📁 آخر الأخبار

رواية العطارين الفصل الأخير بقلم الكاتبة فريده الحلواني فقط وحصريا

 رواية العطارين الفصل الأخير بقلم الكاتبة فريده الحلواني فقط وحصريا 

رواية العطارين الفصل الأخير بقلم الكاتبة فريده الحلواني فقط وحصريا

رواية العطارين الفصل الأخير بقلم الكاتبة فريده الحلواني فقط وحصريا 



الفصل الأخير 

العطارين 

بقلمي 

٠صباحك بيضحك يا قلب فريده 





لم يكن الأسبوع الذي مر على دار العطارين مجرد أسبوع استعداد للفرح

كان أسبوعًا تغيرت فيه أشياء كثيرة

ومن بينها حياة سليمان

فبعد المواجهة الأخيرة انتهى الأمر كما أراد حصل سليمان على حقه ولم يعد هناك ما يربطه بالماضي

 إلا ذلك الإسم الذي ظل سنوات طويلة يطارده دون أن يعرف أين ينتهي به

أما شاكر... فقد دفع ثمن ما فعله ولم يعد سليمان يريد منه شئ آخر

كان يريد فقط أن يعيش... أن يكون له بيت وعائلة 

وفي صباح اليوم الذي خرج فيه رأفت من المستشفى كان سليمان يقف أمام الباب ينتظره

خرج  ببطئ مستند إلى ذراع أحد العاملين وبمجرد أن رفع عينيه ورأى سليمان توقف

لم يتحدّث أي منهما كانت بينهما سنوات طويلة لا يُمكن اختصارها في جُملة

اقترب سليمان منه وقال:

— تعبت؟

ابتسم رأفت ابتسامة ضعيفة:

— شوية... أصل أول مرة أشوف نور الشمس 

بقالي سنين مطلعتش من الأوضة 

مد سليمان يده إليه وقال برفق:

— تعالى العربية أهي قدام الباب 

نظر رأفت إلى يده للحظات ثم أمسك بها

كانت حركة بسيطة... لكنها بالنسبة لسليمان كانت أكبر من أي انتصار حصل عليه

عادا إلى البيت وحين دخل رأفت ظل واقفًا عند الباب للحظات يتأمل المكان

قال بصوت خافت:

— غريبة

نظر إليه سليمان:

— إيه هو اللي غريب؟

— إنك بتقول ده  بيتي وأنا حاسس إني ضيف

اقترب سليمان منه وقال:

— متقولش كده ده فعلًا بيتك 

تنهد رأفت وقال بحزن:

— حقك عليا

تجمد سليمان لم يكن يتوقع الكلمة نظر إلى الرجل أمامه ثم قال:

— متقولهاش تاني  عشان أنا ابنك مش حد غريب

— هقولها عشان أنا غلطت

جلس رأفت ببطئ بينما جلس سليمان أمامه ساد الصمت ثم قال رأفت:

— أنا ضيعت سنين من عمرك صح؟

لم يرد سليمان

— كنت فاكر إن اللي حصل زمان انتهى... وإن السكوت 

هيخليني أهرب من كل حاجة

وهروبي خلاني معرفش إن مراتي كانت حامل

ابتسم سليمان بمرارة وقال:

— بس أنا اللي دفعت تمن سكوتك

خفض رأفت رأسه وقال:

— عارف

لأول مرة لم يحاول الدفاع عن نفسه لم يقل إن الظروف أجبرته

لم يقل إن غيره كان السبب فقط قال... عارف

ظل سليمان ينظر إليه للحظات ثم قال:

— أنا مش عايز أعيش باقي عمري وأنا شايل منك

رفع رأفت عينيه إليه وقال:

— وأنا مش عايز أموت وإنت شايل مني

اقترب سليمان منه وجلس إلى جواره ثم قال:

— يبقى نبدأ من النهارده

ارتعشت شفتا رأفت:

— هتقدر؟

ابتسم سليمان وقال:

— مش هعرف أرجّع السنين اللي راحت

 بس نقدر نعمل سنين جديدة

نظر رأفت إليه ولمعت عيناه وقال:

— أنا فخور بيك بجد


خفض سليمان عينيه كانت الجملة التي انتظرها طوال عمره

لكنه لم يسمح لنفسه أن ينهار أمامها قال بهدوء:

— متقولش فخور دي عشان انت متعرفش أنا إيه وكنت إيه

— أقولها كل يوم لو عايز

ضحك سليمان للمرة الأولى وقال:

— يبقى هتتعب

ضحك رأفت أيضًا ثم أمسك يده جلس الإثنان للحظات دون حديث

لم يكن هناك احتفال ولا موسيقى ولا جموع من الناس

فقط أب وابنه يجلسان أخيرًا في المكان الذي كان يجب أن يجتمعا فيه منذ سنوات

وبعد قليل سمعا أصوات قادمة من الخارج رفع رأفت رأسه وقال بخوف:

—  مين دول؟

ضحك سليمان:









- دي العيلة

وقبل أن يُكمل دخل دياب وخميس ورجب ثم تعالت أصواتهم داخل البيت

قال خميس بطريقه طبيعيه كأنه يعيش معهم منذ سنين:

— يا حاج رأفت... إنت قاعد هنا وإحنا بنجهز للفرح من غيرك؟

ضحك رأفت وقال باستغراب:

— أنا لسه خارج من المستشفى 

رد رجب:

— يعني إيه... المستشفى راحت لحالها... دلوجت جيه وجت الفرح

ضحك الجميع وقف سليمان ينظر إليهم لم يكن معتادًا على هذا الشعور

أن يكون هناك أشخاص يدخلون بيته دون استئذان يسألون عنه

يضحكون معه ويعتبرونه واحدًا منهم اقترب دياب منه وربت على كتفه:

— مبروك يا سليمان

— على إيه؟

ابتسم دياب وقال:

— على إنك أخيرًا  رجعت لأبوك وأخدت حقه

نظر سليمان إلى رأفت ثم إلى الرجال حوله وقال:

— دي أحلى حاجة حصلتلي... والأتحلي منها إني بقيت

وسط اخواتي من جديد

ضحك خميس وقال بخبث:

—طب يلا عشان تلحق  الفرح يا عريس

رفع سليمان حاجبه وقال بغيظ:

— يا جدعااااان أنا مش عريس انتوا هتلبسوني عافية

تعالت الضحكات وفي وسطها نظر رأفت إلى ابنه لم يقل شئ

لكن عينيه قالت ما عجز لسانه عن قوله منذ سنوات 

أما سليمان... ولأول مرة منذ عرف الحقيقة لم يشعر أن نسبه كان جرح

شعر أنه صار باب دخل منه إلى عائلة الكل يتمنى أن ينتمي اليها


عائلة لم تولد معه... لكنها اختارته وهذا بالنسبة له كان أصدق من الدم نفسه.



لم تكن الحارة تعرف الهدوء تلك الليلة

منذ ساعات الصباح الأولى والأصوات لا تتوقف نساء يدخلن ويخرجن أطفال يركضون بين البيوت وأصوات الزغاريد تتعالى كلما ظهرت عروس أو خرج أحد الرجال من بيت العطارين


أما الرجال فكان لهم عالمهم الخاص

وقف دياب عند باب البيت بالأسفل مرتديًا جلبابه الصعيدي يراقب المشهد أمامه بابتسامة واسعة حوله خميس ورجب وباقي رجال العائلة وكل واحد منهم يرتدي جلبابه وكأنه ذاهب إلى مناسبة تخصه وحده

رفع خميس يده وهو ينظر إلى رجب وقال:

— يا رجب... اتصل بعدنان شوفه وصل فين هو والجماعة

رد عليه بجدية:

- لساتني جافل وياه دخل اسكندرية يعني جرب يوصل

بينما صاح أحد الشباب من بعيد:

— يلا يا رجالة العطارين... الطبل الصعيدي وصل

لم يحتج الأمر إلى أكثر من تلك الجملة

تحرك خميس أولا تبعه رجب ثم أمسك أحد الشباب بيد الآخر وفي لحظات تحولت ساحة الحارة إلى دائرة كبيرة من الرجال يرقصون معًا على أنغام المزمار

كان دياب يقف يتابعهم حتى جذبه خميس من يده:

— واقف تتفرج علينا ليه يا حاج... تعالى افرح

ضحك دياب:

