رواية سوار جهنم الفصل السادس عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
رواية سوار جهنم الفصل السادس عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
.الفصل السادس عشر
صباحك بيضحك يا قلب فريده
بعد الصبر جبر وعوض خليكي واثقة في كده
ربنا عمره ابدًا ما بيخزي عبد أحسن الظن بيه ومد ايده وقال يا رب
ادعي دايمًا بكل اللي نفسك فيه وربنا هيقبل منك انا واثقة
وبحبك.
ساد الصمت حول الطاولة حتى سمع الجميع صوت عقرب الساعة المعلقة على الحائط
لم يرفع ياسر عينيه إلى عيني ديمتري... كان يعرف أنه لا ينظر إليهما أصلًا
ترك شفتيه جافتين كما قال راغب... ثم قال بصوت منخفض خشن:
– اللي بحبها بقت لغيري
وأبويا في السجن بسببهم
وسكت... لم يَضف كلمة... لم يشرح... لم يحرك يده السليمة عن حافة الطاولة
ظل ديمتري واقفًا أمامه لحظات يتأمل وجهه كأنه يقرأ صفحة مكتوبة بلغة يعرفها جيدًا
ثم ابتسم ابتسامته المُهذبة وسحب المقعد المجاور لفيكتور جلس وقال بالإنجليزية:
– الملوخية... سمعت عنها كثيرًا
هل يمكنني أن أجرب؟
ضحك فيكتور ضحكة قصيرة ودفع إليه الطبق بينما زفر منصور زفرة طويلة مرتعشة
أما سفيان فلم يتحرك فيه شيء... إلا عيناه
كانتا تنتقلان ببطء بين ديمتري وياسر... ثم إلى يد ابنته التي لم تترك يده تحت الطاولة
بعد ساعة نهض فيكتور مسح فمه بالمنديل وقال:
– شكرًا على الضيافة يا سيد منصور... الطعام كان رائعًا
والآن يجب أن يرتاح بطلنا... فأمامه أيام مزدحمة
وقف ياسر ببطء وتبعه نحو الباب
في طريقه مرّ بجوار جودي فلم ينظر إليها... لكنه حين وصل إلى الباب توقف لنصف ثانية وضع يده السليمة على إطار الباب ثم أكمل
لم يفهم أحد تلك الحركة... إلا هي
كان يقول لها... أنا هنا
حين أُغلق الباب خلفهم قال سفيان بهدوء دون أن يلتفت إلى أحد:
– أسر... خد إخواتك واستنوني في العربية
– بابا...
– دلوقت يا أسر
نظر أسر إلى عمه نظرة غامضة ثم أمسك يد جودي خرج وخلفه فهد يحمل علبة كفتة لفها لنفسه في غفلة من الجميع
في الحديقة الخلفية لبيت منصور كانت الشمس قد بدأت تغيب خلف البيوت
وقف سفيان عند السور الخشبي ظهره لأخيه ويداه في جيبي بنطاله
وقف منصور خلفه على بعد خطوات وقال بصوت مرتجف:
– سفيان... الكلام اللي قولته جوه عن الإمضا...
– أنا عارف يا منصور
التفت سفيان إليه أخيرّا ونظر في عينيه وقال بنفس الهدوء المخيف:
– عارف بالعقد اللي اتسجل في القنصلية
وعارف إن إمضتي عليه
عارف إن حبيب مش مسافر زي ما بتقول للناس
حبيب مخطوف.
