روايه سوار جهنم الفصل الثالث بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه سوار جهنم الفصل الثالث بقلم الكاتبه فريده الحلواني
سوار جهنم
الفصل الثالث
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
قبل الفجر بساعة كانت الريح تعوي بين صخور الجبل كذئب جائع والظلام يلف المكان إلا من ضوء كشافين صغيرين ثبّتهما فاروق على صخرة عالية
وقف تميم ومعاذ يراقبان رجال فاروق وهم يجهزون المكان بدقة بينما جلس راغب على حجر كبير يدخن سيجارته بهدوء وكأنه لا يستعد لحضور جنازته
قال معاذ وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
- الإضاءة دي غلط يا فاروق الصورة لازم تبان
إنها متصورة بموبايل في الضلمة مش جلسة تصوير في استوديو
رد تميم دون أن ينظر إليه:
- لأ الإضاءة مظبوطة المهم الزاوية لو الصورة طلعت
واضحة زيادة هيشكوا ولو ضلمة زيادة مش هيعرفوا الوش
التفت إليه معاذ بغيظ وقال:
- هو أنا كلمتك؟
- وهو أنا مستني إذنك؟
تدخل فاروق بنفاد صبر:
- يا ولاد الحلال إحنا في مصيبة ولا خناجه في مدرسة
اتفجوا على حاجة واحدة لجل ما النهار ميطلعش علينا وإحنا لسه مخلصناش
ضحك راغب ضحكة خشنة وقال:
- سيبهم يا فاروج آني بجالي سنين في
روسيا مشفتش حدى يتناجر إكده من غير سبب
حاسس إني اخيرًا رجعت البلد صُح
ألقى سيجارته وداسها بقدمه ووقف قائلا بجدية:
- اسمعوا مني... العيلة مبتصدجش الصورة وبس
بتدوّر على التفاصيل الدبابة كان لابس في يده
خاتم فضة جديم عمره ما جلعه وده لازم يبان في الصورة
والدفتر... الدفتر لازمن يكون فيه دم
نظر إليه معاذ بقلق وقال:
- دم مين؟
مد راغب يده إلى فاروق الذي ناوله مطواة صغيرة ثم جرح كفه بسرعة قبل أن يتمكن أحد من منعه وترك الدم يسقط على غلاف الدفتر الجلدي القديم
صرخ تميم:
- إنت اتجننت؟!
رد راغب ببرود وهو يلف منديل حول كفه:
- العيلة عنديها ناس بتحلل كل حاجة يا بيه
ولو الدم طلع مش دمي ياسر هيتدفن جبلي
صمت الإثنان وللمرة الأولى نظرا إلى بعضهما دون عداء بل بشيء يشبه الاحترام المشترك لهذا الرجل
استلقى راغب على الأرض بين الصخور ورش فاروق على قميصه الدم الصناعي الذي جهزوه ومعه قطرات من دمه الحقيقي ثم أغمض عينيه وأرخى جسده تمامًا
أمسك تميم الهاتف القديم الذي سيحمله ياسر كدليل والتقط الصور من زوايا مختلفة بينما وقف معاذ خلفه يراقب الشاشة ويقول بهدوء هذه المرة:
- قرب شوية من الإيد... أيوه كده الخاتم باين
أومأ تميم وقال دون أن يلتفت:
- تمام... والتانية من فوق عشان المكان يبان إنه جبل ومعزول.
