📁 آخر الأخبار

روايه سوار جهنم الفصل الرابع بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه سوار جهنم الفصل الرابع بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه سوار جهنم الفصل الرابع بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه سوار جهنم الفصل الرابع بقلم الكاتبه فريده الحلواني 


الفصل الرابع

سوار جهنم 

فريده الحلواني 



صباحك بيضحك يا قلب فريده 


متيأسيش لو الطريق طِول عليكي كل خطوة بتمشيها النهارده بتقرّبك من حلم كُنتي فكراه بعيد

افتكري دايمًا إن أطول ليالي الشتا بتخلص دايمًا بشمس دافية

وإنتي بكره شمسك تنوّر حياتك وتملاها دفى... أنا واثقة 

وبحبك. 




في السادسة صباحًا كانت الشقة الآمنة غارقة في الصمت إلا من صوت خطوات راغب الثقيلة وهو يدور حول ياسر الجالس على مقعد خشبي في منتصف الصالة كأنه صقر يحوم حول فريسته

جلس تميم ومعاذ على الأريكة يحتسيان القهوة ويراقبان المشهد باهتمام وكأنهما يشاهدان مباراة لا يعرفان من سيفوز فيها


توقف راغب خلف ياسر تمامًا ثم قال بصوت منخفض:

- جوم اُوجف

وقف ياسر بسرعة فدفعه راغب من كتفه بقوة ليعيده إلى المقعد وقال بحدة:

- غلط

نظر إليه ياسر بدهشة وقال:

- هو مش إنت اللي قولت أقوم؟

- جولتلّك جوم... مجولتلكش اتنطط كيف العيل اللي أبوه نده عليه

الدبابة عمره ما بيتحرك بسرعة لما حدا يأمره بيبص الأول

وبيسيب اللي جِدامه مستني وبعدين يجوم على مهله

 لإنه هو اللي بيحدد الوجت مش اللي بيأمره

ثم عاد يقف أمامه وقال:

- جوم

هذه المرة رفع ياسر عينيه إلى راغب ببطء ونظر إليه لثانيتين كاملتين ثم وقف دون عجلة وأسند يده إلى ظهر المقعد

ابتسم راغب ابتسامة صغيرة وقال:

- أحسن... بس لسه عينك فيها خوف

- أنا مش خايف

- عينك بتجول غير إكده يا وِلد العيلة بتجرا العين جبل الكلام 

 لو بصيت لإيفان وعينك فيها ذرة خوف هيعرف إنك 

مش إنت اللي جتلت الدبابة لإن اللي يجتل الدبابة ميخافش من حد


همس معاذ لتميم دون أن يرفع عينيه عن المشهد:

- مية دولار إن الواد هيزهق قبل الضهر؟

رد تميم ببرود:

- مِتين إنه هيكمل لآخر اليوم

- اتفقنا

التفت إليهما راغب وقال بغيظ:

- إنتو بتتراهنوا عليه جِدامه

رد معاذ ببراءة مصطنعة:

- لا يا عم راغب إحنا بنشجعه


عاد راغب إلى ياسر وأخرج من جيبه صورة ووضعها أمام عينيه وقال:

- مين ديه؟

نظر ياسر إلى الصورة فوجدها صورة لسما وضي وهما يضحكان فتجمد وجهه لثانية ثم قال بصوت خرج مرتعش رغمًا عنه:

- دي... دي صورة اخواتي

مزّق راغب الصورة في لحظة وألقاها على الأرض وقال بقسوة:

- غلط تاني... الدبابة ملوش إخوات ملوش أم

 ملوش حد لو إيفان ورّاك صورة أختك وجالّك أنا هجيبهالك

 من مصر النهارده هتعمل إيه؟

صمت ياسر وقبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله وقال بصوت مخنوق:

- هقتله

- وتموت إنت وأختك في نفس اللحظة جاوب تاني... مين ديه؟


أخرج صورة أخرى من جيبه نفس الصورة ووضعها أمامه

نظر ياسر إليها للحظات هذه المرة وأخذ نفس عميق ثم رفع عينيه إلى راغب وقال ببرود لم يعرف من أين جاء به:

- معرفهاش... حلوة بس مش ذوقي


ساد الصمت في الصالة ونظر تميم إليه بدهشة بينما وضع راغب يده على كتف ياسر وضغط عليه بقوة وقال:

- دية أول مرة تكذب صُح يا وِلد وديه أصعب كدبة

 هتجولها في حياتك... الباجي كله هيبجى أسهل

ثم التفت إلى معاذ ومد يده وقال:

- هات المية دولار

رد معاذ بصدمة:

- إنت مالك... ده رهان بيني وبين تميم

- الواد كمّل... والدرس كان عليه يبجى المكسب ليا


انفجر تميم ضاحكّّا بينما أخرج معاذ الورقة من جيبه وألقاها على الطاولة وهو يتمتم:

- دي عصابة... أنا اتنصب عليا جوه المخابرات نفسها.




في مكتب فخم يطل على أحدي الأنهار جلس فيكتور خلف مكتبه الضخم يدخن سيجارًا بينما وقف أمامه رجل نحيل بملامح لاتينية يُقلّب في هاتفه

قال فيكتور بصوت عميق:

- الفتاة التي كانت مع ذلك الساقي ليلة أمس... من هي؟

- خطيبة حبيب إبنة أخ شريكنا منصور... سفيان الجبري

رفع فيكتور حاجبيه باهتمام فقد كان إسم سفيان الجبري وحده كافي ليجعل هذه الفتاة أهم مما تبدو:

- والساقي؟

- عربي يعمل في الملهى منذ ما يقارب عام إسمه...

توقف الرجل وقرأ الإسم على شاشة هاتفه مرة أخرى ثم رفع عينيه إلى فيكتور بارتباك وقال:

- ياسر... ياسر شعبان

تجمّد فيكتور في مكانه وأطفأ السيجار ببطئ في المطفأة ثم قال بهدوء خطير:

- ياسر... الإسم الذي وصلنا من موسكو صباح اليوم؟

- نعم سيدي... الشاب الذي يُقال إنه قتل الدبابة


نهض فيكتور ووقف أمام النافذة الزجاجية الواسعة ونظر إلى المدينة الممتدة أمامه ثم قال:

- رجل يقتل الدبابة... يقتل أخطر رجل عرفته العيلة ثم يعمل ساقي في ملهى من ملاهينا لسنة كاملة تحت أعيننا ولا نعرفه... هذا إما أغبى رجل في العالم أو أذكاهم

- وماذا نفعل؟

التفت إليه فيكتور بابتسامة باردة وقال:

- إيفان يريد أن يراه... وأنا أريد أن أعرف لماذا كان يحمي خطيبة حبيب منّي؟




في العاشرة صباحا كان الملهى خالي تماما والمقاعد مقلوبة فوق الطاولات والأرضية تلمع بعد تنظيفها

وقف ياسر خلف البار يرتب الزجاجات قبل أن ينصرف فقد كانت نوبته الصباحية حجة يستخدمها ليبقى قريبًا من المكان دون أن يلفت الأنظار

سمع صوت الباب يُفتح فرفع رأسه ليقول إن المكان مغلق لكن الكلمات تجمّدت على لسانه


كانت جودي تقف عند الباب ترتدي بنطال من الجينز وسترة بيضاء بسيطة

 وشعرها معقود للخلف ووجهها خالي من أي مساحيق تجميل فبدت أصغر مما رآها في الليلتين السابقتين... وأجمل

اقتربت من البار بخطوات مترددة ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله واثقًا:

- أنا نسيت حاجة هنا امبارح

نظر إليها ياسر ببرود وقال:

- نسيتي إيه؟

ارتبكت للحظة ثم قالت:

- سلسلة... سلسلة دهب

- مفيش حاجة لقيناها امبارح 

- يمكن حد لقاها وأخدها وإنت متعرفش؟

- أنا اللي بقفل المكان كل يوم ولو كانت إتلَقت كنت أنا أول واحد أعرف

ضيقت عينيها وقالت بغيظ:

- إنت على طول رخم كده؟

ترك الزجاجة من يده وأسند ذراعيه إلى البار ونظر إليها مباشرة وقال:

- وإنتي على طول بتكدبي كده؟

 إنتي مش لابسة سلسلة من أصله يا جودي


احمرَّ وجهها في لحظة وأشاحت بعينيها بعيدًا ثم قالت بصوت خافت:

- ماشي... مكنتش ناسية حاجة

- عارف

- أنا جيت عشان أعرف إسمك

صمت ياسر وشعر بشيء يتحرك في صدره لم يشعر به منذ زمن بعيد لكنه تذكّر درس راغب في الصباح... الدبابة ملوش جلب

أعاد عينيه إلى الزجاجات وقال بجمود:

- قولتلك مش مهم

- بالنسبالي مهم

- ليه؟

رفعت عينيها إليه وقالت بصراحة فاجأته:

- عشان إنت أول واحد من سنين يخاف عليا من غير ما يكون عايز مني حاجة


توقفت يداه عن الحركة والتفت إليها ببطئ فوجد في عينيها شئ صادقًا لم يتوقعه 

شئ يشبه الوحدة التي يعرفها جيدًا

خرج من خلف البار ووقف أمامها على مسافة قريبة وقال بصوت منخفض:

- إنتي عارفة إن خطيبك كان قاعد مع ناس لو عرفوا إنك

 هنا دلوقت معايا ممكن يأذوكي

- وإنت... إنت مش خايف منهم؟

- أنا مَليش حد أخاف عليه

نظرت إليه للحظات ثم قالت بهدوء:

- يبقى إنت وحيد أكتر مني


صمت الإثنان للحظات ثم تنهد ياسر ومد يده إلى الباب وفتحه لها وقال:


- ياسر

التفتت إليه بسرعة وقد لمعت عيناها:

- إيه؟

- إسمي ياسر... وده آخر حاجة هتعرفيها عني

 ودلوقت روحي بيتك ومترجعيش هنا تاني


مرت من جواره عند الباب ثم توقفت ونظرت إليه وقالت بابتسامة صغيرة عنيدة:

- مقدرش أوعدك

و فقط... خرجت تاركة إياه يقف عند الباب يلعن نفسه في سره... فقد كسر أول قاعدة علّمها له راغب قبل أن يَمُر على تعلمها يوم واحد.



في الإسكندرية كانت سيلا تجلس في الشرفة ممسكة بهاتفها تنتظر مكالمة معاذ منذ الصباح وقد أعادت في رأسها نصائح أمها مئة مرة

حين رن الهاتف أخيرًا أخذت نفس عميق ورسمت على وجهها ابتسامة واسعة وكأنه يراها

 ثم ردت بمرح مبالغ فيه:

- صباح الفل يا حبيبي... عامل إيه... أكلت... نمت كويس...

 الجو عندكم حلو؟

صمت معاذ على الطرف الآخر لثوان ثم قال بشك:

- سيلا... إنتي كويسة؟

- كويسة جدًا يا حبيبي بتسأل ليه؟ 

- عشان إنتي آخر مرة كلمتك كنتي بتعيطي

 وبتهدديني إنك جاية ورايا ودلوقت بتسأليني على الجو

ضحكت بخفة مصطنعة وقالت:

- ما أنا عقلت خلاص... الإنسان بيتطور

- إنتي قولتي الجملة دي لغالية امبارح

- إنت عرفت منين؟

- محمد بيبعتلي تقرير كل ساعة


انقلبت ملامحها في لحظة ونسيت نصيحة أمها بالكامل وقالت بغيظ:

- حمو بيتجسس عليا... طب وربنا لأوريه المٌرشد الجزمه ده


ضحك معاذ من قلبه ضحكة وصلتها واضحة رغم المسافات 

فتوقفت عن السباب وابتسمت رغمًا عنها وقال هو بحنان:

- أيوه كده... دي سيلا اللي أعرفها متحاوليش تبقي حد تاني عشاني

- ماما قالتلي لازم أضحك عشان متقلقش عليا

- وأنا بقلق أكتر لما تضحكي كده من غير سبب

 بحس إنك عاملة مصيبة و بتحاولي تخبيها

ضحكت هذه المرة ضحكة حقيقية ثم قالت بصوت أهدأ:

- وحشتني يا معاذ... أووووي

- وإنتي أكتر يا قلب معاذ... بس خليكي عاقلة

 ومتدبحيش محمد لحد ما أرجع أنا محتاجه

- هسيبه عايش... بس مش هعديها

- سيلا 

- قلبها 

- أنا بعشقك... إنتي واثقة من كده صح ؟

تنهدت بعشق ثم قالت :