ارتجفت شفتا منصور وتراجع خطوة كأن أحدٍا دفعه ثم انهار فجأة على المقعد الخشبي دفن وجهه في كفيه وبكى
بكى بصوت عالي كطفل... بُكاء رجل في الستين لم يبكي منذ أن مات أبوه
– أنا عملت كده عشانه يا سفيان
قالولي هيقتلوه... بعتولي صورته مربوط في أوضة ضلمة
أنا مكنتش عايز أبيعك... أنا كنت عايز ابني بس
وقف سفيان ينظر إليه بحزن يغلفه الغضب
ثم اقترب ببطء جلس بجواره على المقعد الخشبي كما كانا يجلسان على سلم البيت القديم وهما صغيرين قال بصوت منخفض:
– إنت فاكر إن إيفان هيرجعلك ابنك بعد ما يمضي
رفع منصور وجهه المبلل إليه فأكمل سفيان:
– الراجل ده مش بيرجّع حاجة يا منصور... بياخد بس
حبيب أول ما يمضي على الأسهم... هيبقى ورقة مستعملة
والورق المستعمل بيتحرق
– يعني أعمل إيه؟
– يعني مفيش حل قدامك غير انك تساعدني
– أساعدك إزاي؟
– أنا عندي ناس تقدر ترجعلك ابنك
متسألنيش مين ومتسألنيش إزاي
بس لو عرفت أي حاجة عن مكانه... أي مكالمة... أي صورة... أي كلمة
تجيلي أنا الأول
ولما حبيب يرجع... تقطع الورقة دي بإيدك قدامي
نظر إليه منصور للحظات ثم مد يده المرتجفة وأمسك يد أخيه وقال بصوت مكسور:
– إنت لسه بتحبني بعد اللي عملته؟
سحب سفيان يده ببطء وقف ثم قال وهو ينظر إلى الشمس الغاربة:
– أنا مش بعمل كده عشانك يا منصور
أنا بعمله عشان جودي... وعشان ابنك يرجعلك رغم أنه وسخ شبهك
أما انت... فإحنا لينا حساب لما الحكاية دي تخلص
اتجه نحو البوابة دون أن يلتفت.
في الحادية عشرة ليلًا في الإسكندرية انفتحت البوابة الحديدية ودخلت سيارة محمد ببطء
كانت سيلا تجلس في الصالة على الكنبة والمسبحة في يدها عيناها على الباب منذ ساعتين
حين دخل محمد قامت مرة واحدة وقفت أمامه ويداها في خصرها قالت بصوت حاولت أن تجعله منخفضًا حتى لا يصحو نوح:
– إنت كنت فين لحد دلوقت؟
– في الشغل يا سيلا
– الشغل بيخلص الساعة خمسة يا محمد
وتليفونك مقفول من العصر؟
أنا قاعدة هنا بموت من القلق وبقول اتخطف ولا عمل حادثة ولا...
– اهدي بس...
– أهدى إيه... ده انت عيل مستهتر و...
وضع محمد يديه على كتفيها وأجلسها على الكنبة برفق ثم جلس بجوارها وقال بصوت منخفض جاد لم تسمعه منه من قبل:
– العربية السودا مشيت امبارح بالليل يا سيلا
بس أنا كنت مستنيها
النهارده الصبح لما عديت جنبها خدت رقمها
ولما مشيت العصر مشيت وراها... لحد فندق على الكورنيش في سيدي جابر
الراجل نزل منها ودخل الفندق... وأنا قعدت في الكافيه اللي قصاده لحد ما خرج تاني بالليل
وكان معاه ظرف بني كبير
اتسعت عينا سيلا وقالت بهمس:
– إنت مجنون؟!
– أنا أخو معاذ الجيزاوي يا سيلا
مش هقعد أتفرج على حد بيراقب مراته
وقبل أن ترد رن هاتفه برقم لا يحمل إسمًا
نظر إليه محمد ثم إليها وقال:
– ده هو
فتح الكاميرا فظهر وجه معاذ متعبًا والغضب يشتعل في عينيه:
– إنت عملت إيه يا حيوان؟
– معاذ اسمعني...
– أسمعك إيه... سالم كلمني من ساعة وقالي
إن رجالته شافوك قاعد قدام الفندق أربع ساعات
إنت عارف مين الراجل ده... عارف ممكن يعمل فيك إيه
إنت فاكر نفسك في فيلم يا محمد؟!
– أنا مكنتش هسيب...
– أنا قولتلك تُبص وتبلغني بس... مقولتلكش تلعب من ورايا
أنا عندي واحد في البيت ده هو اللي هيحمي الكل لحد ما أرجع
لو حصلك حاجة يا محمد... أنا هقول لأبوك إيه... وهقول لنفسي إيه؟
صمت محمد ونظر إلى الأرض
رأت سيلا الغضب في وجه زوجها ينكسر شيئًا فشئ حتى صار شيئّا آخر... صارخوفًا
قال معاذ بصوت أهدأ:
– محمد... بُصلي
رفع محمد عينيه فأكمل معاذ:
– إنت جدع... وعملت حاجة كويسة
بس متعملهاش تاني
أنا عايزك تبقى جنب سيلا ونوح وغالية وأبوك
مش في كافيه قدام فندق فيه ناس متعرفش هما مين
– حاضر يا معاذ
– قولها تاني
– حاضر يا عم... حاضر
ابتسم معاذ ابتسامة متعبة وقال:
– وبعدين التيشيرت المقطع ده كنت لابسه وإنت قاعد في الكافيه
– آه
– يبقى الراجل شافك وقال عليك شحات
ده أحسن تمويه عملته في حياتك.
