📁 آخر الأخبار

رواية سوار جهنم الفصل السابع عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا

 رواية سوار جهنم الفصل السابع عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا 


رواية سوار جهنم الفصل السابع عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا

رواية سوار جهنم الفصل السابع عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا 




.الفصل السابع عشر


صباحك بيضحك يا قلب فريده 

انا بحبك وواثقة فيكي عشان كده بقولك اوعي تقولي تعبتي أو الحمل تقيل عليكي 
مش ربنا قال ( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) 
ربنا بيدي الحمل على قد الكتف اللي يشيل... خليكي جدعه بقى وأحسني الظن بالله 
هيقويكي على شيلتك وهيبهرك بعطائه صدقيني. 



في الحادية عشرة ليلًا بتوقيت نيويورك كان قصر إيفان غارقًا في صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت الحطب وهو يتكسّر في المدفأة الحجرية
جلس ياسر على مقعد جلدي عريض ذراعه مربوطة إلى صدره والسماعة الصغيرة ما زالت مختبئة تحت لسانه منذ الصباح حتى صار طعمها المعدني جزءا من ريقه
أمامه جلس ديمتري على حافة الطاولة الرخامية يقلب هاتفه بين أصابعه ببطء بينما وقف فيكتور عند الباب يدخن سيجاره ويراقب
قال ديمتري بعربيته المكسرة وابتسامته المهذبة لا تفارق وجهه:
– أتعرف يا ابن شعبان... أنا لا أحب الكذب
 ليس لأنه خطأ... بل لأنه مُمل
 الناس يكذبون بنفس الطريقة دائمًا
 رفع الهاتف وضغط زرًا واحدًا وضعه على الطاولة بينهما وفتح الاسبيكر
رنّ الهاتف مرة... مرتين... ثلاث
وفي كل رنة كان ياسر يشعر بقلبه يضرب ضلوعه كأنه يريد أن يخرج.

في الإسكندرية كانت الساعة السادسة صباحًا
كانت سيلا جالسة على سجادتها بعد صلاة الفجر حين اهتز الهاتف بجوارها برقم طويل يبدأ بمفتاح أمريكا
نظرت إلى الشاشة لحظة طويلة ثم أخذت نفسًا عميقًا ضغطت زر الرد:
– ألو
جاءها صوت رجل هادئ بعربية متكسرة:
– صباح الخير يا سيدة سيلا... أعتذر عن الوقت المبكر
– مين حضرتك؟
– صديق لياسر... صديق جديد
 هو بجانبي الآن... لكنه مُتعب قليلًا ولا يستطيع التحدث

أغمضت سيلا عينيها وشدّت المسبحة في يدها حتى انغرزت حباتها في كفها
كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي... وكانت قد تدربت عليها في رأسها مئة مرة:
– ياسر كويس؟
– سيكون بخير... إذا أجبتي عن سؤال واحد
 سؤال واحد فقط
صمت قليلًا ثم قال بنعومة:
– هل ما زلتي تحبينه؟

في قصر إيفان لم يتحرك ياسر
لم يرمش... لم يبلع ريقه... لم يُحرّك يده السليمة عن ذراع المقعد
لكن عينيّ ديمتري كانتا على شفتيه

مرّت ثلاث ثوان كأنها سنة بأكملها
ثم جاء صوت سيلا مبحوحًا هادئًا:
– السؤال ده إنت مش من حقك تسأله
 ولا هو من حقه يسمع إجابته
 ياسر سابني ومشي... ساب كل حاجة ومشي من غير ما يقول كلمة
 وأنا اتجوزت وعشت وكملت
 بس لو عايز تعرف أنا بحبه ولا لأ...
سكتت ثم قالت بصوت أخفض:
– قولّه إني لسه بدعيله كل فجر... وهو يفهم الباقي

انقطع الخط... ساد صمت طويل في الغرفة
ثم ضحك ديمتري ضحكة قصيرة هادئة وأغلق الهاتف وضعه في جيبه:
– امرأة ذكية جدًا
 لم تقل نعم... ولم تقل لا
 والنساء اللاتي لا يقُلن نعم ولا لا... هُن الأخطر
نزل عن حافة الطاولة اقترب من ياسر حتى صار وجهه على بعد شبر من وجهه وقال بهمس:
– أنا صدقتها يا صديقي لكنني لم أصدقك أنت بعد.
 ربت على كتفه المصابة بخفة فشد ياسر فكه حتى لا يصرخ
خرج ديمتري من الغرفة وخلفه فيكتور
حين أغلق الباب أغمض ياسر عينيه
وسال من طرف عينه خيط رفيع من الدموع لم يراه أحد
- ست ملهاش أي ذنب... واقفة في النار عشانه
وهو قاعد هنا مش قادر حتى يقولها شكرًا
هكذا قال داخله بقهر.

