أيضًا
و الصغيرة العاشقة تركته يسحق جسدها إلى أن إنتهى قالت من بين لهاثها:
- بعشقك يا سعد... بعشقك.
مر يومان آخران على عودة العطارين إلى الإسكندرية و قد بدأ سعد ينفذ ما اتفق عليه مع أبيه
كان الصباح هادئ داخل مكتبه إلا من صوت تقليب الأوراق بين يديه
وضع أمامه الصورة القديمة التي عثر عليها في الصعيد وبجوارها صورة شهادة ميلاد سليمان
ظل يتأمل الإثنين للحظات
الصورة تجمع دياب وإخوته أمام دار العطارين والابتسامات على وجوههم لا تشبه شيئًا من العداء الذي عرفته العائلة فيما بعد
وفي منتصف الصورة وقف سليمان شابًا صغير يبتسم للكاميرا بثقة
قلب سعد الصورة عيد ميلاد سليمان السابع عشر
ظل يمرر إصبعه فوق التاريخ المكتوب خلفها ثم مد يده إلى شهادة الميلاد
قرأ التاريخ مرة أخرى
ثم أعاد قراءة التاريخ الموجود على الصورة
تمتم:
- مستحيل... طب ليه شهادتين ميلاد
أنهى فيهم السليمة طيب ؟
أمسك هاتفه واتصل بشخص يعرفه انتظر حتى جاءه الرد
- أيوه يا سعد بيه
قال سعد بجدية:
- محتاج منك خدمة
- تحت أمرك يا كبير
- عايزك تدورلي على كل السجلات القديمة اللي
تخص سليمان... مش شهادة الميلاد بس
- انت قولتلي أن شهادة الميلاد اللي اتعملت الاول
ورقها اتقطع من السجلات و مبقاش ليها وجود
و لما لقيتها قولتلي أنها مزورة و الإسم متغير
صح كده
صمت الرجل لحظة ثم قال:
- تقصد إيه يا بيه؟
- أقصد أي ورقة باسمه... قيد قديم نقل مدرسة علاج جوازسفر أي حاجة
أنا لازم أتاكد الأول أن ده عمي سليمان فعلًا ولا حد مُنتحل شخصيته
كاد أن يرد عليه الرجل الا انه أكمل سريعًا :
- بقولك إيه... الحج الكبير ميعرفش حاجة
عن الشهادة اللي اتزورت دي
أنا معرّفتوش إني لقيتها
إوعى تجبله سيرة
رد عليه الرجل بصدق:
- دا انت خيرك عليّا يا باشا... عمرك طلبت مني حاجة
و حد عرفها مهما كان مين
إتطمن و لا هنطق بحرف... وكل اللي طلبته هيكون عندك بكره بالكتير
أغلق سعد الهاتف ثم عاد إلى الصورة لكن هذه المرة لم ينظر إلى سليمان
كان ينظر إلى شخص آخر يقف في طرف الصورة
رجل نصف وجهه ظاهر خلف أحد الرجال
اقترب سعد بالصورة من الضوء ضيّق عينيه و قال بغيظ:
- إنت مين... و ليه واقف مستخبي كده؟
ظل يحدّق فيه بتركيز كان وجه الرجل غير واضح
لكن وجوده لم يكن طبيعي فالجميع في الصورة كانوا أفراد من العائلة...
