روايه العطارين الفصل الثاني والثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه العطارين الفصل الثاني والثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه العطارين
الفصل الثاني والثلاثون
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
الأمل مش معناه إن الطريق هيبقى سهل الأمل إنك تفضلي ماشية حتى وإنتي مش شايفة نهايته
وصدقيني أوقات أجمل البدايات بتطلع من أكتر اللحظات اللي افتكرنا إنها نهايتنا
كملي و هتوصلي... أنا واثقة
وبحبك.
ظل سعد واقف في مكانه بينما بقيت الأوراق فوق المكتب بينه وبين سليمان
كان الصمت ثقيل بصورة جعلت سليمان يشعر أن شئ غير طبيعي يختبئ خلف تلك النظرة التي لم يفهمها بعد
مد يده نحو الأوراق لكنه لم يلمسها ثم قال بحدة:
- هات اللي عندك يا سعد... أنا مش فاضي اقرى ورق
لم يتحرك الآخر بل قال بثبات:
- قبل ما أقولك أي حاجة... عايزك تسمعني للآخر
ابتسم سليمان بسخرية وقال:
- إنت جاي تديني درس ولا إيه... قول اللي عندك وإخلص
تنفس سعد ببطء ثم قال:
- إنت طول عمرك فاكر إنك ابن زين الدين غنيم أو عبدالحي غنيم
زي ما الناس كلها عارفه إسمه
تغيرت ملامح سليمان و نظر له باستغراب ثم قال :
- مش فاكر... أنا إبنه فعلًا
خفض سعد عينيه للحظة ثم رفعهما إليه و قال بحذر:
- لأ
ساد الصمت لم يفهم سليمان الكلمة في البداية
حدق فيه وكأنه ينتظر أن يضحك أو يتراجع لكنه لم يفعل
اقترب سليمان خطوة وقال بهدوء خطر:
- انت قولت إيه؟
- بقولك... زين الدين مش أبوك
ضحك سليمان ضحكة قصيرة خرجت بلا روح ثم قطعها فجأة وقال:
- إنت اتجننت... ولا دي لعبة جديدة من ألاعيب أبوك
- ولا أنا إتجننت ولا أبويا يعرف إني
جايلك أصلًا... أنا بقولك الحقيقة
ارتفعت نبرة سليمان و هو يقول بغضب لم يستطع كتمه:
- حقيقه اااااااااايه... أبويا اللي ربانى وكبرني
وعشت تمنتاشر سنة وأنا شايل إسمه... مش أبويا؟
- جدي هو اللي رباك... بس مش هو اللي خلفك
اندفع سليمان نحو المكتب وضرب بيده فوق الأوراق وهو يصرخ
- إنت فاكرني هصدق الكلام ده... بعد العمر ده كله
و بعد اللي عملوه فيا زمان باعتينك تقول الهبل ده
وفاكرين اني ممكن اصدق
لم يرد عليه كان يراقب وجهه الذي بدأ الغضب فيه يتحول إلى جحيم
وشك لأنه لم يري داخل عين سعد أي لمحة كذب أو خداع
هدا للحظة ثم قال :
- جبت منين الكلام ده يا سعد؟
- لما إنت بدأت تظهر وتهدد العيلة... أبويا قعد معايا لوحدي
حكالي اللي حصل زمان كله
وعرّفني الحقيقة عشان لو جراله حاجة أنا أشيل الشيلة بداله
ده غير أوراق إدهالي عشان تبقى إثبات على كلامه
- ورق إيه ده ؟
- قسيمة جواز أمك... وشهادة وفاتها اللي نفس تاريخ
شهادة ميلادك الأصلية مش التانية
نظر له بجنون ثم قال بعدم تصديق:
- يعني أبويا الحقيقي سجلني بإسمه وجدك زور
شهادة تانية بإسمه هو؟!
