📁 آخر الأخبار

روايه العطارين الفصل الثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه العطارين الفصل الثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه العطارين الفصل الثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه العطارين الفصل الثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه العطارين 

الفصل الثلاثون 

فريده الحلواني 



صباحك بيضحك يا قلب فريده 




كانت بهية تجلس وحدها في غرفتها منذ الصباح تحاول أن تستعيد هدوءها بعد الأيام المضطربة التي عاشتها العائلة لكن الهدوء لم يطل رن هاتفها

وحين رأت الاسم على الشاشة انقبض قلبها

ظلت تحدق في الهاتف للحظات وكأنها تتمنى أن يتوقف عن الرنين

لكنه لم يتوقف أجابت أخيرا:

- أيوه يا سليمان

جاء صوته بارد كعادته:

- إنتي لوحدك؟

- أيوه لوحدي

- كويس... عشان اللي هقولهولك مش عايز حد يسمعه

جلست باستقامة ثم قالت بخوف:

- خير يا سليمان؟

- عايز ورق أرض

قطبت حاجبيها و قالت بعدم استيعاب:

- أرض مين؟

- أرض من أملاك العطارين

اتسعت عيناها و قالت برعب:

- وإنت عايز ورقها ليه؟

ضحك بسخرية ثم قال بتجبر:

- أنا لما أقولك على حاجة تنفذي... مش تسألي

- بس أنا معنديش ورق أرض و الله

-لا يا روح امك عندك 

 إنتي فاكراني معرفش إن فيه أوراق قديمة في الدار؟

ابتلعت ريقها و قالت:


- سليمان أني مش هجدر...

قاطعها بحدة:

- هتقدري... ولو مش هتقدري تجيبي الورق...

توقف فشعرت بهية أنفاسها تضيق و هو يكمل:

- هتعملي حاجة تانية

- إيه؟

جاء صوته هادئ بصورة أخافتها أكثر:

- هتحطي مخدرات في مكتب جوزك

تجمد الدم في عروقها و قالت بعدم تصديق:

- وااااااه... إيه اللي هتجوله يا مخبل إنت

- زي ما سمعتي يا روح امك و فكري تقولي لأ

- كنك اتجنيت إياك... رايدني أحبس راجلي

- لأ متخافيش أوي كده... أنا عارف أنا بعمل إيه

نهضت بهية من مكانها و قالت بغضب:

- دي هيدمر حياته.... ممكن يتجبض عليه

- بالضبط... وده اللي أنا عايزه

وضعت يدها على فمها و قالت بصدمة:

- ليه عايز تعمل في أخوك إكده... أني كت مفكّره

إنك هتلاعبهم لجل ما ترجع ورثك وأني ينوبني

من الحب جانب 

إنما إكده إنت بتدمرهم طب ليه يا واد عمي

- مش مهم تعرفي إنتي تنفذي و بس

- لااااااه مهم... ديه جوزي وأبو عيالي 

كيف أحبسه بيدّي

ساد الصمت في الطرف الآخر ثم جاء صوته باردا:

- مليش فيه دي مشكلتك مش فجأة إفتكرني إنه جوزك وأبو عيالك

من أول مره قابلتك فيها إتفقنا إنك تقولي سمعًا وطاعة 


- أني مش هعملها

 مش هحط حاجة في حاجته... ولا هأذي راجلي

- يبقى هاتي ورق الارض

- معرفش مكانه

- دوري عليه أكيد هتلاقيه

- ولو ملجتهوش ؟

- هتلاقيه... ولو فكرتي تلعبي معايا

أنا مش هأذي جوزك بس يا بهية وإنتي عارفه أنا ممكن أعمل إيه


شعرت بقلبها يهبط إلى قدميها فسألت برعب:

