📁 آخر الأخبار

سوار جهنم الفصل الحادي عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا

 سوار جهنم الفصل الحادي عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا 



سوار جهنم الفصل الحادي عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا

سوار جهنم الفصل الحادي عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا 







٠الفصل الحادي عشر



صباحك بيضحك يا قلب فريده



متيأسيش لما الليل يطول شويه ومتصدقيش الوجع لما يوهمك إنه بقى جزء منك وهيعيش معاكي على طول إنتي عديتي قبل كده بحاجات كنتي فاكرة إنها هتكسرك

 وفي الآخر طلعتي منها واقفة على رجليكي وأقوى من الأول فاستني واصبري عشان ربنا عمره ما بيقفل باب في وشك إلا وهو محضرلك باب أحلى منه

 والأيام الحلوة لسه جاية في الطريق ليكي يا جميلة... انا واثقة

وبحبك. 




– ياسر... ياسر بصلي... ياسر

كانت تصرخ بإسمه وهي لا تزال تحته على الأرض الرخامية يداها المغطاه بالدم تمسكان وجهه وتهزانه بجنون

رمش مرة واحدة ببطء ثم تحركت شفتاه وخرج صوته مبحوحًا لا يكاد يسمع:

– إنتي... كويسة؟

– أنا كويسة... أنا كويسة والله... إنت اللي...

– الحمد لله

ابتسم... ابتسامة صغيرة باهتة كأنه أنهى المهمة الوحيدة التي جاء من أجلها ثم اغلق عيناه وسقط رأسه على كتفها بثقل مخيف

صرخت صرخة شقّت فوضى القاعة كلها

في نفس اللحظة شق تميم الزحام بزي النادل جثا بجوارهما وأدار ياسر على جنبه بحرص فرأى الثقب في ظهره أسفل الكتف الأيمن والدم يخرج منه بغزارة

خلع سترة النادل في ثانية كورها وضغط بها على الجرح بكل قوته ثم أمسك يد جودي المرتعشة وضعها فوق السترة وقال بحزم:

– اضغطي هنا... اضغطي بكل قوتك ومتشيليش إيدك مهما حصل... فاهمة؟

– هيموت... هيموت يا...

– مش هيموت بُصيلي... مش هيموت لو إنتي ضغطتي... اضغطي

ضغطت بكلتا يديها وهي تبكي وتهمس باسمه بلا توقف بينما رفع تميم يده إلى أذنه وصرخ:

– الإسعاف حالًا... ياسر واخد رصاصة في ضهره... معاذ... معاذ رد عليا

لم يأته صوت معاذ... جاءه صمت مخيف ثم خشخشة مكتومة ثم انقطع الخط تمامًا.


رفع تميم رأسه فرأى إيفان يقف عند الباب الرئيسي... محاطًا بحُرّاسه الأربعة كجدار من لحم لم يركض ولم يرتبك... كان ينظر إلى المشهد في منتصف القاعة كمن يشاهد مسرحية لم تعجبه نهايتها

 ثم استدار وخرج على مهل متكئًا على عصاه

اما فيكتور لم يتحرك

كان يقف في مكانه قُرب النافذة وعيناه معلقتان بياسر الملقى على الأرض في حضن العروس وعلى شفتيه كلمة واحدة يرددها ببطء كأنه يتذوقها:

– سيلا...



قبل الطلقة الأولى بثلاثين ثانية كان أسر قد وصل إلى أول السلم الجانبي وفهد خلفه يلهث

وحين دوت الطلقة توقف أسر لحظة والتفت نحو القاعة وصرخ:

– جووووودي

  أمسك فهد ذراعه بقوه وجذبه إلى أعلى السلم قال بصوت لم يعرفه أسر من قبل:

– جودي معاها الناس... الكلب ده فوق... يلا

صعدا السلم قفزًا فتح أسر باب الشرفة بكتفه فوجدا المكان خاليًا

وبندقية طويلة ملقاة على الأرض وصينية النادل الفارغة بجوارها وزي النادل الأسود مكوم في الزاوية والباب الخلفي المؤدي إلى ممر الخدمة مفتوح علي مصرعيه.


