سوار جهنم الفصل الثالث عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
سوار جهنم الفصل الثالث عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
٠الفصل الثالث عشر
صباحك بيضحك يا قلب فريده
انا فرحانه اووووي بردود افعلكم علي اللايف...ربنا يجبركم و يفرح قلوبكم زي ما فرحتوني
بحبكم جدااااااا علي فكره
في السابعة صباحا كان فيكتور يقف أمام النافذة الزجاجية الواسعة في مكتبه يحتسي قهوته السوداء ببطء
والهاتف على أذنه يستمع إلى صوت رجله في الإسكندرية:
– الضابط معاذ الجيزاوي مختفي... وتميم الشريف كمان
توقف الفنجان في منتصف الطريق إلى فمه
– منذ متى؟
– من حوالي شهر... الاتنين اختفوا في نفس الأسبوع محدش يعرف فين
وضع فيكتور الفنجان على حافة النافذة بهدوء شديد وقال:
– ضابطان من المخابرات المصرية يختفيان
في نفس الشهر الذي يظهر فيه ابن شعبان في عائلتنا
صدفة جميلة... أليس كذلك
– تحب أعمل إيه يا سيدي؟
– لا شيء... استمر في مراقبة الزوجة... ولا تقترب منها
أغلق الهاتف ظل واقفا أمام النافذة للحظات قبل أن يطلب رقما آخر ويقول بالروسية:
– أريد كل صورة من الفرح... كاميرات الفندق التي لم تتحطم
واريد صور و معلومات عن كل نادل وفني وحارس
أريد قائمة بكل من دخل المستشفى منذ ليلة الجمعة
صمت لحظة وأضاف:
– أخبر إيفان أن العقرب يحتاج اختبارا آخر... اختبار لا يستطيع أن يكذب فيه.
في الشقة الآمنة كان معاذ يقف أمام المرآة الصغيرة في الحمام ينتزع حافة القناع السيليكوني عن ذقنه ببطء ويتألم كلما شد الجلد معه
خرج وجهه الحقيقي شاحبا متعبا وعيناه محاطتان بهالات سوداء فنظر إلى نفسه وقال لانعكاسه:
– شكلك زي الزفت يا معاذ... هتقولها إيه دلوقت
غسل وجهه بالماء البارد ومشّط شعره بأصابعه ارتدى السترة ذات الأكمام الطويلة فوق الضماد ثم جلس على حافة الفراش وفتح الكاميرا
ظهرت على الشاشة في أقل من ثانية لم تكن تبتسم هذه المرة
كانت تجلس على الأرض في غرفة نومهما الشيش مغلق خلفها وضوء المصباح الصغير على وجهها ....وجهها جاد بشكل لم يره عليه منذ زمن:
– صباح الفل يا قمري
– معاذ... أنا هسألك سؤال واحد وعايزة إجابة واحدة
من غير هزار ومن غير إضاءة ومن غير وحشتيني
انا هتجن من امبارح لدرجة إني بكلم الحيطة
ابتلع ريقه وقال:
– اسألي
– بياعين الخضار اللي تحت البيت دول
بقالهم يومين واقفين ومبيبيعوش لحد
الست أم صابر عدت عليهم امبارح وطلبت كيلو طماطم قالولها خلصت والقفص مليان قدامهم
والراجل اللي قاعد على القهوة بيقرا نفس الجورنال
من تلات أيام... أنا شايفه نفس الصفحه مش بتتغير يا معاذ