- لأ مش كد... لما أمك ماتت إتسجلت بإسم جدي في نفس اليوم
بس بعد كده جدي لغاها وسجل واحدة تانية
بتاريخ مختلف عشان أبوك الحقيقي ميعرفش إنك موجود
نظر له بقوة رغم أنه يشفق عليه وقال:
- لو مش مصدق كلامي ولا الورق اللي قدامك ده... تقدر تعمل تحليل وتتأكد إنك مش أخوهم
توقف سليمان نظر إليه وقال بتيه:
- تحليل إيه... مش فاهم؟
قال سعد بهدوء: DNA
ساد الصمت من جديد هذه المرة لم يرد سليمان
كأن الكلمة وحدها كانت كافية لتفتح في داخله بابًا لم يكن مستعد لرؤيته
جلس ببطء مرر يده على وجهه وقال:
- إنت بتتكلم عن إيه بالظبط... أنا دماغي وقفت
جلس سعد أمامه و بدأ يحكي بهدوء كي يستوعب ما يقول:
- كان عنده أخت
رفع سليمان عينيه إليه وقال بعدم فهم:
- أخت إزاي وأنا معرفش عنها حاجة؟!
أنا مكنش ليا عمة ابدًا
إبتلع سعد ريقه وأكمل:
- محدش كان بيتكلم عنها
كانت بتحب واحد غريب عن البلد
مهندس زراعي كان شغال في أرضهم
ظل سليمان صامت لكن الصدمة جليّة على وجهه... قلبه يخبره أن ما يسمعه حقيقة لا كذب فيها
- هي كانت عارفة إن أهلها مش هيوافقوا عليه فهربت معاه واتجوزته
تغير وجه سليمان وسأل باهتمام:
- وبعدها... حصل إيه؟
- جدي عرف وفضل يدور عليها لحد ما لقاها
- عملها إيه....
- استنى لما جوزها سافر في شغله... وراح أخدها بالقوة
نهض سليمان مرة أخرى وقال:
- ليه عمل كده ؟
- عشان يرجعها لأهلها... كان زعلان منها لدرجة إنه كان ناوي يقتلها
تجمدت ملامح سليمان وقال بصدمة:
- يقتل أخته... طب ما كان أعلن جوازها وخلاص
- أيوه يقتلها لأن عيلة العطارين مش بتجوز من بره
غير إن في رأيه إنها جابتلهم العار
أكيد إنت مش ناسي عادات الصعايدة
تنهد بهم ثم أكمل :
- ساعتها اكتشف إنها حامل... فيك انت
اتسعت عينا سليمان ولأول مرة منذ بداية الحديث لم يجد كلمة واحدة يرد بها
قال سعد:
- إنت كنت سبب أن امك متتقتلش يا عمي
تراجع سليمان خطوة وكأن الأرض تحركت من تحته همس:
- أنا؟
نظر سليمان إلى الأوراق أمامه ثم إلى سعد ثم عاد ينظر إلى الفراغ ثم صرخ بجنون:
- لااااااااا... لأ... الكلام ده مستحيل
كان يعرف في أعماقه أن شيئ ما في صوت سعد لم يكن يسمح له بالهروب
ظل سليمان واقف في مكانه عاجز عن استيعاب الكلمة التي ما زالت تتردد داخل رأسه
- فيك انت
كأن سعد لم يقل أكثر من كلمة واحدة لكنها كانت كافية لتهدم ثلاثة عقود كاملة من اليقين
حرك رأسه بالنفي ثم قال بصوت متقطع:
- لأ... لأ يا سعد... إنت غلطان أكيد ابوك
كدب عليك عشان ميطلعش أكل ورث أخوه الصغير
- مش غلطان يا عمي وأبويا مبيكدبش
الورق عندك يثبت كلامه
- يبقى الورق غلط
- اعمل التحليل
صرخ سليمان:
- أنا مش هعمل حاجة
انتفض سعد من مكانه وقال بقوة:
- ليه... خايف تعرف إن اللي بقوله صح
التفت إليه سليمان بعنف وقال:
- أنا مش خايف من حاجة
- أومّال بتهرب ليه؟
ساد الصمت كان سليمان يلهث صدره يعلو ويهبط بعنف
اقترب سعد منه وقال:
- أنا مش جاي أكسرك يا عمي... أنا جاي أقولك الحقيقة
- متقوليش يا عمي
توقف سعد وسأل باستغراب يشوبه الوقاحة:
- ليه... هي كلمة أبيحه لامؤخذة؟
- لأنك مش عارف أنا حاسس بإيه دلوقت
وضع سليمان يده على صدره وأكمل:
- أنا طول عمري بقول إن الراجل ده أبويا...
