روايه سوار جهنم الفصل السادس بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه سوار جهنم الفصل السادس بقلم الكاتبه فريده الحلواني
سوار جهنم
الفصل السادس
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
لو الدنيا ضاقت عليكي اعرفي إن ربنا مجهزلك فرج عمره ما خطر على بالك
والباب اللي اتقفل في وشك كان بيحميكي من حاجة إنتي مش شايفها
خلي يقينك فالله كبير وهيبهرك بعطائه... أنا واثقة
وبحبك.
في التاسعة صباحًا كانت الشقة الآمنة قد تحولت إلى ما يشبه غرفة تحقيق جلس أسر على كرسي في
منتصف الصالة مكتوف الذراعين بعناد بينما جلس فهد بجواره يتلفّت حوله بقلق وكأنه يبحث عن شيء مفقود
وقف تميم أمامهما وقال بهدوء:
– أنا هقولكم حاجات محدش في الدنيا يعرفها غير اللي في الأوضة دي ولو كلمة واحدة منها طلعت بره
مش إحنا اللي هنموت أختكم هي اللي هتموت
رفع أسر عينيه إليه بحدة:
– قول اللي عندك
قاطعه فهد بصوت خافت ووجه متألم:
– قبل ما يقول أي حاجة...
– هو أنا ممكن أدخل الحمام الأول؟
أنا بقالي تلات أيام عايش في عربية
نظر إليه تميم بذهول بينما انفجر معاذ ضاحكًا من مكانه على الأريكة وأشار له نحو الممر وقال:
– تاني باب شمال يا بطل وخد راحتك...
إنت الوحيد في الأوضة دي اللي مش بيكدب
اختفى فهد في الممر والتفت تميم إلى أسر من جديد وقال بجدية:
– الواد اللي كنت بتراقبه إسمه ياسر وهو مش واحد منهم
هو واحد مننا داخل وسطهم عشان يهدهم من جوه
وأختك دخلت في طريقه بالصدفة
– وإنتو مين؟
– إحنا ناس الحكومة بتاعتهم تعرفهم كويس... وده كل اللي هتعرفه
صمت أسر للحظة ثم قال:
– وحبيب؟
– حبيب وأبوه بيبيعوا أبوك للمافيا الروسية
خطوبة أختك مش جوازة... دي صفقة
شحب وجه أسر في لحظة وقبض على ذراع الكرسي بقوة ثم قال بصوت مخنوق:
– عمي منصور... ده يٌعتبر مربينا مع أبويا !
لم يرد تميم فالصمت كان أبلغ من أي كلام وبعد لحظات رفع أسر رأسه وقال بحسم:
– هساعدكم... بس بشرط جودي محدش يقربلها ولا حتى الواد بتاعكم ده
– ده الشرط الوحيد اللي مش في إيدي
التفت أسر نحو ياسر الجالس في الركن صامتا طوال الوقت فرآه يٌقلّب الولاعة الفضية بين أصابعه ويتجنب النظر إليه
وفي تلك اللحظة عاد فهد من الممر بوجه مرتاح تمامًا وقال بسعادة:
– خلاص أنا معاكم... في أي حاجة إن شاالله أضرب نار
بس الحمّام ده يفضل متاح.
بعد ساعة كان فهد قد استعاد روحه تمامًا وجلس بجوار معاذ على الأريكة يلتهم طبقًا من البيض المقلي كأنه لم يأكل منذ شهر بينما كان معاذ يراقبه باستمتاع
– إنت بتاكل كده على طول ولا ده من الخضة
– الإتنين... أنا لما بتخض بجوع ولما بجوع بتخض دي دايرة مقفولة
ضحك معاذ ثم أخرج هاتفه وطلب رقمًا وقبل أن يرد الطرف الآخر قال لفهد بجدية مصطنعة:
– بص وشوف الإحترافية
جاءه صوت محمد مرتعشًا من أول كلمة:
– والله يا معاذ ما أنا هي اللي عرفت لوحدها
– عرفت إيه يا حبيب أخوك؟
– إني ببعتلك تقارير... وقالتلي إنها هتوريني ال.....