- هتعمل إيه؟

- هخلي كل اللي حواليكي يدفعوا تمن لعبك الوسخ معايا

 أغلق الهاتف... ظلت بهية واقفة في منتصف الغرفة والهاتف يرتجف بين أصابعها

لم تكن تخاف على نفسها كانت تعرف أن سليمان يستطيع الوصول إليها متى أراد

لكن فكرة أن تتسبب يدها في ضياع زوجها... كانت أقسى من أن تتحملها

جلست على حافة الفراش وغطت وجهها بيديها

وفي اللحظة نفسها جاء صوت خطوات في الممر... تجمدت

ثم جاء صوت فتح الباب و زوجها يقول:

- بهية؟

رفعت رأسها بسرعة ومسحت دموعها ثم قالت باهتزاز:

- أيوه يا حج... رايد حاجه ياخوي؟

- إنتي زينة... البت جالتلي إنك مدروخه شوي

و طلعتي ترتاحي هبابة


أغمضت عينيها كانت على وشك أن تصرخ له بكل شيء

أن تقول له إن هناك رجل يهددها... وهي من أعطته الفرصة لذلك

وأن تخبره أن حياته أصبحت في خطر لكنها تذكرت صوت سليمان

- هخلي كل اللي حواليكي يدفعوا تمن لعبك الوسخ معايا

فابتلعت الحقيقة وقالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعي:

- أيوه... ياخووي أني زينة شوية دوخة وراحوا لحالهم

نظر إليها للحظات ثم قال:

- متأكدة ولا أشيع حدى من الوِلد يجيبلك دكتور

ابتسمت ابتسامة مكسورة ثم قالت:

- والله زينة يا رجب ملوش عازه الدكتور

اقترب منها ووضع يده على كتفها لكنها لم تستطع النظر في عينيه

لأنها في تلك اللحظة أدركت شيئ واحد... سليمان لم يعد يريد مجرد الانتقام من العطارين

لقد بدأ يبحث عن نقطة يضربهم منها من الداخل

وكانت هي... أول سلاح وضع يده عليه.




عاد جلال إلى شركته بعد غياب طويل وكأن المكان استعاد شيئ من روحه بمجرد دخوله

توقف لحظة أمام الواجهة الزجاجية ثم دخل بخطوات ثابتة

رحّب به الموظفون واحدًا تلو الآخر بينما اكتفى هو بإيماءات قصيرة قبل أن يتجه إلى مكتبه

كانت الملفات قد تراكمت فوق المكتب والهاتف لم يتوقف عن الرنين منذ جلوسه


لكن أكثر ما لفت انتباهه لم يكن أيًا من ذلك كانت منة

و التي كانت تجلس في مكتبها المقابل تراجع بعض الأوراق مع أحد الموظفين ثم رفعت عينيها فجأة التقت عيناها بعينيه ابتسمت


أما هو... فابتسم لها للحظة قبل أن تعود ملامحه إلى الجدية

بعد دقائق طرقت منة باب مكتبه ودخلت و قالت:

- أخيرًا رجعت حضرتك... عندي شوية ملفات محتاجة إمضتك

مد يده إليها لكنه توقف عندما لاحظ إسم على أحد الملفات

فنظر لها و قال بغيظ:

-هو شادي كان هنا؟

ابتسمت بهدوء ثم قالت:

- أيوه... جه من شوية و مشي

رفع عينيه إليها و قال بهدوء خطر:

- بيعمل إيه هنا؟

- زميلنا ياأستاذ جلال... هو معنى إن حضرتك

نقلته الفرع التاني يبقى ميجيش هنا؟

- أنا عارف إنه زميلك و عارف إني نقلته بس بسأل كان عايز إيه؟

تنهدت و قالت بنفاذ صبر:

- كان بيسألني عن المشروع الجديد

أعاد الملف إليها و قال بهمجية

-و هو مال أمه بالمشروع الجديد و بعدين 

مفيش أم تليفون يسأل فيه على أي حاجة عايزها؟


ضحكت رغمًا عنها لكنها تمالكت سريعًا و قالت ببرود:

- مالك بس ياأستاذ جلال الموضوع مش مستاهل كل العصبية دي

نظر لها بغيظ ثم قال :

- لا يستاهل... لما أنقله من هنا يبقى رجله متعتبش الشركة غير بأذني 

ظل ينظر إليها للحظات ثم قال فجأة:

- هو بيحبك؟

تغيرت ملامحها قليلًا ثم قالت بجرأة: 

- وإنت مالك معلش دي حاجة شخصية

- يعني بيحبك؟

تنهدت بهم ثم قالت بصدق:

- معرفش والله انا قولت لحضرتك قبل كده 

أنه عايز يتقدملي بس مستني يكوّن نفسه

- لا... إنتي عارفة كويس أوي إنه ميعرفش يحب 

و بعدين هوَ ناوي يتقدملك إمتى إن شاء الله 

لما تدفعيله تمن الشبكة؟

رفعت عينيها إليه بدهشة و قالت بذهول:

- عرفت منين؟

- سمعته مرة بيتكلم مع واحد من اللي شغالين هنا

قاله إنك بتعملي جمعية عشان يقبضها الأول ويجيبلك الشبكة

وده عاجبني... مفيش راجل بجد يستني لما البت بتاعته تساعده


ضحكت منة ثم قالت بغلب:

- وإيه المطلوب.... أروح أقوله مش هساعدك

و لا أقوله جلال بيه مش موافق؟!

- مش أنا يا بت الناس اللي هيقرر تتجوزي مين


صمت لحظة ثم قال بصراحة:

- بس أنا مش هكدب عليكي... فكرة إن واحد زي ده داخل حياتك مش مريحاني

نظرت إليه بدهشة ثم قالت:

- ليه بتقول كده... لو شايف حاجة أنا مش شيفاها قولّي من فضلك

لم يُجب... كانت الإجابة واضحة في عينيه لكنه لم يكن مستعدًا لقولها

اقتربت منه أكثر و قالت برجاء:

- قول... من فضلك 

رفع عينيه إليها و قال بهمجية وغضب لا يعلم سببه:

 مش هقف أتفرج على واحد تاني وهو بيقرب منك

خصوصا لو كان إبن ستين كلب ###

نظرت له بصدمة ثم قالت بغضب مماثل:

- وإنت فاكر إن من حقك تمنعه؟

- لاااااااا... من حقي أقولك إني غيران

هكذا صرخ بجنون فتصنمت مكانها فأكمل بصدق:

- دي أول مرة أعترف مع إني مكنتش ناوي و لاطايق نفسي إني قولتلك كده 

 بس أول مرة ألاقي نفسي مش قادر أخبي


صمت للحظة ثم أكمل بتجبر جعلها تُصدم للمرة التي لا تعرف عددها

- بصي يا بت الناس... الواد الخرع ده لو قرب منك تاني هنفخه

و الأحسن إنك تقوليلي يشوف غيرك لأنك مش هتبقي ليه

و لا لغيره... أمين يااما

حاولت جمع شتاتها بعد سماع كل هذا و لكن جملته الأخيرة

كانت تلك الجملة هي أكثر شيء جعلها تنظر إليه باهتمام و تقول بجدية:

- ولو أنا اخترته... هتقدر تمنعني بأي حق؟

تجمدت ملامحه لكنه أجاب بهدوء مريب:

- هحترم إختيارك... بس مش هخليكي تنفذيه 

أمين كده و لا أشرحلك أكتر؟ 


و قبل أن ترد عليه جاء طرق على الباب التفتا معًا فدخل شادي وهو يحمل ملف:

- آسف يا منة هعطلك خمس دقايق بس... كنت محتاج الملف ده

نظر إلى جلال ثم قال بتملق:

- أهلًا يا أستاذ جلال حمد لله على السلامة

نورت الشركة والله

أجابه جلال بغموض:

- الله يسلمك

ناول شادي الملف إلى منة ثم قال بحماس:

- على فكرة... أمي كلمت مامتك النهارده

تجمدت منة و قالت بعدم تصديق

- كلمتها في إيه... وإزاي متقوليش قبل ما تكلمها

ابتسم شادي و قال بسماجة:

- ماهو خلاص يا منة فاضل كام يوم والجمعية تنقبض

قولت أعرّفها قبل ما تروحلكم البيت


 نظر إلى جلال دون أن ينتبه إلى الغل الذي ظهر في عينيه وأكمل:

- أنا ناوي أتقدملك رسمي يا منة خلاص بقى

بقالي تلات سنين بأجل 


ساد الصمت كانت منة تنظر إلى شادي بصدمة... أما جلال فظل ثابت في مكانه

لكن أصابعه كانت تضغط بقوة على حافة المكتب

ولأول مرة... لم يكن الغضب هو ما يخيفه بل إحتمال أن يكون قد تأخر كثيرًا.