ركض أسر نحو الممر لكنه وجده ينتهي بثلاثة أبواب وسلم طوارئ ومصعد بضائع ولا أثر لأحد

ضرب الحائط بقبضته وصرخ:

– هرب... هرب ابن الكلب 

توقف حين رأى فهد واقفًا أمام البندقية لا يتحرك وينظر إليها:

– فهد... يلا ننزل

– أسر

– إيه؟

رفع فهد عينيه إلى أخيه وكانتا مليئتين بالدموع قال بصوت مكسور:

– أنا شوفته الصبح... شوفته في عربية حبيب ولو كنت قولت ساعتها

لو كنت بطلت أكل وركزت...

أمسكه أسر من كتفيه بقوة وقال:

– إنت اللي شوفته... إنت الوحيد في القاعة كلها اللي شوفته

 لولاك محدش كان هيعرف إن فيه حد فوق أصلًا

– بس ملحقناش

– ياسر لحق اختك الحمد لله... قول الحمد لله

جذبه إلى صدره في ضمة سريعة قوية ثم دفعه نحو السلم وقال:

– يلا... أختك تحت لوحدها.


في غرفة التحكم في الطابق السفلي كان معاذ قد قفز من مقعده لحظة دوي الطلقة وعيناه على الشاشة التي تعرض ساحة الرقص

رأى ياسر يقفز  رأى الاثنين يسقطان... رأى الدم

– لا... لا لا لا

مد يده إلى السماعة ليصرخ في تميم لكنه سمع خلفه صوت الباب الحديدي يفتح

التفت فوجد رجلين ضخمين يرتديان بدلتين سوداوين يدخلان الغرفة ويغلقان الباب خلفهما

وجه أحدهما يعرفه جيدًا من الميناء ومن صور فيكتور

لم يرتبك... كان يرتدي زي فني الفندق الأزرق والبطاقة المعلقة على صدره تحمل اسمًا لا يخصه فوقف أمام الشاشات رفع يديه وقال بإنجليزية مرتبكة متعمدة:

– هل هناك مشكلة يا سيدي... السيستم كله واقع بعد الضرب

أنا بحاول أرجع الكاميرات

قال الرجل الأول بلكنة روسية ثقيلة:

– لا تحاول... أطفئ كل شيء وأعطنا التسجيلات من أول الليلة

– حاضر يا فندم... حاضر


استدار معاذ نحو لوحة المفاتيح ببطء يداه تتحركان فوق الأزرار وعيناه على الشاشة السوداء الصغيرة التي تعكس ظلال الرجلين خلفه

وعلى الطاولة بجوار يده اليسرى كان الجهاز الصغير الفضي الجهاز الذي يحمل صوت إيفان كلمة كلمة والكابل الرفيع لا يزال متصلًا بالسماعة

بدأ يسحب الكابل بأطراف أصابعه سنتيمترًا بعد سنتيمتر

 الرجل الثاني كان يراقب

اقترب خطوة ونظر إلى الجهاز ثم إلى السماعة الصغيرة المعلقة على أذن معاذ ثم قال بهدوء:

– فني الفندق لا يحتاج إلى سماعة كهذه


لم ينتظر معاذ الجملة التالية

أمسك الكرسي المعدني بجواره ودار به في نصف ثانية ضرب به ركبة الرجل الأقرب فسقط على ركبتيه يصرخ ثم قفز على الثاني قبل أن تصل يده إلى سلاحه 

