روايه سوار جهنم الفصل الخامس بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه سوار جهنم الفصل الخامس بقلم الكاتبه فريده الحلواني
سوار جهنم
الفصل الخامس
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
الطموح مش إنك تملٌكي كل حاجة... الطموح إنك تصحى كل يوم وجواكي
رغبة تبقى أحسن من امبارح
والقمة محدش بيوصلها غير اللي قرر ميبٌصش وراه
وأنا عارفة إنك قوية وجواكي طموح وواثقة إنك هتوصليله
أنا بحبك.
في الثامنة صباحًا كانت طاولة الصالة في الشقة الآمنة مٌغطاة بخرائط وصور مطبوعة وأكواب قهوة فارغة بينما جلس ياسر على نفس المقعد الخشبي وكأنه لم يغادره منذ الأمس
وقف تميم أمام الطاولة ووضع إصبعه على صورة لمخزن ضخم على أطراف الميناء وقال بجدية:
– ده المكان اللي غالبًا هيبعتلك عنوانه... فيكتور بيحب المخازن دي عشان ليها خمس مخارج ومحدش يعرف يحاصرها
رد معاذ وهو يقلب صورة أخرى:
– وإحنا هنبقى في عربية نقل على بعد شارعين مكتوب عليها شركة سباكة
رفع ياسر حاجبه بدهشة:
– سباكة؟!
– أيوه يا حبيبي محدّش في الدنيا بيبٌص على عربية
سبّاك الساعة اتناشر بالليل الكل بيفتكر إن فيه مصيبة في حمام حد.
كتم تميم ضحكته ثم أكمل بنبرة حازمة:
– مفيش سماعات ولا أجهزة عليك... هيفتشوك
من شعرك لحد صٌباع رجلك لو حسيت إن الدنيا
باظت تقول جملة واحدة بس... القهوة بردت
أي حد جنبك هيسمعها كلام عادي بس إنت هتبقى
ماسك الموبايل في جيبك وفاتح الخط علينا
– ولو أخدوا الموبايل؟
صمت تميم لحظة ثم قال بهدوء:
– يبقى هنعتمد عليك إنت... وعلى اللي علمهولك راغب
كان راغب يقف عند النافذة يٌدخن في صمت ثم التفت إليهم وأخرج من جيبه ولاعة فضية قديمة محفور عليها رأس ذئب ووضعها على الطاولة أمام ياسر وقال:
– ديه ولاعتي... كل راجل في العيلة شافها في إيدي سبع سنين
عمري ماولعت سيجارة بغيرها لما إيفان يشوفها في يدّك هيعرف إنها مطلعتش مني بالساهل
أمسك ياسر الولاعة وقلّبها بين أصابعه بتردد:
– وهيسألني خدتها منك إزاي؟
– هتجوله من جيبي... وأنا بطلّع في الروح
سحب راغب كرسيًا وجلس أمامه ونظر في عينيه مباشرة وقال بصوت منخفض:
– احكيلي... كيف جتلت الدبابة؟
بلع ياسر ريقه ثم بدأ يحكي القصة التي حفظها طوال الليل... الجبل والكمين والرصاصتين في الصدر والثالثة في الرأس والدفتر الذي وجده في جيب السترة
قاطعه راغب بعد جملتين:
– غلط إنت بتحكي كيف مايكون واحد بيسمع درس
اللي جتَل بجد مبيحكيش بالترتيب بيحكي الحتة
اللي فاضلة في دماغه... جولّي إيه اللي فاكره أكتر حاجة؟
صمت ياسر وأغمض عينيه لحظة ثم فتحهما وقال بصوت بارد:
– إنه ضحك... ضحك قبل ما يموت ومفهمتش ليه لحد النهارده
ساد صمت ثقيل في الصالة ونظر تميم إلى معاذ بدهشة بينما ابتسم راغب ابتسامة بطيئة وربت على كتف ياسر:
– إكده... ديه الحاجة الوحيدة اللي محدش هيجدر
يكدّبها... لأن إيفان عارفني وعارف إني كنت هضحك
همس معاذ لتميم:
– مية دولار إن الواد هيعدي الليلة دي؟
رد تميم دون أن ينظر إليه:
– مش هراهن عليه المرة دي يا معاذ
التفت إليه معاذ بدهشة فأكمل تميم بصوت خافت:
– عشان لو خسرت... مش هقدر أدفع.