في الإسكندرية ظلت سيلا جالسة على سجادتها والهاتف في يدها
كانت يداها ترتجفان بشدة حتى إنها لم تستطع أن تضع الهاتف على الأرض
وفي اللحظة نفسها سمعت صوت بوابة الفيلا الحديدية تنفتح بعنف
نزلت الدرج جريًا فوجدت حسن واقفًا في منتصف الصالة ببيجامته وغالية خلفه تضع يدها على فمها
عند الباب كان محمد يقف مستندًا إلى الحائط
شِفته مشقوقة والدم ناشف على ذقنه عينه اليمنى منتفخة ومحاطة باللون الازرق 
قميصه مُمزق من عند الكتف
الجراب الجلدي الفارغ ما زال معلقًا في حزامه.
صرخت سيلا:
– محمد
جَرت إليه وأمسكت وجهه بين يديها فتأوه وأبعد رأسه:
– براحة يا سيلا... وشي مش ناقص
– إيه اللي عمل فيك كده... انطق؟
– مفيش... وقعت
– وقعت على إيه... على جبل؟!
سكت محمد ونظر إلى عمه
كان حسن يقف صامتًا ووجهه شاحب بشكل لم تراه سيلا من قبل
قال بصوت منخفض جدًا:
– فين طبنجتك يا حضرة الظابط؟
لم يرُد محمد
– بسألك طبنجتك الميري فين يا محمد؟

بلع محمد ريقه وقال:
– العربية السودا اللي في آخر الشارع... مشيت وراها بالليل بعد ما خلصت الوردية
 دخلت فندق في سيدي جابر... قعدت أستنى في الجراج
 وطلع منها راجل أشقر... روسي
 قرّبت منه أشوف نمرته وأصوره... لقيت أربعة ورايا
 طلعت الطبنجة... بس واحد منهم ضربني على إيدي من ورا قبل ما أرفعها
 خدوها... وخدوا الموبايل والكارنيه.

غطّت غالية وجهها بيديها وأكمل محمد بصوت مكسور:
– فضلوا يضربوني في الجراج ساعة... ومحدش سمع
 بعدين رموني في العربية ورجّعوني لحد هنا
 والأشقر قالّي جملة واحدة وهو بيفتحلي الباب:
 قول لإبن عمك إن المرة الجاية... مش هترجع.

ساد صمت مرعب في الصالة ثم انفجر حسن
لأول مرة منذ سنين سمعت غالية صوته يعلو بهذا الشكل:
– إنت مجنون... إنت عايز تموت؟!
 إنت ظابط يا محمد... ظابط
 وعارف كويس إن اللي عملته ده من غير أمر
 ومن غير قوة ومن غير ما تقول لحد
 تبقى مصيبة على دماغك قبل دماغهم
 سلاحك الميري دلوقت في إيد واحد روسي... إنت فاهم يعني إيه؟
– يا عمي أنا كنت عايز أعمل حاجة
 أنا مش قادر أقعد كده... مستني ومتكتف
 أنا لابس بدلة ظابط ومعاذ مُختفي والبيت مُحاصر وأنا بتفرج
– هتعمل إيه لما تموت... هتعمل إيه لأمك اللي ربتك ولأبوك وأخوك؟
ضرب حسن الحائط بكفه بقوة حتى اهتز البرواز المُعلق فوقه
ثم سكت فجأة واستدار أعطاهم ظهره ويده على صدره يتنفس ببطء
اقتربت منه غالية ووضعت يدها على ظهره بهدوء:
– حسن... اهدى عشان قلبك
– أنا هادي يا غالية
– لأ مش هادي... أنا عارفاك
تقدّم محمد خطوة وقال بصوت منخفض:
– بس أنا مرجعتش فاضي يا عمي
التفت إليه حسن فمدّ يده إلى جوربه أخرج ورقة صغيرة مطوية مبلولة بالعرق:
– قبل ما ينزلوا عليا ضرب  كنت لحقت أكتب نمرة العربية
 ورقم الأوضة اللي الأشقر طلعلها... تُلتُمية وسبعة
 كتبت اسم الموظف اللي في الريسبشن اللي اداله المفتاح من غير ما يسأله
 الورقة دي خبيتها في الشراب أول ما شوفتهم جايين... ومحدش فيهم فكّر يدور فيه
نظر إليه حسن للحظة ثم أخذ الورقة من يده بهدوء ووضعها في جيب بيجامته وقال بصوت أهدى:
– إنت حمار يا محمد... بس حمار ابن أبوك
أتى عليهم طه ومنة والتي أخذت تدعو على من فعل به ذلك... بينما زوجها قال بحزن:
- انا مش عارف آخرة اللي احنا فيه ده إيه ؟
أول مرة من ساعة ما دخلنا الشرطة لحد اللحظة دي 
يحصل معانا كده... ياما مسكنا قضايا 
وياما وقّعنا منظمات محصلش اللي بيحصل ده ابدًا .