أمسك معصمه بكلتا يديه وثناه بقوة فسقط المسدس على الأرض وانزلق تحت الطاولة


اشتبكا... كان الروسي أضخم منه بكثير وأثقل لكن معاذ كان أسرع

ضربه بجبهته في أنفه فسمع صوت العظم يتكسر ثم ركله في بطنه ليبعده خطوة

لكن الأول كان قد نهض على ركبة واحدة وفي يده سكين قصيرة لمعت تحت ضوء الشاشات

رآها معاذ في آخر لحظة رفع ذراعه ليصد الضربة فشقت السكين ساعده من المرفق إلى المعصم

لم يصرخ... عض على شفته حتى سال منها الدم أمسك يد الرجل الممسكة بالسكين وضربها بحافة الطاولة مرة... ثم مرة ثانية حتى سقطت السكين.


في تلك الثانية بالذات رأى الرجل صاحب الأنف المكسور يمد يده إلى الطاولة ويمسك الجهاز الفضي

– سيبه

صرخها معاذ واندفع نحوه لكن الرجل رفع الجهاز في الهواء وهوى به على الأرض الخرسانية بكل قوته ثم داس عليه بكعب حذائه الثقيل مرة بعد مرة حتى تحول إلى قطع صغيرة متناثرة

توقف معاذ في مكانه ينظر إلى البقايا على الأرض

سنة بأكملها من العمل... ليلة كاملة من الرعب... صوت إيفان وهو يقول دفعت له مليون دولار

 كلها تحت حذاء رجل لا يعرف اسمه


انحنى الروسي والتقط قطعة الذاكرة الصغيرة من بين البقايا ودسها في جيبه ابتسم والدم يسيل من أنفه على أسنانه

ثم سمع الثلاثة صوت أقدام كثيرة تجري في الممر بالخارج وأصوات صفارات الشرطة تقترب من بعيد

نظر معاذ إلى الباب الحديدي ثم إلى فتحة التهوية الكبيرة في السقف فوق الشاشات

وفي اللحظة التي التفت فيها الرجلان نحو الباب قفز على الطاولة وانتزع غطاء الفتحة بيده السليمة سحب جسده إلى داخلها وذراعه الأخرى تنزف على المعدن 

زحف في الظلام  وهو يسمع خلفه صراخًا بالروسية وطلقة ارتطمت بالمعدن على بعد شبر من قدمه

لم يتوقف... ظل يزحف وأنفاسه تتقطع والدم يجعل كفه تنزلق على المعدن 

في رأسه صورة واحدة لم تفارقه... وجه سيلا الناعس على الوسادة وهي تقول له:

- متقفلش... خليك معايا لحد ما تنام

همس لنفسه في الظلام وهو يزحف:

– راجعلك يا بت... راجعلك ولو زحف.


في الجراج تحت الفندق كان راغب قد سمع الطلقة الأولى عبر سماعته وركض نحو المصعد لكنه توقف حين رأى باب سلم الطوارئ ينفتح بعنف ويخرج منه رجل نحيل بقميص أبيض ووشم على رقبته يركض نحو سيارة رمادية في آخر الصف


اندفع راغب خلفه لكنه قبل أن يقطع نصف المسافة رأى شاحنة سوداء تدخل الجراج بسرعة وتقطع الطريق على الرجل 

نزل منها ثلاثة رجال أمسكوه ودفعوه إلى داخلها كجوال من القمح ثم انطلقت وخرجت من الجراج في أقل من عشر ثوان

توقف راغب في مكانه يلهث ونظر إلى الشاحنة وهي تختفي وهمس:

– فيكتور سبجنا...

 وضع يده على جيب سترته الداخلي فوق قلبه حيث الظرف... ورفع عينيه إلى السقف الخرساني كأنه يرى ما فوقه وقال بصوت مخنوق:

– متخلنيش أفتحه يا رب.


