📁 آخر الأخبار

سوار جهنم الفصل الرابع عشر بقلم فريده الحلواني

 سوار جهنم الفصل الرابع عشر بقلم فريده الحلواني 

سوار جهنم الفصل الرابع عشر بقلم فريده الحلواني

سوار جهنم الفصل الرابع عشر بقلم فريده الحلواني 


روايه سوار جهنم 
الفصل الرابع عشر 
فريده الحلواني 

صباحك بيضحك يا قلب فريده 


كله بيعدي... الليل بييجي وبعده نهار لازم الشمس تطلع
اعتبري أوقات حزنك زي الليل أكيد هتعدي وهتطلع الشمس تنور حياتك من جديد
اوعي تقفي وتقولي اتوجعت خليكي أقوى من الوجع لأنك فعلًا قوية... أنا واثقة فيكي 
وبحبك 






رن الهاتف في الإسكندرية مرة... واثنتين... وثلاثا
كانت الساعة الخامسة فجرًا كانت سيلا قد انتهت للتو من صلاة الفجر ولا تزال جالسة على سجادتها في ركن الغرفة والمسبحة بين أصابعها حين اهتز الهاتف على الكومود برقم طويل غريب يبدأ بمفتاح لم تره من قبل
نظرت إليه لحظات وقلبها يدق بعنف
معاذ لا يتصل إلا عبر الكاميرا... معاذ لا يتصل في الفجر... معاذ لا يملك هذا الرقم
مدت يدها ببطء وضغطت زر الرد وضعت الهاتف على أذنها دون أن تتفوه بحرف واحد
جاءها صوت رجل مبحوح متعب:
– سيلا...
لم ترد فأكمل الصوت ببطء:
– أنا ياسر
توقفت المسبحة بين أصابعها
ياسر... ياسر أخو سما... الولد اللي شغال مع جوزي ....اللي أهله اتقبض عليهم وبعدها سافر وانقطعت أخباره وسما فضلت تعيط عليه شهور
ياسر ده عمره ما كلمها... ولا يعرف رقمها... ولا عنده سبب يتصل بيها الفجر من بلد غريبة
وفي اللحظة دي بالذات... في الشهر اللي جوزها غايب فيه في شغل مبيتكلمش عنه... وفي الأسبوع اللي ظهرت فيه رجالة عمو سالم تحت البيت
هكذا كانت تفكر سريعًا وتلك الكلمات تدور داخل عقلها 
تذكرت صوت معاذ وهو يقول:
- ناس ممكن يحاولوا يئذوكي عشان يوصلولي
فهمت سيلا في ثانية واحدة أن هناك أُذنا ثالثة على هذا الخط

قال ياسر بصوت أهدأ وكأنه يمد لها حبلا في الظلام:
– أنا عارف إنك مش مصدقة إني بتصل بعد كل السنين دي
 وعارف إني مشيت من غير ما أقولك ولا كلمة
 بس أنا لسه بفكر فيكي يا سيلا... كل يوم

أغمضت عينيها وشدت المسبحة في قبضتها حتى آلمتها حباتها ثم خرج صوتها باردًا كالثلج على غير ما تعرفه هي عن نفسها:
– إنت ليك عين تتصل
صمت على الطرف الآخر فأكملت وصوتها يرتفع شيئا فشيئا:
– بعد كل ده يا ياسر... بعد ما سبتني واقفة زي الهبلة مستنياك
 وكل الناس بتسألني راح فين ومش عارفة أرد
 جاي دلوقت تقولي لسه بفكر فيكي.
– سيلا اسمعيني
– لأ إنت اللي هتسمعني...أنا اتجوزت يا ياسر
اتجوزت راجل لما بيقول هرجع... بيرجع
فاهم... بيرجع.


في نيويورك كان فيكتور يميل إلى الأمام ببطء وعيناه مثبتتان على وجه ياسر كأنه يقرأ كل خلجة فيه
رأى ياسر يغمض عينيه ويبتلع ريقه بصعوبة وتنقبض أصابعه على الملاءة... لم يكن ياسر يُمثل في تلك اللحظة تماما
كان يسمع امرأة شجاعة في آخر الدنيا تمسك حياته وحياة أخته بين أسنانها دون أن تعرف من يسمعها...قال بصوت حزين :
– أنا هرجع عشانك
جاءه صوتها حادا كالسكين:
– لو رجعت... متعديش من شارعي ساااامع
وانقطع الخط.