في ذلك  الوقت  كانت سيلا قد سحبت محمد إلى المطبخ أجلسته على المقعد وأخرجت علبة الإسعافات من الخزانة
بللّت قطنة بالمطهر ووضعتها على شِفته فانتفض:
– آه يا سيلا... بالراحة
– براحة!
 قالتها بصوت غاضب والدموع تنزل على خديها:
– إنت عايز براحة... وإنت رايح تتضرب في جراج زي الغبي
 ظابط إيه اللي يروح لوحده لأربعة!
 إنت متخيل لو كانوا جابوك ميت
 كنت هقول لمعاذ إيه... كنت هقوله إيه يا محمد؟
– خلاص بقى
– مش خلاص
 ضغطت القطنة على جرحه بقوة فصرخ:
– ده عشان تتعلم
– إنتي غشيمه يا سيلا... الله يحرقك يا شيخة بلاش أم الغباء ده 
– وإنت حمار
 ألقت القطنة على الطاولة وانهارت بالبكاء
وقف محمد بصعوبة حضنها فبكت على كتفه كالطفلة:
– أنا آسف
– إنت دايمًا آسف... وبعدين بتعمل نفس المصيبة
– المرة دي بجد آسف
  أكمل بصوت مكسور:
– بس أنا كمان خايف عليكي يا سيلا
 أنا شوفت التذكرة... وشوفت الصورة
 أقسم بالله ما هسيبك تروحي لوحدك.

في الثامنة صباحًا جلست سيلا في غرفتها وأغلقت الباب بالمفتاح
فتحت الهاتف الثاني الذي أعطاه لها معاذ قبل أن يختفي... الهاتف الذي لا يعرف بوجوده
 أحد إلا هي... رن مرة واحدة فقط وجاء صوته:
– سيلا
عرفت من نبرته أنه لم ينم:
– معاذ... كلموني
– عارف... أنا سمعت المكالمة كلها
 سكت لحظة ثم قال بصوت مخنوق:
– عرفت إن محمد اتضرب
– هو كويس... وشه بس اللي متبهدل
– وإنتي؟
– أنا كويسة
أخذت سيلا نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء:
– معاذ... أنا عايزة أسافر
 بس أنا مش هتحرك خطوة من غير إذنك
 إنت جوزي... مش هطلع من باب البيت ده إلا وإنت راضي
 عشان كده بكلمك.

صمت معاذ لحظة ثم قال بحدة:
– يبقى مفيش سفر يا سيلا... إنتي اتجننتي أكيد
 – معاذ...
– قولت لاااااا التذكرة دي تتقطّع... والظرف ده يترمي في الزبالة
 إنتي مش هتخرجي من باب الفيلا لحد ما أرجع
وقفت سيلا من على الفراش وقالت:
– ولو مسافرتش... هيحصل إيه لياسر؟
– ده مش شغلك
– لأ شغلي أنا اللي رديت على التليفون... وأنا اللي قولت إني أعرفه
 ولو مروحتش هيعرفوا إن كل ده كان تمثيل
 ساعتها ياسر هيموت يا معاذ... هيموت قدامهم
– أنا مش هخسرك عشان أي حد
 قالها بصوت عالي لأول مرة
– مش هخسرك عشان ياسر ولا عشان الشغل ولا عشان الدنيا كلها... إنتي فاهمة
– أنا مش هعيش طول عمري وأنا عارفة إن واحد مات عشان أنا خوفت
– سيلااااااا
– إنت اللي علّمتني إن الواحد ميهربش... إنت يا معاذ
 أنا مش بتحداك... أنا بطلب منك
 بطلب منك تثق فيا.