طول عمري شايف صورته قدامي سمعت صوته
عشت إسمي جنب إسمه... دلوقت تيجي تقولّي إنه مش أبويا
اختنق صوته وهو يكمل بحزن شديد:
- حتى لو كان بيقسى عليا... دياب كان بيعوضني قسوته
وحتى لما ظلمني وكتب كل حاجة ليهم فضلت أحبه
عشان بس أبويا
ورغم إني كنت راجع أنتقم... بس من جوايا عارف إنهم إخواتي
سحب نفسًا عميقًا كي يتمالك نفسه ثم سأله بضعف:
- طب أمي... أمي مين... إسمها إيه؟
تردد سعد ثم كاد أن يقول إسمها... لم يكمل... صرخ سليمان:
- إسمها إاااااايه انطق
قال سعد:
- محدش عارف إسمها إيه
حتى الورق اللي قدامك إسمها متشخبط عليه مش باين
ضحك سليمان بسخرية موجوعة وقال:
- حتى إسم أمي مش عارفه؟
لم يرد عليه فجلس سليمان على المقعد وكأن جسده لم يعد قادر على حمله
ظل ينظر أمامه ثم قال:
- وإيه اللي حصلها بعد ما خطفها من جوزها
ابتلع سعد ريقه وقال:
- لما عرف إنها حامل... غير قراره
قال إنه هيستنى لحد ما تولد وبعدها يقتلها
انخفض رأس سليمان كانت الفكرة أبشع من أن تدخل عقله
أمه كانت امرأة أحبت رجل هربت معه ثم وقعت في يد أخيها
وكان قرار أخيها أن يتركها حتى تلد... ثم يقتلها
قال بصوت خافت:
- كان هيقتل أمي؟
- أيوه
أغمض سليمان عينيه مرت لحظات طويلة قبل أن يقول:
- وبعدين... إيه اللي حصل بعد كده
- وهي بتولد... ماتت
ظل سليمان يحدق فيه ثم خرجت منه ضحكة موجوعة وهو يقول:
- حتى أمي ماتت وهي بتولدني...
خفض رأسه وضع يده على عينيه لكنه سرعان ما أنزلها وكأنه يرفض أن يسمح لنفسه بالبكاء
قال بوهن:
- كمل يا سعد
- جدي سجلك بإسمه والكل عرف إنك إبنه
وصدقوا عادي لأن ستي مكنتش بتخرج من البيت
فمحدش بيشوفها لما بتحمل ولا بتولد
وعشت وسطهم على إنك سليمان عبد الحي غنيم
وهي قالوا إنها ماتت بالحمى وإندفنت عادي وأخدوا عزاها
رغم رغبته الشديدة في البكاء إلا أنه تمالك حاله وقال:
- طب أبويا الحقيقي... كان يعرف إني موجود؟
كان يعرف إن مراته كانت حامل فيا ؟
يعني خاف منهم وسابني ليهم ومفكرش حتى يسأل عليا؟
هنا سكت سعد فقال سليمان:
- سعد... متسكتش كمل... قولّي كل حاجة
رفع سعد عينيه إليه وقال:
- أبوك الحقيقي مايعرفش إنك موجود أصلًا
هوَ فاكر إن كل اللي حصل انتهى من زمان
يعني مراته أهلها خطفوها بعدين ماتت وخلاص
- مين هو؟
ظل سعد صامت نهض سليمان وصرخ بجنون:
- مين أبويا ياااااااا سعد؟
قال الأخير بتمهّل وحرص:
- كل اللي أعرفه إن إسمه رأفت واختفى من وقتها
اتسعت عينا سليمان وسأل بصدمة:
- رأفت مين؟
- و الله ماعرف يا عمي... أبويا قالّي كده بس
تراجع سليمان خطوة هذه المرة لم يستطع حتى النطق بحرف
رأفت... الرجل الذي ظل إسمه يتكرر أمامه خلال الأيام الماضية
الرجل الذي ارتبط بكل أسرار الماضي الرجل الذي لم يتخيل للحظة أنه يمكن أن يكون... أباه
قال بصوت يكاد لا يسمع... رأفت...