بعد دقائق نهض راغب وهو ينفض التراب عن ملابسه ونظر إلى الصور على الشاشة بتركيز ثم قال بصوت غريب:
- عارفين إيه أصعب حاجة... إن الواحد يشوف موته بعينه
ويلاجي إن محدش هيزعل عليه
وضع معاذ يده على كتفه وقال بصدق:
- مبقتش لوحدك يا راغب خلاص بقيت مع حبيبتك وفي بلدك وأهلك
واحنا كمان بقى ليك مَعزّة عندنا ربنا وحده اللي أعلم بيها
عاد راغب إلى الدار مع أول خيط للنور فوجد أميرة جالسة على عتبة الباب لم تنم تلف شالها الأسود حول كتفيها وحين رأت المنديل الملطخ على كفه هَبّت واقفة وقالت بفزع:
- إيدك مالها يا راغب؟
- جرح صغير... متخافيش
أمسكت يده بين يديها وقالت بصوت مرتعش:
- أهو ابتدينا... من أولها دم
جلس بجوارها على العتبة ونظرا معا إلى الشمس وهي تصعد من خلف النخيل ثم قال بهدوء:
- فاكرة يا أميرة لما لجيتيني هناك.... كنت بجيت حاجة تانية
حاجة إنتي نفسك مكنتيش عارفاها
- فاكرة... وفاكرة إني بصيتلك وقولت ده مش راغب
راغب بتاعي لسه جواه في حتة حلوه
- وإنتي اللي طلعتيه
ابتسمت رغم دموعها وقالت:
- يبقى ترجعلي بيه تاني سليم أنا مش هقعد أدوّر عليك من أول وجديد
أخرج من جيبه الخاتم الفضي القديم ووضعه في كفها وأغلق أصابعها عليه وقال:
- الخاتم ده الدبابة عمره ما جلعه... ومن النهاردة
الدبابة مات خليه وياكي ولما أعاود إنتي اللي تلبسيهولي بيدك
ضمت الخاتم إلى صدرها وانهمرت دموعها بصمت
فما كان منه إلا أن يمسح تلك الدموع بشفاهه وبعدها ينثر على وجهها الكثير من القُبل التي تحمل اعتزار غير منطوق.
في الإسكندرية كان محمد يجلس في غرفته أمام حاسوبه وسيلا تقف خلفه تمامًا تتنفس فوق رأسه كالظل:
- بقولّك إيه يا سيلا ده جنان رسمي معاذ هيدبحني قبل ما يدبحك
- ماهو مش هيعرف غير لما أوصل
- وإنتي هتوصلي فين إنتي عارفة هما رايحين أنهي ولاية أصلًا؟
صمتت قليلًا ثم قالت بثقة مصطنعة:
- أمريكا... وأما أوصل هعرف
التفت إليها بذهول وقال:
- أمريكا دي مش كفر الدوار ياما دي بلد أكبر من الدنيا كلها
- يبقى تِعرفلي هما رايحين فين إنت ليك صحاب في كل حتة
- ليا صحاب آه بس مش في المخابرات يا مجنونة
قبل أن ترد فُتح باب الغرفة فجأة ووقفت غالية على العتبة تنظر إليهما بعينين ضيقتين:
- بتعملوا إيه؟
أغلق محمد الحاسوب بسرعة البرق وقال:
- ولا حاجة يا غالية سيلا بتسألني على... على كورس إنجليزي
نظرت غالية إلى إبنتها من رأسها لقدميها وقالت:
- كورس إنجليزي... ده إنتي في المدرسة كنتي بتنجحي في فيه بالعافية
اقتربت منها سيلا وتعلقت بذراعها وقالت بدلال:
- الإنسان بيتطور يا ماما
- ولما يتطور بيتطور عشان حبيبه مسافر أمريكا؟
تجمد الإثنان في مكانهما فأكملت غالية ببرود:
- الحيطان هنا ليها ودان يا حبيبتي وأنا ودني أطول
من الحيطان لو فكرتي تعملي الحركة دي
أنا بنفسي هقول لحسن وإنتي عارفة حسن هيعمل إيه.
خرجت وأغلقت الباب بهدوء فالتفت محمد إلى سيلا وقال بانتصار:
- الحمد لله ربنا بعتلي غالية تنقذني منك
ظلت سيلا كانت تنظر إلى الباب المغلق بعينين لامعتين ثم قالت بابتسامة لم تعجبه على الإطلاق:
- ماما قالت لو فكرت... وأنا خلاص مش هفكر أنا هنفذ على طول.
في صالة كبار الزوار بمطار القاهرة وقف معاذ وتميم جانب بعضهما بينما جلس راغب بعيدًا بملامح جديدة وقد حلق لحيته الكثيفة ووضع نظارة طبية فأصبح رجلًا آخر لا يشبه الدبابة في شيء
اقتربت عُدي من تميم ومدّ له علبة صغيرة ملفوفة بعناية ثم قال:
- بتقولّك مراتك دي لياسر متفتحهاش
- فيها إيه بقى عشان مش متطمن؟
- معرفش والله هي وصتني أديهالك وأقولك كده
ابتسم وأخذ العلبة ثم قال:
- قولّها هتوصله وهرجعلها بصورة ليه وهو بيضحك كمان.