صمت ولم يجد ما يقوله فأكملت بصوت أهدأ:
– ولما كنت بزعق للراجل اللي على الكورنيش
هما اتحركوا قبل ما أنا أخلص كلامي
كأنهم كانوا مستنيين... دول مين يا معاذ؟
نظر إليها للحظات عبر الشاشة ثم أغمض عينيه لحظة وقال بصوت خافت:
– دول رجالة عمو سالم
اتسعت عيناها قليلا لكنها لم تتكلم فأكمل:
– في ناس يا سيلا... ناس ولاد ستين كلب
ممكن يحاولوا يئذوكي عشان يوصلولي
مش هقدر أقولك مين ولا ليه ولا إحنا فين
بس قسمًا بالله ما هسيب حد يقربلك
والرجالة اللي تحت دول مش هيتحركوا من مكانهم غير لما أرجع
ظلت صامتة لحظات تنظر إليه حتى ظن أن الخط انقطع ثم رأى عينيها تمتلئان ببطء لكنها لم تبكي
مدت يدها ولمست الشاشة كأنها تلمس وجهه وقالت:
– إنت متعور؟
– لأ
– معاذ... إنت لابس جاكيت بكم طويل وإنت عمرك
ما بتلبس كم طويل غير في الشتا
وإيدك الشمال مبتتحركش من ساعة ما فتحت
ضحك ضحكة مهمومة وقال:
– إنتي ليه مبتعرفيش تبقي غبية زي باقي الستات
– عشان اتجوزت ظابط مخابرات يا حبيبي... العدوى بقى
صمتت لحظة وقالت بصوت مرتجف:
– وريني دراعك
تردد لحظة ثم رفع الكم ببطء فظهر الضماد الأبيض الطويل من المرفق إلى المعصم
وضعت يدها على فمها كتمت شهقتها ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتا:
– هو اللي عمل كده... مات؟
– لأ... هرب مناخير مكسوره
– يبقى مخدتش حقك
مسحت عينيها بظهر يدها وقالت بعناد مفاجئ:
– اسمع يا معاذ... أنا مش هعيط ومش هخاف ومش هنزل من البيت
وهقفل الشيش وهعمل نفسي مش شايفة الرجالة اللي تحت
بس بشرط
– قولي
– ترجعلي... ترجعلي سليم وتسيبني أبوس كل غرزة في الدراع ده بنفسي
– دول أربعتاشر غرزة!
– هبوسهم أربعتاشر مرة... وكل مرة هتقولي بحبك
ضحك من قلبه رغم كل شيء وقال بصوت أجش:
– وأنا هرد عليكي أربعتاشر مرة بطريقتي
ومش هسيبك تنامي يا سيلا لحد ما أخلص العد
احمر وجهها وضحكت ودموعها على خديها ثم قالت بهمس :
- قليل الأدب
- وانتي بتحبي قلة أدبي
- بموت فيها... إرجع بقى
أغلق الهاتف ووضعه على الفراش بجواره ظل ينظر إلى السقف بعينين مفتوحتين
ثم أمسك القناع السيليكوني الملقى على الطاولة قلبه بين يديه وقال لنفسه:
– أربعتاشر غرزة... وأربعتاشر يوم للشحنة... حلوة الأرقام دي
في الظهيرة كان تميم يقف في الشرفة الصغيرة يدخن سيجارة لم يكن يدخن قبل هذه الرحلة حين اهتز هاتفه برقم سما:
رد بسرعة فجاءه صوتها حادًا على غير عادتها:
– تميم... أنا عايزة أكلم ياسر
تجمد في مكانه أطفأ السيجارة على السور وقال بهدوء:
– صباح الخير يا حبيبي الأول
– صباح النور... عايزة أكلم ياسر النهارده مش بكرة ولا بعده
– سما...