جلس سليمان من جديد لكن هذه المرة لم يكن جلوس رجل منهك
كان جلوس رجل فقد القدرة على الوقوف أمام الحقيقة
قال سعد:
- دي كده كل الحقيقة اللي عندي... الباقي بقى عند أبويا
ظل سليمان صامت ثم سأل بصوت منكسر:
- يعني أنا طول عمري عايش بإسم زين الدين...
توقف ثم أكمل:
- أبويا الحقيقي عايش... ومش عارف إن أنا إبنه
سأله سعد بعدم فهم:
- إيش عرّفك أنه لسه عايش؟
ما يمكن مات إنت بتتكلم في خمسة وعشرين
سنه يا عم سليمان يعني عمر تاني
رفع سليمان يده إلى وجهه هذه المرة لم يستطع منع دمعة وحيدة من السقوط
مسحها سريعًا ثم قال:
- أنا مش مصدقك... مش قادر أصدقك
قال سعد بهدوء:
- وأنا مش طالب منك تصدقني ثم أشار إلى الأوراق:
- اعمل التحليل يا عمي عشان ترتاح وتريحنا
رفع سليمان عينيه إليه وسأل بتِيه:
- ولو طلعت صح؟
أجابه سعد:
- ساعتها... هتعرف إن كل اللي كنت فاكر إن إخواتك عملوه فيك غلط
وإنتقامك ملوش لازمة
ظل سليمان يحدق فيه لأول مرة في حياته لم يكن يعرف... من هو
ظل جالس في مكانه وكأن جسده فقد القدرة على الحركة
كانت عيناه معلقتين في نقطة بعيدة بينما الكلمات الأخيرة التي قالها سعد
تدور في رأسه بلا توقف... رأفت... أبوك الحقيقي
رفع يده إلى جبينه وضغط بأصابعه على صدغيه ثم قال بصوت خافت:
- أنا محتاج أفهم... في حاجه ناقصة
إنت بتقول إن زين الدين مش أبويا... وإن أمي أخته
وإن أبويا الحقيقي رأفت... طب ليه مجوزهالوش
و ليه رأفت مدورش على مراته
في جوايا ألف ليييييييه محتاجة إجابة
رفع سعد عينيه إليه وقال بهدوء:
- عشان كده أنا مش هكمل لوحدي أخرج هاتفه من جيبه
نظر سليمان إليه باستغراب وقال:
- هتعمل إيه؟
- هكلم أبويا لأن اللي عرفته أنا مش كل الحقيقة
أبويا كان واحد من الناس اللي عاشوا كل ده من الأول
وأنا متأكد إنه خبى عليا حاجات كتير
فلازم ييجي ويكمل بقى باقي الحكاية
- هتقوله ييجي هنا... دلوقت؟!
طب ايه اللي يخليك واثق إنه هيقول حاجة؟
- مش هسيبه يمشي قبل ما يقول
أمسك سعد الهاتف لكنه توقف لحظة قبل الاتصال
ثم نظر إلى سليمان وقال:
- بس لازم تعرف حاجة.. أبويا مش هيحب إنك تعرف الحقيقة دي
ده هيفشخني عشان جيتلك من غير ما أقوله
بس تمام مش مهم خلينا نخلص بقى ونفوق لدنيتنا
ابتسم سليمان بمرارة وقال:
- هو في حد بعد اللي سمعته ده لسه فاكر إن عنده
حق يخبي عني حاجة؟
ضغط سعد على زر الاتصال رن الهاتف مرة مرتين ثلاث
ثم جاء صوت دياب من الطرف الآخر:
- أيوه يا سعد
قال سعد:
- أبا... إنت فين؟
- في البيت... في إيه؟
-أنا عند عم سليمان... عايزك تجيلنا
تغير صوت دياب وظهر عليه الغضب وهو يقول:
- سليمان... اااااايه اللي وداك عنده من غير ما تقولي يابن الكلب ؟
هو ده السر اللي أمّنتك عليه
رد عليه سعد بقوة:
- مبقاش سر يابا... ده اللي كان لازم يتعمل من زمان
إحنا كلنا هنضيع لو سكتنا أكتر من كده... تعالي يابا وخلينا نخلص
من الليلة دي إحنا ورانا هم تقيل وإنت عارف
- انت فاكر اللي مستخبي سهل يابني إنت متعرفش حاجة
- عارف أنه مش سهل... بس هو من حقه يعرف
وإحنا كمان يا حج... كفاية بقى
قال دياب بصوت منخفض:
- أنا مش هقدر أقول حاجة
- هتقدر يابا
- سعددددددددد
- تعالى يابااااا... خلاص خلصت
صمت دياب ثم قال:
- إنت مش فاهم اللي هتفتحه ده هيعمل في العيلة إيه
- عارف وأنا في ضهرك متخافش
- لأ... إنت مش عارف حاجة
الله يخربيت أمك يا جدع اقفل أنا جاي
أغلق دياب الهاتف ظل سعد ينظر إلى الشاشة للحظات
قال سليمان:
- هييجي؟
- أيوه... هو هيطلع ميتين أهلي أنا عارف بس تمام.