في غرفة النوم بالإسكندرية سقط الهاتف من يد سيلا على السجادة
ظلت جالسة مكانها لحظات تُحدق في الحائط ثم بدأ جسدها كله يرتجف دفعة واحدة كأن البرد هجم عليها من كل الجهات
وضعت يديها على وجهها وبكت بصمت حتى لا يسمعها أحد
أما في غرفة المستشفى أخذ فيكتور الهاتف الأسود من يد ياسر بهدوء وقلبه بين أصابعه وقال بإعجاب حقيقي:
– امرأة غاضبة... النساء الغاضبات لا يكذبن أبدا يا عقرب
لم يرُد ياسر... كان ينظر إلى النافذة وفكه مشدود فقال فيكتور بنبرة ناعمة:
– هل تعرف بمن تزوجت؟
– معرفش... مش عايز اسمع سيرته
– أنا أعرف
 ابتسم ببطء وأكمل:
– تزوجت رجلا اسمه معاذ الجيزاوي... ضابط مخابرات
 رجالي يقولون إنه رجل لا يُرى كثيرا في شارعه... وإن زوجته تعيش 
مع عائلته وأمها المتزوجة من أبيه

لم يتغير وجه ياسر لكنه أدار عينيه نحو فيكتور ببطء شديد وفي عينيه شيء أسود لم يكن مضطرًا لتمثيله وقال:
–انت بتقولي كل ده ليييييه ...مانت عارف إني أعرفه
ولا هو حرق دم و خلاص 
 الراجل ده هو اللي خدها مني
 هو السبب إني سبت مصر ومشيت
 ضحك ضحكة قصيرة مريرة وأكمل بسخرية:
– مش بيبات في بيته كمان... يبقى لا عرف ياخدها ولا عرف يحافظ عليها

رفع فيكتور حاجبه وقال بهدوء:
– الرجال الذين يسرقون نساء غيرهم يا عقرب... نادرًا ما يحتفظون بهن
 وربما يومًا ما يعود ليجدك أنت عند بابها
اعتدل ياسر في جلسته رغم الألم الذي شق كتفه وقال بصوت منخفض:
– ساعتها مش هيبقى في حد على الباب غيري
 وهو... مش هيحتاج حد يدورله على قبر
ظل فيكتور ينظر إليه للحظات ثم نهض ودس الهاتف في جيبه قال وهو يتجه إلى الباب:
– نم جيدًا يا عقرب... الأيام القادمة طويلة.
في الممر خارج الغرفة أخرج هاتفه المعتاد وقال بالروسية لرجله في الإسكندرية:
– ضاعف المراقبة على الزوجة... أريد أن أعرف كل شيء عن زوجها
 أين هو ولماذا اختفى كل تلك المدة؟
 صمت لحظة ثم أضاف:
– إما أن العقرب صادق... وإما أن هذه المرأة تعرف شيئا لا نعرفه
 في الحالتين... الزوجة هي الطريق.


في قصر إيفان على أطراف المدينة كانت المدفأة الحجرية الضخمة تشتعل رغم أن الليل لم يكن باردا
جلس العجوز في مقعده الجلدي العريض وعصاه السوداء مستندة إلى ركبته يستمع إلى فيكتور دون أن يقاطعه
حين انتهى فيكتور ظل إيفان صامتًا يحدق في النار للحظات ثم قال بصوت خشن:
– امرأة غضبت... ورجل جُرح... وزوج لا يراه أحد
هذه حكاية جميلة يا فيكتور... جميلة أكثر من اللازم
– أنت لا تصدقها؟
– أنا لا أصدق شيئًا منذ ستين عامًا... ولهذا ما زلت حيًا
قلب جمرة صغيرة بطرف عصاه الفضي وأكمل:
– الرجل الذي يحب امرأة سُرقت منه لا يتحدث عنها هكذا أمام الغرباء
يتحدث عنها بغضب نعم... لكن الغضب له رائحة
وأنا لم أشم رائحته بعد.
– ماذا تريد إذن؟
– أريد أن أرى هذا الزوج الذي لا يراه أحد
وأريد أن يقف العقرب أمام ديمتري حين تصل الشحنة
إذا كان صادقًا فلن يخاف من عيني ابن سوكولوف
وإذا كان كاذبًا... فديمتري سيوفر علينا الرصاص
ثم ابتسم ابتسامة صفراء وأضاف:
– أخبر منصور أن إبنه بخير... الرجل الذي يزوّر
 توقيع أخيه يستحق قليلا من الأمل قبل أن يفقد كل شيء.