— يا خوي أنا راجل كبير راحت عليا خلاص 

رد رجب سريعًا:





— كبير إيه بس... ده إحنا لسه هنشيلك فوق روسنا

وقبل أن يعترض وجد نفسه وسط الرجال

فأصبح المشهد مهيبًا حقًا 

دياب يرقص بعصاه في الوسط وحوله إخوته الأربعة 

أدهم... خميس... رجب... وسليمان 

وحولهم شباب العائلة وأصدقائهم الذين أطلقوا التهليلات والصافرات المبتهجة


تعالت الضحكات والهتافات وتصاعد صوت المزمار بينما راحت الجلابيب تتحرك في انسجام وسط فرحة لم تعرفها الحارة منذ وقت طويل

وفي شرفة أحد البيوت كانت النساء يراقبن المشهد ويضحكن

قالت إحداهن:

— هما العطارين دول ناويين يهدوا الحارة فوق دماغنا؟

ردت أخرى:

— سيبيهم ياختي... دول أخيرًا لقوا حاجة تفرحهم

وفي الداخل كانت الأجواء أكثر ازدحامًا

الفتيات تجهزن والنساء حولهم لا يتوقفن عن الدعاء والتهنئة 

ما إن انتهت الرقصة بسلام ألقى أدهم بصره نحو مدخل البيت 

 لمح ليلى تدخل حتى تصعد إلى  النساء تبارك لهم 

لم تكن تلك المرأة التي عرفها الجميع وهي تخشى كل شيء

كان في ملامحها شيء مختلف هدوء وطمأنينة

وكأنها للمرة الأولى منذ سنوات  لا تنتظر كارثة ستطرق بابها

اقترب منها بخطوات سريعه فلحقها قبل أن تصعد وقال بلهفة:

— ليلى

التفتت إليه ثم ابتسمت بخجل

— نعم يا سيادة النائب تؤمر بحاجة؟

نظر إليها لحظة ثم قال:

— النهارده فرح ومش وقت كلام بس أنا عايز أقولك حاجة  مهمة























نظرت إليه باستغراب... لكنه لم يُكمل ابتسم فقط وقال:

—ولا أقولك خلاص بعدين  بعدين

شعرت بالقلق فقالت بتوجس:

— إنت كده قلقتني... قولي في إيه؟

— متقلقيش... المرة دي مفيش حاجة تخوف

وقف أمامها لكنه لم يقترب كثيراً

ظل ينظر إليها للحظات وكأنه يُرتب ما سيقول  في رأسه

لاحظت ليلى ذلك فقالت:

— في إيه؟

تنفس بعمق ثم قال :

— أنا عايز أقولك حاجة... ومش عايزك تردي عليا دلوقت

نظرت إليه باستغراب:

— ليه طيب ؟!

— عشان أنا عارف إن كل اللي حصل كان كتير عليكي...

 والجواز جه فجأة... ويمكن تكوني لسه مش مستوعبة إنك بقيتي مراتي

خفضت عينيها وقالت بخجل:

— أيوه مش مستوعبة... سعد اللي قالي وافقي 

و بعدين نتكلم عشان أخلص من أخويا

ابتسم وقال برجولة:

— وأنا مش مستعجل







رفعت عينيها إليه وقالت باستغراب:

— يعني إيه؟

قال بهدوء:

— يعني مش هطلب منك تحبيني عشان أنا بقيت جوزك

صمتت فأكمل:

— ومش هطلب منك تنسي كل اللي فات في يوم وليلة

ثم سكت لحظة قبل أن يقول:

— بس عايزك تعرفي حاجة واحدة... أنا مكنتش واقف

 جنبك شفقة ولا عشان أخلّصك من ظلم أهلك وبس

ارتجف قلبها قليلًا وسألت بفضول:

— أومّال ليه؟

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال :

— عشان أنا بحبك

اتسعت عيناها ظل ينظر إليها بثبات وكأنه أخيرًا قال الجملة التي حملها داخله كثيرًا:

— بحبك من زمان يا ليلى

لم تستطع الرد تابع بصوت أكثر هدوءا:

— يمكن إنتي مكنتيش واخدة بالك... ويمكن أنا عمري

 ما كنت من النوع اللي يقول اللي جواه بسهولة

 بس أنا كنت شايفك... شايف خوفك وسكوتك

مقدرتش أقرب لما عرفت انك مخطوبة 

ولما قابلتك بعد السنين دي كلها شوفتك  

  وانتي بتحاولي تحمي بنتك حتى وإنتي مش عارفة تحمي نفسك

تنفست ببطء وقالت بهمس:

— أدهم...