بعد مرور نصف ساعة سمعا صوت سيارة تتوقف أمام الفيلا
رفع سعد رأسه أما سليمان فظل ثابت في مكانه
قال سعد:
-أهو وصل... ربنا يستر
نظر سليمان نحو الباب كانت عيناه تحملان خليط من الغضب والخوف والحنين أيضًا
ثم قال لأحد الحرس بالخارج عبر الهاتف:
- خليه يدخل
تردد لحظة ثم أضاف بصوت أكثر حسم بعد أن أغلق الهاتف:
- المرة دي... محدش هيخرج من هنا قبل ما أعرف الحقيقة كلها
فتح الباب ودخل دياب وبمجرد أن وقعت عيناه على سليمان... توقف في مكانه
لم يكن وجهه وجه رجل فوجئ برؤية شخص
كان وجه رجل رأى أمامه... سر دفنه بيديه منذ عشرات السنين
دخل دياب بخطوات بطيئة ثم أغلق الباب خلفه لم يتحرك
ظل واقف عند المدخل وعيناه معلقتان بسليمان
أما الاخير فبقي جالس يراقبه في صمت مرت ثوان
ثواني كان فيها وجه دياب يتغير شئ فشيئًا وكأن السنوات كلها عادت أمام عينيه دفعة واحدة
ذلك الطفل الذي كان يحمله بين ذراعيه... الصبي الذي كان ينتظره عند باب المدرسة
الشاب الذي كان يراه كل يوم أمامه... ثم اختفى
اقترب دياب خطوة كانت عيناه ممتلئتين بشيء لم يستطع إخفاءه
اشتياق وحزن وحنين لرجل ظن طوال سنوات أنه مات
قال بصوت متهدج:
- قبل أي حاجة...
توقف وحاول أن يسيطر على صوته
- عايزك تتأكد من حاجة واحدة يا سليمان
رفع سليمان عينيه إليه قال دياب:
- إنت عمرك ما كنت بالنسبالي أخويا الصغير وبس
ارتجفت شفتاه وهو يُكمل:
- إنت كنت إبني
تجمد سليمان أكمل دياب:
- أنا اللي ربيتك... من وإنت صغير لحد ما بقيت عندك تمنتاشر سنة
ابتلع ريقه وأكمل:
- أنا اللي كنت بشيلك لما تتعب
- وأنا اللي كنت بستناك لما تتاخر
وأنا اللي كنت بعلمك تمسك القلم وتكتب
اغرورقت عيناه وهو يكمل:
- ولما جالي خبر موتك... أنا اتقهرت عليك
خفض رأسه وأكمل بحزن شديد:
- اتقهرت عليك كأني خسرت إبني بجد
ظل سليمان ينظر إليه ثم ارتعشت ملامحه تذكر فجأة أشياء صغيرة كان يظنها عادية
يد دياب فوق رأسه صوته وهو يوبخه ليالي مرضه أول مرة خرج فيها معه للصيد
ضحكته حين كان يعود من المدرسة غاضبًا
قال سليمان بصوت مكسور:
- عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟
رفع دياب عينيه إليه فأكمل بقهر:
- إني فاكر كل ده... فاكر إنك كنت بتخبيني من أبويا لما أغلط عشان متعاقبش
ابتسم وسط دموعه وأكمل:
- فاكر إنك كنت بتقولي وأنا صغير... محدش يقدر يمد إيده عليك طول ما أنا موجود
اللي يضربك كسّر أمه وملكش دعوة
سكت لحظة ثم قال:
- وأنا كنت فاكر إن ده كله عشان أنا أخوك الصغير
انخفض صوت دياب و هو يرد عليه بحزن شديد:
- لااااا....عشان كنت إبني بجد يابني
من يوم ما شيلتك بإيدي وإنت لسه حتة لحمة حمرا
- وأنا قلبي اتعلق بيك كأنك إبني بجد وربنا شاهد على كلامي
ارتجف صوت سليمان وهو يقول:
- زي الفل... عرفت إنك اعتبرني إبنك
طب ليه سبتني غبي مش عارف حاجة
ليه خلتوني أعيش كل السنين دي وأنا فاكر إن أبويا هو زين الدين