توقف محمد فقال معاذ بهدوء:
– كمل يا حمو قالت إيه؟
– مش هقدر أكمل يا معاذ دي كلمة عيب
انفجر فهد ضاحكًا حتى سقط البيض من شوكته بينما قال معاذ بصرامة زائفة:
– اسمع يا محمد التقارير هتفضل مستمرة بس
بقت كل ساعتين بدل كل ساعة ومتقولّهاش
– يا معاذ دي بتعرف كل حاجة دي امبارح عرفت إني أكلت الكيكة بتاعتها من غير ما تفتح التلاجة
– دي مراتي يلاااااا... لو عرفت تخبي عنها حاجة ابقى تعالى علّمني
أغلق الهاتف فنظر إليه فهد بإعجاب وقال:
– إنتو عيلة غريبة جدًا
– أهلًا بيك فيها يا فهد... من امبارح بقيت واحد مننا.
في الحادية عشرة ظهرا كان راغب يجلس على مقعد خشبي قديم في حديقة شبه مهجورة على أطراف المدينة يٌطعم الحمام بفٌتات الخبز كأي عجوز لا يملك ما يفعله حين جلس بجواره رجل في الخمسين بمعطف رمادي أنيق وشعر أبيض مصفف بعناية
لم ينظر أحدهما إلى الآخر للحظات ثم قال سفيان بهدوء:
– عشر سنين يا راغب
– عشر سنين يا سفيان بيه... ولسه بتلبس نفس البالطو
– إنت لسه فاكر؟
– أنا منساش اللي وقف جنبي يوم ما الكل رماني
التفت إليه سفيان أخيرًا ونظر إلى وجهه الذي حفرت فيه السنين خطوطًا جديدة وقال:
– قولتلي يومها إنك لو احتاجتني هتلاقيني... وأنا النهارده محتاجك
أخرج من جيب معطفه ورقة مطوية ومدها إليه ففتحها راغب ونظر فيها بتركيز كانت كشف شحنات مختومًا بإسم شركة سفيان وتوقيع في أسفلها ليس توقيعه
قال سفيان بصوت ثقيل:
– التوقيع ده أنا عارفه كويس... عارفه من أيام ما كنا بنكتب الواجب مع بعض في أوضة واحدة
رفع راغب عينيه إليه بدهشة:
– منصور... أخوك؟!
أومأ سفيان ببطء وظهر في عينيه ألم لم يستطع أن يخفيه:
– أخويا الوحيد يا راغب... كان بيبعني
من ورا ضهري ومش بيبعني أنا بس ده بيبيع بنتي معايا
ألقى راغب آخر فتات الخبز للحمام ثم قال بصوت منخفض:
– بكرة في شحنة داخلة الميناء بإسمك أول شحنة للعيلة تحت إسمك
انتفض سفيان وكاد أن يقف:
– هوقفها هكلم الجمارك دلوقت و...
أمسك راغب ذراعه بقوة وأعاده إلى المقعد:
– لو وقفتها هيعرفوا إن فيه حد بيراقبهم واللي
هيستلم الشحنة ده ولد لسه في عز شبابه هيموت قبل ما تخلّص مكالمتك
– وأنا أعمل إيه... أقعد أتفرج؟
– تعمل إنك مش عارف حاجة وتبعد عن الميناء بكرة وتسيبلي أنا الباقي
نظر إليه سفيان للحظات ثم قال:
– وعيالي؟
– ولادك الإتنين في أمان... كانوا عندي الليلة اللي فاتت ومعاهم ناس هتحميهم بعمرها
– وجودي؟
صمت راغب لحظة وتذكّر وجه ياسر في الصباح وهو يٌقلّب الولاعة دون أن يرفع عينيه ثم قال بابتسامة صغيرة:
– جودي... ليها اللي يخاف عليها أكتر مني ومنك.
في الرابعة عصرًا كانت جودي تجلس أمام حبيب في مطعم فاخر تٌحرك الطعام في طبقها دون أن تأكل
بينما كان هو يتحدث بحماس مصطنع:
– بابا شايف إننا نعمل الفرح الشهر الجاي مفيش داعي للتأخير والقاعة أنا حجزتها خلاص
رفعت عينيها إليه ببطئ:
– حجزتها... من غير ما تسألني؟!
