📁 آخر الأخبار

روايه العطارين الفصل الواحد والثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه العطارين الفصل الواحد والثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه العطارين الفصل الواحد والثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه العطارين الفصل الواحد والثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه العطارين 

الفصل الواحد والثلاثون 

فريده الحلواني 


صباحك بيضحك يا قلب فريده



إنتي مش ضعيفة عشان انكسرتي... إنتي قوية عشان رغم كل اللي وجعك لسه واقفة

يمكن الأيام خدت منك حاجات كتير ويمكن ناس كنتي فاكرة إنهم أمان طلعوا أكتر حاجة وجعتك... بس صدقيني اللي كسرك مش أقوى منك ابداااااا

قومي تاني... مش عشان تثبتلهم حاجة عشان تثبتي لنفسك إنك لسه موجوده

ارفعي راسك ولمي وجعك وابدئي من جديد

إنتي مش نفس البنت او الست اللي اتكسرت...إنتي دلوقت واحدة عارفة قيمتها

 وعارفة إن اللي يستاهلك عمره ما هيطلب منك تنسي نفسك عشانه

خلي كل وجع عديتي بيه سبب يخليكي أقوى من أي وقت فات

و هتكوني اقوي و احسن من الكل... أنا واثقة

وبحبك .



لم يبتعد سليمان عن المستشفى كثيرًا

ظل جالسا داخل سيارته في الجهة المقابلة للمبنى بينما كانت صورة الرجل العجوز ما تزال بين أصابعه صورة قديمة باهتة الأطراف لكنها تحمل وجوها لم يعد يستطيع النظر إليها بالطريقة نفسها شاكر... رأفت... والده والعطارين

كلما حاول أن يضع الصورة جانبا عادت جملة رأفت لتضرب رأسه من جديد:

- العطارين مش هما البداية

ضغط على أسنانه ثم تحرك بسيارته يجوب بها شوارع المدينة دون هدف

حتي تعب من القياده فقام بصف السياره داخل شارع خالي من البشر

و ظل جالسا داخلها لا يعلم عدد الساعات التي مرت عليه حتي سمع رنين هاتفها

اعتدل في جلسته ورد سريعًا :

- ها... وصلت لحاجة ؟

- أيوه يا باشا الصورة اللي بعتهالي... قدرت أحدد تقريبًا تاريخها

الصورة دي اتصورت من حوالي ثمانية وتلاتين سنة

تقريبًا قبل ماحضرتك تتولد بأسبوع

تجمدت ملامح سليمان... ثماني و ثلاثون عامًا

قال سليمان بسرعة:

- فين المكان ده... اتصورت فين

- لسه بنحدد المكان بالضبط بس عندنا معلومة أهم

- إيه هي؟

- الشخص اللي كان ماسك الكاميرا وقتها... إسمه موجود في سجل قديم

إسمه عوض حسنين 

اتسعت عيناه وقال باستغراب :

- عوض

الإسم الذي مر أمامه من قبل

الاسم الذي وجده بين أوراق قديمة مرتبطة بملف العطارين

قال بصوت منخفض:

- عوض مين؟

- عوض حسنين... كان شغال وقتها مع مكتب مقاولات كبير والمكتب ده كان بيتعامل مع العطارين

أغلق سليمان عينيه للحظة ثم فتحهما وقال:

-انا عايزه حالًا... هاتهولي من تحت الأرض

- للأسف يا باشا ده مات من سنين

- أكيد ليه إبن... هاتولي إبنه أو أي حد من عياله اتصرف

- حاضر يا باشا... تحت أمرك

وقبل أن يغلق الهاتف أضاف سليمان:

- وفي حاجة تانية... دورلي على أي بلاغ أو محضر اتعمل 

في نفس السنة عن شخص اختفى أو مات

 في ظروف غامضة... سواء من العطارين أو من الناس اللي كانوا حواليهم.