في الشقة الآمنة استيقظ معاذ على اهتزاز الهاتف تحت وسادته
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل والشقة غارقة في الظلام إلا من ضوء الشارع المتسلل من الستارة
فتح الكاميرا فظهر وجهها... عيناها منتفختان وأنفها أحمر وشعرها مشعث على كتفيها
اعتدل في جلسته بسرعة وقال بقلق:
– سيلا... مالك... حد قربلك؟
– لأ... محدش قربلي
 مسحت أنفها بطرف كم الإسدال وقالت بصوت مبحوح:
– ياسر اتصل بيا
تجمد معاذ مكانه وقال ببطء:
– ياسر مين؟
– ياسر أخو سما... من رقم برا مصر... الساعة خمسة الفجر
 وقالي إنه لسه بيفكر فيا... وإنه مشي من غير ما يقولي
 وإنه هيرجع عشاني
 نظرت إليه نظرة مليئة بالحزن ثم أكملت بهدوء:
– أنا عمري ما شوفته يا معاذ... فعرفت إن في حد تاني بيسمع

لم يتنفس معاذ وهو يسألها بل كان قلبه يدق بعنف: 
– إنتي قولتيله إيه؟
– زعقتله... وقولتله إنه ليه عين يتصل وإني اتجوزت
 اتجوزت راجل لما بيقول هرجع بيرجع
 وقولتله لو رجعت متعديش من شارعي وقفلت في وشه
ثم انكسر صوتها فجأة وقالت:
– أنا عملت الصح يا معاذ... ولا وديته في داهية؟

ظل معاذ ينظر إليها عبر الشاشة دون أن ينطق
كان يعرف أن تلك المكالمة كانت اختبارًا... كان يعرف أن حياة ياسر كانت مُعلقة في كلمة واحدة
 من امرأة لا يعرفها
كان يعرف أن هذه المرأة... حبيبته وزوجته
وقد ساعدته في إنقاذ حياته وحياة الآخرين دون أن تعلم شيئًا مما يحدث هناك 
قال بصوت خرج منه مختنقًا:
– إنتي عملتي أحسن من أي ظابط أنا اشتغلت معاه في حياتي
– بجد؟!
– بجد يا قمري... إنتي أنقذتي حياة ناس كتير النهارده وإنتي مش عارفة
 هطلت دموعها من جديد لكنها كانت تبتسم هذه المرة فقال بنبرة مختلفة وحاجباه ينعقدان:
– بس استني هنا... هو قالك لسه بيفكر فيكي كل يوم؟
– آه
– والكلمة دي طلعت من بقه بالراحة كده ولا بالعافية
ضحكت وسط دموعها وقالت:
– معاذ... إنت بتغير من مكالمة فيك ؟!
– أنا بغير من الهوا اللي بيعدي جنبك يا سيلا
 واحد يكلمك الفجر ويقولك بفكر فيكي... حتى لو بيمثل
 أنا هكسرله دراعه التاني لما أشوفه.
لا ده أنا هنفخ امه ابن الكلب ده 
– ده متعور يا معاذ
– ما هو عشان كده هبدأ بالسليم.

