📁 آخر الأخبار

روايه سوار جهنم الفصل العاشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه سوار جهنم الفصل العاشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه سوار جهنم الفصل العاشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه سوار جهنم الفصل العاشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني 


روايه سوار جهنم 

الفصل العاشر 

فريده الحلواني 


صباحك بيضحك يا قلب فريده


كل دمعة نزلت منك وإنتي لوحدك ربنا شايفها وكل دعوة قولتيها في سرك محفوظة عنده

فإطمني اللي ربنا كاتبهولك هيوصلك حتى لو كان في آخر الدنيا... أنا واثقة

وبحبك



في السابعة صباح يوم الجمعة كان سفيان يقف في منتصف غرفة الجنايني القديمة وقد جثا على ركبتيه يُقلّب التراب بيديه في كل ركن وخلف الباب وتحت النافذة المغبرة... لا شيء

آثار أقدام كثيرة لم تكن موجودة من قبل... ولا شيء غيرها

نهض ببطئ ونفض التراب عن بنطاله وأخرج هاتفه وطلب رقمًا واحدًا وقال بصوت ثقيل:

– مش هنا يا راغب... حد سبقني.



في الشقة الآمنة أغلق راغب الهاتف وإلتفت إلى الجميع فقرأوا الخبر في وجهه قبل أن يتفوّه بحرف واحد

ضرب تميم الطاولة بكفه وقال بحسم:

– خلاص... ياسر مش هيروح الفرح

– هروح

التفت الجميع إلى ياسر الجالس على مقعده الخشبي بهدوء غريب فقال تميم بحدة:

– إنت مجنون... الولاعة في إيد منصور يعني في إيد حبيب

 يعني حبيب عارف إنك كنت مع خطيبته بالليل في بيت أبوها

 إنت رايح تقف جنبه طول الليل وهو عارف؟

رفع ياسر عينيه إليه وقال ببرود:

– ولو مروحتش فيكتور هيسأل ليه... وإيفان هيسأل ليه

 والحارس اللي بيهرب من فرح سيده يبقى خايف

 والخايف يبقى مذنب... إنتوا اللي علمتوني كده


صمت تميم ونظر إلى راغب يستنجد به لكن راغب كان ينظر إلى ياسر بعينين فيهما فخر وحزن معًا وقال بهدوء:

– الواد عنده حج يا تميم

 وبعدين... إحنا مش هنسيبه لوحده

اقترب من ياسر ووضع يده على كتفه وقال:

– بس اسمعني زين... الليلة ديه عينك متفارجش إيد حبيب

 اللي خسر جدام الناس مرة... ميستحملش يخسر تاني.



في الثانية ظهرًا جلس ياسر وحيدًا على طرف فراشه في شقته الصغيرة وأمامه على الطاولة ورقة بيضاء وقلم

ظل ينظر إلى الورقة للحظات ثم أمسك القلم وكتب ببطئ بخط مرتعش:

– سما وضي...

لو الجواب ده وصلكم يبقى أنا مقدرتش أوفي بوعدي ومرجعتش

عايزكم تعرفوا إني عمري ما بعدت عنكم عشان مش بحبكم

بعدت عشان كنت عايز أرجع وأنا حاجة تتشرفوا بيها

سما... متقعديش على السلم تستنيني تاني... ادخلي نامي

وضي... اضحكي زي ما إنتي... حتى لو مش لاقية سبب

 في بنت هنا إسمها سيلا... لو جاتلكم في يوم خدوها في حضنكم

هي الوحيدة اللي عرفت أنا مين بجد

طوى الورقة ووضعها في مظروف وكتب عليه إسم أختيه ثم ظل ينظر إليه لحظات

وبعد ساعة كان يقف أمام راغب في الشقة الآمنة ويمد له المظروف دون كلمة

نظر راغب إلى الإسمين على المظروف ثم إلى ياسر وقال بصوت خشن:

– إيه ديه؟

– لو محتاجتوش... ارميه

– وإنت فاكر إني هحتاجه؟

ابتسم ياسر ابتسامة صغيرة وقال:

– إنت اللي علّمتني إن الدبابة ميسيبش حاجة للصُدفة

أخذ راغب المظروف ووضعه في جيب سترته الداخلي فوق قلبه تمامًا ثم جذب ياسر فجأة وضمه إلى صدره ضمة قوية قصيرة وقال في أذنه:

– هترجع وهتجطّعه بيدّك... سامعني

أبعده عنه بسرعة وأشاح بوجهه نحو النافذة كأنه يخفي شيئًا في عينيه.