أغلق سليمان الهاتف لكنه لم يتحرك كان يشعر أن شيئًا بدأ يتشكل أمامه

شيئ ظل مدفون سنوات طويلة والآن بدأ أحدهم يرفع عنه التراب


نظر إلى الصورة مرة أخرى ثم تمتم:

- مين اللي مرجعش يا رأفت؟

في تلك اللحظة رن هاتفه من جديد كان رجله أجاب سريعًا

باشا فيه بلاغ قديم فعلا بس الموضوع غريب

- غريب إزاي؟

جاءه الصوت مترددا:

- بإسم شاب إسمه مراد غنيم

توقفت أنفاس سليمان... غنيم... إسم عائلته قال ببطء:

- مراد مين؟

- مراد مسعود غنيم 

سقط الهاتف من يده ظل يحدق أمامه غير مصدق مسعود غنيم...

إسم عمه الكبير لكن عمه لم يكن لديه إبن إسمه مراد

قال بصوت خافت:

- ابعتلي صورة البلاغ حالًا

وبعد دقائق وصل الملف فتح سليمان الصورة قرأ السطر الأول

ثم الثاني حتى وصل إلى خانة صلة القرابة وهناك توقف

كانت الخانة تحمل إسمًا واحدًا زين الدين غنيم... والده

رفع سليمان عينيه ببطء لم يعد الأمر يتعلق بالعطارين فقط

كان والده قد أبلغ عن اختفاء شخص... ثم أخفى الأمر عنه طوال حياته

لكن السؤال الذي جعل الدم ينسحب من وجهه لم يكن... من هو مراد؟

بل... لماذا كان والده آخر شخص أبلغ عن اختفائه؟

فتح سليمان الصورة القديمة مرة أخرى حدق في وجه والده

ثم همس:

- إنت كنت بتدور عليه... ولا كنت عارف هو راح فين؟


وفي مكان آخر... كانت دعاء إبنة عم مي تجلس وحدها يأكلها الغل والحقد من تلك الصغيرة

فقد كانت في زيارة لهم وتسحبت إلى الأعلى كي تفاجئها لكنها تصنّمت مكانها حينما سمعتها

تتحدث مع صالح عبر الهاتف

أرادت أن تقتحم الغرفة وتقتلها لكنها تراجعت في آخر لحظة 

لا تعلم كيف كبتت مشاعرها و قامت بالطرق على الباب و هي تقول بمزاح:

- مي... إنتي يا مزغودة إنتي نعسانة ولاإيه؟

أغلقت الهاتف في وجهه ثم قامت بمسح الرقم سريعا و اتجهت نحو الباب و قلبها يدق بعنف من شده الرعب

ابتسمت باهتزاز ثم قالت :

- لاااه صاحيه تعالي يا بت عمي 

دخلت دون استئذان... رمقتها بنظرة يملأها الكُره جعلت الصغيرة تخاف بشدة ثم قالت :

- أمك عم تشكيلي منك يا خيتي 

نظرت لها بخوف و قالت :

- ليه... أني معملتش حاجة؟ 

- بتجولي إنك بتأجلي جوازك كل شوي والناس

في البلد بدأت تتحدت عليكي 


بكت دون إرادة وقالت بقهر :

- كلياتكم خابرين إني مريداهوش 

في لحظة كانت تمسكها من ذراعها بقوة لدرجة إنها غرزت أظافرها داخل لحمها

وقالت بغل شديد :

- خابره يابت لو محددتيش دُخلتك جريب أني هخليهم يجطعوا خبرك

إنتي شيفالك شوفه تانية و لا اااااايه ؟


هزّت مي رأسها بهستيريا و دموعها تهطل بغزارة فأكملت تلك الحقيرة:

- أني شوفت صالح ولد العطارين جدام الدار من يومين 

الله في سماه لو كتي هتفكري فيه لاهجول لأخوكي 

- إني شوفتكم ويا بعض بتعملوا شين ورى الدار 

شهقت برعب و لم تستطع الرد من شدة صدمتها فأكملت الأخرى بتجبر :