في القاعة كان المسعفون قد وصلوا وأحاطوا بياسر... رفعوه على النقالة وجودي لا تزال تمسك يده ولا تتركها

حاول أحدهم أن يبعدها فصرخت فيه بجنون:

– مش هسيبه... مش هسيبه

أمسك سفيان كتفيها من الخلف وقال بهدوء:

– سيبيهم يشتغلوا يا حبيبتي... إحنا وراهم

وفي الركن الآخر كان منصور يدور بين الطاولات المقلوبة كالمجنون ويصرخ:

– حبيب... حبيب... حد شاف ابني... حبيب

لكن أحدًا لم يرى حبيب

كان حبيب في تلك اللحظة في المقعد الخلفي لسيارة إيفان المُصفّحة بين رجلين لا يتكلمان وأمامه إيفان يقشر تفاحة بسكينه الصغير بهدوء تام

قال حبيب بصوت مرتعش:

– أنا... أنا معملتش حاجة... الإيطاليين... أكيد الإيطاليين

لم يرفع إيفان عينيه عن التفاحة وقال:

– الرجل الذي استأجرته يعمل عندي منذ ثماني سنوات يا ابن منصور

 قبل أن تعطيه نصف المال... أعطاني هو اسمك

  قطع قطعة صغيرة من التفاحة ووضعها في فمه وأكمل وهو يمضغ:

– قلت لك لا تجعل أباك يركع مرة أخرى

 لكنني لم أقل لك إنه سيجد من يركع أمامه هذه المرة.


في الواحدة بعد منتصف الليل كان ممر غرفة العمليات في المستشفى صامتًا إلا من صوت جهاز بعيد يطلق صفيرًا منتظمًا

جلست جودي على الأرض أمام الباب المغلق بفستان زفافها وقد تحول نصفه إلى أحمر داكن جاف وأكمام الدانتيل ملتصقة بذراعيها والسوار الذهبي في معصمها ملطخ بدمه

رفضت أن تجلس على المقعد رفضت أن تغير الفستان... رفضت أن تشرب الماء الذي أحضره لها أسر للمرة الرابعة

جلس سفيان على الأرض بجوارها ببدلته الفاخرة دون أن يهتم بنظرات الممرضات وضمها إليه في صمت

وفهد يجلس على المقعد المقابل ينظر إلى الأرض في يده كيس من البسكويت أحضره له أحد المسعفين... لم يفتحه



















قالت جودي فجأة بصوت مبحوح دون أن ترفع رأسها:

– بابا... هو صرخ بإسمي

– سمعته يا حبيبتي

– قدام الناس كلها... صرخ سيلا... وهو بيقع

ضمها سفيان أكثر ولم يقل شيئًا... لكن قلبه انقبض انقباضة لم يفهمها هو نفسه.


في آخر الممر كان تميم يقف عند النافذة وقميصه الأبيض مبقع بالدم حتى المرفقين ويداه لا تزالان ترتجفان حين اهتز هاتفه في جيبه

نظر إلى الشاشة... سما

أغمض عينيه لحظة ثم أخذ نفسا عميقا مسح يده في بنطاله ورد بصوت حاول أن يجعله ناعسًا:

– إيه يا حبيبي... صحيتي بدري ليه؟

– تميم... أنا حلمت بياسر

تجمد في مكانه وأسند جبهته إلى زجاج النافذة البارد:

– حلمتي بإيه؟

– إنه كان واقف على السلم بتاعنا القديم... وبيندهلي

وأنا بنزله وهو بيطلع لفوق ومش عارفة أوصله

وقميصه كان أحمر يا تميم... أنا عمري ما شفته لابس أحمر

ابتلع تميم الغصة في حلقه نظر إلى يديه الملطختين بدم أخيها وقال بصوت هادئ مستقر بشكل مخيف:

– ده حلم يا سما... إنتي نمتي زعلانة؟

– إنت كلمته النهارده؟

– كلمته الصبح... وكان بيضحك

 وقالّي قول لسما متقعدش على السلم تستناني

سمع شهقتها الخافتة عبر الهاتف ثم ضحكتها الحزينه وقالت:

– هو قال كده... بجد؟!