ضحكت ضحكة حقيقية هذه المرة وأسندت الهاتف على الوسادة استلقت بجواره فصار وجهها قريبا من الشاشة حتى كاد يرى أنفاسها
قالت بهمس:
– بس أنا قولت حاجه مكدبتش فيها و لا كنت بمثل:
– إيه هي يا حبيبي؟
– إني اتجوزت راجل لما بيقول هرجع بيرجع
 فإوعى تخليني كدابة يا معاذ
مد إصبعه ولمس الشاشة عند خدها وقال بصوت منخفض:
– مش هخليكي كدابة أبدًا
 نامي دلوقت وأنا هفضل صاحي لحد ما عينك تقفل
– مش هقدر أنام وإنت بتبُصلي كده
– يبقى غمضي عينك وتخيّلي إني جنبك
 ودراعي حواليكي... السليم يعني
– والتاني؟
– التاني محجوز للأربعتاشر بوسة
احمرّ وجهها دفنت نصفه في الوسادة وقالت بصوت مكتوم:
– قليل الأدب
– قولتيها امبارح... ابتكري يا سيلا
ظل ينظر إليها حتى انتظم تنفسها غفت وشفتاها مفتوحتان قليلا كالأطفال
لم يغلق الهاتف إلا حين تأكد أنها نامت فتنهد بعشق و خوف لم يجربه قبل الأن
أما عن غيرته المُشتلعة داخل صدره كانت لها قصة أخرى. 


في الخارج ...كانت الصالة ممتلئة بدخان سجائر راغب ووجوه ساهرة
قال تميم وهو يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا:
– فيكتور ربط سيلا بياسر... وده معناه إنه مش هيسيبها
 لو رجالته فضلوا يسألوا عن جوزها هيلاقوا إيه؟
– هيلاقوا اللي إحنا عايزينه يلاقيه
هو عارف إني ظابط مخابرات بس أنا أوراقي 
كلها متسجلة في الدولة إني موظف في بنك 
 قالها معاذ بهدوء وهو يحدق في الخريطة ثم أضاف
– ياسر قاله إني السبب إنه ساب مصر
يعني دلوقت قدم فيكتور العقرب عنده تار مع جوز سيلا
 و الراجل اللي عنده تار مع واحد... عمره ما يشتغل معاه
رفع راغب عينيه إليه ببطء وقال:
– الواد ديه دماغه شغالة أحسن من دماغنا كلنا
 بس فيكتور مش هيصدج الحكاية للآخر غير لما يشوفها بعينه
– يعني إيه يا عم راغب؟
– يعني ممكن يجيب مرتك لحد إهنه عشان يشوف التار ديه بعينه
ساد صمت مخيف ثم قال معاذ بصوت لم يسمعوه منه من قبل:
– يجرب
أخرج هاتفه وطلب رقم سالم في القاهرة .


بعد أن انفضّ الاجتماع وأوى راغب وأسر إلى غرفتيهما خرج تميم إلى الشرفة الصغيرة فوجد معاذ هناك يقف في الظلام مستندا إلى السور في يده القناع السيليكوني يقلّبه بين أصابعه
وقف تميم بجواره دون أن يتحدث أشعل سيجارة فنظر إليه معاذ بطرف عينه وقال:
– إنت من إمتى بتشرب سجاير كتير كده يا تميم؟
– من ساعة ما شيلت ياسر وقميصه بيغرق إيدي
نفث الدخان ببطء وأكمل بصوت منخفض:
– سما حلمت بيه بالقميص الأحمر قبل ما يحصل حاجة يا معاذ
أنا مش بخاف من إيفان ولا من فيكتور ولا من الشحنة
أنا بخاف من الأحلام دي
صمت معاذ لحظة ثم قال:
– وأنا بخاف من حاجة أكبر
– إيه؟
– إن سيلا تبقى أشجع مني
النهارده وقفت قدام صوت غريب الفجر ولعبت دور مكتوبلها... في ثانية
من غير ما تسأل ومن غير ما تعيط غير لما قفلت
ضحك ضحكة قصيرة وأكمل:
– لما سألتها خايفة... قالتلي اوعى تخليني كدابة
ابتسم تميم في الظلام ورمى السيجارة من فوق السور وقال:
– إحنا اتجوزنا ستات أقوى مننا يا صاحبي
– عشان كده لازم نرجعلهم... الستات دي متستاهلش تبقى أرامل
وضع تميم يده على كتف معاذ السليم وضغط عليه بقوة... ولم يقل شيئا آخر
وقف الاثنان في الشرفة وكلًا منهم يحلم بالعودة إلى صغيرته.