- أني هنزل دلوك أجول لأمك إنك وافجتي... ولو كدبتيني

هجولهم اللي جولتهولك دلوك ويبجى نحضروا عزاكي بدل فرحك ونخلص


تركتها وغادرت سريعًا دون أن تعطيها حق الرد أو الدفاع عن نفسها 

في لحظة جحظت عيناها حينما رأت أمامها زواجها من أكثر شخص تبغضه

ورأت ميراث أبيها يُسلب منها رغمًا عنها من قِبل أخيها الجشع 

ذلك الميراث الذي تتمثل قيمته لديها في ذكرى والدها الحبيب

لا قيمته المادية 

تلبّست ثوب الشجاعة وقامت بالاتصال على صالح وحينما رد عليها

قصّت له كل ما حدث من بين بكائها المرير و بعد أن انتهت قالت بقوة لا تعلم من أين أتت بها :

- لو رايدني صوح... خلصني منيهم 

أني مريداهوش يا صالح هموت لو جرب مني 

أرض أبوي مههملهاش ليه... دي هي اللي بجيالي من ريحته 


اشتعلت النار داخل صدره بعد أن سمع كل هذا وقد ألمه قلبه بسبب بكائها فقال بجنون :

- الله في سماه اللي يجرب منيكي لأكون جاطع رجبته ورامي 

جتته للديابة تنهش فيها 

اسمعيني زين يا حبيبتي... متنطجيش بحرف مع حدى فيهم 

في الليل هحطلك تلافون غير ديه 

جدام الباب الوراني... هيكون بينا رسايل بس اليومين الجايين

- لجل ما حدى يسمعك ولا يفتش في تلافونك 

هجولك على الي هعمله ولو منفعش... وجتها مجدمناش غير حل واحد .




 كان سليمان قد اتخذ قراره لن يسأل شاكر مرة أخرى هذه المرة... سيذهب إليه ومعه إسم مراد

ومعه صورة أبيه ومعه سؤال واحد لن يسمح له بالهرب منه... ماذا حدث في تلك الليلة

لم ينتظر سليمان حتى صباح اليوم التالي

بعد أن أغلق الهاتف ظل للحظات يحدق في صورة البلاغ على شاشة هاتفه وكأن الكلمات أمامه ترفض أن تستقر في عقله مراد مسعود غنيم

إسم لم يسمعه من قبل لكن إسم عمه بجواره جعله يدرك أن هناك جزء كبير من تاريخ عائلته لم يعرف عنه شيئ

أدار محرك السيارة واتجه مباشرة إلى المكان الذي يعمل فيه رجله

كان يريد الملف الأصلي لا صورة هاتف ولا معلومة منقولة

وبعد أقل من ساعة كان يجلس أمامه الذي وضع أمامه ملف بني اللون

فتح الرجل الملف وأخرج عدة أوراق قديمة :

- ده أصل البلاغ وده تقرير البحث عنه

أمسك سليمان الورقة الأولى قرأها بصمت ثم رفع عينيه و قال :

- البلاغ اتعمل إمتى؟

- بعد اختفائه بيومين

- مين اللي عمله؟

- والدك

ضغط سليمان على الورقة بين أصابعه ثم قال :

- ازاي ابن عمي و ازاي محدش جاب سيرته 

طب كان شغال عند أبويا و لا ملوش علاقه بيه ؟

- مفيش أي مستند بيقول إنه قريبه أو شريكه أو حتى موظف عنده

أوراقه كلها اختفت من بعد اختفاءه

- بس لقيت حاجة ممكن تفيدنا

أخرج ورقة أخرى ووضعها أمامه كانت قائمة بأسماء قرأ سليمان أول إسم

ثم الثاني حتى توقف عند إسم مراد وكان بجواره تعليق 

بخط يد قديم... حاضر الاجتماع

رفع رأسه ببطء و سأل بدهشة:

- اجتماع إيه؟

- اجتماع حصل قبل اختفائه بتلات أيام

-كان فين الاجتماع ده ؟

- هنا المشكلة

أشار الرجل إلى الجزء السفلي من الورقة ثم أكمل:

- المكان مش مكتوب كامل

قرأ سليمان الكلمات بصوت منخفض... دار...