– متقوليش سما بالطريقة دي... أنا عارفة الطريقة دي
دي الطريقة اللي بتقولها لما بتبقى عايز تهديني عشان مسألش
أنا بقالي يومين بحلم بيه... وعدي وشه بيتغير كل ما أجيب سيرته
وضي بتعيط في الحمام وفاكرة إني مش سامعاها
وأبوك... أبوك بيكلم ناس في التليفون بصوت واطي
من يومين ويقفل أول ما أدخل الأوضة
ماما سمر بقى مش بتعمل حاجة غير انها تصلي أو تقعد في حضن ابوك
وهيا مش بتوصل للحاله دي غير لما تكون عارفه ان في خطر
فيه إيه يا تميم؟
أسند تميم جبهته إلى الحائط البارد وأغمض عينيه
كان يمكنه أن يكذب كما كذب قبل يومين... لكنه شعر أن الكذبة هذه المرة ستنكسر في يده
قال بصوت خافت:
– ياسر كويس يا سما
– كويس إزاي
– كويس... بس اتعور
سمع شهقتها الحادة على الطرف الآخر فأسرع يقول:
– اتعور في كتفه... والدكاترة خيطوه... وهو صاحي وبيتكلم وبيهزر
وأنا كنت جنبه من أول لحظة لحد دلوقت... وشايله بإيدي
– اتعور إزاي... إزاي يا تميم؟
– مقدرش أقول
صمتت طويلا ثم سمع صوتها يتكسر وهي تقول:
– قميصه كان أحمر في الحلم... صح؟
لم يرد... ولم تكن تحتاج إلى رد قالت بعد لحظة بصوت مبحوح:
– عايزة أسمع صوته... دقيقة واحدة بس
– مش هينفع دلوقت يا حبيبي... في ناس حواليه مينفعش يسمعوا
بس أوعدك... أول ما يبقى لوحده هخليه يكلمك بنفسه
ويقولك متقعديش على السلم تاني
ضحكت ضحكة مبللة بالدموع وقالت
– هو قالها بجد قبل كده... ولا إنت اللي ألفتها
– هو قالها... وأنا حفظتها
– تميم
– قلب تميم
– رجعهولي... وارجعلي معاه
– أنا وعدتك... والوعد عندي دين
سما.....انا بعشقك و ترجع بس عشان حضنك وحشني.
في الثانية ظهرا دخل فهد غرفة ياسر في المستشفى في يده كيس ضخم من مطعم شاورما وابتسامة واسعة تملأ وجهه
نظر إليه الحارسان الروسيان عند الباب بشك فرفع الكيس في وجهيهما وقال بإنجليزية مكسرة:
– فود... فور ذا هيرو... إنتو عايزين... نو... أوكي
ودخل قبل أن يردا
كان ياسر جالسا على الفراش ظهره إلى الوسائد وجهه شاحب ينظر إلى النافذة لم يلتفت حين دخل فهد
وضع فهد الكيس على الطاولة وجلس على المقعد أخرج شطيرة وبدأ يأكلها ثم قال بفم ممتلئ:
– على فكرة أختي بتكرهك
لم يتحرك ياسر
– ومش بتاكل... ومش بتتكلم... وقاعدة في أوضتها
من امبارح بتعيط ومحدش عارف ليه
أسر عايز يكسر دماغك... وأنا قولتله استنى لما أفهم الأول فأنا جيت أفهم
التفت إليه ياسر أخيرا وقال بصوت مبحوح:
– هي سمعت
– سمعت إيه؟
أشار ياسر برأسه نحو الباب حيث الحارسان ثم خفض صوته وقال:
– امبارح... فيكتور كان هنا... وأنا قولت كلام... لازم كنت أقوله
وهي كانت ورا الباب
توقف فهد عن المضغ نظر إليه ثم إلى الباب ثم عاد ينظر إليه وقال ببطء:
– إنت قولت عليها حاجة وحشة قدام الراجل ده عشان تحميها صح؟
– آه
– وهي سمعت الجزء الوحش بس؟
– آه
وضع فهد الشطيرة على الكيس ببطء وقال بجدية نادرة:
– يا عم ده إنت غلبان أكتر مني
أخرج من جيبه منديلا ورقيا من مطعم الشاورما وقلما مدهما إليه وقال:
– اكتبلها... وأنا هوصلها... محدش بيفتش واحد شايل منديل شاورما
نظر إليه ياسر لحظة ثم أخذ القلم بيده السليمة وكتب ببطء وأصابعه ترتجف:
– اللي سمعتيه كان لحد غيرك
أنا مبتسلاش يا سيلا... أنا اتسرقت
الولاعة ممكن تكدب... أنا لأ
طوى المنديل وأعطاه لفهد فدسه في جيب قميصه وقف وأخذ الكيس ثم قال:
– على فكرة... الشاورما دي كانت ليك
بس إنت زعلان ومش هتاكل وأنا متوتر وبجوع لما بتوتر
فأنا هاخدها معايا
ضحك ياسر رغما عنه للمرة الأولى منذ استيقظ وقال:
– فهد
– نعم
– شكرا
– متشكرنيش... لو أختي زعلت تاني بسببك أنا اللي هكسر دماغك مش أسر.