ساد صمت طويل على الخط ثم قال معاذ بصوت بارد مكسور:
– مش هقدر أرد عليكي دلوقت
وأغلق الخط... نظرت سيلا إلى الهاتف في يدها غير مصدقة
 وضعته على الفراش جلست على الأرض ضمّت ركبتيها إلى صدرها وبكت بصمت
بعد ساعة  اهتز الهاتف على الفراش لم تقم في البداية
ثم اهتز مرة ثانية... وثالثة مدت يدها وفتحته دون أن تتفوه بحرف واحد
جاءها صوته منخفضًا مبحوحًا كأنه كان يبكي هو الآخر:
– إنتي زعلانة مني؟
لم ترد
– سيلا... ردي عليا
– إنت قفلت السكة  في وشي
– عارف
– عمرك ما قفلت في وشي يا معاذ مهما كان حاصل بينا
– عارف... أنا آسف
 سكت لحظة ثم قال بصوت يكاد لا يسمع:
– أنا مش زعلان منك يا سيلا أنا مرعوب عليكي
 إنتي جيتي تستأذنيني وأنا كنت متخيل إنك هتعملي اللي في دماغك
 ده خلاني أحس إني مش قادر أقولك لأ... ومش قادر أقولك آه
 أنا قاعد بعيد عنك ومش قادر أحميكي
 مش قادر أقف قدام الباب
 مش قادر حتى أحضنك وأقولك متخافيش
 ده أصعب حاجة حصلتلي في حياتي

مسحت سيلا دموعها بظهر يدها وقالت بهمس:
– طب قولها دلوقت
– أقول إيه؟
– قولي متخافيش
ضحك ضحكة صغيرة مخنوقة:
– متخافيش يا سيلا
– قولها تاني
– متخافيش يا قلب معاذ
 متخافيش طول ما أنا عايش
 أقسم بالله لو حد لمس شعرة منك... أنا هحرق الدنيا على اللي فيها

أسندت رأسها إلى حافة الفراش وأغمضت عينيها:
– وحشتني يا معاذ
– إنتي اللي وحشتيني اوووي
 وحشني صوتك وإنتي بتزعقي لمحمد الصبح
 وحشتني ريحتك على المخدة
 وحشني إنك بتصحي من النوم وشعرك منكوش
 وتقوليلي متبصليش وانا كده
– أنا مش بقول كده
– بتقولي كده كل يوم
ضحكت وسط دموعها وقال هو بصوت أخفض:
– اديني لحد بكرة يا سيلا
 لو هتسافري يبقى بإذني... وأنا اللي هرتب كل خطوة
 ومش هتمشي فيها لوحدك
– يعني موافق؟
– يعني اديني لحد بكرة بقولك متبقيش رخمة بقى
 سكت ثم قال:
– أنا بحبك يا سيلا... بحبك لدرجة إني
 بكره نفسي إني حبيتك وربطتك بيا وأنا عارف إني شايل روحي على كفي بسبب شغلي .

– وأنا بحبك لدرجة إني مش ندمانة ولا ثانية

في نفس  الوقت  كان منصور يجلس في مكتبه المظلم في بيته على أطراف المدينة
كان قد مرّ يومان لم يَنم فيهما أكثر من ساعتين
كان الهاتف أمامه على المكتب لا يفارق عينيه
اهتز الهاتف برسالة واحدة من رقم مجهول فيديو مدته اثنتا عشرة ثانية
فتحه بأصابع ترتجف... وجد حبيب
جالس على مقعد معدني في غرفة رمادية بلا نوافذ
لحيته طويلة وجهه شاحب وتحت عينه اليسرى كدمة زرقاء
يوقع على أوراق أمامه ببطء ويد غريبة على كتفه
 رفع رأسه للكاميرا لحظة واحدة... ونظر إلى أبيه وانتهى الفيديو
تحته رسالة مكتوبة بالإنجليزية:
- إبنك أنهى أوراقه يا سيد منصور... ولم نعد نحتاجه