في السابعة مساء كان الملهى لا يزال شبه فارغ والأضواء الخافتة بالكاد تكشف الطاولات حين دخلت جودي من الباب الخلفي كأنها تعرف الطريق منذ سنوات
رآها ياسر من خلف البار فتجمدت يده على الكأس الذي كان يمسحه وشعر بشيء بين الغضب والفرح يتصارعان في صدره ثم تذكر صوت فيكتور ليلة أمس... الأشياء الجميلة تنكسر بسهولة
ترك الكأس واقترب منها بخطوات سريعة وقال بصوت منخفض حاد:
– إنتي بتعملي إيه هنا... مش قولتلك متجيش تاني؟
رفعت ذقنها بعناد وقالت:
– وأنا قولتلك مقدرش أوعدك
– جودي أنا مش بهزر
– ولا أنا
كاد أن يرد عليها حين سمع صوت الباب الأمامي يٌفتح ودخل رجلان ضخمان يعرفهما جيدًا... من رجال حبيب وقبل أن تلتفت جودي نحو الصوت كان قد أمسك معصمها وسحبها خلفه إلى المخزن الصغير خلف البار وأغلق الباب عليهما بهدوء
كان المكان ضيقًا مظلمًا لا يضيئه إلا خيط رفيع من الضوء يتسلل من أسفل الباب ورائحة الخشب والزجاجات تملأ الهواء ووجدت جودي نفسها مٌحاصرة بين صدره والرفوف خلفها
همست بفزع:
– في إيه؟
وضع إصبعه على شفتيها وهمس:
– هشش... رجالة خطيبك بره
تسارعت أنفاسها وسمعا الرجلين يتحدثان بالخارج ويسألان العامل الآخر عنه
بينما ظل ياسر ثابتًا في مكانه لا يتحرك ويده لا تزال على شفتيها شعر بأنفاسها الدافئة على أصابعه
ورأى في الضوء الخافت عينيها تنظران إليه بشيء... لم يكن خوفًا
أبعد يده ببطئ كأنه تذكر فجأة أين هما لكنه لم يبتعد فالمكان لم يترك له مسافة يبتعد فيها
همست جودي وهي تنظر في عينيه:
– إنت دايمًا بتخاف عليا كده؟
– أنا مش خايف عليكي
– قلبك بيقول غير كده... أنا سامعاه
ابتلع ريقه بصعوبة فقد كانت محقة كان قلبه يدق بعنف لم يعرفه حتى وهو يسمع صوت فيكتور على الهاتف
رفعت يدها ببطئ ووضعتها على صدره فوق قلبه تمامًا وقالت بصوت يكاد لا يسمع:
– شوفت!
أغمض عينيه لحظة واقترب وجهه من وجهها حتى تلاقت أنفاسهما وشعر بأنه على حافة شيء لن يستطيع العودة منه... ثم سمع صوت الباب الأمامي يٌغلق وخطوات الرجلين تبتعد
فتح عينيه وتراجع خطوة حتى اصطدم ظهره بالباب وقال بصوت مبحوح:
– امشي يا جودي
– ياسر...
– اسمعيني كويس في ناس خطيرة عرفت إنك بتيجي هنا ولو شافوكي معايا تاني مش هيأذوني أنا... هيأذوكي إنتي
نظرت إليه بعينين لامعتين وقالت:
– ولو مش فارق معايا
– يبقى فارق معايا أنا
خرجت الجملة منه قبل أن يمنعها فابتسمت جودي ابتسامة صغيرة فيها انتصار وحنان في آن واحد ثم أخرجت من حقيبتها منديلا ورقيًا وقلمًا وكتبت عليه رقمًا ودسته في جيب قميصه وقالت:
– خلاص همشي... بس لو احتاجت حد يسمعك أو حد يخاف عليك إنت كمان ده رقمي
فتح لها الباب الخلفي دون أن يرد ومرت من جواره ببطئ ثم توقفت ووقفت على أطراف أصابعها وطبعت قٌبلة سريعة على خده وهرولت خارجة قبل أن يستوعب ما حدث
ظل واقفًا في مكانه يلمس خده بأصابعه ثم أخرج المنديل من جيبه ونظر إلى الرقم وهمس لنفسه:
– الدبابة ملوش جلب يا ياسر... ملوش جلب
لكنه طوى المنديل بعناية ووضعه في محفظته بدلًت من أن يلقيه.
