روايه العطارين الفصل التاسع والثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه العطارين الفصل التاسع والثلاثون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه العطارين
الفصل التاسع والثلاثون
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
مش كل سقوط هزيمة... ساعات بنقع عشان نكتشف إننا كنا واقفين على حاجة ما تستاهلناش
متبكيش على اللي كسرك ابكي على الست اللي كنتي هتبقيها لو فضلتي مستحملاه
قومي... مش عشان تثبتيلهم إنك قوية لاااااا
عشان تفتكري إنك أقوى من كل حاجة حاولت تطفي النور اللي جواكي
إنتي مش اللي اتسابِت... انتي اللي لحقت نفسها
واللي لحق نفسه من النار مرة... عمره ما يخاف من شرارة
خليهم يفتكروا إنهم كسروكي... لحد ما يشوفوا بنفسهم إنك بعد كل كسر
بقيتي ست مبتتكسرش... أنا واثقة فيكي
وبحبك.
داخل قسم الشرطة... كانت ملامح سليمان هادئة بصورة أثارت أعصاب كل من مر بجواره
قبل ساعات قليلة كان قد اصطدم بفتاة في أحد الشوارع الضيقة بالحارة
لم يتوقف الأمر عند ذلك
بل صرخت واجتمع الناس حولهما ثم اتهمته بأنه تعمّد الاقتراب منها والتحرش بها
ومنذ تلك اللحظة وجد سليمان نفسه داخل القسم فتح باب المكتب وخرج العسكري قائلا:
- سليمان باشا... الظابط عايزك
رفع سليمان عينيه إليه ثم نهض دون كلمة
دخل المكتب فوجد الضابط جالس خلف مكتبه وأمامه محضر مفتوح
رفع الضابط عينيه وقال:
- اقعد
جلس سليمان بهدوء قلب الضابط بعض الأوراق ثم قال:
- إنت عارف اللي هببته ده عقوبته إيه؟
يعني اللي يشوفك يقول إبن ناس .....
قبل أن يُكمل قاطعه سليمان بقوة رغم برودة نبرته:
- اهدى على نفسك واعرف بتكلم مين قبل ما تلبس إسود أكتر من اللي هتلبسه
أغلق الضابط الملف أمامه وقال بصرامة:
انت بتهددني يا روح امك... أصلًا التُهمة لبساك
البنت قالت إنك خبطت فيها وإنك قربت منها بطريقة مش طبيعية
يعني تحرش من الآخر
- قربت منها... تحرش؟!
ضحك سليمان ضحكة قصيرة باردة ثم قال:
- يعني إيه قربت منها مش فاهم
- ده كلامها هي مش كلامي أنا... تحب أجيبها توصف اللي حصل بالظبط
مال سليمان إلى ظهر الكرسي وقال:
- تمام زي الفل... ريّح ضهرك بقى لحد ما أعمل مكالمة
ونرجع نوصف لبعض قرّبت منها إزاي
اشتعل الغضب داخل الضابط الصغير وصرخ به:
- زي الفل برضه... إنت كده لبست تحرش وتعدي على موظف عام وإهانه الشرطة
أخرج هاتفه وقال ببرود:
- أعتقد إني ليا مكالمة واحدة من حقي أعملها
مش ده القانون ولا إيه؟
ضرب الضابط يده على المكتب وقال بجنون:
- إنت بتستهزأ بيا؟
اقترب سليمان قليلًا وقال بصوت منخفض:
- لااااا... أنا بحاول أفهم بس... إنت بجد مش عارف أنا مين؟
ساد الصمت للحظات ثم أكمل سليمان:
- لأن لو عارف كنت هتختار كلامك وتفكر في الحرف قبل ما تنطقه
وقف الضابط من مكانه:
- إنت بتهددني... إنت فاكر إنك تقدر تئذيني؟
رفع سليمان عينيه إليه وقال بِكِبر:
- اعتبره تحذير... أنا محتاج أشاور بس عشان أضرك
سكت لحظة ثم أكمل بخبث:
- ممكن ورقة واحدة تتكتب غلط وممكن قرار
واحد يتّاخد في المكان الغلط وممكن ناس كتير
فجأة تفتكر إن عندها مشاكل معاك
تغيرت ملامح الضابط أكمل سليمان ببرود:
- وأنا مش بحب أظلم حد... بس كمان مش بحب حد يفكر يغلط فيا
قال الضابط بغيظ بعدما فهم ما يعنيه:
- كل اللي قولته ده مش فارق معايا
اعمل المكالمة بتاعتك عشان نبدأ التحقيق.