خفض دياب رأسه وقال بصدق:
- عشان الحكاية بدأت قبل ما إنت تتولد
جلس أمامه ثم أكمل:
- عمتي كانت بتحب رأفت... ورأفت كان بيحبها
هربوا واتجوزوا ودي حاجة محصلتش قبل كده
تنفس دياب بعمق وهو يكمل:
- عمتي كانت عارفة إن أهلها مستحيل يوافقوا
على واحد غريب عن البلد... رأفت كان مهندس زراعي
وكان شغال في أرضنا الحب بينهم بدأ من زمان
ولما عرف إن ابويا وباقي العيلة عمرهم ما هيقبلوا قرر
يتجوزها ويهرب
طبعًا سعد حكالك باقي اللي حصل فمش هحكيه تاني
بس هقولك حاجة عشان تفهم أبويا عمل كده ليه
نظر له سليمان باهتمام فأكمل:
- عوايد الصعيد وقتها كانت أقسى من دلوقت
بالنسباله اللي حصل مكانش مجرد جواز من غير رضاهم... كان فضيحة
ولما إنت اتولدت اتسجلت على إسم أبويا وأنا اللي ربيتك
ولما أبويا حس إنه هيمو... قسّم الورث عشان ميظلمناش
وكتبلك جزء صغير
بس وصّانا منقولكش الحقيقة وكان فاكر إنك هتزعل
شويه وخلاص
نظر سليمان إليه بعينين دامعتين ثم قال:
- طب رأفت... إحكيلي كل حاجة عنه
أخذ دياب نفس عميق ثم قال:
- عيلة العطارين كانت مشهورة بالعطارة... لكن دي كانت الواجهة بس
إنت عارف إننا كنا بنزرع الأفيون في أراضي في الصعيد
وبنتاجروا فيه من غير ما حد يعرف
سأل سليمان باهتمام:
- وشاكر ورأفت كانوا عارفين؟
نظر له دياب بتركيز و قد فهم أن هذا الماكر علم أن شاكر ورأفت اخوة
رد عليه بصدق:
- أيوه... بس رأفت اللي كان شغال عندنا أكتر من شاكر
-طب مين مراد إبن عمك اللي اختفى ده
أجاب دياب رغم صدمتة من معرفة تلك المعلومة
- مراد كان إبن عمنا
تغير صوته وقال بتجهم:
- بس كان طماع... وحش... وكان شايل في قلبه من أبويا
- ليه؟
- كان فاكر إنه أكل حق أبوه
- وكان عايز ينتقم؟
- أيوه... مراد كان عارف إن عمتي بتحب رأفت
وكان عارف إنهم هربوا لأنه كان صاحب رأفت أوي
و طبعًا حكاله كل حاجة
نظر سليمان إليه بترقب وأكمل بتخمين
- كان ناوي يفضحهم طبعًا... صح؟
ساد الصمت للحظة فأكمل دياب
- في نفس الليلة اللي أبويا عرف إن أخته هربت مع رأفت
كان في اجتماع مع الكل
تجمدت ملامح سليمان فقال دياب:
- ومراد كان موجود
- حصل إيه؟
أخفض دياب عينيه وقال:
- حصلت مواجهة بينهم... اليوم ده كنا متجمعين
عشان محصول الأفيون بقى ضعيف
بعدها شاكر طلب من أبويا إننا نتصور كلنا
مش عارف ليه بس قولنا تمام
- وبعد ساعتين بالظبط عرفنا إن عمتي هربت
وأبويا اتجن ... إزاي هربت وإزاي رأفت كان قاعد
عادي معانا... أصلها سابتله رسالة حكتله فيها
كل حاجة
تنهد بهم ثم أكمل:
- كانت طيبة لدرجة الهبل... حكتله إنهم بيحبوا بعض
وإن مراد كان شاهد على جوازهم اللي تم من كام ساعة
وطلبت منه يسامحها
نظر له سليمان بصدمة وقال:
- طبعًا بعد ما قرى الجواب قتل مراد صح كده؟
- حصل... بعدها عمل بلاغ باختفائه
لم يستطع سليمان أن يتفوّه بحرف فأكمل دياب:
- وفي نفس الليلة... رأفت اختفى وشاكر اختفى معاه