ثم اختفى باقي الإسم بسبب تمزق الورقة

رفع عينيه وقال:

- دار إيه؟

- مش عارف

ظل سليمان صامتًا للحظات ثم قال:

- عايزك تعرف مين كتب الورقة دي

- حاولت فعلًت وإكتشفت إن الخط شبه خط شخص تاني


نظر له سليمان باهتمام فوضع الرجل أمامه صورة أخرى

تأملها سليمان بتركيز كان الخط نفسه تقريبًا وفي أسفل الصورة إسم

شاكر عبد الحي تجمدت ملامحه و قال بصدمة:

- شاكر؟

- أيوه... هو يا باشا

نهض سليمان من مكانه فجأة وقال بجنون :

- انا هروحله حالًا




كان شاكر جالسًا في مكتبه عندما فُتح الباب فجأة و دخل سليمان

وحين رأى شاكر وجهه تبدلت ملامحه و قال بغضب:

- إنت اتجننت إزاي تدخل عليا كده؟

أغلق سليمان الباب خلفه بهدوء... وقف شاكر ببطء وقال :

- قولتلك متجيش مفيش حاجة عندي هتفيدك

- وأنا قولتلك إنك هتشوفني تاني

حدّق شاكر فيه للحظات ثم قال:

- عايز إيه؟

اقترب سليمان ووضع الملف فوق المكتب :

- مراد

لمعت عينا شاكر للحظة وكانت تلك اللحظة كافية ابتسم سليمان بسخريةثم قال :

- يبقى تعرفه... صح ولا أنا خمنت غلط ؟

جلس شاكر ببطء ثم قال بكذب :

- مين قالك الإسم ده... أنا أول مرة أشوفه

- هعمل نفسي مصدقك... ده المفروض يبقى إبن عمي

ارتجف وجه شاكر فأخرج سليمان صورة البلاغ ووضعها أمامه

- أبويا هو اللي بلّغ عن اختفائه

ظل شاكر يحدق في الورقة لم يتفوّه بحرف فقال سليمان:

- كنت عارف... صح

رفع شاكر عينيه إليه وقال:

-أنا معرفش حاجة

ضحك سليمان بمرارة وقال :

- متكذبش عليا يا شاكر... مش من مصلحتك صدقني

- أنا مش بكذب

- أومّال ليه وشك اتغير أول ما قولت اسمه؟

صمت شاكر فتح سليمان الملف وأخرج الصورة القديمة

وضعها أمامه ثم قال :

- الصورة دي فيها أبويا... وفيها العطارين... وفيها مراد

توقف لحظة ثم قال:

- وفيها أنت وأخوك رأفت

أغمض شاكر عينيه وقال :

- سليمان... سيب الموضوع ده ملكش دعوه بيه

إنت عايز حقك من إخواتك اللي أكلوا ورثك

مالك إنت بكل ده ؟

- لااااااا... مش هسيبه غير لما أجيب آخره

- الموضوع ده أكبر منك

- وأنا مش صغير و لا قليّل وإنت عارف كده كويس

- أنت مش فاهم حاجة

- يبقى فهمني

صمت شاكر للحظه ثم مد يده إلى الصورة ولمس وجه مراد بطرف إصبعه

وقال بصوت مكسور:

- مراد مكانش بيحبهم ومكانش يُعتبر واحد منهم

تجمد سليمان وسأل باهتمام :

- أومّال كان إيه وليه مكنش بيحبهم ؟

رفع شاكر عينيه إليه وقال :

-مراد كان شاهد

- شاهد على إيه؟

ابتلع ريقه وقال :

- على اللي حصل في الليلة دي

- أنهي ليلة؟

لم يجب 

اقترب سليمان منه وقال:

- الليلة اللي مراد اختفى فيها؟

هز شاكر رأسه ببطء :

- أيوه.... ونفس الليلة اللي كل حاجة إتدمرت

- مين قتله؟

انتفض شاكر وقال بغل :

- محدش قال إنه اتقتل

ابتسم سليمان ابتسامة باردة :

- يعني مات؟

ظل شاكر صامتًا وهنا تغير كل شيء في وجه سليمان

- مات... صح؟

قال شاكر بصوت خافت:

- مراد اختفى

- ومحدش لحد النهارده عرف راح فين؟

- أيوه... حتى أنا معرفش راح فين


شعر سليمان بأن قلبه يخفق بعنف فسأل بتوجس:

- وأبويا؟

أخفض شاكر عينيه وقال: 

- كان موجود هو وإخواتك كلهم 

- يبقى إيه اللي حصل؟

رفع شاكر رأسه فجأة وقال:

- مراد دخل الاجتماع ده وهو فاكر إنه جاي يخلص صفقة...