في الثالثة فجرًا دخل مُمرض نحيل بنظارة طبية وكمامة زرقاء وشعر أشقر قصير غرفة ياسر يدفع عربة صغيرة عليها أدوية وضمادات
لم يرفع الحارسان الروسيان عينيهما عن هاتفيهما فقد دخل قبله ثلاثة ممرضين منذ المساء
اقترب المُمرض من الفراش وبدأ يغير المحلول ثم قال بصوت خافت دون أن يحرك رأسه:
– الكلام اللي قولته لفيكتور عن سيلا... أحسن كدبة سمعتها في حياتي
فتح ياسر عينيه نصف فتحة وقال بهمس:
– تميم؟
– هُس... أنا اسمي جوزيف من الفلبين
 القناع ده خانقني فخلّص بسرعة
 دس شيئًا صغيرًا في كف ياسر السليمة وأغلق أصابعه عليه وقال:
– سماعة... حطها في ودنك بالليل بس
 من بكرة عم راغب هيعلمك كل حاجة عن واد اسمه ديمتري سوكولوف
 ابن أخو الراجل الكبير اللي جاي مع الشحنة
 ده بيعرف الكدب من رمشة العين يا ياسر... فمن النهارده إنت مبترمش
 أخرج من جيب الزي الأزرق هاتفا صغيرا آخر وقال:
– دي دقيقة واحدة... وعدت أختك بيها
نظر ياسر إلى الهاتف ثم إلى عيني تميم فوق الكمامة فقال تميم بصوت أخفض:
– هي على الخط من ساعتين ومستنية
وضع ياسر الهاتف على أذنه فسمع صوت تنفس سريع ثم صوتها:
– ياسر
أغمض عينيه حينما سمع صوتها... صوت الطفلة الصغيرة التي كانت تجلس فوق
الدَرج لتنتظره حتى يعود من المدرسة:
– أيوه يا سما
انفجرت في البكاء فقال بصوت مرتجف يحاول أن يجعله ضاحكًا:
– إيه يا بت... أنا مش ميت عشان تعيطي كده
– قميصك كان أحمر في الحلم
– ما أنا طول عمري بحب الأحمر... إنتي اللي نسيتي
ضحكت وسط بكائها وقالت:
– إنت كويس بجد؟
– كويس... وتميم شايلني جوه عنيه اطّمني
 انا راجع يا سما... راجع وهاكل محشي ماما سمر
 وأقعد على السلم معاكي زي زمان
 بس اوعديني بحاجة
– قول
– متقعديش على السلم تاني لوحدك... السلم ده بارد
 ولما أرجع هنقعد عليه سوا
– أوعدك
نقر تميم على ساعته فقال ياسر بسرعة:
– سما... أنا بحبك
– وأنا بحبك أوي يا ياسر... أكتر من زمان
أخذ تميم الهاتف وأغلقه دسه في جيبه ثم أكمل تغيير المحلول وكأن شيئًا لم يكن
لكن ياسر رأى عينيه فوق الكمامة لامعتين أكثر من اللازم
قال ياسر بهمس وهو ينظر إلى السقف:
– تميم
– نعم
– إنت كدبت عليها وقولتلها إني صاحي ومتكلم وبهزر من يومين؟
– ما إنت بتهزر أهو
– بس من يومين مكنتش بهزر!
– ما هو عشان كده أنا مُمرض فلبيني دلوقت مش جوز أختك
نظر له بغل ثم قال بغيرة: 
- لما تفوق هطلع ميتين أهلك على بحبك يا سما دي 
 دفع العربة نحو الباب ثم التفت قبل أن يخرج وقال بصوت خافت:
– ونام يا عقرب... ولا أقولك... متنامش... اتعلم مترمش.