في الحادية عشرة مساء كانت عربة... السباكة....مصطفه في شارع جانبي مظلم قرب الميناء ومعاذ يجلس في الخلف أمام شاشات صغيرة ويأكل شطيرة باردة بينما خرج تميم ووقف مستندًا إلى باب العربة وأخرج هاتفه
كان يعلم أن الوقت في مصر قد تجاوز الفجر لكنه كان يعلم أيضًا أنها لن تكون نائمة
جاءه صوتها من أول رنة ناعسًا ولكنه متيقظ:
– تيمو
أغمض عينيه عند سماع إسمه منها وشعر بكل القلق الذي حمله طوال اليوم يذوب في لحظة
– صحّيتك؟
– لأ... أنا مش بعرف أنام وإنت مش هنا إنت عارف كده صح
– ملبستيش التيشيرت بتاعي ليه؟
ضحكت بخفة وقالت:
– وإنت عرفت منين إني مش لابساه؟
– عشان عارفك... لما بتبقي زعلانة مني بتلبسي بيجامتك الوردي عشان تعاقبيني
صمتت لحظة ثم قالت بدلال:
– طب خمّن أنا لابسة إيه دلوقتي؟
– أكيد القميص الأزرق اللي قولتلك متلمسيهوش عشان بتاع الشغل
– أيوه... ولسه فيه ريحتك ومش هرجعهولك
ابتسم تميم ابتسامة لم يرها أحد في هذا الشارع المظلم وقال بصوت أجش:
– خليه معاكي... بس لما أرجع هاخده منك بطريقتي
– بطّل قلة أدب يا سيادة المقدم إنت في شغل
– ما أنا بشتغل أهو... بشتغل على أعصابي
عشان مَسيبش كل حاجة وأرجعلك النهارده
صمتت سما للحظات ثم قالت بصوت تغير فجأة وأصبح أكثر جدية:
– تميم... إنت كويس بجد صوتك فيه حاجة؟
نظر إلى العربة خلفه وإلى المخزن البعيد الذي يظهر سقفه فوق المباني وفكر في الشاب الذي سيدخله بعد ساعة وحيدًا وفي الأسرار التي يخفيها عنها ولا يستطيع أن يخبرها بها:
– كويس يا حبيبي... بس وحشتيني أكتر من العادي
– وده اللي مخوفني
– سما...
– عارفة إنك مش هتقولّي حاجة ومش عايزاك تقولّي
بس اوعدني بحاجة واحدة
– إيه؟
– إنك هترجعلي
صمت تميم هو الذي لم يَعِد أحدًا يوما بشيء لا يملكه وجد نفسه يقول بصوت ثابت:
– هرجع... وهاخد القميص وهتندمي إنك لبستيه
ضحكت ضحكة ممزوجة بدموع حاول ألا يسمعها وقالت:
– بحبك يا تميم
– وأنا بعشق التراب اللي بتمشي عليه... نامي بقى
أغلق الهاتف ووقف لحظة ينظر إلى السماء حتى فٌتح باب العربة خلفه وأطل معاذ برأسه وقال بشماتة واضحة:
– بعشق التراب اللي بتمشي عليه... إنت
بتتكلم مع مراتك ولا بتقول قصيدة يا تميم؟
– إنت كنت سامع؟
– الشاشات دي مش بتلقط صورة بس يا حبيبي
رمقه تميم بنظرة قاتلة ثم دخل العربة وجلس بجواره وقال ببرود:
– الهٌدنة خلصت امبارح على فكرة
لكن قبل أن يرد معاذ أضاءت إحدى الشاشات برسالة قصيرة من هاتف ياسر... العنوان وصل.