- وخرج منه وهو شايل سر لو اتكشف وقتها... كان هيهد عيلتين

اقترب سليمان أكثر :

- سر إيه؟

  لم يجب عليه اكتفى بأن قال:

- اسأل نفسك سؤال أهم

نظر إليه بعينين ممتلئتين بالخوف والغل أيضًا ثم قال :

- مراد كان عارف إيه عن أبوك... وإيه اللي خلى أبوك يبلّغ عن اختفائه بنفسه؟


تراجع سليمان خطوة لأول مرة شعر أن الحقيقة ليست مدفونة في الماضي فقط...

بل أن والده كان يقف في قلبها قبل أن يتفوّه بحرف وجد شاكر يقول بغضب :

- بقولك ااااايه... كفايه كده بقى 

نبشك ورايا وورى الماضي هيضيّعلي كل اللي عملته من تمانية وتلاتين سنة

إنت متتخيلش أنا صبرت إزاي ولا عملت إيه 

وأول ما قربت أوصل لإنتقامي جاي إنت تضيّعلي كل ده 

إبعد عني يا سليمان وروح خد ورثك من إخواتك قبل ما كل حاجة عندهم تضيع


نظر له بغضب و لا يعلم لما ألمه قلبه حينما علم نيته وما سيفعله بإخوته 

لم يرد عليه بل تركه وغادر سريعًا وداخله إصرار أكبر على كشف الحقيقة .



بعد مرور عدة ساعات وصلته رسالة بها رقم هاتف إبن عوض

اتصل به وقال : 

- إنت إبن عوض الله يرحمه صح

- أيوه... إنت مين ؟ 

ردّ بقوة ودون مواربة :

- انا سليمان عبدالحي غنيم 

تصنّم الرجل في مجلسه فأكمل الآخر بذكاء :

- شكلك انصدمت صح... يبقى عرفت من أبوك كل حاجة حصلت زمان 

هسألك سؤال واحد وتجاوبني عليه

 أنا عايز أعرف مراد مات إزاي ؟

ساد صمت طويل ثم تغير صوت إبن عوض هو يقول بصدق :

- مين قالك إنه مات؟

- يعني إيه... أنا قولتلك سؤال يبقى تجاوب مش ترد بسؤال غيره

قال الرجل بصراحة :

- مراد مماتش قدام أبويا

- أومّال اختفى ليه؟

- لأنه كان لازم يختفي

سأله سليمان بسرعة:

- مين خلاه يختفي؟

جاء الرد:

- أبوك

ساد الصمت قال سليمان:

- أبويا... طب ليه ده المفروض إنه إبن أخوه

- لأن مراد كان عايز يفضح كل حاجة

- كل حاجة زي إيه؟

- اللي حصل في دار العطارين

- قولّي الحقيقة وليك عندي الآمان غير إني هدفعلك كل اللي إنت عايزه

- انا لو كنت عايز فلوس كنت عرفت أخدها إزاي من إخواتك

صدقني الحقيقة مش هترجعلك أبوك

- أنا مش عايز أبويا يرجع... أنا عايز أعرف كان بيعمل إيه

سكت الرجل للحظات ثم قال:

- أبوك مكنش وحش يا سليمان... يمكن اتصرف بقسوة زمان

بس كان لازم يعمل كده عشان مصلحة العيلة كلها 

لو مكنش عمل كده مكنش دلوقت في حاجة إسمها عطارين أصلًا


سأله بجنون وقد كاد عقله أن ينفجر 

- طب ليييييه... ليه ظلمني وليه أجبر إبن أخوه يختفي

و ليه شاكر بيحاربهم ؟

ردّ عليه الرجل بصدق وإشفاق أيضًا :

- قولتلك عشان يحافظ على الكل 

سامحني... أنا حالف على المصحف وأخد عهد إني

منطقش حرف أكتر من كده 

لو قتلتني مش هخون عهد أبويا بس هقولك

رسالة سابهالك قبل ما يموت لأنه كان عارف إنك هترجع


سأله بلهفة شديدة :

- قالك إيه ؟

- بيقولك إخواتك مش وحشين بلاش تخسرهم

- وبلاش تبقى سِكينة في إيد شاكر يدبحهم بيها

بيقولك شاكر ده شيطان إوعى تصدق منه كلمة ولا تمشي وراها

بيقولك كنوز الدنيا مش هتعوض إخواتك... روحلهم وحُط إيدك

في إيديهم بدل ما تحاربهم .