في الواحدة بعد منتصف الليل التالي كان ياسر مستلقيًا في الظلام والسماعة الصغيرة مدسوسة في أذنه تحت الشعر حين جاءه صوت راغب خشنًا هادئًا:
– سامعني يا ولد؟
– سامعك يا عم راغب
– متردش بصوت... الحيطان ليها ودان
لو سامعني اخبط على الملاية مرة
نقر ياسر بإصبعه على الملاءة نقرة واحدة فقال راغب:
– زين... اسمع زين
ديمتري سوكولوف ديه عنده تمنية وعشرين سنة بس عجله عجل شيبة
لما بيكلم حد بيبص في بقه مش في عينيه
عشان الكداب بيرطب شفايفه بلسانه من غير ما ياخد باله
فمن النهارده شفايفك ناشفة... حتى لو اتشججت
نقر ياسر مرة أخرى
– وتاني حاجة... ديمتري بيسأل نفس السؤال تلات مرات في تلات أوجات
مرة في الأول ومرة في النص ومرة وإنت فاكر الكلام خلص
والكداب بيجاوب التالتة أحسن من الأولى
عشان يكون فكر فيها
إنت لأ... إنت تجاوب التالتة كيف الأولى بالظبط... حرف بحرف
صمت راغب لحظة ثم قال بصوت أخفض:
– ولو سألك عن حبيبتك اللي اتسرجت منك
متتكلمش عنها كتير... الراجل اللي اتوجع بجد بيجول كلمتين ويسكت
السكات يا ولدي أصدج من ميت كلمة
أغمض ياسر عينيه في الظلام
كان يفكر في جودي... في لمسة أصابعها على أطراف أصابعه
كان يعرف أنه حين يقف أمام ديمتري سيكون عليه أن يتحدث عن امرأة لا يحبها بنفس الوجع الذي يشعر به تجاه امرأة لا يستطيع أن يذكر اسمها
نقر على الملاءة نقرة واحدة... ثم نقرة أخرى ببطء
قال راغب:
– دي يعني إيه؟
همس ياسر بصوت لا يكاد يسمع:
– يعني فهمت... ويعني ربنا يستر.


في الحادية عشرة ظهرًا انفتح باب الغرفة ودخل فهد بابتسامته العريضة وكيس شاورما جديد
إعتدل ياسر في الفراش رغمًا عنه حتى شعر بالغرز تشد كتفه
كانت جودي تقف عند الباب في فستان بلون السماء شعرها مرفوع وفي عينيها أثر بكاء ليلتين لكنها كانت تبتسم ابتسامة صغيرة خجولة
رفع فهد الكيس في وجه الحارسين وقال:
– أخت... سيستر... شي ثانك يو فور ذا هيرو... أوكي... جود
دفع أخته إلى الداخل وأغلق الباب خلفهما ثم جلس على المقعد وأخرج شطيرة وقال بفم ممتلئ:
– أنا مش هنا... أنا مجرد واحد بياكل
جلست جودي على حافة المقعد الآخر بعيدًا عن الفراش ويداها في حجرها عيناها على الأرض
قال ياسر بصوت منخفض:
– وصلك المنديل
هزت رأسها دون أن ترفع عينيها ثم قالت بهمس:
– ريحته كانت شاورما
– مكنش معايا ورد
رفعت عينيها إليه أخيرًا... رأى فيهما سؤالا لم تقُله... فقال بنفس الهمس وعيناه على الباب:
– أنا آسف إنك سمعتي
– أنا مش زعلانة إني سمعت... أنا زعلانة إني صدقت في لحظةوجع... قبل ما قلبي يقولّي إنه كدب
 خفضت صوتها أكثر وأكملت:
– بابا قالّي إن ماما كانت بتعمل كده زمان... بتقول كلام وحش عشان تحميه
 وإنه حبها بعدها أكتر
ابتسم ياسر ابتسامة صغيرة متعبة وقال:
– أبوكي راجل فاهم
– وإنت؟
– أنا إيه؟
– إنت هتحبني أكتر... ولا أنا اللي لازم أقول كلام وحش عشان تحبني
ضحك فهد فجأة وشرق بالشاورما فنظر إليه الإثنان معًا فقال وهو يسعُل:
– معلش... كملوا... أنا مش هنا