في الرابعة عصرًا كانت غرفة جودي قد تحولت إلى فوضى من الأقمشة البيضاء وعلب الزينة والزهور بينما جلست هي أمام المرآة في فستانها الجديد... الفستان الثاني الذي اختارته وحدها دون أن يراه أحد

وقف فهد خلفها ينظر إلى انعكاسها وقد احمرّت عيناه فجأة فقال بصوت مبحوح:

– إيه ده... مين دي؟

ضحكت جودي وقالت:

– أنا يا فهد

– لا إنتي مش أختي... أختي كانت بتتخانق معايا على الريموت ولابسة بيجامة فيها بطة

 مين الأميرة دي؟

ضحكت ودمعت عيناها في نفس اللحظة بينما دخل أسر وأغلق الباب خلفه ووقف ينظر إليها دون كلمة

قالت جودي:

– إيه يا أسر... شكلي مش حلو؟

اقترب منها وجلس على طرف الفراش بجوارها ومسك يدها وقال بهدوء:

– حلوة أوي... أحلى من إن الحيوان ده يلمس طرف فستانك حتى


نظرت إليه بقلق فضغط على يدها وقال بصوت منخفض:

– متخافيش... الليلة دي مش هتروحي بيته

 أنا مش هقدر أقولك أكتر من كده بس صدقيني

– إنت كمان تعرف؟

– كلنا نعرف يا جودي... كلنا واقفين في ضهرك

وقبل أن ترد دق الباب ودخل سفيان ببدلته السوداء وفي يده علبة صغيرة من القطيفة الحمراء القديمة

خرج أسر وفهد بصمت وتركوهم وجلس سفيان أمامها وفتح العلبة فظهر بداخلها سوار ذهبي رفيع محفور عليه نقوش دقيقة كأنها لهب صغير يلتف حول المعصم

قال بهدوء:

– ده سوار مامتك... جبتهولها يوم ما اتجوزنا

 عمره ما فارق إيدها لحد آخر يوم... حتى وهي في المستشفى رفضت تقلعه

أخرجه من العلبة وأمسك يدها وألبسها إياه ببطئ ثم قال بصوت مرتجف:

– مامتك قالتلي مرة... العشق الحقيقي عامل زي إسوره من نار يا سفيان

 بيلف حوالين الروح ومبيتقلعش... ولو حاولت تقلعه يكويك

نظرت جودي إلى السوار في معصمها ثم رفعت عينيها إلى أبيها وقد انهمرت دموعها فقال بحزم حنون:

– ده مش لفرح حبيب يا سيلا... ده عشان تفتكري إن الليلة دي مش آخر الحكاية

 وإن السوار ده هيروح في الآخر للإيد اللي تستاهله

ضمته بقوة ودفنت وجهها في كتفه ولطّخت دموعها بدلته السوداء لكنه لم يهتم... ظل يضمها كأنه يودع الطفلة التي حملها يومًا وحده في المستشفى.



في نفس الساعة كان حبيب يجلس في سيارته في جراج الفندق وأمامه رجل نحيل بوجه شاحب ووشم صغير على رقبته من رجال فيكتور

وضع حبيب مظروفًا سميكًا في يد الرجل وقال بصوت منخفض:

– ده نصهم... والنص التاني بعد ما تخلّص

– فيكتور لا يعرف

– ومش لازم يعرف... هيبان إنه هجوم من الإيطاليين... الكل عارف إنهم بيكرهوا العيلة

 وقت الرقصة الأولى... الأنوار هتتطفي وهتفضل كشافات بس على العروسة والعريس

 والحارس هيكون واقف ورايا بخطوتين... زي ما بيقف دايما


ابتسم الرجل ابتسامة باردة وقال:

– والمسافة

– من البلكونة اللي فوق... مش أكتر من تلاتين متر

 متغلطش... عايزه ميت قبل ما الأغنية تخلص

عدّ الرجل النقود ثم دسها في جيبه وخرج من السيارة بينما أسند حبيب رأسه إلى المقعد

 وأخرج من جيبه الولاعة الفضية وقلّبها بين أصابعه وابتسم وهمس:

– هترجعلك يا ابن شعبان... هحطهالك في جيبك وإنت في الكفن.