بعد مرور أقل من نصف ساعة انقلب قسم الشرطة رأسًا على عقب
أتى مأمور القسم وأخذ يعتذر لسليمان بعد أن تلقى الكثير والكثير من المكالمات الهاتفية من شخصيات هامة داخل الدوله تحثه على إنهاء الأمر سريعًا
ووسط كل هذا كانت الفتاة المسكينة التي كانت تعتقد أنها تمتلك الشجاعة الكافية للوقوف في وجه القطار أصبحت تنظر بصدمة لكل ما يحدث حولها وحينما وجدت الأمر أصبح أكبر منها قامت بالإتصال على امها
والتي لا تملك في الدنيا غيرها وقصت لها كل ما حدث
هرولت ليلى نحو أحد محلات الحج دياب كي تستنجد به بعد أن علمت ما حدث لإبنتها الكبرى
وقفت أمامه وقالت من بين دموعها المُنهمرة:
- الحقني يا حاج الله يخليك بنتي في القسم وأنا مليش حد يقف معايا
وإنت عارف المشاكل اللي حاصله بيني وبين أخويا من ساعة ما البت قالت مش عايزه إبنه
أتى في ذلك الوقت أدهم وقد سمع ما حدث فقال بجدية شديدة:
- متخافيش يا ست ليلى أنا هاجي معاكي وهطلعلك بنتك
من غير ما حد يقدر يلمس منها شعرة
نظرت له بحزن من بين دموعها المنهمرة ثم قالت بانكسار :
- كتّر ألف خيرك يا باشا ربنا ميحرمناش منكم ولا من وقفتكم جنبنا .
بعد مرور بضع دقائق كان أدهم ودياب معهم ليلى داخل قسم الشرطة يسألون عن إبنتها وحينما وجدوا سليمان يجلس بمنتهى الكِبر والغرور نظروا له بصدمة وتسائلوا داخلهم ما الذي أتى به الى هنا
بينما كانت ليلى تسأل إبنتها المُشاغبة عمّا حدث فقالت بتبجح
- واحد إبن ستين كلب ماشي يدوس على خلق الله... أهو لبّسني قضية الظالم
صرخت امها بجنون:
- إنتي مستوعبة إنتي فين ولا هيجرالك إيه بسبب لسانك ده منك لله يا بعيدة
ردت ببرود:
- والمصحف أتحبس أحسن أهو أخلص من إبن أخوكي اللي مش عايز يطلقني.
وفي المُقابل وقف دياب وأدهم أمام أخيهم الذي انتفض من فوق مقعده احترامًا لإخوته الكبار فقال الأول باستغراب:
- سليمان... إيه اللي جابك هنا؟!
فهم سليمان سريعًا أنهم أتوا بسبب تلك الفتاة التي جعلته يقررّ داخله ان يقتلها ويُريح البشرية من لسانها الصليط
قصَّ لهم كل ما حدث باختصار فقال دياب برفق :
- حقك عليا أنا يا حبيب أخوك هي البت لسانها طويل حبتين
بس هبلة وامها غلبانة وشقيانة عليها هي وإخوها إمسحها فيّا أنا
لم يقوى سليمان على رفض طلب أخيه وتنازل عن المحضر الذي حرره لها وأنهى الموضوع دون اعتراض لكنه حينما أصبحوا خارج القسم نظر للفتاة بغل وقال بتهديد صريح :
- لو قابلتك في سكة تاني مش هخلي الدبان الأزرق يعرف طريقك
ومحدش هيقدر ينجدك مني
نظرت له باستخفاف ثم قالت بسخرية:
- مش بقولك شوية العضلات النفخ دول هُما اللي مقويين قلبك
أنا مش عارفة أتخيل إنت أخو الحاج دياب السُكّرة ده إزاي ؟!