احمرّت جودي حتى أذنيها ونظرت إلى الأرض من جديد
مد ياسر يده السليمة ببطء على الملاءة نحو حافة الفراش القريبة منها... ولم يقُل شيئًا
ظلت تنظر إلى يده لحظات ثم ألقت نظرة سريعة على الباب ومدت أصابعها ولمست أطراف أصابعه... لمسة واحدة خفيفة كالريشة
قال بصوت أجش لا يكاد يسمع:
– أنا مكنتش محتاج كلام وحش يا جودي
 أنا كنت محتاج اللمسة دي بس
سحبت يدها بسرعة ووضعتها في حجرها وجهها مشتعل 
ثم أخرجت من حقيبتها الصغيرة شيئًا لامعًا ووضعته على الطاولة بجواره... ولاعة فضية
– دي عشان تفتكرني دايمًا لأنك بتشرب سجاير كتير
 نظر إليها ياسر ثم إليها هي وقال:
– خليها معاكي
– ليه؟
– عشان لما أرجعلك... أبقى جاي آخد حاجة تخصني
فتحت فمها لترد لكن الباب انفتح فجأة ودخل أحد الحارسين قال بالإنجليزية بجفاف:
– انتهى الوقت
نهضت جودي بسرعة أخذت الولاعة دستها في حقيبتها وعند الباب التفتت إليه نظرة أخيرة... نظرة قالت فيها كل ما لم تستطع قوله أمام الحارس
أمسك فهد الكيس وقال وهو يخرج:
– الشاورما دي برضه كانت ليك... بس أنا شوفت حاجات مُحرجة ومحتاج آكل كتير.

في الخامسة عصرًا كان سُفيان يجلس في مكتبه أمامه فنجان قهوة لم يلمسه حين رن هاتفه برقم محاميه القديم في القُنصلية:
– أيوه يا أستاذ عادل؟
– سفيان بيه... حضرتك كلّفتني أراجع أي ورق اتسجل
 بإسم العيلة الشهر ده بعد اللي حصل في الفرح
– وبعدين؟
صمت المحامي لحظة طويلة جعلت سفيان يعتدل في مقعده ثم قال بحذر:
– فيه عقد جواز اتسجل امبارح بالليل... عقد شرعي موثق في القنصلية
 العروسة جودي سفيان الجبري
 والعريس حبيب منصور الجبري
 والولي اللي ماضي على العقد... حضرتك يا سفيان بيه

لم يتفوّه سفيان بحرف واحد 
مد يده ببطء وخلع نظارته وضعها على المكتب كما يفعل دائمًا حين يحتاج أن يرى شيئًا بوضوح
سمع ضحكة جودي تأتي من الحديقة فنظر من النافذة فرآها تجري خلف فهد الذي يحمل شيئًا لامعًا فوق رأسه وهي تصرخ:
- هاته يا فهد والله هقول لبابا
قال بصوت هادئ هدوءًا مخيفًا:
– الإمضا يا عادل... شكلها إيه؟
– إمضة حضرتك بالظبط يا بيه... لو حضرتك مقولتليش إنك مامضيتش عالعقد فالفرح
 كُنت حلفت إنها بخط إيدك
أغلق سفيان عينيه... وفي الظلام خلف جفنيه رأى ولدين صغيرين على مكتب خشبي قديم في البيت القديم... ولد يلعب الكرة في الشارع وولد ينحني على كراسة الواجب ويوقع بدلًا منه بخط أجمل من خطه
سمع نفسه الصغير يقول زمان... إمضتك أحلى من إمضتي يا منصور

فتح عينيه ونظر إلى الهاتف الآخر على المكتب... رسالة منصور التي وصلت منذ الصباح:
– متنساش الجمعة يا حبيبي... محضّرلك الأكل اللي بتحبه.

ماذا سيحدث يا ترى......

سنرى.......

انتظروووني......

بقلمي/ فريده الحلواني 
تعليقات