– ما إنتي كده كده موافقة يا جودي إحنا مخطوبين من سنة
– مخطوبين من سنة ومستعجل دلوقت ليه؟
توتر حبيب للحظة ثم ابتسم ومد يده ليمسك يدها:
– عشان بحبك ومش قادر أستنى
سحبت يدها من تحت يده بهدوء ونظرت في عينيه مباشرة وقالت:
– حبيب... إنت بتحب إيه فيا بالظبط
– يعني إيه السؤال ده؟
– يعني كل مرة بنقعد فيها بتسألني عن بابا
وعن الشركة وعن المينا ومفيش مره واحدة مسألتنيش أنا عاملة إيه
تغير وجهه في لحظة واختفت الابتسامة تمامًا وقال بصوت منخفض لم تسمعه منه من قبل:
– إنتي كنتي فين امبارح الساعة سبعة؟
تجمّدت في مكانها فأكمل وهو يميل نحوها:
– رجالتي شافوكي داخلة الملهى من الباب اللي
ورى... كنتي عند مين يا جودي؟
نظرت إليه طويلًا ثم وضعت منديلها على الطاولة ووقفت بهدوء وقالت:
– إنت بتراقبني؟
أمسك معصمها بقوة قبل أن تبتعد وضغط عليه حتى تألمت وقال من بين أسنانه:
– اقعدي
نظرت إلى يده الممسكة بمعصمها ثم إلى وجهه ولأول مرة منذ عرفته شعرت بالخوف منه... خوف حقيقي بارد تسلل إلى عظامها
لكنها لم تجلس بل قالت بصوت ثابت رغم ارتعاش قلبها:
– سيب إيدي يا حبيب وإلا هصرخ والناس كلها تتفرج على إبن منصور الجبري
تلفّت حوله إلى الطاولات المزدحمة ثم أفلت يدها ببطئ فأخذت حقيبتها وخرجت دون أن تنظر خلفها وحين وصلت إلى الشارع وضعت يدها على معصمها الذي احمرّ من قبضته وشعرت بدموعها تنزل رغمًا عنها
وفي تلك اللحظة دون أن تفكر وجدت نفسها تتمنى أن تسمع صوتًا واحدًا فقط... صوت ساقي عنيد لا تعرف عنه إلا إسمه.
في مكتب منصور الجبري كان حبيب يقف أمام النافذة الزجاجية يرتجف غضبًا بينما جلس أبوه خلف المكتب وفيكتور على الكرسي المقابل يدخن سيجاره ببرود:
– سابتني ومشيت قدام الناس كلها يا بابا... وهددتني إنها هتفرج عليا الناس
قال منصور بحدة:
– وإنت إيه اللي خلاك تمسك إيدها في مطعم مليان ناس يا غبي؟
– عشان كانت عنده... عند البار مان... رجالتي شافوها
أطفأ فيكتور سيجاره ببطئ في المطفأة وقال بهدوء:
– الساقي ليس ساقيًا يا حبيب إنه الرجل
الذي قتل الدبابة وإيفان قَبله في العائلة الليلة الماضية
التفت حبيب إليه بصدمة:
– قبله... الواد ده بقى من العيلة طب إزاي
– وليس هذا فقط... هو من سيستلم الشحنة غدًا
ضحك حبيب ضحكة مليئة بالغِل وقال:
– يعني الواد اللي بيلف حوالين خطيبتي هيبقى هو اللي في إيده مستقبلنا؟
نظر إليه فيكتور بعينين باردتين:
– مستقبلكم في يد إيفان لا في يد أحد غيره
وإيفان لا يٌحب الرجال الذين تٌحرّكهم الغيرة
الغيرة تجعل الرجل غبيًا والغبي يموت سريعًا
صمت حبيب وأكمل فيكتور وهو ينهض ويرتدي معطفه:
– أمّا الفتاة فاتركها لي أنا أعرف كيف أجعل
الساقي يفهم حدوده... دون أن نفقد لا الفتاة ولا الأسهم
خرج فيكتور والتفت منصور إلى إبنه وقال بصوت منخفض:
– سمعت... متعملش حاجة من دماغك
لكن حبيب لم يكن يسمع كان ينظر إلى المدينة من النافذة وفي عينيه شيء مظلم وهمس لنفسه:
– هو هيعرف حدوده... وأنا هعرف أرجّع حقي بطريقتي.