صرخت ليلى بغُلب:
- يا نهار إسود عليا وعلى سنيني يا بت اتلمّي هتودينا في داهية
ضحكه دياب وقال برفق :
- سيبيها يا ست ليلى والله أحلى حاجة فيها لسانها الطويل وخفة دمها
ردت عليه الفتاة بمُزاح :
- بالله إنت اللي سُكرة ده مفيش حد في الحارة زيك يا حاج
بقولك إيه وحياة الغاليين عندك متعرفش تخلّصني من الدغوف اللي كتب عليا وخلع ده ؟
ضحك دياب من قلبه ثم قال :
- يا بت ده إبن خالك وبقالك سنتين مخطوباله ومكتوب كتابكم
عايزه تسيبيه ليه؟
ردت عليه بجدية وقد ظهر الحُزن جليًا داخل عيناها :
- يا حاج أنا أصلًا مكنتش عايزاه وخالي ربنا ينتقم منه
هو اللي أجبر امي على الخطوبة ومكفاهوش كده... أول ما كملت
تمنتاشر سنه كتب عليا عشان مخلعش منهم لأنه عارف إني مش عايزاه
تدخّل أدهم في الحديث قائلًا:
- طب تعالوا نروح الوكالة نفهم الموضوع إيه وإن شاء الله يتحل
مش هينفع نتكلم هنا
رد سليمان قبل أن يتفوّه أحدهم :
- طب أنا همشي عشان عندي شغل وهجيلكم تاني
قال له دياب بلهفة:
- إنت كنت جايلنا...؟ سيبك من الشغل النهارده وتعالى معانا
أنا مش مصدق نفسي إنك جيت لإخواتك يا حبيب أخوك.
كان مكتب جلال هادئ على غير عادته إلا أن الهدوء لم يكن يعني أن الأجواء مستقرة
كان جالس خلف مكتبه يُقلّب بعض الأوراق بلا اهتمام حقيقي بينما وقفت منة أمامه منذ عدة دقائق تحاول أن تشرح له للمرة الأخيرة سبب اعتراضها
قالت بهدوء حاولت أن تحافظ عليه:
- أنا مش ضد شفاء يا جلال بالعكس... دي أختي وأنا أكتر واحدة نفسي أشوفها مبسوطة
رفع عينيه إليها وقال بسخرية:
- أومّال إيه اللي واقف في زورك ومخليكي رافضة كتب الكتاب
- أنا مش مرتاحة لكتب الكتاب دلوقت دي اختي ولازم أخاف عليها
ضحك جلال وألقى القلم من يده
- مش مرتاحة لإيه؟
- عشان حاسة إن الموضوع سريع أوي
ضرب جلال كفًا بكف ثم قال بغيظ:
- سريع... ده نصر مستني من زمان وشفاء موافقة
وامك موافقين... إنتي عايزة إيه تاني؟
- عايزة أتأكد إنها مش بتوافق عشان ترضيكم
أو امي بتجبرها على كده
تغيرت ملامحه وقال بغل:
- إنتي فاكرة أختك مش عارفة مصلحتها؟
- لأ... بس
قاطعها:
- مفيش بس أنا ساكتلك من بدري يا منة
ومعدي حاجات كتير عشانك بس إنتي زودتيها
أوي وأنا مليش خُلق الصراحة
رفعت رأسها بعناد وقالت:
- يعني إيه زودتها... إنت مالك أصلًا
- يعني إنتي مش وصية عليها ولا حاسة باللي جواها من ناحيه أخويا
- دي أختي
- أنا عارف إنها أختك وبرضه نصر أخويا
اقترب أكثر وقال:
- إنتي ليه بتدخلي نفسك بين الإتنين بجد إنتي مال امك ؟!