في الساحة الخارجية أمام منزل العطارين كان حمزة يجلس فوق أحد المقاعد الخشبية يعبث بهاتفه بملل بينما كان أيمن يقف بجواره يشرب قهوته

قال أيمن وهو ينظر إليه:

- مالك ساكت كده ليه؟

رفع حمزة عينيه إليه:

- ساكت إيه؟... أنا قاعد أهو يابني إنت عايز ترازيني و خلاص

- لا يا عم... إنت من ساعة ما رجعنا وإنت عامل زي اللي لسه مطلق مراته


ضحك حمزة بسخرية:

- وأنت مالك أمك بيا... ركز في نفسك بس

و ملكش دعوة بيّا

- أنا مركز والله... بس إنت اللي باين عليك فيك حاجة

تنهد حمزة بهم ثم قرر أن يصارح ابن عمه بكل شيئ

نظر له بجدية يشوبها الحزن من وضعه المزري و قلبه المُتألم ثم قال :

- بص يا شِق... إنت عارف إن إحنا طول عمرنا إخوات و قلب وإيد واحدة

أنا مش هينفع أخبي عليك يمكن ألاقي عندك حل أو تساعدني

تطلع له أيمن باهتمام ثم قال بتوجس:

- في إيه يا حمزة قلقتني... قول اللي عندك 

وأنا رقبتي قبل منك يا شقيق

سحب نفسًا عميقًا ثم قال :

- أنا بحب سندس وعايز أتجوزها 

لاحظ بسهولة الصدمة التي رُسمت على وجه أيمن فأكمل سريعًا:

- أنا عارف إن تربيتكم وحياتكم غيرنا... بس الله غالب 

القلب ملوش سلطان يا صاحبي 

قصَّ عليه كل ما حدث بينه و بين دياب و حينما انتهى قال: 

- انا لحد دلوقت مش فاهم السبب 

ليه منتجوزش من عيال عم أدهم بالذات ولا إنتوا 

تتجوزو مننا... لو تعرف حاجة قولّي يا أيمن أنا هتجن


نظر له أيمن بحزن ورغم أنه لم يستطع هو الآخر الاعتراف بحبه لشقيقة حمزة

إلا أنه قال برجولة: 

- والله ماعرف السبب... بس مهما كان هو إيه

لو اختي بتحبك أنا هقف معاكم وهحارب كتف بكتف معاك 


ابتسم حمزة بفرحة فأكمل الآخر: 

- انا دايمًا حاطط إن السبب أمي... يعني عشان بعدتنا عنكم

وحياتها غير هنا خالص 

أنا مقدرتش تعمل معايا اللي عملته مع إخواتي البنات 

معرفتش تبعدني عنكم لأني صمتت أكون وسطكم 

بس برضه لما أفكر فيها بلاقي إن مش ده السبب بس

أكيد في حاجة تاني أقوى من كده 


تنهّد حمزة ثم قال و هو ينهض من مقعده: 

- انا قولتلك اللي جوايا... أنا مش هسكت ولا هسيبها 

حتى لو أخدتها غصب عن الكل 

أعقب قوله بالإتجاه نحو الأعلى بينما ترك أيمن غارق في تفكيره الجدي أن يأخذ نفس موقف إبن عمه حيال فرحة التي يعشقها بجنون.