على الجانب الآخر كان حسن يتحدث مع معاذ عبر الهاتف ويُلقي عليه بعض التعليمات قال الأخير بمزاح:
- إيه يا بابا مش هتشتمني ولا إيه ؟
أصلي مش متعود أسافر من غير ما تقولي يا إبن الكلب
ضحك حسن رغمًا عنه ثم وقال بخوف :
- ارجع يا ابن الكلب... ارجع وأنا أشتمك براحتي وأطلّع ميتينك كمان
تنحنح حتى يَجلي صوته ولا يظهر عليه القلق ثم أكمل بجدية:
وخلي بالك من الواد تميم مهما كان ده إبن سالم
سمعه سالم فقال بسخرية:
- وإنت يا تميم خلي بالك من إبن حسن
عشان لو جراله حاجة حسن هيقعد في بيتي وأنا مش ناقص
ضحكا معًا ثم نوديَّ على الرحلة فتحرك الثلاثة نحو البوابة وأخرج معاذ هاتفه ليرسل رسالة أخيرة لسيلا:
- طالع الطيارة يا قلبي خلي بالك من نفسك ومتعمليش جنان لحد ما أرجع
جاءه الرد سريعًا:
- متقلقش ياحبيبي أنا قاعدة في البيت.
في تلك الليلة دخلت غالية غرفة ابنتها لتطمئن عليها فوجدتها نائمة في فراش معاذ تحتضن قميصه الذي خلعه قبل رحيله على المقعد وعيناها منتفختان من البكاء
جلست بجوارها على حافة الفراش ومسحت على شعرها بحنان فقالت سيلا دون أن تفتح عينيها:
- متقوليش حاجة يا ماما
- مش هتكلم... بس هقعد معاكي شوية
مرت دقائق في صمت ثم قالت سيلا بصوت مبحوح:
- أنا كنت هسافر وراه بجد المره دي
- عارفة
- وإنتي منعتيني
- لو نفترض إنك فعلًا سافرتي مع إن دي حاجة مستحيلة... كان هيبقى خايف عليكي
بدل مايركز في شغله... وساعتها إنتي اللي ممكن تضرّيه من غير ما تقصدي
فتحت سيلا عينيها ونظرت إلى أمها بصدمة فقد جاءت الكلمات كالصفعة
ثم ارتعشت شفتاها وانهارت باكية وهي تقول:
- أنا مكنتش أقصد... أنا بس مقدرتش أتخيله هناك لوحده
أنا بموت من الرعب عليه يا ماما
ضمّتها غالية إلى صدرها وقالت بحنان:
- هوَّ مش لوحده ياعبيطة معاه تميم
ومعاه دعاكي... وإنتي هنا دورك أهم من هناك
- يعني إيه دوري... مش فاهمة؟
- إن لما يكلمك تضحكي متخليهوش يسمع
صوتك مكسور الراجل اللي في الحرب لازم يحس إن بيته كويس وفي آمان
مسحت سيلا دموعها بظهر يدها كالأطفال ثم قالت بعناد:
- طب ولو اتأخر بقى أعمل اااايه؟
- هقعد أعيط معاكي يا قلب امك
ضحكت سيلا رغمًا عنها ثم قالت بمكر:
- بس على فكرة أنا لسه مسامحتكيش إنك قولتي لحسن
- أنا مقولتلوش حاجة
- أومّال حمو عرف منين إن الموضوع اتقفل؟
ابتسمت غالية بدهاء وقامت متجهة للباب وهي تقول:
- حمو ده غلبان... بيصدق أي حاجة.