اشتعل الغضب في عينيها وقالت :
- من ساعة ما حسيت إن في حاجة مش مظبوطة
وبعدين احترم نفسك وبلاش طولة لسان
لأن مفيش أطول من لساني
ابتسم جلال ابتسامة جانبية وقال بوقاحة:
- طب تيجي نشوف لسان مين الأطول
ومين اللي هيقدر يقطعه للتاني؟
وبعدين يعني إيه في حاجة مش مظبوطة؟
- أيوه فيه بس مش عارفه إيه هي ؟
مجرد إحساس مش أكتر
ضحك بصوت عالي ثم قال بسخرية:
- يا سلام طب دي حاجة عسلية خالص وربنا
أشار إليها باستهزاء ثم أكمل:
- يعني إنتي مُعترضة على جواز أختك
ومش عارفة إنتي معترضة ليه؟
- أنا حاسة بس...
- الإحساس ده هيجوز شفاء ولا إيه
رمقته بغضب:
- متتريقش عليا لو سمحت أنا بتكلم جد
- وأنا أعمل إيه... أعيط ولا أديكي لوكامية تفوّقك
عاد إلى مقعده وقال:
- بُصي يا منة أنا مش هقعد أبررلك حاجة
اختك ونصر عايزين بعض وكتب الكتاب هيتم
أي مشاكل بينهم بقى يحلوها مع نفسهم
متحشريش مناخيرك بينهم
- وأنا مش موافقة
رفع عينيه إليها وقال بهدوء خطر:
- إنتي مش موافقة؟
- أيوه
نهض مرة أخرى وهذه المرة كانت نبرته أكثر حدة:
- وإنتي مين عشان موافقتك توقفهم؟
- أنا أختها الكبيرة وأعرف مصلحتها
- أختها آه... إنما ملكيش حُكم عليها
تجمدت للحظة فتابع بحكمة:
- كل واحد فينا له حدوده يا منة
إنتي ممكن تنصحيها ممكن تخافي عليها
ممكن حتى تقعدي معاها للصبح ترغي وتركبي على ودانها
إنما توقفي جوازها... لااااااا
قالت بانفعال:
- أنا مش هقف أتفرج لو شايفة إنها بتدخل حاجة ممكن تندم عليها
- هي قالتلك إنها مش عايزاه؟
- لأ
- قالتلك إنها مجبورة؟
- لأ
- قالتلك إنها مش بتحبه؟
صمتت ابتسم جلال بانتصار وقال:
- أهو... يبقى المشكلة عندك إنتي يا قطة
- مشكلتي إني بخاف عليها
- وأنا مشكلتي إنك بتكبّري كل حاجة
اقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة
- وبعدين إنتي فاكرة إن نصر هيفضل مستني موافقتك؟
- أنا مقولتش كده
- أومّال بتعملي إيه؟
لم تجبه هز رأسه وقال:
- اسمعي يا منة... أنا مش هسمحلك تبوظي
حاجة نصر وشفاء مستنيينها من زمان
قالت بعناد:
- وأنا برضه مش هغير رأيي
نظر إليها بغيظ ثم أشار إلى الباب وقال بهمجية:
- خلاص إتّكلي على الله بقى وغوري من وش أهلي عشان جبت أخري منك
-إنت بتطردني؟
- أيوه.... عشان إنتي مصممة تفرضي رأيك
وأنا مليش طولة بال الصراحة
حاولت أن تتمالك نفسها ثم قالت:
- إنت اتغيرت يا جلال
ابتسم بسخرية:
- أنا متغيرتش أنا حاولت أخد وأدي معاكي في الكلام
بس جضيت مليش في رغي الحريم الصراحة
استدارت نحو الباب وقبل أن تخرج التفتت إليه وقالت:
- لو حصل لأختي حاجة مش هسامحك
رفع حاجبه وقال ببرود:
- ولو محصلهاش حاجة؟
لم تجبه فتابع:
- ساعتها هنفوخك ومش هتلاقي اللي ينجدك مني
نظرت إليه للحظات ثم فتحت الباب وغادرت
أغلقت الباب خلفها فتنفس بعُنف وألقى نفسه فوق المقعد
ظل صامتًا للحظة ثم تمتم بضيق:
- دماغ امها ناشفة... حاجه خراااااااا
و قبل أن يُكمل حديثه مع نفسه سمع طرق خفيف على الباب
رفع رأسه وقال:
- مين؟
جاءه صوت شادي من الخارج:
- أنا يا جلال بيه
تجهّمت ملامحه قليلًا وقال:
- ادخل يا شادي
فتح الباب ودخل وأغلقه خلفه بهدوء نظر جلال إليه وقال:
- خير؟