رفع يده يمنعها من الحديث وأكمل:

— سيبيني أخلص

— أنا عارف إنك مش جاهزة تسمعي كلام حب

 بعد كل اللي حصل وعارف إنك ممكن تكوني شايفة 

الجواز ده مجرد باب خرجك من مشكلة

تغيرت ملامحها وقالت سريعًا:

— لأ والله ما حصل

— استني بس يا حبيبتي خليني أكمل

قالها برفق وأكمل:

— حتى لو ده إحساسك انا مش زعلان

اقترب خطوة واحدة فقط ثم توقف وقال:

— أنا هديكي وقتك

نظرت إليه بذهول ثم قالت:

— وقتي؟

— أيوه عايزك تعرفيني الأول... تعيشي معايا وتشوفي

 أنا هعاملك إزاي شوفي أنا هحترمك إزاي وهحافظ عليكي

 وعلى ولادك إزاي وبعدها لو قلبك اختارني

 هبقى أسعد راجل في الدنيا

سكت لحظة ثم قال:

— ولو قلبك ما اختارنيش...

ظهرت في عينيه لمحة وجع لكنه ابتسم:

— هفضل برضه راجل وعدك إنه يعوضك عن كل اللي فات

نزلت دمعة من عين ليلى مسحتها سريعًا وقالت:

— إنت ليه بتتكلم كده؟

— عشان إنتي تستاهلي تسمعي الكلام ده

— بس أنا مش عارفة أقولك إيه


ضحك بخفة وقال:

— وأنا مش طالب منك تقولي حاجة

 أنا بس عايزك تعيشي من غير خوف

نظرت إليه وكان أول ما خطر في بالها أنها للمرة الأولى تسمع رجلًا يقول لها إنه لن يجبرها

لا على حب ولا على قرار ولا حتى على مشاعر قالت بصوت خافت:

— أنا خايفة

— من إيه يا حبيبتي

— من إني أصدق إن ممكن يكون في حياة أحسن... وبعدين أخسرها

اقترب منها أكثر لكن دون أن يلمسها وقال:

— المرة دي مش هتخسريها

رفعت عينيها إليه وقالت بخوف:

— وعد؟

ابتسم وقال:

— وعد

وفي تلك اللحظة تعالت الزغاريد من الداخل ضحكت ليلى وسط دموعها

نظر إليها أدهم وقال:

-  دي أول مرة أشوفك بتعيطي وتضحكي في نفس الوقت

هزت رأسها وهي تبتسم ثم قالت:

— أصل النهاردةيوم  غريب

— غريب ليه؟

— عشان لأول مرة أحس إن بكرة مش مخيف

ابتسم أدهم وقال:

— يبقى كده أنا بدأت أكسب

ضحكت وقالت:

— متستعجلش

— حاضر















 مد يده إليها ترددت لحظة قبل أن تضع يدها في يده

نظر إلى أصابعها داخل يده ثم قال:

— يلا بينا 

—على فين؟

— هوصلك لحد فوق وأنزل تاني

ضحكت وهي تصعد إلى جواره وقبل أن يصلا أوقفها للحظة وقال:

— ليلى؟

— نعم؟

نظر إليها وقال بهدوء:

— أنا... بحبك

 ضحكت وهي تهز رأسها ثم بدأت تُكمل نحو الشقة وحدها  إلى حيث كانت أصوات الفرح تملأ المكان

ولأول مرة... لم تكن تمشي إلى جوار رجل وهي تخشى ما ينتظرها

كانت تمشي إلى جوار رجل وعدها أن يكون الأمان الذي افتقدته طويلًا

جاء صوت خميس من بعيد:

—  أدهم... تعالى استقبل الناس اللي جيالك دي 

التفت أدهم وضحك بغلب ثم قال:

— أهو بينادو عليا 

ابتسمت ليلى وهي تهز رأسها:

— روح  طيب ونبقى نتكلم بعدين 

ربنا يتمملكم بخير ويكفيكم شر العين

عاد أدهم إلى الرجال وفي لحظات كان خميس يمسك بيده ويجذبه إلى دائرة الرقص

تعالت الهتافات من جديد

وقف دياب وسطهم ونظر إلى البيت

ذلك البيت الذي شهد الخوف والخصام والدموع والأسرار...