في الخامسة عصرا جلست جودي على أرض غرفتها في يدها منديل ورقي عليه بقعة زيت وثلاثة أسطر بخط مرتعش
قرأتها مرة... ومرتين... وعشر مرات
ثم ضمت المنديل إلى صدرها وبكت... لكنها هذه المرة لم تكن تعرف إن كانت تبكي من الوجع أم من شيء آخر يشبه الأمل
بعد ساعة طرقت باب مكتب أبيها دخلت دون أن تنتظر كعادتها جلست على ذراع كرسيه
وضعت المنديل أمامه على المكتب
قرأه سفيان ببطء ثم رفع عينيه إليها فقالت بصوت خافت:
– بابا... لو حد قال عليك كلام وحش قدام ناس وحشة... عشان يحميك
تزعل منه؟
خلع سفيان نظارته ووضعها على المكتب وقال بهدوء:
– مامتك مرة قالت قدام ناس كتير في حفلة إنها اتجوزتني عشان فلوسي
كان في راجل في الحفلة دي عايز يئذيني... وكان فاكر إنه لو وصلها هيوصلي
فهي عملت نفسها ست طماعة ومش فارق معاها غير الفلوس
الراجل صدق... وبعد عنها
ابتسم ابتسامة حزينة وأكمل:
– وأنا زعلت منها أسبوع ... لحد ما فهمت
بعدها فضلت طول عمري أحبها أكتر بسبب الموقف ده بالذات
نظرت إليه جودي ودموعها تهبط ثم ألقت بنفسها في حضنه فضمها وقبل رأسها
قالت بحزن من بين دموعها المنهمره :
- انا مصدقتش اللي سمعته يا بابا بس اتوجعت مش عارفه ليه
يمكن عشان أنا طول عمري عايشه في حياه وردية
كل حاجه متاحه ليا...مش بحتاج أفكر في أي حاجة
افكر ليه وحضرتك موجود
وأصلا عمري ما اتعرضت لأي موقف صعب عشان افكر
شهقت بحزن ثم أكملت :
- بس لما سمعت الكلام امبارح قلبي قالي أنه كدب
بس زعلت حبه و فضلت مستنيه اسمع منه
لحد ما بعتلي مع فهد فرحت وصدقت أن احساس قلبي كان صح
ربت علي ظهرها وقال بحنان:
- طبيعي تتلغبطي يا حبيبتي لأن الموقف أكبر منك
حل الصمت للحظات ثم رن هاتفه على المكتب... منصور
نظر سفيان إلى الاسم ثم رد بصوت هادئ:
– أيوه يا منصور؟
جاءه صوت أخيه دافئا على غير العادة:
– إزيك يا حبيبي... وإزيّ جودي... أنا عارف إن الأيام دي صعبة عليك
عايزك تيجي تتغدى عندي يوم الجمعة إنت والولاد... نقعد مع بعض زي زمان
من غير ناس ولا شغل
صمت سفيان لحظة نظر إلى ابنته في حضنه ثم قال:
– إن شاء الله يا منصور
أغلق الهاتف ظل ينظر إليه في يده بعينين باردتين وقال لنفسه بصوت لم تسمعه جودي:
– يوم الجمعة تاني... إنت دايما بتحب يوم الجمعة يا منصور.