وقف أمام الشقة الخاصة بهم وقال بصوت عالي دون أن يهتم بوجود أمها بالداخل:

- سندس... تعالي عايزك في كلمتين

حينما سمعت صوته بالخارج لاحظت الجدية فتغيرت ملامحها

نظرت إلى اختها بخوف و قالت :

- تاليا... شكله في حاجة كبيرة 

الحمد لله أن مامي نايمة... أنا هطلع أشوف في إيه وأرجع على طول

نظرت لها بغيظ ثم قالت بتعالي أخذته من امها: 

- روحي... إجري عليه كالعادة وإنتي عارفه كويس إنكم مش لبعض

أنا مش فاهمه ليه وجع القلب ده بس .


قالت سندس عندما صعدت معه إلى سطح البناية:

- في إيه يا حمزة... قلقتني؟

نظر إليها للحظات ثم قال:

- إنتي لسه زعلانة مني؟

خفضت عينيها و قالت:

- أزعل من إيه يا حمزة خلاص

- من كل اللي حصل... أنا عارف إن في حاجات كتير حصلت خلتك تخافي... 

ويمكن أنا كمان قصرت معاكي في حاجات كتير

رفعت عينيها إليه و قالت: 

- إنت مكنتش السبب في كل حاجة حصلت في الصعيد 

زعلي منك لما بعدت ده خلاص انتهى والله ومسمحاك 


دمعت عيناها و هي تكمل :

- من وقت ما جينا هنا و مامي مش ساكته 

تقريبًا حست بحاجة وعماله تلمح إن استحالة أتجوز غير

من عيلتها أو حد من معارفها 


وأنا تعبت يا حمزة... أنا حاسة إني بقع و مش هعرف أقف تاني

لف ذراعه حول خصرها ليضمها بقوة ثم قال بغضب :

- يوم ماأمك تفكر تعملها هدفنها بالحياة 

يابت إنتي حبيبة حمزة غنيم مينفعش تقعي


- أنا عايزك تعرفي إنك حتى لو وقعتي هتلاقيني أول واحد ماسك إيدك

و شايلك جوه قلبي 

ابتسمت رغمًا عنها و قالت:

- وإنت لو وقعت... مين هيشيلك؟

- هقع جنبك و ده كفايه عليا بجد

ضحكت بخفة و قالت :

-عشان غبي... حد يقع جنب بنت بكيزة هانم برضه

- مش مهم يكش تكوني بنت الأميرة ديانا 

و اااااه غبي بس بحبك 


توقفت عن الضحك نظر إليها مباشرة وأكمل بصدق:

- ومش ناوي أخلي أي حاجة حصلت قبل كده تخليكي تشكي في ده

ابتلعت ريقها وقالت:

- أنا مش بشك فيك ابدًا 

- أومّال ليه بعيدة؟

- عشان أحاول أتجنب غضب مامي وأخليها

متحسش بحاجة أكتر ماهي حاسة

- بس متبعديش أوي... بتوحشيني يا بت ومقدرش أتحمل بعدك


ابتسمت قبل أن تجيبه جاء صوت فرحة من بعيد:

- خلصتوا الرومانسية ولا لسه؟

التفتا إليها كانت تقف بجوار تاليا وتضحك صرخ حمزة:

- فرررررررحة

ردت بصوت مهزوز:

- نعم يا حبيب اختك

ضحك سندس ثم قالت: 

- سيبها يا حمزة... دي مبتصدق تلاقي حد تزنقه

قالت فرح:

- ما هو لو سبتكم هتعيشوا في الحب و النحنحة وتموتونا من الملل

نظرت إليها تاليا وقال:

- وإنتي مين قالك إن وجودك مش عاملنا صداع

وضعت يدها على خصرها و قالت بغيظ مازح:

- أناااااااا؟

- أيوه إنتي هو أنا بخاف منك و لا إيه

قبل أن ترد عليها قال حمزة بغضب:

- طب غووووري من هنا إنتي و هيَ قبل ما أعملكم شاورما 


هرولت الفتاتان نحو الأسفل و قد كانت تاليا تقول بتزمر:

- منك لله... أنا كنت قاعدة في حالي 

وإنتي اللي قولتيلي تعالي نغلس عليهم 

مستفدتش حاجة غير البهدلة من الهمجي ده 

اللي اختي الهبلة بتحبه 

كادت أن ترد عليها إلا أنها اصطدمت بأيمن... شهقت بخضة تحولت 

لصدمة حينما وجدته يقول أمام أخته الصغيرة:

- فرحة أنا محتاجك

تجمدت للحظة... رفع أيمن حاجبه وهو يراقب ارتباكها:

- إيه سكتي ليه؟

قالت بغيظ و قد نسيت وجود أخته :

- عشان مش متعودة أسمع منك كلام عدل

ضحك و قال:

- استني... بس أنا لسه ما بدأتش دانتي هتسمعي درر

نظر إليها بجدية مفاجئة ثم أكمل:

- فرحة... أنا عايز أتكلم معاكي في حاجة

اختفت ابتسامتها:

- قول طيب في إيه وقعت قلبي ؟

نظر إلى أخته الصغيرة و قال: 

- امك فين ؟

- نايمه جوه 

امسك كف فرحة ثم سحبها عنوة نحو غرفته و هو يقول بهمس:

- طب خدي بالك... أنا هكلمها بسرعة في اوضتي و لوأمك صحت رني عليا 


لم ينتظر ردها... سحب حبيبته نحو الداخل وحينما اغلق الباب نظر اليها و قال بجدية:

- إنتي شايفة نفسك فين بعد كام سنة؟

قطبت حاجبيها و قال:

-ايه السؤال غريب ده... مش فاهمة؟

- جاوبي بس وهفهمك

فكرت قليلًا ثم قالت:

- مش عارفة وربنا 

- بس أنا عارف... هتكوني معايا يا فرحة

ساد الصمت ثم مد يده إليها وأكمل:

- مش هقولك حاجة دلوقت يا حبيبتي 

المهم إني عارف اللي جواكي 

هتكملي حياتك معايا إزاي بقى سيبيها عليا


نظرت إلى يده ثم إلى عينيه و قالت:

- طب ليه... أنا عايزة أفهم هتعمل إيه ؟

- لاااا... لما أقولها... تبقى قدام كل العيلة كلها 

تسارعت ضربات قلبها و قالت بخوف :

- انا خايفه يا أيمن... أنا ماصدقت عرفت اللي جواك

ليا بعد ما كنت مفكر ه إنك مش شايفني 

خايفة أهلنا يفرقونا... وربنا أموت فيها 


عانقها بقوة وإحتواء ثم قال بقوة :

- لو عملوا كده يبقى هاخدك غصب على 

رأي حمزة... كفاية عيشنا طول عمرنا مش قادرين 

نطلّع اللي جوانا بسبب خوفنا منهم 

جه الوقت اللي لازم يعرفوا إن القرار مش قرارهم 

دي حياتنا إحنا... وإحنا اللي لازم نختار نعيشها مع مين .



لم يكن سليمان قد نسي زيارته السابقة إلى المستشفى

بل على العكس... منذ خرج من هناك وكلمات الرجل تلاحقه بصورة لم يستطع التخلص منها

- اسأل شاكر... هو عارف

تلك الجملة وحدها كانت كافية ليعود مرة أخرى

لكن هذه المرة لم يأتي ليسأله عن العطارين مباشرة

كان يريد أن يعرف ما الذي يخفيه شاكر عنه وقد رفض الافصاح 

عن أي شئ حينما ذهب لزيارته 

دخل الغرفة نفسها

 فوجد الرجل جالس في مكانه المعتاد يحدق من النافذة

رفع عينيه إليه بمجرد دخوله ابتسم ابتسامة صغيرة و قال:

- انت رجعت


أغلق سليمان الباب خلفه وجلس أمامه ثم قال:

- أه تخيل... رجعت

ظل الرجل ينظر إليه ثم قال بهدوء غريب:

- المرة اللي فاتت كنت عايز تعرف حاجة

والنهارده... جاي ليه

أخرج سليمان ورقة صغيرة ووضعها أمامه كانت صورة قديمة


نظر الرجل إليها وما إن وقعت عيناه عليها حتى تغير وجهه

لاحظ سليمان ذلك فقال: 