رفع سليمان رأسه بسرعة وقال:
- يعني إيه اختفى معاه؟
- من الليلة دي... محدش عرف رأفت راح فين
- وشاكر؟
- ظهر بعد سنين... لكن رأفت مرجعش
ظل سليمان يحدق في دياب وكأن الجملة الأخيرة علقت في الهواء بينهما
الحقيقة التي ما زالت مخفيه لم يعد يحتمل المزيد من التمهيد
قال بصوت حاد:
- قول يا دياب... كفاية سكوت بقى حرام عليك
أنا كل دقيقة باكتشف إن حياتي كلها كانت كذبة
أكمل عنه سعد بغل:
- كمل يابا... أنا دلوقت فهمت إنت زعقتلي ليه لما لقيت الصورة
مكُنتش عايزني أعرف حاجة عن شاكر
أنا كده تقريبًا بدأت أفهم الدنيا دايرة إزاي
تنهد دياب ومسح وجهه بيده ثم قال:
- اللي هقوله دلوقت... محدش يعرفه كامل غيري
- مراد كان شايف إن أبويا أخد حق أبوه وكان مقتنع إن أي مصيبة
تحصله هتبقى عدل ربنا
وبرضه مراد كان طماع أكتر من الكل كان عايز نصيب أكبر
وكان شايف إن الفرصة جاتله عشان ياخد حقه بالقوة
سأل سليمان:
- وإيه علاقة الصورة اللي معايا... ليه شاكر صمم إنكم تتصوروها
الصورة اتاخدت في الليلة دي وعوض كان موجود؟
- أيوه... وصورهم كلهم؟
بس مكناش نعرف إن الصورة ما كانتش مجرد صورة اجتماع
صمت لحظة وأكمل بغل:
- كانت دليل
- دليل على إيه؟
- إن الناس دي كانت موجودة مع بعض في نفس المكان وفي نفس الليلة
قال سليمان:
- ومراد كان عايز يستخدمها؟
- كان عايز يفضح كل حاجة
- الأفيون؟
- الأفيون... والهروب... وكل اللي كان مخبيه
خفض دياب صوته:
- لكن قبل ما يقدر يتكلم أبويا عرف زي ما فهمتك
- مراد كان عارف إن زين الدين هيقتلها لو عرف وبرغم كده قاله؟
رد عليه دياب بقهر:
- لأنه كان فاكر إن النار هتاكل زين الدين والعيلة كلها
قال سليمان:
-كمل يا دياب لو ليا غلاوة عندك متخبيش حاجة
نظر له بحزن ثم قال:
- زي ما قولتلك رجع من البيت بعد ما قرى الجواب
قتل مراد وفضل شهرين يدور على اخته
سأل سليمان باهتمام:
- مين يعرف أنه قتل مراد... مين كان موجود؟
- أنا وإخواتي وعوض كان قريب من المكان
رفع سليمان رأسه بسرعة وقال:
- يعني عوض شاف كل ده؟
- شاف جزء من اللي حصل و بعدها هرب
- طب ليه الصورة موجودة؟
- لأنه صور الاجتماع قبل ما المصيبة تحصل
سأل سليمان:
- وبعد ما مراد مات؟
قال دياب:
- أبويا رجّع أخته وأنا حكتلك الباقي
قال سليمان:
-طب ورأفت
- رأفت رجع بعد ما عرف إن مراته اختفت
- عرف إنها ماتت؟
- لأ... عرف إن أبويا أخدها ورجع يدور عليها
باس إيد أبويا عشان يرجعهاله بس أبويا مرضاش
كان هيقتله بس قال يصبر لما تولد و يدفنهم في قبر واحد
رفع سليمان رأسه وقال:
- وده وقتها كان عنده كام سنة؟
- كان صغير... لكن كان راجل كفاية إنه يدور على مراته
ثم قال:
- ولما عرف إنها ماتت... كان كل شيء انتهى
- اتجنن وأخوه دخّله المستشفى
أغمض سليمان عينه وهو يقول بقهر:
- وعرف إن عنده إبن؟
هنا صمت دياب تعلقت عينا سليمان بوجهه وقال بتحذير:
- دياب...