في السابعة مساء كانت طاولة الشقة الآمنة مغطاة بصور الميناء وأوراق شحن وخريطة كبيرة للساحل الشرقي
قال أسر وهو يضع ورقة أمامهم:
– دي من أرشيف شركة بابا... محدش يعرف إني أخدتها
جدول السفن اللي متسجلة بإسم الشركة الأسبوعين الجايين
كله شحنات عادية إلا دي
أشار إلى سطر واحد في منتصف الصفحة:
سفينة اسمها نجمة الشمال قادمة من ميناء في
البحر الأسود وتصل بعد ثلاثة عشر يومًا
قال معاذ وهو يقرأ:
– حمولتها مكتوبة ماكينات زراعية... تلاتين حاوية
الأولى كانت قطع غيار عربيات في حاويتين بس
– إيفان قال عشر أضعاف... تلاتين حاوية
وضع تميم إصبعه على اسم السفينة ثم رفع عينيه إلى راغب وقال:
– عم راغب... الراجل بتاعك في موسكو قالك حاجة تانية؟
نفث راغب دخان سيجارته ببطء وقال:
– كلمني الفجر... جال إن سوكولوف مش هيبعت الشحنة ديه زي أي شحنة
هيبعت معاها حد من دمه... ابن أخوه
عشان يتأكد إن إيفان مش بيسرج منه
صمت لحظة وأضاف:
– الولد ديه شافني جبل أكده مرتين في موسكو
نظر الجميع اليه بصمت فقال معاذ بهدوء:
– يعني يوم الشحنة... إنت مش هينفع تكون قريب
– ولا ياسر ينفع يكدب جدامه كيف ما بيكدب جدام إيفان
الولد ديه دماغه سم وعينه بطلجط الكدب من على بعد أميال
لو ياسر غلط في حركة واحدة... هيعرف
ساد صمت ثقيل في الصالة ثم قال تميم وهو يطوي الخريطة
– يبقى قدامنا تلاتاشر يوم نعلّم ياسر يبقى احسن من الدبابه كمان
و في حاجة كمان مهمة
– إيه؟
– فيكتور... من الصبح رجالته بيلفوا على كل فنادق
ومستشفيات المنطقة يسألوا عن الشغالين اللي كانوا في الفرح
لو مش القناع... كان زمانه شايف وشوشنا دلوقت
لمس معاذ القناع الملقى على الأريكة بأطراف أصابعه وقال:
– الحمد لله إننا عاملين حسابنا و سابقيهم بخطوة.
في التاسعة مساء كان منصور يجلس في سيارته المركونة في شارع جانبي ضيق في بروكلين أمام محل صغير لافتته مكتوبة بالعربية والإنجليزية... خدمات قانونية وتوثيق
خرج من المحل رجل نحيل في الستين بنظارة سميكة يرتدي جلباب أبيض تحت معطف قديم ركب السيارة بجواره وضع على ركبتيه حقيبة جلدية متهالكة
قال الرجل بصوت هادئ:
– الورق جاهز يا منصور بيه... عقد زواج شرعي بإمضة الوكيل وشاهدين ناقص بس إمضة الوكيل
أخرج منصور من جيبه قلما فضيا ووضع العقد على فخذه نظر إلى الخانة الفارغة تحت كلمة الولي
ظل ينظر إليها لحظات ويده لا تتحرك
قال المأذون بملل:
– أخوك مش هيعرف يا بيه... العقد ده هيتسجل
هنا وفي القنصلية ومحدش بيسأل
والبنت مش لازم تمضي... الولي بيمضي عنها
رفع منصور عينيه إليه وقال بصوت مخنوق
– أنا كنت بمضي واجباته في المدرسة... كان بيسيبني
أمضي بداله عشان كان بيحب يلعب كورة
وكان بيقولي إمضتك أحلى من إمضتي يا منصور
أنزل القلم على الورقة ووقع اسم أخيه بخط مطابق تماما... سفيان الجبري
دفع العقد إلى المأذون وأشاح بوجهه نحو النافذة وقال:
– خده وامشي
نزل الرجل من السيارة واختفى في الظلام بينما ظل منصور جالسًا مكانه يحدق في الشارع الفارغ ثم أخرج هاتفه وكتب رسالة لرقم خاص:
– الورقة جاهزة... رجّعلي ابني
لم يأته رد.