في نيويورك كان الملهى مزدحم كعادته في ليالي الجمعة والموسيقى الصاخبة تهز الجدران
وقف ياسر خلف البار يمسح الكؤوس لكن عينيه لم تفارقا الركن البعيد
حيث جلس حبيب مع الرجل الخمسيني نفسه يتحدثان بجدية
ويتبادلان ظرفًا بُنيًا بحركة سريعة
كان يعرف الرجل من الصور... فيكتور ذراع العيلة في المدينة... والرجل الذي يُقال إنه لا يصافح أحدا
إلا إذا كان سيأخذ منه شئ
فجأة.... انفتح باب الملهى ودخلت جودي بفستان أسود بسيط وعيناها تبحثان عن حبيب بين الزحام
شعر ياسر بشيء يتجمد في صدره فلو اقتربت من تلك الطاولة الآن ستصبح وجهًا يعرفه فيكتور
وهذا وحده يكفي ليُدخلها عالم لا يخرج منه أحد
ترك الكأس من يده وتحرك بسرعة واعترض طريقها قبل أن تصل إلى الركن وقال بصوت منخفض:
- ارجعي
رفعت عينيها إليه وعرفته في لحظة فظهر الغضب على ملامحها وقالت:
- إنت تاني... إنت إيه ياخي ماشي ورايا ولا إيه؟
- أنا شغال هنا لو مخدتيش بالك... إنتي اللي جاية مكاني
- أنا جاية لخطيبي ابعد عن طريقي
حاولت أن تتجاوزه فوقف أمامها مرة أخرى وقال بحزم:
- خطيبك قاعد بيعمل شغل ومش هيحب إنك تدخلي عليه دلوقت صدقيني
نظرت إليه بشك وقالت:
- وإنت مالك... إنت تعرف حبيب منين أصلًا
تردد للحظة ثم قال بهدوء:
- معرفوش... بس أعرف الراجل اللي قاعد معاه وأعرف إن أي حد بيقعد معاه بيندم
التفتت ببطئ نحو الركن ورأت حبيب يضحك مع ذلك الرجل الضخم الذي لم تراه في حياتها
ولاحظت كيف يجلس حبيب منكمشًا أمامه بطريقة لم تعهدها منه أبدًا
عادت ونظرت إلى ياسر وقد اختفى الغضب من عينيها وحلَّ مكانه إرتباك حقيقي وقالت:
- هو مين الراجل ده؟
- واحد مينفعش يعرف شكلك روحي يا جودي إمشي من هنا بسرعة
اتسعت عيناها بدهشة وقالت:
- إنت عرفت إسمي منين؟!
أدرك في لحظة أنه أخطأ فقد سمع إسمها في تلك الليلة حين كانت تصرخ في حبيب
لكنه لم يكن يجب أن يتذكره فقال بجمود:
- خطيبك كان بيزعق بيه الليلة اللي فاتت والمكان كله عرف إسمك
أشار نحو الباب وقال:
- اطلعي... وابعتيله رسالة إنك مستنياه بره ومتدخليش هنا تاني لوحدك
والأفضل أصلًا إنك ترجعي بيتك ومش لازم تسهري معاه النهارده
وقفت للحظات تنظر إليه وكأنها ترى وجهه لأول مرة ثم قالت بصوت خافت:
- إنت إسمك إيه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه وقال:
- مش مهم
ثم عاد إلى البار دون أن يلتفت إليها بينما خرجت هي وقلبها يدق بطريقة لم تفهمها... ولم تكن تعلم أن أحدًا آخر رآها وهي تقف مع ياسر.
عادت جودي إلى المنزل قبل منتصف الليل لأول مرة منذ شهور فوجدت فهد جالس في الصالة يشاهد التلفاز فرفع حاجبيه بدهشة وقال:
- إيه ده...وجودي في البيت الساعة اتناشر
هيَّ القيامة هتقوم ولا إيه؟!
لم ترد عليه بمُزاحها المعتاد بل جلست بجواره بصمت ووضعت رأسها على كتفه
فأطفأ التلفاز والتفت إليها بقلق:
- مالك يا جوجو... حبيب زعلك تاني؟
- لأ... مشوفتوش أصلًا النهارده
- أومّال مالك يا حبيبتي؟
صمتت للحظات ثم قالت بصوت خافت:
- فهد... هو إنت تعرف إيه عن شغل حبيب؟
نظر إليها بدهشة وقال:
- شغله... بيشتغل مع عمك في الشركة ليه بتسألي
- ولا حاجة... بس شوفته النهارده قاعد مع راجل غريب وكان شكله خايف منه
تجهّم وجه فهد وقال:
- راجل مين؟
- معرفش... واحد قالّي إن أي حد بيقعد معاه بيندم
- واحد مين اللي قالك؟
ارتبكت وقامت بسرعة وقالت:
- ولا حد... أنا تعبانة وهطلع أنام.
صعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب واستلقت على الفراش تنظر إلى السقف
وصورة ذلك الشاب الذي رفض أن يخبرها بإسمه لا تفارق خيالها همست لنفسها بغيظ:
- مش مهم... ماشي... أنا هعرف إسمك.