لم يكن سعد من الرجال الذين يستطيعون الجلوس كثيرًا أمام سر يخص عائلته

منذ أن أخبره والده بما يعرفه عن الماضي وهو يشعر أن شيئًا تغيّر داخله

كان يجلس وحده داخل مكتبه الصغير وقد ألقى جسده إلى الخلف فوق المقعد الخشبي

 بينما راحت عيناه تتنقلان بين الأوراق الموضوعة أمامه

مد يده إلى إحدى الأوراق قائمة أسماء قديمة أخرى تخص أملاك

وثالثة لا يفهم لماذا احتفظ بها والده طوال هذه السنوات

رفع سعد رأسه حين سمع خطوات تقترب دخل عبد العزيز

توقف لحظة عندما رآه على تلك الحالة ثم قال:

- مالك يا سعد؟ من ساعة ما جيت وإنت قاعد هنا لوحدك

لم يرفع سعد عينيه قال بهدوء غريب

- بفكر

اقترب عبد العزيز وجلس أمامه :

- في إيه؟

رفع سعد ورقة من أمامه وقال:

- فاكر لما أبويا حكالي إن في حاجات حصلت زمان ومحدش بيتكلم عنها؟

تغيرت ملامح عبد العزيز قليلا وقال :

- أيوه فاكر

-طب أنا مش قادر أطلعها من دماغي

تنهد عبد العزيز و قال:

- يا جن... أبوك قالك اللي يعرفه ومش معنى

 إن فيه حاجات مستخبية إنك لازم تفتح كل باب

و بعدين هو إيه مصلحته إنه يخبي عليك حاجة

رفع عينيه إليه وقال بقوة:

- لأ طبعًا... لو في سر يخص العيلة يبقى لازم أعرفه

ماهو اللي بيحصل ده ميدخلش نفوخي الصراحة

أبويا قالّي مفتاح السر ومقالش كل التفاصيل

حلّفني منطقش حرف وأنا قولت أمين 

بس لما بدأت أدوّر لقيت بلاوي مينفعش أعمل نفسي مغفل 

وأسيبها تعدي من تحت إيدي

صمت عبد العزيز فأكمل سعد:

- إحنا دفعنا تمن حاجات كتير من غير ما نعرف سببها

 ناس اتفرّقت وناس إتجوزت غصب عنها وناس

 عاشت سنين وهي شايلة كره مش فاهمه سببه


نظر إليه عبد العزيز بتركيز ثم قال :

- إنت عايز توصل لإيه؟

- عايز أعرف ليه... ليه كل ده بيحصل

انتفض من مقعده فجأة و قال بحسم : 

- أنا مش هقعد ألف حوالين نفسي 

أنا هروح لسليمان وأواجهه باللي عندي و هو يقول اللي عنده

انتفض الآخر وقال بخوف:

- يا نهار إسود... إنت عايز أبوك يتبرى منك

ده إنت الوحيد اللي أمّنك على السر 

و لو كان عايز يواجه أخوه كان راح بنفسه 

إعقل يا سعد... أكيد في حاجة أبوك مش عايز حد يعرفها

عشان كده مش عايز يواجه سليمان .


تحرك من موضعه و هو يلملم أشياءه ويقول : 

- أبويا خبي عليّا حاجات كتير يا زيزو

يا دوب قالّي القشرة... أنا مش هقعد أتفرج وأهلي

بيتوجعوا ويضيعوا قدام عيني 

الليله دي لازم تتلم بقى... كفاية كده . 