اليوم كان ممتلئ بالضحكات

ابتسم ورفع عينيه إلى السماء لحظة لم يكن يريد شئ أكثر من هذه اللحظة

أن يرى أهله مجتمعين أن يرى من ظلم وقد جبر

ومن ضاع وقد عاد

ومن بكى كثيرًا... وقد جاءه يوم يضحك فيه من قلبه

اقترب منه رجب وربت على كتفه:

— سرحت في إيه يا حاج؟

نظر دياب إلى الرجال حوله ثم إلى النساء الواقفات عند الأبواب وقال بابتسامة:

— في إن البيت لما يرجعله أهله... حتى الحيطان بتضحك

لم يكد ينهي جملته حتى علت زغرودة طويلة من داخل البيت

ابتسم من قلبه حينما رأى زوجته ورفيقه دربه تلقي بالملح فوقهم كي تحفظهم من العين

تعالت الهتافات من جديد حينما حضر المأذون 

جلسوا حول طاوله كبيرة وُضعت في وسط الحارة

عُقد قران كلًا من سندس وحمزة... فرحة وأيمن 

مي وصالح 

وقد كادت قلوبهم أن تتوقف من شدة الفرح 

وانتهى  هذا المشهد المهيب بالجملة الشهيرة: 

— بالرفاه والبنين... ربنا يسعدهم... ربنا يهني قلوبهم

ارتفعت الموسيقى أكثر واندفع الرجال إلى وسط الحارة من جديد

كان دياب يضحك وخميس يصفق ورجب يهتف

وأدهم يرقص بفرحة لم يشعر بها من قبل 

وفي لحظة... توقف الجميع في مكانه حينما هتف سعد بإسم سليمان

نظر له الأخير فوجده يُلقي له عصا في إشارة  منه أن يرقصا معًا 

وهُنا... كان المشهد حقًاااااا يجعل القلوب تقفز فرحًا 

رقصا سويًا بالعصا وهم يرتدون جلابيب صعيدي سوداء واسعة 

وبعد أن انتهت رقصة العصا 

أشار سعد إلى  باقي الشباب... وقفوا خلف سليمان الذي أصبح 

يتراقص بحرفية وحِدة وهم خلفه أيضًا يرقصون 

لم يجرؤ أحد أن يقتحم المشهد فهم وحدهم كانوا أروع من أي شئ آخر 

كان سليمان يرقص لأول مرة دون أن يشعر أنه غريب

وفي لحظة... كان دياب يقتحم الدائرة ويقف أمام أخيه الصغير 

ينظر له بحب وفخر 

رفع يده لأعلى  ففهم سعد عليه وأمر أن تتوقف الموسيقي

حلّ الصمت على المكان... الجميع مُترقب ماذا سيقول كبير العائلة

اقترب من سليمان ثم وضع ذراعه فوق كتفه 

نظر للجميع بقوة وقال بصوت جهوري :

- يا جدعااااان... ده سليمان عبدالحي غنيم 

أخويا الصغير 

نظر الجميع بذهول فلأول مره يسمعون هذا الإسم فأكمل: 

- من عشرين سنة ولاد الحرام وقعوا بينا وبينه وساب البلد

كلها وسافر بلاد بره 

نظر لأخيه بحنان ثم أكمل :

- وبعد السنين دي كلها اللي مكناش نعرف عنه حاجة 

الغايب حن لأهله ورجعلهم 

احتضنه بقوة ثم قال بصوت عالي ليُعلن وجود أخيه أمام الجميع:

- نورت بيتك وعيلتك من جديد يا حبيب أخوك 


هل يبكي سليمان الآن أمام الجميع... لا لن يستطيع أن يفعلها لكن يكفيه 

أن أخاه الحبيب شعر به وشدد على عناقه 

تفاجأ بباقي إخوته يلتفّون حولهم ويصبح العناق جماعي للأخوة  الخمسة 

أما الشباب فتعالت أصواتهم  وبدأوا يرقصون حولهم 

فأصبحت عائلة العطارين الآن ترقص فرحًا بكل شئ ليس بسبب الزفاف فقط

يعلنوا للجميع أنهم على قلب رجل واحد في الشدائد وفي الفرح أيضًا.