في سيارة سوداء متوقفة على الرصيف المقابل للملهى جلس أسر خلف المقود وقد أطفأ الأنوار يراقب الباب منذ ساعة
منذ ليلة العشاء وهو لم يعد يطمئن لحبيب ولا لأبيه وقررَّ أن يعرف بنفسه ما يخفيانه
رأى جودي تخرج وحدها فكاد أن ينزل إليها لكنه توقف حين رأى حبيب يخرج بعدها بدقائق ومعه رجل ضخم ركب سيارة فخمة بعد أن ربت على كتف حبيب بطريقة لم تعجب أسر إطلاقًا
أخرج هاتفه والتقط صورة للرجل ولوحة السيارة ثم أرسلها إلى صديق قديم يعمل في شرطة المدينة وكتب:
- محتاج أعرف مين ده... وبأسرع وقت؟
جاءه الرد بعد دقائق قليلة رسالة من كلمتين جعلت الدم يتجمد في عروقه:
- ابعد عنه
عاد أسر إلى المنزل في الثالثة فجرًا فوجد فهد ما زال مستيقظ ينتظره في المطبخ فقال الأخير بقلق:
-جودي سألتني النهارده على شغل حبيب... وقالت إنها شافته مع راجل غريب
وضع أسر هاتفه على الطاولة أمامه وفتح الصورة التي إلتقطها وقال بصوت منخفض:
- الراجل ده
نظر فهد إلى الصورة ثم إليه وقال:
- مين ده؟
- معرفش... بس بَعت صورته لصاحبي في الشرطة
وردّ عليا بكلمتين بس... ابعد عنه
شَحب وجه فهد وقال بعد لحظات:
- يعني حبيب داخل في حاجة وسخة؟
- وعمك منصور كمان... وتقريبًا عايزين يدخّلوا جودي
معاهم بالجوازة دي ليه بقى... مش عارف لسه؟
- نقول لبابا وهوَّ أكيد هيتصرف؟
هز أسر رأسه نفيًا وقال:
- بابا مش هَيصدّق من غير دليل ده أخوه الصغير
اللي مربيه ولو قولنا من غير ما نبقى متأكدين هيقف معاهم ضدنا
- يبقى نعمل إيه؟
نظر أسر إلى الصورة للحظات ثم قال بحزم:
-نعرف الحقيقة بنفسنا... ومن النهارده جودي متتحركش خطوة من غير ما واحد
فينا يبقى عارف هي فين.
في شقة آمنة استأجرها تميم بإسم مُستعار في حي هادئ على أطراف المدينة دق الباب بإيقاع مُتّفق عليه ففتح معاذ ليجد ياسر أمامه يرتدي قبعة سوداء تخفي نصف وجهه
دخل ياسر وتوقف في منتصف الصالة حين رأى تميم يقف عند النافذة
للحظة لم يتكلم أحد ثم تقدّم تميم وضمّه إليه بقوة وقال بصوت مبحوح:
- عامل إيه يا ياسر؟
- كويس ياباشا... كويس الحمد لله
ابتعد عنه تميم وأخرج العلبة الصغيرة من جيبه وناولها له قائلا:
- دي من سما... ومنعتني أفتحها
فتحها ياسر بأصابع مرتعشة فوجد بداخلها سلسلة فضية صغيرة كانت ترتديها وهُم صغار
وورقة مطوية كُتب عليها بخط سما:
- عارفة إنك بتخاف من الضلمة... السلسلة دي
كانت بتنور معانا زمان خليها تنورلك هناك...أختك اللي مستنياك
أغمض ياسر عينيه وضغط الورقة على صدره ولم يستطع أن يمنع دمعة هربت رغمًا عنه
بينما التفت معاذ إلى النافذة احترامًا لتلك اللحظة وربت تميم على كتفه بصمت
قطع الصمت صوت أجش من داخل الغرفة:
- خلصتوا بُكى؟
خرج راغب من الغرفة الداخلية ووقف أمام ياسر ونظر إليه من رأسه لقدميه ببطئ شديد
كأنه يعاين بضاعة في سوق ثم قال بخيبة أمل واضحة:
- هو ديه... ديه اللي هيبجى الدبابة ده لساته عيّل يا تميم باشا؟!