في السادسة مساء كان راغب يقف في الجراج نفسه بجوار سيارة سوداء ركنها تميم هناك منذ الصباح يمسك الهاتف المشفر على أذنه

جاءه صوت أميرة مرتبكًا على غير عادتها:

– راغب... أنا مش مرتاحة

– ليه يا أميرتي؟

– مش عارفة... من الصبح قلبي مقبوض وبحلم إن الخاتم وقع من السلسلة في البحر

وأنا بدور عليه ومش لاقياه

صمت راغب لحظة ثم قال بهدوء:

– الأحلام مش بتجول الحجيجة يا أميرة

– وإنت... إنت مش هتعمل حاجة خطر النهارده صح؟

نظر إلى أرضية الجراج الرمادية وإلى المصعد الذي يصعد إلى القاعة وقال:

– هجف بره... جنب العربيات... بعيد عن أي حاجة

سمعها تتنفس بعمق ثم قالت:

– راغب... إنت بتكدب... صوتك بيتخن لما بتكدب

ضحك ضحكة خافتة رغمًا عنه وقال:

– إنتي والحريم كلهم بجيتوا ظُباط مخابرات!

– عشان إحنا اللي بنستنى... واللي بيستنى بيحفظ كل نفس في صوت اللي غايب

صمت طويلا ثم قال بصوت منخفض دافئ لم تسمعه منه إلا نادرا:

– أميرة... إنتي عارفة إنتي إيه بالنسبالي؟

– إيه؟

– إنتي الحاجة الوحيدة اللي خلّتني أصدج إني لسه بني آدم

بعد كل اللي عملته... ربنا بعتك إنتي عشان يجولّي إنه مسامحني

سمعها تبكي بصمت على الطرف الآخر ثم قالت بصوت مخنوق:

– ارجع يا راغب

– هرجع... والخاتم هتلبسهولي بيدك

ولو وجع في البحر... هنزل أجيبه ولو من جاعه.



عند مدخل القاعة كان سفيان يقف يستقبل الضيوف بابتسامة مرسومة حين اقترب منه منصور ووقف بجواره ووضع يده على كتفه وقال بصوت عالي ليسمعه من حولهما:

– الليلة دي حلم عمري يا سفيان... ولادنا في بيت واحد أخيرًا

لم يرد سفيان ولم يبعد يد أخيه عن كتفه لكنه التفت إليه ببطئ ونظر في عينيه حتى اختفت الابتسامة من وجه منصور دون أن يدري لماذا

ثم قال سفيان بهدوء شديد:

– فاكر يا منصور لما كنا صغيرين وبابا جابلنا عجلة واحدة؟

– فاكر

– وإنت بوّظت الفرامل بتاعتها عشان كنت عايزني أقع وتاخدها إنت

ووقعت واتكسر دراعي وإنت فضلت تعيط جنبي طول الليل في المستشفى

وأنا قولت لبابا إني أنا اللي بوظتها عشان مايضربكش

شحب وجه منصور وقال بارتباك:

– إنت بتفكّرني بالكلام ده ليه دلوقتي؟

ابتسم سفيان ابتسامة حزينة وأبعد يد أخيه عن كتفه برفق وقال:

– عشان كنت فاكر إنك بطلت تبوّظ الفرامل يا منصور

ثم تركه واقفًا في مكانه وسار ليستقبل ضيفًا آخر بينما ظل منصور يحدق في ظهر أخيه وقطرة عرق باردة تنزل على جبهته رغم برودة التكييف.



في الثامنة مساء كانت قاعة الفندق الكبرى تتلألأ كقطعة من الجنة... ثٌريات كريستال ضخمة وزهور بيضاء في كل مكان وموسيقى هادئة وعشرات الضيوف بملابس فاخرة

وقف ياسر خلف حبيب بخطوتين كما اعتاد ببدلته السوداء وسماعته الصغيرة في أذنه وعيناه تمسحان القاعة كل ثانية... المداخل والشرفات والنوافذ والوجوه

جاءه صوت تميم في أذنه:

– أنا عند المطبخ في زي جرسون... معاذ في غرفة التحكم بتاعة الفندق

 راغب بره عند العربيات... وأسر وفهد في الترابيزة التالتة جنب الحيطة

 عينيك على حبيب

لم يرد ياسر لكنه لاحظ شيئًا غريبًت... حبيب كان هادئًا جدًا الليلة

هادئًا كرجل يعرف شيئًا لا يعرفه أحد غيره

وفجأة ساد الصمت في القاعة كلها وتوقفت الموسيقى

التفت الجميع نحو الباب الرئيسي فرأوا إيفان يدخل ببطئ مٌتكئًا على عصا سوداء برأس فضي وحوله أربعة رجال ضِخام وخلفه فيكتور بابتسامته الباردة


وقف الضيوف في أماكنهم احترامًا دون أن يطلب منهم أحد

سار إيفان عبر القاعة بخطوات ثقيلة حتى وصل إلى حبيب ومنصور فانحنى منصور أمامه وقبل يده بينما وقف حبيب متصلبًا

وضع إيفان يده الضخمة على كتف حبيب وقال بصوت عالي ليسمعه الجميع:

– مبارك يا إبن منصور... العائلة تكبر الليلة

ثم خفض صوته وقال بحيث لا يسمعه غير حبيب وياسر:

– ولا تنسى... أنت حي الليلة لأن أباك ركع... لا تجعله يركع مرة أخرى

شحب وجه حبيب لكنه ابتسم وأومأ برأسه

ثم التفت إيفان إلى ياسر ونظر إليه للحظات وقال:

– تعال معي يا إبن شعبان

سار معه ياسر إلى ركن هادئ قرب النافذة الكبيرة ووقف فيكتور على بعد خطوات يراقب

قال إيفان وهو ينظر إلى الخارج :

– الشحنة الأولى عبرت... ريد يعرف عمله جيدًا رغم أنه طماع

 الشحنة الثانية تصل بعد أسبوعين... أكبر بعشر مرات

 سلاح يكفي لإشعال ثلاث مدن... وأريدك أنت من يستلمها

جاءه صوت معاذ في أذنه همسًا مرتعشًا من الإثارة:

– بيسجل... بيسجل كل كلمة... كلّمه يا ياسر

قال ياسر بهدوء:

– وريد هيعديها زي الأولى؟

– ريد سيفعل ما أقوله له... دفعت له مليون دولار في ثلاث سنوات

 والرجل الذي يأخذ مليونًا من إيفان... يصبح مِلكا لإيفان حتى يموت

 التفت إليه ونظر في عينيه وقال:

– وأنت يا إبن شعبان... هل أنت ملك لإيفان؟


نظر إليه ياسر ثانيتين كاملتين ثم قال:

– أنا مِلك اللي بيحافظ على اللي بحبهم

ضحك إيفان ضحكة خافتة وربت على كتفه وقال:

– إجابة ذكية... الدبابة كان سيقول نفس الشيء

وفي أذن ياسر سمع صوت تميم يهمس بصوت يرتجف لأول مرة:

– خلاص يا ياسر... عندنا كل حاجة... خلاص.



في غرفة التحكّم الصغيرة في الطابق السفلي كان معاذ يجلس أمام عشرات الشاشات يرتدي زي فني الفندق حين اهتزّ هاتفه الشخصي في جيبه

نظر إلى الشاشة فابتسم رغمًا عنه ورد بصوت خافت:

– إنتي صاحية بدري ليه؟

جاءه صوت سيلا متدللا:

– الساعة إتنين بالليل عندنا يا فالح... أنا اللي لسه منمتش

إنت فين... صوتك واطي كده ليه؟

– في فرح

– فرح... فرح مين؟!

– واحد صاحبنا هنا

صمتت لحظة ثم قالت بنبرة جعلته يعتدل في مقعده:

– والعروسة حلوة؟

ضحك معاذ ونظر إلى الشاشة التي تعرض غرفة العروس المغلقة وقال:

– لسه مشوفتهاش

– ولما تشوفها... تبُص في الأرض

– سيلا...