- دي أكتر حاجة متأكدة منها في حياتي 

ولو طولت أديك عمري كله قصاد عشقك ليا هعملها يا معاذ 

إنت بتجري في دمي... مش عشان بحبك بقولها مجازًا... لأ

عشان إنت فعلًا مَبَخلتش عليا بدمك لما عملت العملية 

ابتسم بحنين لتلك الذكرى وقال بغيرة ووقاحة رغم مُزاحه :

- إنتي هبلة يا بت... عايزه حاجة تخش في جسمك غيري 


ضحكت من قلبها وَرَدت بسفالة يعشقها فيها: 

- لأ يا ميزو كده هَفهم الجملة غلط... اوعى يكون اللي في دماغي صح ؟

ضحك برجولة ثم قال بسفالة أكبر :

- لأ هو... لما أرجع هوريهولك عشان هيموت عليكي 

- إرجع بس وملكش دعوة... هظبطك 


أغلقت الهاتف ونظرت إلى البحر أمامها للحظات ثم نهضت فجأة وصرخت من الشرفة:

- حمووووووو

وفي الطابق السفلي أسقط محمد كوب الشاي من يده وهمس بفزع:

- عرفت... يا نهار أسود عرفت

ضحك ياسين وأسيا عليه وقال الأول بشماتة:

- ماهي لازم تعرف إنت عارف إنهم مش بيخبوا حاجة على بعض 

رد عليه بغل: 

- الله يحرقهم هما الإتنين يا جدع.




في مكتب منصور الجبري في الطابق العشرين من برج زجاجي في مانهاتن وقف حبيب أمام أبيه مطأطئ الرأس بينما كان منصور يدور في المكتب كالأسد الجريح:


- فيكتور كلمني الصبح بنفسه عارف قالّي إيه؟

 قالّي إن خطيبتك كانت في الملهى امبارح

 وواقفة بتتكلم مع الواد اللي العيلة كلها بتدوّر عليه

رفع حبيب رأسه بصدمة وقال:

- واد مين؟

- البار مان... الواد اللي قالوا إنه قتل الدبابة

- الواد ده اللي اتخانق معايا عشانها أول مرة

توقف منصور عن الحركة ونظر إلى ابنه بعينين مشتعلتين:

- اتخانق معاك عشانها... وإنت مقولتليش؟

- ما أنا مكنتش أعرف إنه مهم يا بابا

كنت فاكره واحد عبيط بيعمل فيها بطل


جلس منصور على مقعده ومسح وجهه بكفيه ثم قال بصوت منخفض:

- اسمع يا حبيب... الجوازة دي مش لعب

 إنت عارف إن عمك سفيان كاتب نص أسهم شركة الشحن

 بإسم جودي من يوم ما اتولدت

- عارف

- والشركة دي هي الوحيدة في الميناء اللي مفيش

 حد يقدر يفتش شحناتها عشان إسم عمك نضيف من أربعين سنة

 يوم ما تتجوز جودي الأسهم دي هتبقى في إيدك والعيلة هتدخل الميناء بشحناتها من غير ما حد يسأل

 وده الوعد اللي أنا وعدته لفيكتور


ابتلع حبيب ريقه بصعوبة بينما أكمل أبوه بنبرة باردة:

- ولو جودي فلتت من إيدك عشان الواد ده... أنا وإنت هندّفن في قبر واحد.




في مساء اليوم نفسه طرقت جودي باب مكتب أبيها في المنزل ودخلت دون أن تنتظر رده كعادتها منذ كانت طفلة فوجدته جالس خلف مكتبه الخشبي القديم يقلب في ألبوم صور باهتة

رفع عينيه إليها وابتسم ومد ذراعه فأسرعت إليه وجلست على ذراع كرسيه كما كانت تفعل وهي صغيرة ونظرت إلى الصورة التي بين يديه

كانت صورة لامرأة شابة تبتسم للكاميرا بخجل وتُملّس بطنها المنتفخ بيدها

قالت جودي بصوت خافت:

- ماما؟

- أيوه يا حبيبتي... دي آخر صورة ليها قبل ما تولدك بأسبوع

مررت أصابعها على وجه أمها وقالت:

- أنا شبهها أوي... صح

- إنتي نسخة منها حتى العند بتاعك ورثتيه منها

ضحكت جودي ثم صمتت قليلًا وقالت دون أن تنظر إليه:

- بابا... هو إنت ليه كاتب نص الشركة بإسمي


توقفت يد سفيان على الألبوم ونظر إليها بدهشة وقال:

- مين قالك الكلام ده؟

- عمي منصور قاله قدامي مرة وكان فاكرني عارفه

تنهّد سفيان ببطئ وأغلق الألبوم ثم قال بهدوء:

- يوم ما أمك ماتت وأنا شايلك على إيدي في المستشفى

 حلفت إني أكتبلك حاجة أغلى حاجه عندي في كل اللي أملكه

 الشركة دي أنا بنيتها من الصفر

 بعرقي وعمري ما دخلت فيها قرش حرام فيها

عشان كده حبيت تبقى ليكي... حاجة نضيفة زيك

دمعت عينا جودي وقالت بصوت مرتعش:

- ولو اتجوزت؟

- هتفضل بإسمك بس جوزك هيبقى شريكك فيها ده القانون


صمتت جودي وتذكرت كيف كان حبيب يسألها في كل مرة عن الشركة وعن أبيها وعن الميناء وكانت تظن وقتها أنه يهتم بها وبعائلتها ثم تذكرت الرجل الضخم في الملهى 

وكيف كان حبيب يجلس أمامه منكمش كطفل خائف

قالت فجأة:

- بابا... لو قولتلك إني مش متأكدة من حبيب هتزعل

التفت إليها سفيان بسرعة ونظر في عينيها للحظة ثم قال بحذر:

- هو عملك حاجة؟

- لأ... بس حاسة إنه مش زي ما أنا فاكراه

 حاسة إنه بيحب حاجة تانية فيا غيري


ضمها أبوها إلى صدره وقال بصوت دافئ:

- اسمعيني يا جودي... أنا ممكن أزعل من أي حاجة في الدنيا إلا إنك تتجوزي واحد

 وإنتي مش متأكدة منه لو قلبك مش مرتاح

 مفيش فرح ولا خطوبة ولا أي حاجة... أنا أقف قدام الدنيا كلها عشانك

حتى لو كان أخويا


رفعت رأسها إليه ونظرت إليه بدهشة فقد كانت تظن أنه سيغضب ثم قالت:

- بس عمو منصور أكيد هيزعل منك جامد

صمت سفيان لحظة وظهر في عينيه شيء لم تفهمه ثم قال بهدوء:

- أنا بحب منصور... بس بحبك إنتي أكتر

ومن فترة وأنا حاسس إن أخويا مبقاش أخويا


خرجت جودي من المكتب بعد دقائق بينما ظل سفيان جالس في مكانه ثم فتح درج مكتبه وأخرج ملف مغلق عليه ختم أحمر وقلب في أوراقه 

 كشوف شحنات مرت من الميناء بإسم شركته لم يوقع عليها بنفسه ولا يعرف من أين جاءت

 أمسك الهاتف وطلب رقم قديم لم يتصل به منذ سنوات وقال بصوت منخفض:

- أنا سفيان الجبري... محتاج أشوفك في موضوع ميتقالش في التليفون.



في سيارة مركونة أسفل البرج نفسه جلس أسر وفهد يراقبان المدخل منذ ساعتين

قال فهد بملل وهو يقضم قطعة من الشطيرة:

- إحنا بقالنا يومين بنعمل كده ومعرفناش حاجة غير إن عمك بيحب القهوة من المكان اللي على الناصية

رد أسر دون أن يرفع عينه عن المدخل:

- الصبر يا فهد

- الصبر ده بتاع أيوب مش بتاع إتنين قاعدين في عربية من غير حمام


فجأة اعتدل أسر في جلسته وأمسك ذراع أخيه بقوة وأشار نحو الرصيف المقابل:

- بُص

نظر فهد حيث أشار فرأى جودي تخرج من سيارة أجرة أمام مقهى صغير في الشارع الجانبي وبعد دقائق مر شاب عربي ملامحه حادة يرتدي قبعة سوداء ووقف أمامها للحظة وتبادلا بضع كلمات ثم أشار لها بيده بحدة أن تبتعد ومضى في طريقه

قال فهد بدهشة:

- مين ده؟

ضيق أسر عينيه وقال:

- ده الواد اللي كان في الملهى... شوفته من العربية ليلتها وهو واقف مع جودي

- يعني جودي تعرفه؟

- شكلها تعرفه أكتر من اللازم

التفت إليه فهد بقلق وقال:

- تفتكر هو ليه علاقة بالراجل التخين اللي مع حبيب

صمت أسر لحظة ثم قال بحسم:

- شغّال في نفس الملهى اللي بيقابلوا فيه بعض

 وبيظهر في كل مكان جودي بتروحه... ده مش صدفة يا فهد

 الواد ده جزء من اللعبة ويمكن هو اللي بيجهزها ليهم

ثم أدار محرك السيارة وقال:

- من النهاردة الواد ده هو اللي هنراقبه.