في السابعة مساء دخلت جودي المنزل بخطوات سريعة وهي تشد كم سترتها على معصمها وكادت أن تصعد إلى غرفتها حين سمعت صوت أبيها من الصالة:
– جودي
توقفت على السلم والتفتت إليه بابتسامة مصطنعة:
– أيوه يا بابا
– تعالي
نزلت ببطئ وجلست بجواره فنظر إلى وجهها ثم قال:
– عينك حمرا ليه؟
– هوا... الجو برا فيه هوا
مد يده بهدوء وأمسك يدها ورفع كم السترة قبل أن تمنعه فظهرت آثار الأصابع الحمراء على معصمها واضحة
تجمّد وجه سفيان تمامًا ورأت جودي في عينيه شيئًا لم تره فيهما طوال عمرها غضبًا صامتًا مخيفًا وقال بصوت هادئ جدا:
– مين اللي عمل فيكي كده؟
لم ترد... فأعاد السؤال بنفس الهدوء:
– مين يا جودي؟
– حبيب... بس هو مكانش قصده إحنا اتخانقنا و...
قاطعها وهو يعيد الكم على معصمها برفق:
– اطلعي أوضتك يا حبيبتي
في تلك اللحظة فٌتح باب المنزل ودخل أسر وفهد فتوقفا عند رؤية وجه أبيهما ووجه أختهما وقال أسر بقلق:
– في إيه؟
قال سفيان دون أن يلتفت إليه:
– إبن عمك مد إيده على أختك
تحرّك أسر نحو الباب في لحظة لكن أباه قال بحزم:
– أسر... مكانك
توقف أسر ووجهه يشتعل بينما اقترب فهد من جودي وضمّها إليه وقال بصوت مرتجف من الغضب:
– إحنا مش هنسكت يا بابا
– ومين قال إننا هنسكت؟
نظر سفيان إلى إبنيه ثم قال بهدوء قاتل:
– بس مش النهارده... النهارده نصبر وبكرة هيتحاسبوا على كل حاجة
صعدت جودي إلى غرفتها والتفت أسر إلى أبيه وقال بصوت منخفض:
– إنت تعرف حاجة يا بابا؟
نظر إليه سفيان طويلا ثم قال:
– وإنت كمان تعرف حاجة يا أسر... باين في عينك من ساعة ما دخلت
تبادل الأب وإبنه نظرة طويلة وفهم كل منهما أن الآخر يخفي سرًا... لكن أحدًا منهما لم يتحدث.
في العاشرة مساء قبل أن يغادر ياسر الشقة الآمنة متجهًا إلى شقته استوقفه تميم عند الباب وقال:
– استنى... عايزك في كلمة
خرجا إلى الشرفة ووقف تميم بجواره صامتًا للحظات ثم قال:
– بكرة هتقف قدام حاويات فيها حاجات ممكن تموت بيها مدينة كاملة وهتمضي على استلامها
كأنها شحنة طماطم... فاهم؟
– فاهم
– ومهما شوفت جوه الحاويات متسألش
ومتفتحش حاجة ومتبصش في عين حد أكتر من ثانيتين
أومأ ياسر ثم صمت لحظة وقال دون أن ينظر إليه:
– تميم... سما عاملة إيه؟
التفت إليه تميم بدهشة فقد كانت أول مرة ينطق فيها ياسر إسم أخته منذ جاء وقال بصوت أهدأ:
– كويسة... بس مش بتنام
ابتسم ياسر ابتسامة حزينة:
– من وهي صغيرة كده لما حد بتحبه
يغيب عنها مبتعرفش تنام... كانت بتقعد
على السلم تستناني لحد ما أرجع من الشغل
وضع تميم يده على كتفه وضغط عليه:
– وهتستناك تاني وأنا كمان... هنرجع احنا الإتنين
ونلاقيها قاعدة على السلم وهتزعق فينا برضه
– هتزعق فيك إنت أكتر
– ما أنا عارف... دي أختك
ضحك ياسر لأول مرة منذ الصباح ضحكة قصيرة صادقة ثم غادر بينما ظل تميم في الشرفة ينظر إلى الشارع حتى اختفى ظل ياسر في آخره وهمس لنفسه:
– رجّعه سليم يا رب... عشانها.