احتقن وجه ياسر وقال بحدة:
- العيّل ده عاش سنة لوحده في بلد ملهوش فيها حد
وكان يتيم طول عمره مع إن أبوه وأمه كانو عايشين
ومستعد يموت بجد عشان يخلص من كل اللي شافه في حياته
ابتسم راغب ابتسامة جانبية وقال:
- زين... الغضب ديه حلو بس الدبابة عُمرُه
ما بيوري غضبه لحدى أول درس يا وِلد
اللي يعرف إنت زعلان من إيه يعرف يدبحك منين
جلس على الأريكة وأشار إلى المقعد المقابل وقال:
- اجعد من الليلة ديه إنت ولدي... وهَعلمك كيف تبجى أجسى من اللي جتلوني
أخرج هاتفه القديم ونظر إلى الشاشة وقال:
- الصور اتبعتت من ساعتين عن طريج واحد من رجالتي الجدام
وإسمك راح وياها من دلوك يا ياسر... العيلة كلها بتدور عليك.
بعد منتصف الليل خرج معاذ إلى الشرفة الضيّقة يدخن سيجارة
فوجد تميم يسند ذراعيه على السور وينظر إلى أضواء المدينة البعيدة
وقف بجواره دون أن يتفوّه بحرف ومدّ له علبة السجائر فأخذ منها تميم واحدة وأشعلاها في صمت
بعد دقائق قال معاذ دون أن ينظر إليه:
- كويس اللي عملته مع ياسر... الواد بيحبك
التفت إليه تميم بدهشة وقال:
- إنت بتمدحني... هي الهُدنة بدأت رسمي ولا إيه؟!
- متتعودش... دي لحظة هبل وهتعدي
عشان اتأثرت باللي حصل من شوية
ضحك تميم ثم صمت قليلا وقال:
- بقولك إيه... إنت فاكر إحنا اتخانقنا أول مرة ليه في الكلية؟
فكّر معاذ للحظة ثم قال بجدية مصطنعة:
- عشان إنت خدت مكاني في الطابور أول يوم؟
- لأ يا عم.... عشان إنت قولت قدام الدفعة كلها إن أبويا اللي دخلني بالواسطة
- وهوَّ ماكنش مدخّلك كوسة يعني؟
- لأ... ولما جبت الأول على الدفعة إنت اللي فضلت شايل مني
نفث معاذ دخان سيجارته ببطئ ثم قال بصراحة نادرة:
- ماشي... كنت غلطان بس إنت كمان كنت رخم
- وإنت كنت أرخم على فكرة
- ولسه بشرب برميل رخامة كل يوم الصبح خد بالك
- وأنا كمان لسه أرخم منك على فكرة
ضحك الإثنان معًا للمرة الأولى منذ سنوات ثم مد معاذ يده وقال:
- لمّا نرجع مصر... نرجع نكرَه بعض عادي
صافحه تميم وقال:
- اتفقنا... بس هنا ضهري في ضهرك.
في موسكو داخل مكتب فخم تُغطي جدرانه لوحات زيتية قديمة
جلس رجل ستيني أبيض الشعر يُدعى إيفان يقلّب في هاتفه الصور التي وصلته للتو من نيويورك
رجل مُلقى بين الصخور الدم يغطي قميصه والخاتم الفضي يلمع في إصبعه... ودفتر جلدي مُلطّخ بالدم
وقف أحد رجاله خلفه وقال بلغة روسية سريعة:
- لقد مات أخيرًا يا سيدي... الدبابة انتهى
لم يَردّ إيفان بل ظل يُكبّر الصورة ويُصغّرها يتأمل وجه الرجل المُغمض العينين
ثم وضع الهاتف على المكتب ببطئ وقال بهدوء أخافه أكثر من أي صراخ:
- من الذي قتله؟
- شاب مصري إسمه ياسر ويُقال إنه ابن شعبان أحد رجالنا القُدامى في مصر
ضحك إيفان ضحكة قصيرة خالية من أي مرح ثم قال:
- إبن رجل خذلناه يأتي إلينا برأس الرجل الذي فشلنا نحن في الوصول إليه!
أشعل سيجاره الغليظ ونفث دخانه نحو الصورة وقال بنبرة باردة:
- الدبابة لا يموت بهذه السهولة... أريد أن أرى هذا الشاب بعيني
ماذا سيحدث يا ترى....
سنرى.......
انتظرووني.....
بقلمي/ فريده الحلواني