وقف شادي أمام المكتب للحظات ثم قال جملة واحدة:
- أنا موافق
قطب جلال حاجبيه:
- موافق على إيه؟
قال شادي بهدوء:
- على الشغل اللي عرضته عليا
ساد الصمت للحظات لم يتحرك جلال فقط ظل ينظر إليه وكأنه يحاول أن يقرأ ما وراء كلماته
ثم قال:
- إنت متأكد من قرارك ده؟
أومأ شادي... مال جلال إلى ظهر مقعده الجلدي ثم قال ببرود مصطنع:
- فكرت كويس؟
- فكرت كتير والنتيجة إني موافق
أخذ جلال نفسًا عميقًا ثم قال:
- عارف العرض ده مقابله إيه؟
- عارف
- وعارف إنك هتبعد عن منة؟
رفع شادي عينيه إليه مباشرة وقال:
- عارف يا باشا... ربنا يسهلها مع الأحسن مني
ظل جلال صامت كان قد عرض عليه فرصة العمل منذ فترة فرصة يعرف جيدًا أنها ستغير حياة شادي لكنها لم تكن مجانية
كان المقابل واضح منذ البداية أن يخرج شادي من حياة منة قال جلال:
- أنا مش عايز أسمع بعدين إنك ندمت عشان مشيلش ذنبك
ضحك شادي بسخرية وقال:
- الندم موجود من قبل ما أوافق
قطب جلال حاجبيه وقال:
- يعني إيه؟
جلس شادي على المقعد المقابل له وقال:
- يعني أنا مش داخل الصفقة دي وأنا مبسوط
أنا داخلها وأنا عارف إن فيها حاجة هخسرها
لم يرد جلال تابع شادي:
- بس يمكن أنا تعبت من الوقوف في مكان مش مكاني
- منة مش مكان يا شادي
صمت قليلا ثم قال:
- هي اختارت طريقها وأنا لازم أختار طريقي
نظر إليه جلال للحظات ثم قال بتوجس:
-هي مختارتش على فكرة إنت اللي اخترت
الفكره هنا لو قالتلك متبعدش؟
أجابه شادي دون تردد:
- هبعد أنا بختار مستقبلي ومش هقبل إن حد يوقفني
تجمدت ملامح جلال لم يتوقع الإجابة بهذه السرعة قال:
- للدرجة دي؟
ابتسم شادي بحزن وقال:
- أيوه أصل الفرصة مش بتيجي في العمر غير مرة واحدة
- زي الفل يعني إنت متأكد إن ده القرار الصح؟
- لأ... بس متأكد إنه القرار اللي أقدر أعيش بيه
ساد صمت ثقيل فتح جلال درج مكتبه وأخرج ملفًا ووضعه أمامه
- ده عقد الشغل
مد شادي يده وأخذه فتح الصفحات وبدأ يقرأها بينما كان جلال يراقبه دون أن ينطق بحرف
وبعد لحظات قال شادي:
- المكان كويس والمرتب كمان حلو أوي
- مش مجرد كويس... ده فيه سكن وتأمين وكل حاجة
أغلق شادي الملف ثم نهض تحرك ناحية الباب وقبل أن يخرج توقف دون أن يلتفت:
- بس عندي طلب واحد... متقولش لمنة إني بعتها
تغير وجه جلال لكنه قال بثبات:
- مش هقولّها حاجة متخافش... قولها إن الشغل جه فجأة
ظل شادي واقفًا للحظة ثم قال:
- وأنا كمان مش هقولها إنك كنت سبب فيه
أغمض جلال عينيه للحظة وقال بغيظ:
- اتفقنا......إتّكل على الله بقى مشوفش وشك هنا تاني
فتح شادي الباب لكن جلال ناداه:
- شادي
التفت إليه ظل جلال صامت لثوان وكأنه يريد أن يقول شئ ثم تراجع:
- ولا حاجة... امشي ومن غير ما تعدي على مكتبها
أومأ شادي وخرج أغلق الباب خلفه ظل جلال وحده في المكتب
نظر إلى الباب ثم إلى المقعد الذي كانت منة تجلس عليه منذ دقائق
ابتسم بسخرية مريرة وقال لنفسه:
- أنا مش عارف بعمل كده ليه بجد
الله يحرق دم امك يا شيخة
ثم سكت لأن الحقيقة التي لم يستطع الإعتراف بها حتى لنفسه كانت أبسط وأقسى من كل شيء شادي وافق على الرحيل... لكن جلال لم يشعر بالإنتصار
كان يشعر لأول مرة أنه لم يبعد رجلًا عن منة فقط...