في منتصف الليل تمامًا وقف ياسر أمام بوابة المخزن الحديدية الضخمة والرياح القادمة من البحر تحمل رائحة الملح والصدأ
لم يكد يطرق حتى انفتحت البوابة وخرج رجلان فتّشاه بعنف كما توقع تميم تمامًا أخذا هاتفه وأطفآه أمام عينيه ثم أخذا الدفتر من يده وحين وصلت يد أحدهما إلى الولاعة الفضية في جيبه توقف فجأة ونظر إليها للحظه ثم أعادها إلى جيبه دون كلمة وأشار له بالدخول
كان المخزن واسعًا مظلمًا إلا من دائرة ضوء في منتصفه تحت مصباح مٌعلّق وفيها طاولة معدنية وثلاثة مقاعد جلس فيكتور على أحدها يدخن سيجاره كعادته وعلى المقعد المقابل رجل عجوز ضخم الجسد أبيض الشعر بعينين زرقاوين باهتتين كالجليد يٌقشر تفاحة بسكين صغير في هدوء تام... إيفان
لم يرفع العجوز عينيه عن التفاحة وقال بصوت هادئ بلكنته الروسية الثقيلة:
– اجلس يا إبن شعبان
تذكر ياسر درس الصباح فلم يسرع نظر إلى المقعد ثانيتين كاملتين ثم جلس على مهل
ووضع ساقًا فوق الأخرى
وضع أحد الرجال الدفتر أمام إيفان فتركه دون أن يفتحه وقال:
– الدفتر يُمكن سَرِقتهٌ والجثة يُمكن تزويرها أخبرني شيئًا لا يمكن تزويره
أخرج ياسر الولاعة الفضية ووضعها على الطاولة بينهما فتوقفت السكين في يد إيفان لأول مرة ونظر إليها للحظات ثم قال:
– من أين أخذتها؟
– من جيبه... وهو بيطلع في الروح
– وماذا قال قبل أن يموت؟
نظر ياسر في عيني العجوز مباشرة بلا رمشة واحدة وقال:
– مقالش حاجة... ضحك
ساد الصمت في المخزن ونظر فيكتور إلى إيفان بترقب ثم فجأة انفجر العجوز ضاحكًا ضحكة عميقة ارتج لها جسده الضخم وقال:
– نعم... نعم هذا هو كان مجنونًا
يضحك في وجه الموت كأنه صديق قديم
ثم توقف عن الضحك فجأة كما بدأ ومد يده إلى داخل سترته وأخرج مسدسًا قديمًا من طراز الساقية وفتح خزنته أمام ياسر ليرى أن فيها رصاصة واحدة ثم أدارها وأغلقها ووضعه على الطاولة ودفعه نحوه
– رجل قتل الدبابة لا يخاف الموت... أرني
شعر ياسر بالدم يهرب من أطرافه وسمع في رأسه صوت راغب
الدبابة ميتحركش لما حد يأمره... بيبُص الأول
نظر إلى المسدس ثم إلى إيفان ثم أخرج سيجارة من علبة فيكتور الموضوعة على الطاولة دون أن يستأذن وأشعلها بالولاعة الفضية على مهل وأخذ نفسًا طويلًا والعيون كلها مٌعلقة به
ثم أمسك المسدس ووضعه على صدغه وقال بهدوء وهو ينظر إلى إيفان:
– القهوة هنا حلوة
وضغط الزناد... لم يرتجف أعاد المسدس إلى الطاولة ودفعه نحو إيفان بطرف إصبعه وقال:
– دورك
نظر إليه فيكتور بذهول بينما ضحك إيفان من جديد ضحكة أعلى... وفتح خزنة المسدس وأفرغها على الطاولة... لم يكن فيها رصاص أصلا كانت الرصاصة التي رآها ياسر فارغة
– لم اٌرد أن أعرف إن كنت شجاعًا يا إبن شعبان
أردت أن أعرف إن كنت ستتردد... الذي يتردد يكذب
ثم التفت إلى فيكتور وقال:
– هوَّ لنا
لكن فيكتور لم يكن قد انتهى فأخرج هاتفه ووضع أمام ياسر صورة لجودي وهي تخرج من الباب الخلفي للملهى قبل ساعات وقال ببرود:
– ومن هذه؟
توقف قلب ياسر للحظة لكن وجهه لم يتغير نظر إلى الصورة ثم رفع عينيه إلى فيكتور وقال بملل:
– بنت بتيجي الملهى تدور على مشاكل قولتلها متجيش تاني
– إنها إبنة سفيان الجبري
– وأنا مالي؟!
ابتسم إيفان ابتسامة باردة وقال وهو يعود لتقشير تفاحته:
– لك دخل كبير يا إبن شعبان بعد غد تصل شحنة
إلى الميناء بإسم شركة سفيان الجبري أول شحنة لنا تحت إسمه
ستكون أنت من يستلمها... وإن كان في قلبك شيء لتلك الفتاة فستعرف الآن أنك ستدفن أباها بيدك.