- رأفت معرفش إنها كانت حامل أصلًا
قال سليمان بصوت مبحوح:
- كان بيحبها لدرجة إنه يتجنن بعدها
عشان كده لما روحتله المستشفى مكنش بيقول
غير... خدوا البنت مني... إلحق البنت
هز دياب رأسه وقال بأسى:
- أيوه ده حصل... إنت شكلك روحتله صح؟
هز رأسه ببطء شديد ثم قال بذكاء:
شاكر كان عارف إن أخوه لو فضل موجود هيفضح كل اللي حصل
فقرر يحبسه في المستشفى
ومن هنا بدأت الحكاية اللي خلت شاكر يكره عيلتنا لحد النهارده
أكمل عنه دياب :
- لأنه كان شايف إن أخوه رأفت خسر كل حاجة
- مراته... وشغله وكل حياته
ومن يومها... شاكر أقسم إنه هيرجّع كل حاجة بطريقته
حل الصمت للحظات قطعها سعد قائلًا بحيرة:
- طب لما شاكر إبن ستين كلب وعايز ينتقم منكم
إزاي عم أدهم إتجوز بته؟
نظر له أبيه بقهر ثم قال:
- للأسف مكناش نعرف إنه أبوها غير يوم كتب الكتاب
سأل سليمان بدهشة:
- يعني إيه... يتجوزوا إبنكم لحد متعرفهوش طب إزاي؟
زفر باختناق ثم قال بغل :
- شاكر كان راسمها صح هو والعقربة بنته
خلاها تلف على أدهم أخويا وقتها كان صغير وبيحب
واحدة جارتنا بس كانت مخطوبة لإبن عمها
ما صدق واحدة تانية دخلت حياته
بنت الكلب مجبتش إسم أبوها خالص قالت إسمها
إيمان فرج
سأل سعد بعدم فهم:
- مين فرج ده كمان ؟
- ده أخو شاكر الكبير... هو اللي طلبنا منه إيدها وهو اللي تمم كل حاجة
ويوم كتب الكتاب لما إتفاجئنا بإسم شاكر في بطاقتها
قالت لأدهم إن أبوها طول عمره مسافر وعمها اللي رباها
من وهي صغيرة فاتعودت إنها تقول إسمها إيمان فرج مش شاكر
سأله سليمان بجنون:
- طب ليه موقفتوش كل حاجة... وليه مطلقهاش بعدها
- لأن أبويا من الصدمة تعب وراح المستشفى في يومها
ولما خلاص كان بيموت... وصاني مفتحش الموضوع
ومعرّفش حد من إخواتي هُما أصلًا كانوا مشغولين مع المعازيم محضروش
كتب الكتاب
وكمان وصاني أفضل حاطط شاكر تحت عيني وإن عيال أدهم
ميتجوزوش من عيالي أنا وإخواتي
كان حاسس إنه هينتقم من أحفاده عشان كده قالي على قد
ما تقدر إبعدها عن العيلة هيَ وأبوها
قال سعد بصدمة وغِلٍ شديد وهو ينظر إلى سليمان:
- عشان كده كان عايز يوصلك لإخواتك... ويخليك تحاربهم
لمعت عينا سليمان بالغضب لكن دياب أمسك يده فجأة وقال:
- إتكى على الصبر يابني... لسه في حاجة ما تعرفهاش
نظر إليه سليمان قال دياب:
- رأفت مااختفاش لوحده بإرادته
شاكر كان مرتب كل حاجة من أول مقابلته لأمك لحد
ما دخل المستشفى... لأنه كان طمعان فينا
وفي حق أبوك عنده
نظر له سليمان بصدمة وقال بجنون:
- شاكر أصلًا اللي زيّف حادثة موتي
ماذا سيحدث ياترى......
سنرى...........
انتظرووووني...........
بقلمي / فريده الحلواني