- فاكر الصورة دي؟

لم يمد يده إليها بل قال باهتزاز:

- شيلهااااا

- ليه؟

- شيلها يا سليمان

سحب سليمان الصورة نحوه وقال:

- الصورة دي فيها العطارين... وفيها شاكر... وفيها أنت يا رأفت

ارتجفت أصابع الرجل و قال:

- أنا مكنتش عايز أكون فيها

- بس كنت موجود... مين بقى أجبرك ؟



صمت فاقترب سليمان منه و قال:

- كنتوا بتعملوا إيه هناك؟

رفع الرجل عينيه إليه و قال:

- شاكر قالك إيه؟

ابتسم سليمان فأكمل رأفت بخوف:

- يبقى شاكر قال حاجة


تراجع الرجل في مقعده وأكمل بتحذير و قد كانت أول مرة يتحدث كثيرًا:

- متقربش من شاكر

- ليه؟

- لأنه بيحاول يحميك منهم لأنه عارف غدرهم

توقفت ابتسامة سليمان:

- يحميني من إيه... أنا بدور على حقي

صمت رأفت للحظات ثم قال:

- بيحميك من الحقيقة

- وأنا عايز أعرف الحقيقة

هز الرجل رأسه بعنف:

- لااااااااا......بلاش

- ليه؟

- العطارين مش هُما البداية

شعر سليمان بأن شيئ ما انفتح أمامه فسأل بلهفة :

أمال مين البداية؟

لم يجب فقال بجنون:

- انطق... مين البداية... شاكر أخوك

هز رأسه و قال بقهر:

- لاااا

فسأل الآخر باستفهام:

- يبقي أبويا... صح؟

اتسعت عينا الرجل كانت الإجابة واضحة قبل أن ينطق لكنه قال:

- متجيبش سيرة أبوك هنا

مال سليمان إلى الأمام و قال بتوجس:

- ليه؟


قال رأفت بصوت خافت:

- عشان آخر مرة اتقال إسمه... حصل اللي حصل

- حصل إيه؟

أغمض الرجل عينيه و قال برعب:

- دم... اسأل شاكر عن الليلة دي

- أنهي ليلة؟

- في ليلة ما رجعوش كلهم على بيوتهم... نقص منهم حد

تجمد سليمان و قال بعدم فهم:

- مين اللي مرجعش؟

  بدأ رأفت يضطرب و يقول برعب: 

- كفاية... كفاية يا سليمان

- مين اللي مرجعش؟

- اطلع

- قولّي مين؟

صرخ الرجل:

- اااااااااطلع


وفي اللحظة نفسها فتح الباب ودخل الطبيب مسرعًا

- خلاص يا أستاذ سليمان

وقف لكنه لم يتحرك ظل ينظر إلى الرجل ثم قال بهدوء:

- هجيلك تاني

هز رأسه بسرعة و قال:

- لاااااا ......متجيش

- ليه؟

اقترب منه وقال بصوت خافت:

- المرة الجاية... مش هقدر أسكت

ثم أبعد عينيه عنه خرج سليمان من الغرفة

ظل يسير في الممر الطويل لكن عقله لم يكن معه

- ليلة مارجعوش كلهم على بيوتهم

من يكونوا وماذا حدث لهم ولماذا حذره الرجل من الاقتراب من شاكر

أخرج هاتفه واتصل برجله:

- عايز كل حاجة عن ليلة قديمة حصلت بين شاكر والعطارين

عندنا تاريخ محدد يا باشا؟

- لأ مفيش

صمت لحظة ثم قال:

- بس عندنا صورة

نظر إلى الصورة التي ما زال يحتفظ بها ثم أكمل:

- وهاتلي أي حاجة تربط أبويا بالموضوع


أغلق الهاتف ثم رفع عينيه إلى مبنى المستشفى خلفه

لأول مرة... بدأ يشعر أن الحرب التي يخوضها ضد العطارين ربما لم تبدأ معه

ربما هو نفسه كان جزء منها... قبل أن يعرف.