تلك الليلة لم تكن مجرد ليلة زفاف كانت ليلة انتصار انتصار لكل قلب تحمل كثيرًا

لكل إنسان ظن أن الجبر لن يأتي ولكل بيت ظن أن الضحكة غادرته إلى الأبد

وفي وسط صخب الحارة وقف دياب للحظة ينظر إلى رجاله

ثم رفع صوته:

— الليلة بنفرح بجواز عيالنا ورجوع الغالي 

وبنقول للكل... طول ما إحنا مع بعض مفيش حاجة تكسرنا

تعالت الهتافات من جديد وكانت عائلة العطارين تضحك

تضحك من قلبها... كأنها أخيرًا صدّقت أن كل ما مر بها لم يكن نهاية الحكاية

بل كان الطريق الطويل... إلى هذه الليلة



انتهت ليلة الفرح أخيرًا

هدأت الموسيقى وانفضّ معظم الناس من الحارة لكن بيت العطارين لم يعرف النوم

بقيت بعض الأضواء مُضاءة وبقيت الضحكات تتسلل من الداخل كأن البيت لم يشبع بعد من الفرح خرج الرجال واحدًا تلو الآخر وبقي دياب للحظات وحده أمام باب البيت

رفع عينيه إلى الأعلى تذكر كل ما مر به الخوف الأسرار الفراق الظلم

الأيام التي ظن فيها أن هذا البيت لن يعرف الراحة مرة أخرى

ثم ابتسم... البيت لم يعد كما كان لم تعد جدرانه تحمل ثقل الحكايات القديمة

صار يحمل ضحكات أحلام وعائلة اجتمعت بعد أن كادت تتفرق

اقترب منه سليمان وقال:

—انت مش  هتنام ولا إيه؟

التفت إليه وقال:

—كنت  مستنيك

ابتسم سليمان بعد أن فهم معني كلمه... مستنيك 

وقال بحب:

— أنا هنا... يا حبيب اخوك

وضع دياب يده على كتفه ثم دخلا معًا وأغلق باب بيت العطارين

لكن هذه المرة... لم يكن إغلاقه على أسرار ولا على خوف ولا على وجع

كان إغلاق باب بيت امتلأ أخيرًا بأهله

بيت عرف أن الجبر قد يتأخر... لكنه حين يأتي لا يأتي ناقصًا

يأتي ومعه عوض عن كل دمعة عن كل انتظار

عن كل قلب ظن أن نصيبه من الحياة هو الوجع فقط

وفي آخر الليل نامت الحارة وسكن كل شيء

إلا دعوة بقيت معلقة في سماء بيت العطارين

أن يديم الله على هذا البيت أهله... وأن يجعل كل ما هو قادم أجمل من كل ما مضى.

وهكذا... لم تكن نهاية الحكاية أن الأسرار انتهت

ولا أن الأشرار خسروا ولا أن الأحزان مضت

كانت النهاية الحقيقية أن الذين تحملوا كل ذلك... وصلوا أخيرًا إلى الجبر

وأن العطارين التي شهدت يومًا على انكسار قلوب كثيرة...

شهدت في آخر الحكاية على أجمل انتصار

أن يعود البيت بيتًا...

وتعود العيلة عيلة...

ويضحك القلب من جديد...



تمت بحمد الله 



انتظروني في الجزء الثاني الذي لن يحمل أسرار فقط بل سيحمل ثلاث قصص عشق وجبروت 

لا نعلم كيف ستكون نهايتهم 

فتاة اُغتُصبت 

واخرى هربت 

أما الأخيرة... لقنت المتعجرف درسا لن ينساه 


كونوا بالقرب



انتظروووووني

بقلمي / فريدة الحلواني

تعليقات