في الواحدة بعد منتصف الليل كان ياسر مستلقيًا على سريره الضيق في شقته الصغيرة يٌحدّق في السقف منذ ساعتين دون أن يغمض عينيه
الشحنة بعد ساعات وصوت إيفان لا يفارق رأسه.... ستدفن أباها بيدك
مد يده إلى محفظته على الطاولة بجواره وأخرج المنديل المطوي وظل ينظر إلى الرقم للحظات ثم أعاده ثم أخرجه من جديد
همس لنفسه:
– الدبابة ملوش قلب...
طلب الرقم... رن الهاتف مرة واحدة فقط وجاءه صوتها هامسًا وكأنها كانت تنتظر:
– ياسر؟
أغمض عينيه:
– عرفتي منين إنه أنا؟
– محدّش هيكلمني من رقم غريب الساعة واحدة
بالليل غيرك... وكمان عشان كنت عايزاك تكلمني
صمت لحظة ثم قال:
– صاحية ليه لحد دلوقت؟
– مش عارفة أنام... وإنت؟
– وأنا برضه مش عارف أنام
ساد صمت مريح بينهما صمت لم يكن محرجًا كما توقع ثم قالت بصوت خافت:
– ياسر... إنت ليك حد... أهل يعني
تذكّر الصورة الممزقة على الأرض وصوت راغب القاسي لكنه وجد نفسه يقول:
– عندي أختين... الكبيرة عنيدة زيك كده
والصغيرة بتضحك على أي حاجة حتى لو مش بتضحك
– وحشوك؟
– بطّلت أعد الأيام من كتر ما وحشوني
سمعها تتنهد ثم قالت:
– أنا معنديش إخوات بنات عندي أسر وفهد
وماما ماتت وهي بتولدني عمري ما شوفتها
غير في الصور... بابا بيقول إني نسخة منها حتى العند
– باين إنها كانت عنيدة أوي
– إنت مش بتعرف تقول كلمة حلوة من غير ما تلزقها بتريقة
– لو قولت كلمة حلوة من غير تريقة هتصدقيها... ودي مشكلة
ضحكت ضحكة خافتة ثم سكتت فجأة وسمع في صمتها شيئًا غريبا فقال بقلق:
– جودي... مالك؟
ترددت لحظة ثم قالت بصوت مكسور:
– حبيب مسك إيدي النهارده جامد... وعرف إني كنت عندك
اعتدل ياسر في جلسته فجأة وشعر بالدّم يغلي في عروقه وقال بصوت منخفض خطير:
– أذاكي؟
– لأ... بس خوّفني أول مرة أخاف منه
قبض على الهاتف حتى كاد أن يكسره وأغمض عينيه يحاول أن يتمالك نفسه ثم قال بهدوء لم يكن يشعر به:
– اسمعيني كويس يا جودي... بكرة متخرجيش
من البيت وحاولي تخلي باباكي ميروحش المينا بأي طريقة
– المينا... ليه؟
– متسأليش... بس اعملي كده عشان خاطري
صمتت للحظة ثم قالت بهمس:
– عشان خاطرك... ماشي
ثم أضافت بصوت أرق:
– ياسر... متقفلش خليك معايا لحد ما أنام
لم يرد لكنه لم يغلق الهاتف واستلقى من جديد وأسند الهاتف إلى أذنه وظل يسمع أنفاسها تهدأ شيئًا فشيئًا
حتى انتظمت تمامًا
وظل هو مستيقظًا حتى الفجر... يحرس نومها من بعيد.