– أنا بتكلم جد يا معاذ... لو عينك جت على عروسة ولا معزومة ولا حتى الجرسونة

هعرف... وهاجي أقلعلك عينك بإيدي

كتم ضحكته وقال بجدية مصطنعة:

– طب وإنتي هتعرفي إزاي؟

– حمو هيقولّي

– حمو في إسكندرية يا مجنونة

– حمو بيعرف كل حاجة... إنت اللي علّمته

انفجر معاذ ضاحكًا ثم نظر حوله بسرعة وخفض صوته وقال بحنان:

– مفيش عروسة في الدنيا هبُصلها يا سيلا... أنا اتجوزت أحلى عروسة من زمان

ولسه مستني أرجع وأشوفها بالفستان التبيض

صمتت لحظة ثم قالت بصوت أرق:

– بجد؟

– بجد... وأول ما أرجع هنعمل فرح ... أنا وإنتي 

– ومن غير حمو؟

– خصوصًا من غير حمو

ضحكت ضحكة ملأت قلبه ثم قالت:

– خلي بالك من نفسك يا ميزو

– حاضر يا قلب ميزو

أغلق الهاتف ونظر إلى الشاشات من جديد وقد عاد وجهه جادًا تمامًا... فقد رأى على إحدى الشاشات الصغيرة حبيب يسير في الممر المؤدي إلى غرفة العروس وحده.



في غرفة العروس الصغيرة خلف القاعة كانت جودي تقف وحدها أمام المرآة الطويلة تنتظر إشارة الدخول حين انفتح الباب فجأة ودخل حبيب وأغلقه خلفه

التفتت إليه بفزع وقالت:

– إنت بتعمل إيه هنا... مينفعش العريس يشوف العروسة قبل الزفة

– ومين قال إني العريس اللي إنتي مستنياه؟

اقترب منها ببطئ ونظر إلى فستانها من رأسها إلى قدميها ثم قال بسخرية:

– فستان حلو... مش ده اللي اخترناه في المحل

ده اللي اخترتيه عشان حد تاني يتسحر بيه صح؟

تراجعت خطوة حتى اصطدم ظهرها بالمرآة وقالت بصوت ثابت رغم ارتعاشها:

– اطلع بره يا حبيب

أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا ورفعه أمام عينيها... الولاعة الفضية

تجمّدت في مكانها وشحب وجهها في لحظة فابتسم وقال:

– لقوها في أوضة الجنايني... مع آثار رجلين... راجل وست

كان عندك ضيف امبارح يا عروسة

لم تستطع أن ترد فاقترب منها أكثر حتى شعرت بأنفاسه على وجهها وهمس:

– أنا وعدتك إن محدش هيلمس شعرة منه لو وافقتي

وأنا عند وعدي... محدش هيلمس شعرة

ثم أكمل وعيناه تلمعان بشيء مخيف:

– بس اللي هيحصله الليلة... مش هيبقى في شعره

قالت بصوت مخنوق:

– إنت بتقول إيه؟

– بقول إنك هترقصي معايا الرقصة الأولى... وهتضحكي

وهتفضلي في حضني لحد آخر الأغنية مهما حصل

ولو بعدتي عني خطوة واحدة... هعرف إنك اخترتيه

وساعتها هتشوفيه بيموت قدام عينك

ثم أعاد الولاعة إلى جيبه وعدل ربطة عنقه أمام المرآة بجوارها وابتسم لانعكاسه وقال:

– يلا يا عروسة... الناس مستنيانا

وخرج تاركا إياها واقفة أمام المرآة ترتجف ويدها اليمنى تضغط على السوار الذهبي في معصمها الأيسر حتى آلمها

همست لنفسها والدموع تحرق عينيها:

– يا رب... يا رب إحميه

 مسحت دموعها بسرعة ورفعت ذقنها ونظرت إلى نفسها في المرآة ورسمت على وجهها ابتسامة... واستعدت للخروج


على الطاولة الثالثة بجوار الحائط كان فهد يأكل للمرة الرابعة من طبق المُقبلات بينما كان أسر يراقب القاعة بعينين قلقتين

توقف فهد فجأة عن المضغ وأمسك ذراع أخيه وقال بصوت منخفض:

– أسر... الراجل ده

– أنهي راجل؟

– اللي لابس جرسون وطالع على السلم الجانبي... اللي عنده وشم على رقبته

نظر أسر حيث أشار فرأى رجلًا نحيلًا يرتدي زي النادل يصعد السلم الضيق المؤدي إلى الشرفة العلوية وفي يده صينية فارغة

قال أسر بعدم اهتمام:

– جرسون يا فهد... القاعة مليانة شغالين 

– لأ... أنا شوفته الصبح في الجراج وأنا بركن العربية مع بابا

كان قاعد في عربية حبيب... وكان لابس جاكيت جلد مش جرسون

التفت إليه أسر بسرعة وقد تغير وجهه وقال:

– إنت متأكد؟

– أنا ممكن أنسى أي حاجة إلا وش حد أخد مني آخر حتة كرواسون في البوفيه الصبح

هو ده... متأكد

نهض أسر بسرعة ولمس سماعة صغيرة أعطاها له تميم في أذنه وهمس:

– تميم... في جرسون مش جرسون طالع البلكونة اللي فوق... كان مع حبيب الصبح

ولم يسمع ردًا... فقد خفتت الأضواء في تلك اللحظة بالذات وسطع الكشافان وانفتح الباب الجانبي وخرجت العروس.


توقف قلب ياسر للمرة الثانية في أسبوع واحد

لم يكن الفستان الذي رآه في المحل... كان فستانًا آخر أبسط وأجمل بأكمام من الدانتيل الشفاف وذيل طويل ينسدل خلفها كالحلم وشعرها منسدل على كتفيها وفي معصمها الأيسر سوار ذهبي رفيع يلمع تحت الضوء كأنه لهب صغير


تذكر كلماتها في المحل... عايزة فستان حد يشوفني فيه يتسحر

كان هذا هو الفستان

وكانت عيناها تبحثان عنه في القاعة حتى وجدته واقفًا عند النافذة بجوار إيفان فتوقفت خطوتها نصف ثانية وابتسمت له ابتسامة لم يفهمها أحد غيره

ثم أكملت طريقها نحو حبيب الذي مد لها يده

بدأت الموسيقى... أغنية بطيئة حالمة وأخذ حبيب جودي إلى منتصف القاعة ووضع يده على خصرها وبدآ يتمايلان ببطئ تحت الكشافين والقاعة كلها مظلمة حولهما

عاد ياسر إلى مكانه خلف حبيب بخطوتين على حافة ساحة الرقص وقد شعر بشيء ثقيل في صدره وهو يراها في حضن رجل آخر

لكن عينيها لم تكونا على حبيب... كانتا عليه

من فوق كتف حبيب كانت تنظر إليه طوال الرقصة... نظرة طويلة صامتة كأنها تقول له كل ما لم تستطع قوله في غرفة الجنايني

ورفعت يدها قليلا على كتف حبيب فلمع السوار في معصمها وكأنها تريه إياه

همس ياسر لنفسه دون أن يشعر:

– سيلا

وفي تلك اللحظة بالذات... لمح شيئًا

لمعة صغيرة فوق... في الشرفة العلوية المظلمة على بعد ثلاثين مترًا

لمعة معدن

ثم رأى الظل... ورأى الماسورة... ورأى أنها ليست موجهة إليه

كانت موجهة إلى منتصف ساحة الرقص... إلى المكان الذي كان سيقف فيه لو تحرك حبيب خطوة واحدة... وحبيب كان يدور بجودي ببطء... وجودي الآن في المكان نفسه بالضبط

لم يفكر اندفع ياسر عبر ساحة الرقص في ثانية واحدة وصرخ:

– سيلااااا

قفز عليها وأبعدها عن ذراعي حبيب وسقطا معًا على الأرض الرخامية وجسده فوق جسدها يغطيها بالكامل

دوت الطلقة وصرخ الضيوف وانقلبت الطاولات وتحطمت الكؤوس وانطفأ الكشافان وغرقت القاعة في ظلام وفوضى

سمع ياسر صوت تميم يصرخ في أذنه بشيء لم يفهمه وصوت أقدام تجري وصوت طلقة ثانية... ثم ثالثة

وتحته كانت جودي ترتجف وتلهث وعيناها مفتوحتان على اتساعهما

حين عادت الأضواء فجأة... رفعت يدها ببطئ ونظرت إليها

كانت مغطاة بالدم

نظرت إلى فستانها الأبيض... فوجدته قد تحول إلى أحمر عند صدرها وخصرها وبقعة الدم تكبر وتكبر

نظرت إلى ياسر فوقها... كان ينظر إليها بعينين لا تتحركان

ولم تعرف...لم يعرف أحد في القاعة كلها.....هذا دم من؟ 


ماذا سيحدث يا ترى.......


سنرى.......


انتظروووني......


بقلمي/ فريده الحلواني 

تعليقات