في الوقت نفسه كانت سيارة أسر مطفأة الأنوار خلف حاوية شحن صدئة على بعد خمسين مترًا من المخزن وفهد يهمس بتوتر:
– أسر إحنا بقالنا ساعة هنا والواد دخل ومطلعش
يلا نمشي قبل ما حد يشوفنا
– مش همشي غير لما أعرف هو بيعمل إيه جوه
– ماهو واضح بيعمل إيه جوه مخزن في المينا نص الليل
ومعاه رجالة شكلهم خارجين من فيلم أكشن روسي... ده مش داخل يشتري سمك يا أسر
فتح أسر باب السيارة ونزل بهدوء فلَعن فهد في سره ونزل خلفه وتسللا بين الحاويات نحو الجدار الخلفي للمخزن حيث رأى أسر نافذة صغيرة مكسورة
لم يكادا يصلان إليها حتى شعر أسر بشيء بارد يلتصق بمؤخرة رأسه وسمع صوتًا منخفضًا بلهجة مصرية واضحة:
– لو اتحركت خطوة كمان... هتبقى آخر خطوة في حياتك
تجمّد أسر في مكانه والتفت بعينيه فقط ليرى فهد وقد أحاطت ذراع قوية برقبته من الخلف ويد أخرى تكمم فمه
تسللت إلى أسر دهشة أكبر من خوفه فهمس دون أن يلتفت:
– إنتو مصريين؟
– إحنا سبّاكين... وإنت مين؟
– وإنت مالك... إبعد عني
ضغط تميم فوهة المسدس أكثر وقال ببرود:
– لأ ده بقى شغلي بالظبط عشان إنت بقالك يومين
بتراقب واد يخصني ودلوقت جاي تتفرج عليه من الشباك
أدرك أسر أن الرجل يعرف عنه أكثر مما ظن فقال بحدة رغم الموقف:
– الواد اللي يخصك ده بيلف حوالين أختي وأنا مش هسيبه يئذيها
تبادل تميم ومعاذ نظرة سريعة في الظلام فقد عرفا في لحظة من يكون
همس معاذ في أذن فهد الذي لا يزال يكمم فمه:
– إنتو ولاد سفيان الجبري؟
لكن قبل أن يرد أحد انفتح باب جانبي للمخزن وسقط ضوء كشاف قوي على الحاويات وخرج رجلان من رجال إيفان يتحدثان بالروسية ويدوران حول المبنى
سحب تميم أسر بعنف إلى الظل بين حاويتين وفعل معاذ نفس الشيء مع فهد والتصق الأربعة بالجدار المعدني البارد وأنفاسهم محبوسة بينما اقترب ضوء الكشاف منهم شيئّا فشيئًا
همس تميم في أذن أسر بصوت يكاد لا يسمع:
– لو اتنفست... هتموتنا كلنا وهتموّت الواد اللي جوه
وأختك هتبقى اللي بعده
مرّ الضوء على بعد سنتيمترات من حذاء فهد وتوقف لحظة بدت كأنها عمر بأكمله
ثم تحرك بعيدًا وعاد الرجلان إلى الداخل
أبعد تميم المسدس ببطئ والتفت أسر إليه لأول مرة ونظر في وجهه تحت ضوء القمر الخافت وقال:
– إنت مين؟
رد تميم وهو يعيد المسدس إلى حزامه:
– أنا الراجل اللي أنقذ حياتك حالًا والواد اللي كنت
عايز تئذيه... هو الوحيد في البلد دي اللي بيحمي أختك بجد
أشار إلى معاذ فأفلت فهد الذي انحنى يسعل ويلتقط أنفاسه وهو يتمتم:
– قولتلك يا أسر... قولتلك نمشي
في الثانية فجرًا عادوا إلى الشقة الآمنة وبعد أن انتهى تميم من استجواب أسر وفهد في الصالة تحت نظرات راغب الحادة خرج معاذ إلى الشرفة الصغيرة وأخرج هاتفه كان يعلم أنها ستكون مستيقظة في هذا الوقت
فالصباح في الإسكندرية قد بدأ
جاءه صوتها مرحًا كعادتها:
– صباح الورد على عيون ميزو
لم يرد فقط أغمض عينيه واستند برأسه إلى الحائط وسمع صوت البحر خلفها عبر الهاتف
– معاذ... إنت معايا؟
– معاكي... سيبيني بس أسمعك شوية
تغيرت نبرتها في لحظة فهي تعرفه أكثر مما يعرف نفسه:
– مالك يا حبيبي... حصل حاجة؟
– لأ... الليلة بس كانت طويلة وكل اللي كنت عايزه لما خلّصت إني أسمع صوتك
صمتت سيلا لحظة ثم قالت بحنان:
– طب أنا هنا... قولّي إنت فين دلوقت؟
– في بلكونة صغيرة قد كفك بصة على شارع زبالة والجو برد
– وأنا في البلكونة بتاعتنا والبحر قدامي والشمس
لسه طالعة ولابسة الإسدال اللي بتقولّي شكلي فيه زي الشيخة
ضحك معاذ رغمًا عنه وقال:
– إنتي لابسة إسدال... ده أنا مسافر من أسبوع!