في الجهة الأخرى من الدار... كانت بهية تسير في الممر وهي تحاول أن تبدو طبيعية

لكن عقلها لم يكن معها منذ مكالمة سليمان وهي تشعر أن كل جدار حولها يراقبها

كان عليها أن تجد الأوراق لم يكن أمامها خيار دخلت غرفة قديمة تخص العائلة وأغلقت الباب خلفها... بدأت تفتش الأدراج واحد تلو الآخر حتى وصلت إلى درج صغير مغلق

جرّبت المفتاح فتح شهقت كان بداخله مجموعة أوراق قديمة

سحبتها بسرعة وبينما كانت تقلبها وجدت ظرف بني مكتوب عليه بخط يد قديم:

- أرض العطارين — لا يُفتح إلا عند الضرورة

ارتجفت يدها فتحت الظرف لكن قبل أن تقرأ محتواه...

سمعت صوت خلف الباب

- بهية؟

تجمدت كان صوت رجب أخفت الأوراق بسرعة تحت عباءتها وقالت :

- أيوه يا حج

- بتعملي إيه جوه؟

ابتلعت ريقها وقالت:

- بدور على طشط نحاس جديم كان حِدانا

نظر إليها بشك ثم قال:

- وشك متغير ليه؟

ابتسمت بصعوبة ثم قالت :

- مفيش... التراب بس وجعلي صدري مجدرتش أتنفس

ظل يراقبها ثم قال:

- بهية... لو في حاجة مضيجاكي جوليلي

كادت الكلمات تخرج من فمها لكنها تذكرت تهديد سليمان

هخلي كل اللي حواليكي يدفعوا تمن لعبك الوسخ معايا

خفضت عينيها وقالت:

- مفيش يا رجب... يلا عاد روح شوف اللي وراك 

وأني هجيب اللي ريداه من إهنيه وأطلع طوالي

رغم عدم إرتياحه إلا أنه تركها و غادر وما إن أغلق الباب حتى أخرجت الأوراق من جديد

فتحت أول صفحة قرأت سطرًا واحدًا فتوقفت أنفاسها

- لو لجيتوه هيخرب الدنيا يا ولدي

إرميله اللي رايده لجل ما نحافظ على السر 

وتحتها... خمس أسماء أحدها كان إسم زوجها والثاني إسم دياب

والثالث أدهم والرابع خميس

أما الخامس فكان سليمان زين الدين غنيم

رفعت بهية رأسها بصدمة

- يا نهار أسود...

لم تكن تعرف أن سليمان لا يبحث عن ورق الأرض فقط

بل كان إسمه موجود فيه منذ البداية.....

أمسكت ورقة صغيرة وحينما قرأت ما بداخلها تجمد الدم في عروقها . 



وصل سعد إلى الفيلا التي يقيم فيها عمه... رغم صدمة سليمان بوجوده الذي لم يتوقعه

إلا أنه أمر الحرس أن يدخلوه 

وقف الإثنان أمام بعضهما البعض... ندًا بند 

و عزمًا بعزم فتحدث الآخير بسخرية: 

- الجن جاي بنفسه هنا 

الصراحة... حركة جريئة منك متوقعتهاش 

ابتسم سعد بسخرية هو أيضًا ثم قال بقوة وغموض

- أنا محدّش يتوقعني... تعالي نلعب على المكشوف

- هقول اللي عندي وهتصدقني... وأسمع اللي عندك وهصدقك

سأله سليمان بتوجس بعد أن رأي تلك النظرة القوية داخل عينه والتي لا تنم على شُبهة كذب

- وإيه يضمنلي إنك بتقول الحقيقة أو إنك عارف حاجة أصلًا 


مد سعد ذراعيه خلف ظهره ثم أخرج بعض الأوراق التي كان يخفيها

داخل قميصه من الخلف 

وضعها بقوة أمام سليمان ثم قال : 

- انا مش جاي أهري على الفاضي 

أنا جايلك بالناهية عشان نخلص بقى 

هااااااا... أمين يابا... شوف ده و هات اللي عندك بقي .


ماذا سيحدث ياترى.....


سنرى........


انتظرووووووني.......


قلمي/فريده الحلواني 

تعليقات