ضحكت سيلا رغمًا عنها وانفجر محمد ضاحكًا ثم مد الهاتف نحوها وقال:
– خدي جوزك... أنا رايح أنام قبل ما يكدرني تاني
نظرت سيلا إلى وجه معاذ على الشاشة فقال بهمس:
– هو حكالك على الظرف؟
– آه
– لو جه حاجة بإسمك... متفتحيهاش لوحدك يا سيلا... فاهمة
– فاهمة
لكنها لم تكن تعرف أن الظرف سيصل قبل أن تشرب شاي الصباح.
في القاهرة كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل حين دخل رجل طويل بملامح جامدة
مكتب سالم الشريف ووضع أمامه ورقة واحدة:
– العربية متأجرة من مكتب في إسكندرية بإسم مستعار يا باشا
بس الراجل اللي كان سايقها متسجل في الفندق بباسبور روسي
اسمه سيرجي... دخل مصر من عشرين يوم كسائح
وكل يوم بيكلم رقم في نيويورك
قرأ سالم الورقة ببطء ثم خلع نظارته ومسح عينيه بأصابعه:
– الظرف اللي خرج بيه... عرفتوا فيه إيه
– لأ يا باشا... حطه في العربية ودخل أوضته تاني
رجالتنا فاكرين إنه هيسلمه لحد في الفندق الصبح
– أو هيسلمه لحد في الفيلا
قالها سالم بصوت هادئ ثم نهض ونظر من النافذة إلى حديقة الفيلا الغارقة في الظلام وقال:
– متقربوش منه
لو اتلمس شعرة من الراجل ده... اللي في نيويورك هيعرف
إن البيت محمي وإن احنا كاشفينهم
وده آخر حاجة إحنا عايزينها
بس عايز العين عليه حتى وهو نايم.
خرج الرجل وظل سالم واقفًا عند النافذة
ثم سمع خطوات خفيفة خلفه فلم يلتفت وقال:
– ارجعي نامي يا بابا
– مش هنام وإنت واقف كده
اقتربت سمر ووقفت بجواره وضعت رأسها على كتفه ولم تسأل
ظلا واقفين حتى بدأ أذان الفجر يتردد في الشوارع البعيدة.
في نفس اللحظة كان تميم يجلس على أرض الشرفة الصغيرة في الشقة الآمنة وظهره إلى الحائط والهاتف على أذنه
كان قد سمع صوت أبيه منذ ساعة يحكي لمعاذ عن الروسي في إسكندرية... ولم يستطع أن يهدأ بعدها
جاءه صوتها ناعسا مبحوحًا
– تميم... الساعة كام عندك؟
– مش مهم... إنتي صاحية ليه؟
– إنت اللي متصل
– آه صحيح
ضحكت ضحكة ناعسة وقالت:
– إنت كويس؟
– أنا كويس... بس كنت محتاج أسمع صوتك
صمتت لحظة ثم قالت بهمس:
– أنا كمان كنت حاسة إنك هتتصل
ومنمتش في أوضتي النهارده
– نمتي فين؟
– في أوضتك القديمة... أوضتك وإنت صغير
على السرير الصغير اللي رجليك كانت بتطلع منه
– ده سرير عيال يا سما!
– ما أنا كنت عايزة أنام في حتة فيها ريحتك من زمان
قبل ما تبقى بتاعي
أغمض تميم عينيه أسند رأسه إلى الحائط وقال بصوت أجش:
– أنا كنت بتاعك من قبل ما أعرف إن أنا بتاعك
من أول ما كنتي بتبعتيلي رسايل وأنا مش عارف مين اللي بيبعتها
من اول ما ضي اختك رجعتلكم وهي صغيرة شوفتك مرة معاها زمان ...
– ومقولتليش كده قبل كده ليه؟!