– بجد... ونامي بقى عشان التوأم

– حاضر... بحبك يا تيمو

– وأنا بحبك أكتر يا قلب تيمو

أغلق الهاتف وظل واقفا مكانه جبهته على الزجاج ثم قال بصوت لم يسمعه غيره:

– سامحيني... سامحيني يا سما.


في الثانية بعد منتصف الليل انفتح باب سلم الطوارئ في آخر الممر ببطء 

ظهر معاذ...كان زي الفني الأزرق ممزقا ومغطى بالغبار والدم 

ذراعه اليسرى ملفوفة بقطعة قماش انتزعها من قميصه وقد تشبعت بالدم حتى صار لونها أسود

ركض تميم نحوه وأمسكه قبل أن يسقط وقال:

– إنت فين يابن الكلب... كنت فين...؟ بقالي ساعتين بكلمك

– كنت بلف في مواسير التكييف بتاعة الفندق زي الفار... متشكر على السؤال

أجلسه تميم على المقعد وفك القماش عن ذراعه فرأى الجرح الطويل المفتوح فقال بغضب:

– ده عايز خياطة حالًا

– بعدين... ياسر عمل إيه طمّني

– في العمليات من ساعتين ونص

 الرصاصة دخلت تحت الكتف وجت جنب الرئة

صمت معاذ لحظة ثم أسند رأسه إلى الحائط وقال بصوت منخفض:

– تميم... التسجيل راح

توقفت يد تميم على ذراعه

– الجهاز اتكسر قدام عيني... وأخدوا الذاكرة

 كل كلمة قالها إيفان... كل حاجة يا تميم

 مقدرتش... كانوا اتنين وأنا...

قاطعه تميم وهو يضغط على ذراعه السليمة:

– إنت رجعت... ده المهم

– مش ده المهم... المهم إن إيفان بره

وحبيب اختفى وياسر جوه بين الحياة والموت

 وإحنا معانا ملف ورق يدين منصور بس 

بس للأسف هيموّت سفيان وعياله

صمت تميم ولم يجد ما يرد به لأن معاذ كان محقًا تمامًا


 قال معاذ وهو يحاول أن يعتدل في جلسته:

– في حاجة كمان... وأنا في المواسير سمعت الروس بيتكلموا في اللاسلكي

 فيكتور بيقول لرجالته... الإسم اللي الواد صرخ بيه عايز أعرف هو إسم مين

التفت إليه تميم ببطء وقال:

– اسم إيه؟

– ياسر صرخ بإسم... أنا كنت شايفه على الشاشة بس مسمعتوش

 صرخ بإيه؟

نظر تميم في عينيه لحظة ثم قال بصوت خافت:

– سيلا

تجمد معاذ في مكانه تمامًا وقال بصوت لم يعرفه تميم:

– سيلا مين؟

– معاذ...

– سيلا مين يا تميم... ياسر يعرف سيلا منين؟!


قبل أن يرد تميم قال أسر من خلفهما وقد سمع كل شيء:

– دي أختي

التفت الإثنان إليه فأكمل وهو ينظر إلى جودي في آخر الممر:

– إسم جودي الحقيقي سيلا... ماما اختارته قبل ما تموت

 وبابا مقدرش يناديها بيه... محدش يعرفه غيرنا

 وفي الورق هنا في أمريكا مسجلة جودي

زفر معاذ زفرة طويلة كأن روحه عادت إليه مسح وجهه بيده السليمة وقال بغيظ:

– يا شيخ خضيتني الله يحرقك... أنا قلبي وقف

 لم يبتسم تميم كان ينظر إلى معاذ بعينين ضيقتين ثم قال ببطء:

– استنى... لو محدش هنا يعرف إن إسمها سيلا

 وكل ورقها في أمريكا جودي

 يبقى فيكتور لما يدوّر على إسم سيلا هنا... مش هيلاقي حاجة

– طب كويس

– ولما ميلاقيش حاجة هنا... هيدوّر فين؟!