– ما هو ده اللي فاضل منك... ريحتك فيه
من ساعه ماحضنتي وأنا لابساه
وكل يوم بصحى أدفن وشي فيه وأقول يا رب رجعهولي سليم
شعر معاذ بغصة في حلقه وقال بصوت أجش:
– سيلا...
– قلبها
– لما أرجع... مش عايز حد في البيت
لا حمو ولا غالية ولا حد أسبوع كامل إنتي وأنا بس
ضحكت بدلال وقالت:
– وهنعمل إيه أسبوع كامل لوحدنا يا سيادة المقدم
– هعوضك عن كل ليلة نمتيها لوحدك... ليلة ليلة
– إنت بتتكلم كده وإنت عارف إني مش هعرف أنام تاني النهارده
– ما هو ده المقصود... عشان تفضلي فاكراني لحد ما أرجع
– هو أنا بنساك لحظة ده إنت بتجري في دمي يا معاذ... فاكر؟
ابتسم وهو يتذكر المستشفى وكيس الدم الذي كان يخرج من ذراعه إليها
ويديها الباردتين في يديه وقال بهدوء:
– فاكر... ودي أحسن حاجة عملتها في حياتي
سمع صوت الباب خلفه فالتفت ليجد تميم واقفًا ينظر إليه بابتسامة شماتة واسعة فقال معاذ بسرعة:
– سيلا هكلمك بعدين في واحد رخم واقف ورايا
– سلّملي على تميم وقولّه إن سما قالتلي كل حاجة عن القميص الأزرق
أغلق معاذ الهاتف ونظر إلى تميم بنصر واضح وقال:
– سما قالت لسيلا على القميص الأزرق
احمرَّ وجه تميم وقال بغيظ:
– الحريم دول عاملين شبكة مخابرات أحسن مننا يا جدع.
في الداخل كان ياسر يجلس وحيدًا على المقعد الخشبي والولاعة الفضية بين أصابعه يٌقلّبها مرة بعد مرة بينما وقف راغب أمامه ينتظر
رفع ياسر عينيه إليه أخيرا وقال بصوت خافت:
– عديت يا عم راغب... دخلت العيلة
– عارف وشك بيجول إكده بس عينك بتجول إن فيه حاجة تانية
صمت ياسر لحظة ثم قال:
– بعد بكرة في شحنة جاية الميناء... بإسم شركة سفيان الجبري وأنا اللي هستلمها
تجمدت ملامح راغب وسقطت السيجارة من بين أصابعه دون أن يشعر وقال بصوت لم يسمعه ياسر منه من قبل:
– شركة سفيان... متأكد؟
– إيفان قالها بنفسه... ليه؟
التفت راغب ونظر إلى الظلام خارج النافذة ثم قال بصوت ثقيل:
– لأن سفيان الجبري... هو الراجل اللي كلمني
النهارده
الصبح بعد ما عدي عشر سنين من غير ما يسمع صوتي
وجالّي إنه لجى شحنات بإسمه ميعرفش عنها حاجة
نظر ياسر إليه بصدمة فأكمل راغب وهو يلتفت إليه:
– ولو العيلة عرفت إنه بيدور وراهم... الشحنة
ديه مش هتبجى آخر حاجة تدخل الميناء بإسمه
دي هتبجى تمن لحياته وحياة ولاده.
ماذا سيحدث ياترى.....
سنرى.....
انتظروووني.....
بقلمي/ فريده الحلواني
.jpg)