– عشان مكنتش عارف أقول الكلام الحلو
إنتي اللي علّمتيني...علّمتني اعيش الحب يا سمايا... مش أحب بس
سمع صوت أنفاسها تتسارع ثم قالت بصوت منخفض جدًا:
– تميم... لما ترجع هنام على السرير الصغير ده تاني
– ليه؟
– عشان تيجي تشيلني منه زي ما كنت عايز تعمل وإنت صغير
بس ساعتها مش هتبقى صغير
ضحك ضحكة خافتة مكتومة ومسح وجهه بكفه وقال:
– إنتي عارفة إنك كده بتعذبيني يا سما
– ما هو ده المقصود يا حبيبي... عشان ترجع بسرعة
– هرجع بسرعة يا سما
وأول حاجة هعملها... هكسر السرير الصغير ده
مش هنحتاجه تاني.
في التاسعة مساء كان بيت سفيان غارقًا في صمت ثقيل
جلست جودي على فراشها في غرفتها والسوار الذهبي لا يزال في معصمها تُقلّبه بأصابعها وتنظر إليه كأنها تراه لأول مرة
لا تزال تشعر بأطراف أصابعه على معصمها... وبجبهته على جبهتها... وبتلك القُبلة السريعة التي خطفها كأنه يسرق نفسًا قبل أن يغرق
دق الباب ودخل فهد دون أن ينتظر وخلفه أسر
جلس فهد على طرف الفراش وضع أمامها علبة الكفتة التي سرقها من بيت عمه وقال:
– كُلي
– مش جعانة يا فهد
– محدش سألك جعانة ولا لأ... إنتي مكلتيش حاجة على الغدا غير معلقتين ملوخية... وأنا عديتهم
ضحكت جودي رغمًا عنها وأخذت قطعة كفتة صغيرة فجلس أسر على المقعد أمامها وقال بهدوء:
– جودي... إنتي شوفتي وش عمك لما بابا قاله الكلام بتاع الإمضا؟
– شوفته... كان هيقع من طوله
هو بابا كان يقصد إيه يا أسر؟
نظر أسر إلى فهد ثم عاد إليها وقال:
– بابا هيقولك لما الوقت ييجي
بس اللي عايزك تعرفيه... إن محدش في الدنيا هيقدر يجبرك على حاجة
لا عمك ولا حبيب ولا الروس دول كلهم
إحنا هنا...معاكي
نظرت إليه جودي ثم قالت بصوت منخفض:
– والراجل الأشقر ده... ديمتري
كان بيبص لياسر بطريقة تخوف يا أسر... كأنه بيقلع جلده بعينه
لم يرد أسر... أما فهد فمد يده وأخذ قطعة كفتة من العلبة وقال بفم ممتلئ:
– أنا مش بحب الواد ده
ده بيشرب ماية في غدا فيه ملوخية بالأرانب
الراجل اللي بيعمل كده ميتأمنش له
ضحكت جودي وسط قلقها ورمت عليه الوسادة فتلقّاها وقال:
– أنا بقول حقايق علمية
ثم دخل سفيان ووقف عند الباب ينظر إليهم الثلاثة
رأى ابنته تضحك وولديه حولها... فابتسم ابتسامة مٌتعبة وقال:
– أنا عايز أنام أنا وأنتم كلنا هنا
– ننام كلنا هنا يا بابا
قالها فهد وهو يتمدد بالعرض على طرف الفراش فضحك سفيان ودخل جلس على المقعد الآخر
لأول مرة منذ أسابيع... نام الأربعة في غرفة واحدة كما كانوا يفعلون حين ماتت أمهم.