دخل أدهم الحارة بخطوات هادئة يحمل بعض الأوراق التي طلبها منه دياب

لم يكن يتوقع أن يحمل ذلك الطريق إليه شيئًا من الماضي

حتى رأها... توقفت خطواته فجأة

كانت تقف أمام أحد البيوت تحمل كيس صغير بيدها وقد تغيرت ملامحها كثيرًا عما يتذكر لكن عينيها... لم تتغير عرفها في اللحظة نفسها


ليلى... الفتاة التي أحبها في صمت منذ سنوات

التي لم يستطع يوما أن يقول لها ما يشعر به لأنها كانت وقتها مخطوبة لإبن عمها

ظل واقف مكانه وكأن كل الأصوات من حوله اختفت

رفعت عينيها مصادفة... فالتقت عيناها بعينيه تجمدت هي الأخرى

لم تتحرك و لم ينطق

مرت سنوات طويلة لكن النظرة الواحدة كانت كافية لتعيد كل شيء


عاد أدهم إلى ذلك الشاب الذي كان يقف بعيدًا عنها يراقبها وهي تضحك مع أهلها ويبتلع اعترافه كل مرة يتذكر أنها ليست له

أما هي... فبدت كأنها تراه للمرة الأولى منذ زمن 

اتسعت عيناها قليلًا ثم ارتجفت شفتاها بابتسامة صغيرة لم تكتمل

كان في عينيها حنين ظاهر بشدة وهو أيضًا لم يستطع إخفاء ما فعلته رؤيتها به

دقات قلبه تسارعت بصورة أزعجته

تحرّكت يدها فوق طرف عباءتها بتوتر بينما ظل هو واقفًا مكانه

ثوان... ثم مر رجل بينهما فقطع تلك النظرة

خفضت ليلى عينيها وحين رفعتها مرة أخرى... كان أدهم قد تحرك

مشى دون أن يلتفت خلفه لكنه لم يكن يرى الطريق أمامه

كان يرى وجهها فقط


بعد دقائق وجد نصر يقف أمام أحد المحال

اقترب منه أدهم وكأنه جاء ليسأله عن أمر عادي

- نصر

- أيوه يا عم أدهم أمرني يابا

صمت لحظة ثم قال:

- الست اللي كانت واقفة قدام البيت هناك... اسمها إيه؟

نظر نصر إلى المكان الذي أشار إليه ثم قال:

- الست ليلى؟

كرر أدهم الاسم في داخله:

- أيوه... ليلى

قال نصر بهدوء:

- دي أم سند... بقت أرملة من كام سنة

تغير وجه أدهم و قال بدهشة:

- أرملة؟

- أيوه... إبن عمها مات و سابلها بت وولد 

البت الكبيرة اتجوزت من سنة والولا لسه عنده عشر سنين

صمت أدهم ثم سأل بعد لحظة:

- جوزها مات إمتى بالظبط

نظر إليه نصر باستغراب و قال:

- إنت تعرفها منين؟

رفع أدهم عينيه إليه كانت هناك لحظة طويلة من الصمتثم قال ببرود:

- خلاص مفيش حاجة 

- يعني إيه مفيش حاجة؟

- بسأل وخلاص يا نصر هو تحقيق و لا إيه

حدق نصر في وجهه كان يعرف أدهم جيدًا ويعرف أنه لم يكن من النوع الذي يسأل عن شخص بلا سبب

- بقولك ياعمي ...

قاطعه:

- قولتلك خلاص بقى متبقاش غتت

 استدار وغادر... ظل نصر يراقبه وهو يبتعد ثم التفت ناحية بيت ليلى

وبدا عليه التفكير.

أما أدهم... فكل خطوة كان يخطوها كانت تأخذه بعيدًا عن الحارة لكنها تعيده إلى اللحظة التي إلتقت فيها عيناه بعينيها

ولأول مرة منذ سنوات تساءل... ماذا لو أن الماضي لم ينتهي كما ظن؟


ماذا سيحدث ياترى......


سنرى......


انتظروني....


بقلمي/فريده الحلواني 

تعليقات