بل دفع رجل لأن يقتلع نفسه من حياتها
وفي الخارج كان شادي يسير في الممر ممسكًا بالملف بين يديه
توقف للحظة وأخرج هاتفه فتح إسم منة ظل إصبعه فوق زر الإتصال
ثم أغلق الهاتف ووضعه في جيبه
قال لنفسه بصوت خافت:
- أحسن متعرفيش مني... هخلي امي تتصل بأمك وتنهي الموضوع
تابع طريقه لأن بعض القرارات لا تكون صعبة لحظة اتخاذها...
بل تبدأ صعوبتها الحقيقية عندما يُصبح التراجع عنها مستحيلًا.
في آخر اليوم... كانت منة تقف أمام المرآة في غرفتها تحاول أن تقنع نفسها بأنها اتخذت القرار الصحيح لقد وافقت على كتب كتاب شفاء لكن شئ داخلها لم يكن مطمئنًا
وضعت يدها على صدرها وهمست:
- يا رب أكون غلطانة
ثم تذكرت اختها وهي تبتسم لنصر فابتسمت رغمًا عنها
- المُهم إنها مبسوطة
انتفضت بخضة حينما اقتحمت امها الغرفة وقالت بغل:
- عملتي إيه للواد خلتيه طفش منك قبل حتى ما يلبسك دبلة؟
يا نهار إسود على الفضيحة
دي الناس كلها عرفت إن اتقرت فتحتك
ااااانطقي عملتي إيه خلتيه يطفش؟
نظرت لها بصدمة وعدم فهم ثم قالت :
- في إيه يا ماما... أنا مش فاهمة حاجة؟!
- ااااانتي هتعمليهم عليا يابت... يعني مش عارفة إن
ام شادي اتصلت بيا وقالت كل شئ قسمة ونصيب
جحظت عيناها وقالت بعدم تصديق:
- إمتى الكلام ده حصل... شادي لسه مكلمني إمبارح وكنا بنتكلم عادي ؟!
- يا سلاااااام... يعني امه هتكدب ولا هتتبلى عليكم؟!
ردت منه بجنون أثناء سحبها للهاتف كي تحاول الإتصال به:
- معرفش يا ماما... اصبري هتصل أفهم منه
حاولت مرة وإثنان بل أربع مرات وكانت النتيجة عدم رده وإرسال رسالة مفادها :
- امي كلمت امك وخلاص... ربنا يسعدك مع غيري
مدت الهاتف لأمها وهي تقول بغل شديد وقد شعرت بنار تحرق أحشائها:
- اتفضلي... اهو الواطي أصلًا مجبليش سيرة
- طب عمل كده ليه أكيد زعلتيه؟!
صرخت بجنون:
- كفايه بقى كفااااااية... أنا أصلًا مكنتش عايزاه ولا بطيقه
بس وافقت عليه عشان أخلص من المرار اللي إنتي مشربهولي
كنت عايزه أمشي من هنا بأي طريقة
إنتي السبب يا ماما... إنتي السبب
نظرت لها وقالت بغِل .......
ماذا سيحدث ياترى.......
سنرى........
انتظروووني.......
بقلمي / فريده الحلواني