في القبو الإسمنتي البارد انفتح الباب الحديدي ودخل الضوء الأصفر الحاد
لم يغمض حبيب عينيه هذه المرة... كان قد اعتاد الضوء كما اعتاد الظلام
دخل إيفان مُتكئا على عصاه وخلفه رجل يحمل حقيبة جلدية وضعها على الطاولة الصغيرة فتحها فظهرت أوراق كثيرة وقلم فضي
جلس إيفان على مقعده وقال بهدوء:
– أبوك تناول الغداء اليوم مع عمك يا حبيب
كانت مائدة جميلة... ملوخية وأرانب... أخبرني فيكتور أنها طبقك المفضل
رفع حبيب وجهه المتورم وقال بصوت مبحوح:
– أنا عايز أشوف أبويا
– ستراه... بعد أن توقع
أشار إيفان إلى الأوراق فنظر إليها حبيب ثم قال:
– لو مضيت... هتقتلوني
ضحك إيفان ضحكة خشنة قصيرة وقال:
– أنت أذكى مما كنت أظن يا ابن منصور
لكنك لم تفهم شيئًا بعد
إن لم توقع... سأقتلك الليلة
وإن وقعت... ربما تعيش أسبوعًا آخر
وفي أسبوع يمكن أن يحدث الكثير
أليس كذلك؟
مد له القلم الفضي فارتعشت يد حبيب المقيدة وهو يأخذه
وقال بصوت لا يكاد يسمع:
– وجودي
– جودي لم تكن لك يومًا يا حبيب
كنت تعرف ذلك... وكلهم كانوا يعرفون... أنت الوحيد الذي لم يفهم
انحنى حبيب على الأوراق... ووقع
وقع ودموعه تسقط على الحبر فتنتشر في بقع صغيرة زرقاء
حين انتهى أخذ إيفان الأوراق ونظر إليها ثم إلى البقع وقال:
– حتى توقيعك يبكي يا حبيب
أبوك كان يوقُع أجمل منك
خرج... وأغلق الباب الحديدي... وعاد الظلام.
في العاشرة والنصف ليلًا جلس إيفان أمام المدفأة الحجرية الأوراق الموقعة على ركبتيه
وقف فيكتور عند النافذة يدخن سيجاره بينما جلس ديمتري على الأريكة المقابلة يشرب الماء ببطء
قال إيفان دون أن يرفع عينيه عن الأوراق:
– ماذا رأيت يا ابن أخي؟
وضع ديمتري الكأس على الطاولة وقال بالروسية بهدوء:
– رأيت رجلا يجيد الصمت يا عمي
الرجال الذين يجيدون الصمت إما أنهم تألموا كثيرًا... أو تدربوا كثيرًا
– وأيهما هو؟
– لا أعرف بعد
ابتسم ابتسامته المهذبة وأكمل:
– وهذا ما يعجبني فيه
التفت فيكتور من النافذة وقال:
– والفتاة... ابنة سفيان؟
– كانت تنظر إليه كما تنظر امرأة إلى رجل تخاف عليه
لكنه لم ينظر إليها مرة واحدة طوال الغداء
والرجل الذي لا ينظر إلى امرأة جميلة تنظر إليه... إما أنه لا يراها
أو أنه يراها أكثر مما يجب
صمت إيفان طويلًا ثم قال بصوت خشن:
– والمرأة الأخرى... التي في الإسكندرية؟
– هي السؤال الذي لم أسأله بعد
نفث فيكتور دخان سيجاره ببطء وقال:
– رجُلنا في الإسكندرية لديه شيء يسلّمه للبيت في الصباح
وإذا جاءت المرأة... سنرى بأعيننا
كيف ينظر العقرب إليها حين تقف أمامه
ابتسم إيفان ووضع الأوراق جانبًا نظر إلى النار وقال:
– النساء يا فيكتور... هنّ دائمًا السؤال الثالث
نهض ديمتري وأخذ كوبين من الشاي من الطاولة الجانبية وقال:
– سأرى إن كان صديقنا نائمًا
في الحادية عشرة ليلًا كان ياسر جالسا على حافة الفراش
في الغرفة الواسعة التي أعطوه إياها في قصر إيفان
غرفة فخمة بستائر ثقيلة وسجادة فارسية وحارس على الباب من الخارج وكاميرا صغيرة في زاوية السقف رآها منذ أول دقيقة
أطفأ النور واستلقى على جنبه وجهه إلى الحائط بعيدًا عن الكاميرا
أخرج من فمه بحذر شديد السماعة الصغيرة التي ظلت تحت لسانه منذ الصباح... جففها بطرف الملاءة ودسها في أذنه
مرت دقيقة... اثنتان... ثم جاءه الصوت الخشن الذي كان ينتظره:
– ياسر
لم يرد... نقر على الوسادة نقرة واحدة