في غرفة صغيرة بلا نوافذ في قبو مكان لا يعرفه كان حبيب يجلس على الأرض مستندا إلى الحائط الإسمنتي البارد وقد نبتت لحيته وتورمت عيناه ويداه مقيدتان أمامه بقيد بلاستيكي
انفتح الباب الحديدي دخل ضوء أصفر حاد جعله يغمض عينيه ثم رأى العصا السوداء برأسها الفضي تقترب ببطء
جلس إيفان على مقعد وضعه له أحد رجاله أخرج من جيبه تفاحة وسكينه الصغير بدأ يقشرها في صمت
قال حبيب بصوت مبحوح مكسور:
– أنا عايز ارجع لأبويا وأكيد هيعمل أي حاجة تطلبها
لم يرفع إيفان عينيه عن التفاحة وقال:
– أبوك كتب ورقة تجعلك زوجًا لابنة سفيان... والزوج يملك نصف ما تملكه زوجته
أتعرف ماذا سيحدث بعد ذلك يا ابن منصور؟
هز حبيب رأسه بالنفي فقطع إيفان قطعة صغيرة من التفاحة مدها إليه على طرف السكين وقال:
– ستوقع لي على أسهم الشركة كلها... ثم تعود إلى أبيك
وتعيش حياتك... وتنسى أنك تزوجت أصلا
أخذ حبيب قطعة التفاحة بيدين مقيدتين ونظر إليها ثم قال بصوت مرتجف:
– وجودي؟
– جودي لم تعد مهمة... أنت لم تعد مهما... أبوك لم يعد مهما
المهم الآن هو الشحنة... وبعد الشحنة لن يحتاج أحد منا إلى ميناء سفيان مرة أخرى
نهض متكئا على عصاه نظر إليه من فوق وقال بهدوء:
– كل التفاحة يا حبيب... قد تكون آخر شيء حلو تأكله في هذه الغرفة
خرج... أغلق الباب الحديدي وعاد الظلام مرة اخرى.
في العاشرة مساء دخل فيكتور غرفة ياسر ومعه رجل ضخم يحمل مقعدا وضعه بجوار الفراش ثم خرج وأغلق الباب
جلس فيكتور وأخرج من جيبه هاتفا أسود صغيرًا لا يشبه هاتفه المعتاد وضعه على الملاءة بجوار يد ياسر
نظر ياسر إلى الهاتف ثم إليه وقال؟
– إيه ده؟
– هاتف نظيف... لا يمكن تتبعه
وفيه رقم واحد فقط
مال نحوه وابتسم ابتسامته الباردة وقال:
– رقم سيلا الجيزاوي
تجمد الدم في عروق ياسر لكن وجهه لم يتغير
أكمل فيكتور بهدوء:
– أنت قولت إنها حكاية قديمة... وإنك لا تريد الحديث عنها
وأنا أحترم ذلك جدًا يا عقرب
لكن إيفان رجل عجوز... لا يحب الحكايات التي لا يسمعها بأذنيه
– عايز إيه بالظبط؟
– أريدك أن تتصل بها... الآن... أمامي
تقول لها إنك هنا... وإنك ما زلت تفكر فيها
وإنك ستعود من أجلها
ثم صمت لحظة وأضاف وعيناه تلمعان:
– أريد أن أسمع صوتها حين تسمع صوتك
نظر ياسر إلى الهاتف الأسود على الملاءة
كان يعرف أن سيلا الجيزاوي لم تسمع صوته في حياتها إلا مرة واحدة... وأنها لا تعرف عنه شيئا إلا أنه أخو سما الذي سافر وانقطعت أخباره
كان يعرف أنها إذا قالت كلمة واحدة خطأ... إذا قالت إنت مين
إذا ضحكت... إذا أغلقت الخط في وجهه
فسيكون هو وتميم ومعاذ وسما وضي وكل من يحبهم... في قبر واحد
مد يده السليمة ببطء وأمسك الهاتف شعر بعيني فيكتور تلتصقان بوجهه
ضغط على الرقم الوحيد
وضع الهاتف على أذنه... سمع الرنين الأول في الإسكندرية.
ماذا سيحدث ياترى......
سنرى......
انتظرووني.....
بقلمي/ فريده الحلواني