إلا هذا الرجل
أمسك هاتفه مرة أخرى لكنه توقف قبل أن يتصل فكر للحظات
ثم نهض واتجه إلى خزانة قديمة في نهاية الغرفة
فتحها وأخرج صندوق صغير كان قد أخذه معه من الصعيد
وضعه على المكتب ظل ينظر إليه للحظات قبل أن يفتحه
في داخله كانت بعض الأوراق القديمة التي وجدها أثناء بحثه في دار العائلة
أخرج ورقة تلو الأخرى حتى توقف فجأة كان هناك اسم مكتوب بخط يد قديم:
رأفت الدمنهوري
تجمدت عيناه قرأ الاسم مرة ثانية ثم نظر إلى الصورة
وعاد إلى الورقة
رافت الدمنهوري... همس بها وكأنه يحاول أن يربط شيئا بشيء
رفع هاتفه واتصل بأبيه جاءه صوت أبيه بعد لحظات:
- خير يا سعد؟
- بقولك يابا... إنت متاكد إنك مخبتش عليّا حاجة؟
في حتة ناقصة فالحكاية يا حج و مينفعش تخبيها عليّا
صُدم دياب مما سمع لكنه تماسك ورد بتوجس:
- في ايه يا جن... هات اللي عندك
- رأفت الدمنهوري... تبع شاكر و لا تشابه أسامي؟
طال الصمت في الطرف الآخر لاحظ سعد تغير أنفاس أبيه
فقال بسرعة:
- تعرفه يابا صح... رأفت تبع شاكر حما عم أدهم صح؟
جاء صوت دياب أكثر هدوءا:
- أيوه هو يابني... في حاجات قديمة تخص أبويا
و مش هقدر أقولهالك عشان الدنيا متخربش أكتر
رد عليه سعد بغضب مكتوم:
- لازم أعرف يا حج... إنت قولتلي مصايب حصلت زمان
و قولتلي سر سليمان
ليه تخبي عليّا حاجة ممكن تكون مفتاح لحل البلاوي دي كلها
طيب قولي مين الراجل اللي في الصورة؟
سكت دياب مرة أخرى ثم قال بقلق:
- صورة إيه؟
- الصورة اللي لقيتها... صورة عيد ميلاد سليمان
لم يجبه دياب صمت للحظه ثم قال:
- صورها وابعتهالي على الواتس دلوقت
- حاضر يابا
أنهى المكالمة وأرسل الصورة وبعد ثواني قليلة ظهر أن دياب شاهدها
ظل سعد ينتظر دقيقة... دقيقتان...رثم وصلته رسالة واحدة
- متدورش ورا الراجل ده دلوقت
اتسعت عينا سعد كتب سريعًا
- ليه؟
لم تأتي إجابة اتصل بدياب لكن الهاتف كان مغلق
ظل سعد واقف في مكانه والصورة بين أصابعه
ولأول مرة منذ بدأ البحث شعر أن الأمر لم يعد مجرد اختلاف في تاريخ شهادة ميلاد
و لا أخ غائب و قررّ أن يعود لينتقم
هناك شخص ظهر في صورة قديمة... وشخص آخر يحمل إسمه في أوراق قديمة.
وفي مكان ما في الإسكندرية كان هناك رجل آخر بدأ بالفعل يبحث عن الحقيقة نفسها
أما سعد... فقد اتخذ قراره لن يتوقف.
كان الليل قد أسدل ستاره على القاهرة حين توقفت سيارة سليمان أمام مبنى قديم في أحد الشوارع الهادئة
ترجل منها بملامح جامدة ثم دخل المبنى دون أن يلتفت حوله
لم يكن يحمل معه سوى هاتفه وبعض الأوراق
كان يعرف إلى أين يتجه ويعرف أيضًا أن الرجل الذي سيقابله لن يكون من السهل انتزاع كلمة واحدة منه
صعد الدرج حتى الطابق الثالث ثم وقف أمام باب خشبي قديم
طرق مرتين بعد لحظات فُتح الباب ظهر شاكر الدمنهوري أمامه
رجل تجاوز الخمسين بقليل تبدو على ملامحه آثار سنوات طويلة لم تكن سهلة لكن عينيه ظلتا ثابتتين بصورة أثارت ضيق سليمان قال شاكر بهدوء:
- اتفضل
دخل سليمان وأغلق الباب خلفه
نظر حوله للحظات ثم جلس دون أن ينتظر دعوة
جلس شاكر أمامه ساد الصمت ثم قال سليمان:
- انت ليه جبتنا هنا... ليه مجتلكش الفيلا بتاعتك
وإنت عارف أنا جيت ليه؟
أجابه شاكر بلا تردد:
- عارف... و جيبتك هنا عشان محدش يسمع حرف من اللي هيتقال
ده بيت أبويا القديم... دايمًا باجي فيه لما بيوحشني
ابتسم سليمان ابتسامة باردة و لم يهتم بكل ما قيل بل دخل في صُلب الموضوع قائلًا:
- إنت عارف أنا بعمل إيه في العطارين؟
- عارف
مال سليمان إلى الأمام وأكمل:
- وعارف إني مش داخل ألاعبهم صح ؟
- عارف طبعًا
ضاقت عيناه و قال :
- ليه بتلعب من بعيد يا شاكر... لأ دانت بتحرك الكل كمان
لم يجب فطرق سليمان بأصابعه فوق ذراع المقعد و قال:
- أنا بقالي فترة بسأل نفسي سؤال واحد... إنت ليه ساكت؟
- العطارين مش ناس غريبة عليك
دانت مناسبهم و تبقى جد عيالهم
و على حد علمي إنك كنت هتموت زمان عشان بنتك
تتجوز أدهم أخويا... يبقى إيه بقى؟
رفع شاكر عينيه إليه و قال بقوة:
- كل ده يخصني أنا وبس معتقدش إنه يخصك في حاجة
ضحك سليمان بسخرية ثم قال:
- لأ... لما تعرف أنا بحاربهم ليه يبقى لازم أفهم إنت ليه ساكت
قال شاكر:
- يمكن لأني مش عايز أدخل في حربك
أنا ليا حربي اللي تخصني
اقترب منه و قال:
- وأنا مش بقولك تدخل و لا طلبتها منك
حتى لما كنا بنتكلم سوى عمري ما طلبت منك حاجة
أخرج صورة قديمة ووضعها فوق الطاولة ثم نظر له بقوة وأكمل:
- أنا بسألك عن الماضي
نظر شاكر إلى الصورة فتجمد للحظة لم تفت تلك اللحظة على سليمان
فقال بذكاء:
- شوفتها قبل كده صح ؟
لم يجبه فقال بنبرة غاضبة:
- شااااااكر...