سمع زفرة طويلة على الطرف الآخر كأن راغب كان يحبس أنفاسه منذ الفجر ثم قال بصوت أهدأ:
– الحمد لله
أسر حكالنا على الغدا كله... واللي جالو ديمتري
إنت عملت زين يا ولدي... كلمتين وسكت
بس اسمع... ديمتري مش بيسأل في الأكل... بيسأل لما تبجى لوحدك
خليك صاحي
وكأن الكلمات استدعته... دق الباب دقتين خفيفتين
نزع ياسر السماعة بسرعة ودسها تحت الوسادة اعتدل في جلسته
انفتح الباب ودخل ديمتري بقميصه الأبيض في يده كوبين من الشاي الساخن
وضع أحدهما على الكومود بجوار ياسر وجلس على المقعد المقابل للفراش وقال بالعربية المكسرة:
– لا أستطيع النوم... الفارق في الوقت
وأنت أيضًا لا تنام كما أرى
– الجرح بيوجعني
– الجرح... نعم
أخذ رشفة من الشاي ونظر إلى الكوب وقال بهدوء:
– اليوم على الطاولة كانت هناك فتاة جميلة
ترتدي سوارا ذهبيًا قديمًا
وكانت تنظر إليك... كثيرا
لم يتحرك شيء في وجه ياسر... لكنه شعر بقلبه يضرب صدره كالمطرقة
تذكر صوت راغب... الكداب بيجاوب بسرعة... والكداب بيرطب شفايفه
ترك الصمت يمتد ثانيتين ثم قال ببرود متعب:
– بنت سفيان
– لماذا تنظر إليك ابنة سفيان؟
– عشان أنا اللي وقعتها على الأرض في الفرح وأخدت الرصاصة بدالها
البنات بيحبوا الأبطال يا ديمتري
ضحك ضحكة قصيرة مريرة وأكمل:
– بس أنا مش بطل حد
ظل ديمتري ينظر إلى شفتيه لحظات طويلة
ثم ابتسم ووضع كوبه على الأرض مال إلى الأمام واستند بمرفقيه إلى ركبتيه وقال بصوت ناعم:
– هذا سؤالي الثاني يا ابن شعبان... وأجبت عنه جيدًا
جيدًا جدًا
الناس في موسكو يقولون إنني أسأل ثلاث مرات
هل قالوا لك ذلك؟
– محدش قالّي حاجة
– كاذب صغير
قالها ضاحكًا كأنه يمزح ثم أخرج هاتفه من جيبه ببطء ونظر إلى شاشته:
– لن أسألك مرة ثالثة يا صديقي
السؤال الثالث... سأسأله لها هي
قلب الشاشة نحو ياسر
وعلى الشاشة كان اسم واحد ورقم يبدأ بمفتاح مصر
سيلا الجيزاوي.
في الثامنة صباحًا في الإسكندرية رن جرس الفيلا
كان حسن يجلس في الحديقة مع الجريده وكوب القهوة بينما كانت غالية في المطبخ
وسيلا تقف في الغرفه العلوية تمشط شعرها
نهض حسن وسار نحو البوابة الحديدية فلم يجد أحدًا
لا أحد في الشارع إلا الرجلين الجديدين في السيارتين اللتين ظهرتا ليلة أمس... وبائع الترمس اختفى
نظر إلى الأرض فوجد ظرفًا بنيًا كبيرًا مركونًا على درجة البوابة
انحنى والتقطه ببطء
مكتوب عليه بخط عربي مرتب... إلى السيدة سيلا الجيزاوي
لم يفتحه
عاد به إلى الحديقة بخطوات هادئة وعيناه على الشارع... ثم رفع رأسه فوجد سيلا تقف أمامه
كانت قد نزلت حافية من الأعلى حينما رأته من خلف النافذة ينحني عند البوابة
– إيه ده يا حسن؟
– مفيش يا بنتي... إعلان
– إعلان مكتوب عليه اسمي؟!
مدت يدها فتردد لحظة ثم أعطاها الظرف
فتحته بأصابع ترتجف وسحبت ما فيه
تذكرة طيران... القاهرة نيويورك... بعد ثلاثة أيام
الإسم المكتوب عليها... سيلا الجيزاوي
وتحت التذكرة صورة
ياسر... نائما على فراش المستشفى وكتفه ملفوف بالضمادات الملطخة وجهه شاحب كالموتى
وورقة صغيرة مطوية في آخر الظرف... فتحتها
بخط عربي مرتب كتب سطر واحد:
– ياسر مستنيكي
سقطت الصورة من يدها على العشب
وخلفها شهقت غالية التي خرجت من المطبخ في يدها صينية الشاي... ثم انسكب الشاي كله على الأرض.
ومن هنا ستبدأ قصتنا......
ماذا سيحدث يا ترى......
سنرى.......
انتظروووني.......
بقلمي/ فريده الحلواني