في المساء وقف راغب في شرفة الشقة الآمنة ممسك بهاتف صغير مُشفر أعطاه له تميم وأدار الرقم الوحيد المسجل فيه

جاءه صوت أميرة سريعًا كأنها كانت تمسك الهاتف في يدها منذ الصباح:

- راغب

- جلبُه يا أميرتي

- إنت كويس... إيدك عاملة إيه... أكلت؟

ضحك ضحكة خافتة وقال:

- إنتي ومَرت معاذ بتجولوا نفس الأسئلة... الحريم كلهم واحد

- بطّل هزار وقولّي إنت كويس؟

- زين... والواد اللي بعلّمه طلع جدع

 عنيه فيها نار بس جلبه لسه أبيض ديه اللي مخوفني عليه

صمتت أميرة للحظة ثم قالت بهدوء:

- فكّرك بنفسك يوم ما دخلت هناك؟

- كنت كيفه بالظبط... ولما خرجت

 جلبي كان بجى أسود كيف الليل... مش عايزه يطلع شبهي يا أميرة

- يبقى علّمه اللي محدش علمهولك

- إيه هو؟

- إنه يفضل فاكر هو مين حتى وهو بيمثّل إنه حد تاني


صمت راغب للحظات ونظر إلى أضواء المدينة التي لا تنام ثم قال بصوت خافت:

- الخاتم وياكي؟

- في رقبتي في سلسلة مش بقلعه لحظة

- خليه إكده... لحد ما أرجع.




في منتصف الليل كان ياسر يسير عائد من الملهى نحو شقته عبر الشوارع الجانبية كعادته يدور في طرق ملتوية كما علّمه تميم ليتأكد أن لا أحد يتبعه

وحين وصل إلى باب البناية اهتزَّ هاتفه في جيبه

رقم مجهول تردد لحظة ثم رد دون أن يفتح فمه

جاءه صوت رجل عميق بلكنة روسية ثقيلة يتحدث الإنجليزية ببطئ:

- ياسر... إبن شعبان؟

تجمّد الدم في عروقه لكنه تذكّر عيني راغب والصورة الممزقة على الأرض فأجبر صوته على الخروج باردًا:

- مين معايا؟

- صديق... أو قد أكون صديقًا هذا يعتمد عليك إسمي فيكتور

صمت ياسر ولم يرد فأكمل الرجل:

- أنت تعمل في ملهاي منذ عام كامل ولم تأتي لتقول مرحبًا... هذا ليس لطيف

- مكنتش جاهز

- والآن؟

- دلوقت معايا حاجة تهمكم

ضحك فيكتور ضحكة قصيرة وقال:

- نعم سمعت رأس الدبابة... هدية ثمينة

 إيفان وصل إلى نيويورك الليلة ويريد أن يرى الرجل الذي فعل ما عجزنا عنه لسنوات

شعر ياسر بقلبه يكاد يخرج من صدره لكنه قال بهدوء:

- إمتى؟

- غدًا... في منتصف الليل سأرسل لك العنوان قبلها بساعة

 تعال وحدك وأحضر الدفتر

ثم أضاف بنبرة جعلت أطراف ياسر تتجمد:

- وبالمناسبة... إبنة سفيان الجبري فتاة جميلة

 لو كنت مكانك لابتعدت عنها في عالمنا الأشياء الجميلة تنكسر بسهولة.


انقطع الخط

ظل ياسر واقفا أمام باب البناية والهاتف في يده ونظر إلى السماء المظلمة فوقه وهمس:

- بكرة... وأنا لسه متعلمتش أقوم من على الكرسي


ماذا سيحدث يا ترى.........

سنرى......

انتظروووني......


بقلمي/ فريده الحلواني 

تعليقات