في نفس الوقت كان راغب يقف في شرفة الشقة الآمنة ممسكًا بالهاتف المٌشفر يستمع إلى صوت أميرة وهي تحكي له عن يومها كأنها تحاول أن تملأ المسافة بينهما بالحديث
– والبت بنت الجيران قالتلي إنك شكلك كبير عليا تخيل
– وجولتيلها إيه؟
– قولتلها وإنتي مال أهلك كبير ولا صغير
عاجبني ولو عينك جت عليه تاني هفقعهالك
ضحك راغب ضحكة خافتة ثم صمت فجأة فشعرت أميرة بالتغيير :
– راغب... مالك؟
نظر إلى أضواء المدينة وقال بصوت منخفض:
– بكرة يوم كبير يا أميرة
– خطر؟
– كل حاجة إهنه خطر... بس بكرة غير
سمعها تبتلع ريقها ثم قالت بصوت ثابت حاولت أن تجعله قويًا:
– إنت وعدتني ترجع
– وعدتك
– والصعيدي لما يوعد...؟
– ميرجعش في كلمته
صمتت لحظة ثم قالت بصوت يرتجف:
– طب حٌطها في دماغك كويس... الخاتم
في رقبتي مستني ترجع عشان ألبسهولك تاني
ولو مرجعتش هاجي وراك لحد جهنم وأجيبك
ابتسم راغب وأغمض عينيه:
– جهنم مش هتستحملك يا أميرتي
– ولا هتستحملك إنت كمان... عشان كده ارجع.
داخل فيلا الجيزاوي كان الأمر جنونيًا حقًا فقد وصل للتو حسن مع إبنه الصغير نوح البالغ من العمر اثنى عشر عامًا و قد أنجبه من غاليته
تشاجر في المدرسة واضطر أن يذهب أبيه كي يحل الأمر وحينما علم السبب قررّ الا يخبر غالية حتى لا توبخ الصغير
وجدها تقف مكتفة ذراعيها أمام صدرها وترفع حاجبها الأيسر وتقول بهدوء غريب:
- هااا يا حسن البيه متعارك ليه في المدرسة؟
رد عليها بكذب:
- ابدًا يا حبيبي شد هو وواحد صاحبه عشان الديسك
- حسسسسسن...
عض شفته السفلى بغل ثم قال:
- آدام طوّلتي في السين كده يبقى عرفتي
أمسك الصبي من ملابسه ثم دفعه ناحيتها وقال بغيظ:
- روح لأمك واشرب بقى يا عم الحبّيب
صرخت به بغضب شديد :
- يعني إنت عارف إن الخناقة بسبب بنت وكنت ناوي تداري عليه ؟
جاء ياسين من خلفهم وقال بجدية زائفة:
- خدي بالك يا لولو الواد ده آخد جينات أبوه ومعاذ
لو ملحقتيهوش بدري هيطلع بتاع نسوان درجة أولى
نظر له حسن بغل وقال :
- طب امشي يا ابن الكلب من قدامي أنا غلطان إني
جوّزتك بنتي... عيل واطي
ضحك اللواء محمد أبو حسن وقال بصوت ضعيف بسبب كِبَر سنه:
- ما هي الغالية عارفة إنك كنت بتاع نسوان
وتوبت على إيديها فين مشكلتك يا حسن؟
رد عليه بغيظ :
- مشكلتي إنها هتفتكرلي القديم كله
ولو سيلا هنا هتمسك في إسم معاذ وتخلي أيامنا سوده
الله يحرقهم كلهم... الله يحرقهم يا شيخ .
في السادسة صباحًا وقبل أن يغادر ياسر شقته متجهًا إلى الميناء اهتزّ هاتفه برسالة من رقم مجهول
فتحها... فتجمد في مكانه
كانت صورة لجودي نائمة على فراشها شعرها منثور على الوسادة وهاتفها لا يزال في يدها كما تركته حين نامت على صوته
وتحت الصورة سطر واحد:
– نحن نراقب يا إبن شعبان... لا تخيّب ظننا اليوم.
ماذا سيحدث يا ترى.....
سنرى.......
انتظروووني....
بقلمي / فريده الحلواني