رفع الرجل عينيه إليه وقال:
- بلاش يا سليمان
- بلاش إيه... عايز أفهم؟
- بلاش تفتح أبواب مش هتعرف تقفلها
ابتسم سليمان ابتسامة خالية من المرح و قال:
- أنا فاتحها أصلًا... وعشان كده جيت أسألك عن أخوك
تغير وجه شاكر تمامًا لأول مرة يفقد هدوءه و يقول بغل:
- ملكش دعوة بيه سااااامع
لاحظ سليمان إرتباكه فقال بهدوء متعمد:
- لسه في المستشفى النفسي؟
قبض شاكر يده:
- قولتلك ملكش دعوة
- ليه... أنا عايز أعرف علاقته بالعطارين
انتفض شاكر واقفًا ثم قال بغضب:
- مفيش علاقة
وقف سليمان بدوره:
- يبقى ليه خايف؟
- مش خايف
- أومّال بتتعصب ليه؟
اقترب سليمان حتى أصبح أمامه مباشرة و قال بدهاء:
- أخوك ليه علاقه بيهم صح؟
سمع حاجة... ولا هو نفسه كان جزء من الحكاية؟
قال شاكر بحدة:
- اخرس... متجيش سيرة أخويا على لسانك
ماانت واحد منهم أكيد الوساخة في دمك شبههم
ابتسم سليمان لقد وصل إلى المكان الذي أراده لكنه لم يجد الإجابة
بل وجد شيئ أخطر... الخوف قال بصوت هادئ:
- أنا مش هضغط عليك النهارده
نظر إليه شاكر بحذر فأكمل:
- لكن هسألك سؤال أخير
- إنت ساكت عشان بتحمي العطارين... ولا بتحمي أخوك؟
بس برضه اللي محيّرني إنك مش ساكت
كل اللي حصل في الصعيد كان ليك يد فيه
و ناس كتير بتحركهم في الظل
نظر له بقوة ثم أكمل ببطء شديد جعل شاكر يتصنم مكانه:
- مش إنت صاحب رمز الحية والخنجر برضه.... و لا انا غلطان؟
من شدة صدمته لم يستطع التفوّه بحرف
ظل شاكر يحدق فيه بينما أخذ سليمان أوراقه واتجه نحو الباب
وقبل أن يخرج التفت إليه وقال:
- تمام... متتكلمش
ثم ابتسم ابتسامة باردة وأكمل:
- أنا هعرف لوحدي
أغلق الباب خلفه وظل شاكر واقفًا مكانه للحظات
ثم اتجه إلى نافذة الغرفة وأغلق الستارة بسرعة
بعدها أخرج هاتفه بيد مرتجفة
ظل ينظر إلى رقم محفوظ منذ سنوات
رقم لم يتصل به منذ وقت طويل لكن هذه المرة... كان عليه أن يتصل.
وفي مكان آخر كان سليمان داخل سيارته لبعض الوقت ثم قال للسائق:
- بكرة الصبح... هنروح هناك
كانت الإجابة التي رفض شاكر أن يمنحها له...
قد تكون موجودة خلف باب مغلق في غرفة رجل قضى سنوات طويلة داخل مستشفى للأمراض النفسية
قرر أن يذهب إليه مجددًا حتي يحصل على الإجابة وإن اضطر أن يقتل الرجل اذا لم يجبه.
ماذا سيحدث ياترى......
سنرى......
انتظرووني......
بقلمي/فريده الحلواني