صمت معاذ وقد بدأ يفهم

أكمل تميم بصوت منخفض كأنه يخاف أن يسمع نفسه:

– هيدوّر ورا ياسر نفسه... في مصر  في الناس اللي يعرفهم

 وأقرب سيلا لياسر في مصر... مراتك يا معاذ

 سيلا مرات معاذ الجيزاوي... ظابط في المخابرات

 صاحب تميم الشريف... جوز أخت ياسر


شحب وجه معاذ حتى صار بلون الحائط خلفه وقال بصوت مخنوق:

– لو وصلها... ياسر خلص... وكلنا خلصنا

 وهي...

لم يُكمل الجملة... نهض فجأة رغم الدم الذي يسيل من ذراعه أخرج هاتفه بيد مرتعشة

أمسك تميم يده وقال بحدة:

– هتعمل إيه؟

– هكلمها

– هتقولها إيه... إن في مافيا روسي ممكن يدور عليها 

عشان واد صرخ بإسمها في فرح في نيويورك

 هتموّتها من الرعب وهي لوحدها.

– يبقى أكلم أبويا

– أبوك هيعمل إيه في نص الليل غير إنه يقلب إسكندرية

 وأي حركة غريبة حوالين بيتكم هتبقى أكبر دليل ليهم

نظر إليه معاذ بعينين حمراوين وقال من بين أسنانه:

– أومّال أعمل إيه يا تميم... أقعد أستنى

– نفكر...نصبر دقيقتين ونفكر... إنت مش هتحميها وإنت مجنون.













جلس معاذ على الكرسي ببطء والهاتف لا يزال في يده ظل ينظر إلى شاشته المظلمة وصورتها الصغيرة في الخلفية وهي تضحك بالإسدال في الشرفه

ثم قال بصوت هادئ مخيف:

– هكلم عم سالم... أبوك

 هو الوحيد اللي يقدر يحطلها حراسة من غير ما حد يحس

 والوحيد اللي هيسكت ومش هيقلب الدنيا

نظر إليه تميم لحظة ثم أومأ برأسه... وأعطاه هاتفه هو لأنه آمن.


قبل أن يضغط معاذ زر الاتصال انفتح باب غرفة العمليات

خرج الطبيب يخلع كمامته ببطء ووقف أمام جودي التي قفزت من الأرض كأن تيارًا كهربائيًا ضربها

ساد الصمت في الممر كله... قال الطبيب بالإنجليزية وهو ينظر إلى وجوههم واحدًا بعد الآخر:

– الرصاصة خرجت... والنزيف توقف

 لكنه فقد دمًا كثيرًا جدًا... الساعات القادمة هي التي ستقرر

 إن مرت الليلة... سيبقى على قيد الحياة.


تهاوت جودي على صدر أبيها وانفجرت في بكاء لم تبكيه طوال عمرها

نظر تميم إلى معاذ... ونظر معاذ إلى الهاتف في يده

ثم ضغط زر الاتصال


في فيلا سالم الشريف كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة صباحًا حين رن هاتفه على الطاولة بجوار فنجان قهوته...

نظر إلى الشاشة فوجد إسم إبنه فَرد بهدوء:

– صباح الخير يا تميم

جاءه صوت آخر... صوت مبحوح متعب يعرفه جيدًا:

– صباح النور يا عم سالم... أنا معاذ

اعتدل سالم في مقعده في لحظة فهو يعرف أن معاذ لا يتصل به إلا إذا كانت هناك مصيبة وقال:

– قول يا ابني... إنتو كويسين؟

– تميم كويس... ياسر في العمليات وخرج منها وعايش لحد دلوقت

 أنا محتاجك في حاجة... محدش غيرك يقدر يعملها

– قول

صمت معاذ لحظة ثم قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا

– سيلا... ممكن يكون في حد من عندهم بيدور عليها

 مش عايز أبويا يعرف ولا عايزها تحس بحاجة

 بس عايز رجالة حواليها ليل ونهار يكونوا زي الهوا يا عم سالم

 محدش يشوفهم

لم يسأل سالم لماذا ولا كيف ولا من... أغلق عينيه لحظة واحدة ثم قال بصوت هادئ حاسم:

– ساعة بالكتير وهيكونوا هناك... من غير ما أبوك يعرف... ولا حتى غالية

– عم سالم...

– وإنت يا معاذ... صوتك فيه وجع... إنت متعور يابني؟

– خدش صغير في ايدي 

– الخدش الصغير مبيطلعش الصوت ده يا ابني... روح خيط إيدك

 ومراتك في رقبتي لحد ما ترجع وتاخدها من إيدي.


أغلق معاذ الهاتف وأسند رأسه إلى الحائط أغمض عينيه وللمرة الأولى منذ دوت الطلقة سمح لنفسه أن يتنفس.


بعد عشر دقائق كان يجلس على حافة فراش في غرفة الطوارئ وممرضة سمراء ممتلئة تخيط ذراعه

 وتؤنبه بالإنجليزية لأنه انتظر كل هذا الوقت بينما وقف تميم عند الباب يراقب

قال معاذ دون أن يفتح عينيه:

– لو سيلا شافت الدراع ده هتعمل فيا إيه؟

– هتخيطه تاني من غير بنج

– وهتعمل فيك إنت إيه؟

– أنا مَليش دعوة... أنا كنت لابس جرسون

ضحك معاذ ضحكة متعبة ثم صمت وقال بصوت منخفض:

– تميم... لو حصلها حاجة بسببي

– مش هيحصل... أبويا قالك في رقبته

 وأبويا عمره ما قال كلمة ورجع فيها.



في الإسكندرية كانت الشمس قد بدأت تطل من خلف البحر حين خرجت سيلا إلى الشرفة بإسدال 

في يدها كوب الشاي وهاتفها في جيبها

كانت قد نامت ساعتين فقط بعد أن أغلق معها ليلة أمس وهو في الفرح ظلت تنتظر رسالة منه تطمئنها أنه عاد إلى غرفته... ولم تأتي الرسالة

أخرجت الهاتف ونظرت إلى الشاشة للمرة العاشرة وكتبت:

– يا ميزو انت فين... الفرح خلص من ساعات

 ولا العروسة عجبتك ومش عايز ترجع

و المصحف لو عملتها هنفوخك ومش هخليك تنفع لا ليا ولا لغيري

ضحكت وحدها وأرسلت الرسالة ثم شربت رشفة من الشاي ونظرت إلى البحر.


لم تلاحظ الرجل الواقف على رصيف الكورنيش المقابل للفيلا

كان يرتدي سترة رياضية رمادية ونظارة شمسية رغم أن الشمس لم تشرق بعد يمسك هاتفه أمام وجهه كأنه يتحدث فيه

لكن الهاتف لم يكن على أذنه... كانت كاميرته موجّهة نحو البلكونة

التقط صورة... ثم صورة أخرى لوجهها وهي تبتسم للبحر

ثم أرسلهما برسالة قصيرة إلى رقم دولي... وكتب تحتهما بالإنجليزية:

– سيلا الجيزاوي... زوجة الضابط معاذ الجيزاوي

 صديق تميم الشريف... زوج شقيقة ياسر شعبان

 هل أواصل؟

في نيويورك... جاءه الرد بعد دقيقة واحدة:

– واصل... ولا تلمسها حتى أقول لك.




ماذا سيحدث يا ترى....


سنرى......


انتظروووني......


بقلمي/ فريده الحلواني

تعليقات