سقط الهاتف من يد منصور على المكتب
وضع وجهه بين كفيه... وبكى بصوت عالي 
ثم فجأة رفع رأسه أمسك الهاتف وأعاد تشغيل الفيديو
رفع الصوت حتى آخره قرب الهاتف من أذنه
هناك في الخلفية... خلف صوت القلم على الورق
صوت بعيد خافت... طويل وعميق صوت بوق سفينة
أعاده مرة... ومرتين... وعشرة ثم طلب رقمًا واحدًا
– سُفيان
– عايز إيه يا منصور
– حبيب... أنا عارف هو فين
 أو على الأقل عارف أول الخيط
صمت سفيان على الخط لحظة ثم قال بهدوء:
–أنا جايلك حالًا.

في العاشرة صباحًا في القاهرة كانت فيلا سالم الشريف هادئة على غير العادة
نزلت ضي على الدرج وهي تلف شالًا خفيفًا حول كتفيها فوجدت عُدي جالسًا في الشرفة المُطلة على الحديقة ببدلته السوداء وأمامه فنجان قهوة لم يشربه
اقتربت منه من الخلف ولفت ذراعيها حول رقبته:
– مالك يا عُدي؟
– مفيش
– مفيش دي معناها حاجة كبيرة
ابتسم دون أن يلتفت أمسك يدها وقبّل باطن كفها:
– تميم وحشني يا ضي
 أول مرة في حياتنا نبعد عن بعض كده
 إحنا كنا بننام في نفس الأوضة  تقريبًا لحد ما اتجوزنا
 كنت بعرف هو زعلان من غير ما يتكلم
 دلوقت... حاسس إن فيه حاجة غلط
 أنا ظابط يا ضي عارف يعني إيه واحد يختفي
 ومحدش يعرف عنه حاجة
 قلبي مقبوض من امبارح كأن حد ماسكه بإيده.

دارت ضي حول المقعد وجلست على ركبتيه وضعت جبينها على جبينه:
– تميم أقوى واحد عرفته في حياتي بعدك... هيرجع
– إزاي عارفة إنه هيرجع؟
– عشان عارف إن سما مستنياه
 عشان عارف إن أخوه التوأم هيموته ضرب لو اتأخر
ضحك عدي  ثم لف ذراعيه حول خصرها وشدها إليه:
– أنا بحبك يا ضي
– عارفة
– لأ مش عارفة
 مسح على خدها ببطء ونظر في عينيها:
– إنتي مش عارفة إنك لما بتضحكي كده الدنيا كلها بتنور
 مش عارفة إني بقعد أتفرج عليكي وإنتي نايمة زي العبيط
– إنت فعلا عبيط
ضحك وقال بمزاح:
– يا بت الجزمة 
اقترب منها ببطء حتى لامست أنفاسه شفتيها وهمس:
– تيجي نطلع فوق... الوردية بتاعتي الساعة اتناشر
– الساعة عشرة الصبح يا عدي!
– الساعة عشرة الصبح ممنوعة في القانون ولا إيه؟
– إنت ظابط... المفروض إنت اللي عارف القانون
– وأنا بقولك مش ممنوعة
ضحكت ضي ومالت عليه قبّلته قُبلة طويلة دافئة
كادت يده تنزلق إلى طرف شالها حين جاء من الصالة صوت سالم عاليًا:
– سمر... يا بابا... الشاي فين؟
 ظهر في باب الشرفة وتوقف فجأة
انتفضت ضي ووقفت وشعرها منكوش وجهها أحمر كالجمر
أمّا عُدي فلم يتحرك ورفع فنجان القهوة البارد ببرود وقال:
– صباح الخير يا حاج
نظر إليهما سالم من فوق نظارته بغيظ ثم قال:
– إنتو مفيش عندكم أوضة يابن الكلب؟
– في يا حاج... بس البلكونه أحلى
– سمر... تعالي شوفي إبنك
جاءت سمر من الداخل وفي يدها كوب الشاي ونظرت إلى ضي الحمراء وعدي المبتسم ضحكت:
– سيبهم يا سالم... ما إنت كنت أفظع منه
– أنا؟!
– آه إنت... ولا نسيت أيام ماما سعاد الله يرحمها
 أخذ منها الشاي وقال وهو يستدير دون أن يهتم بما ذكرته به
– تعالي يا بابا جوه... الولاد دول  متربوش طالعين لمين مش عارف.

في الواحدة ظهرًا في نيويورك وقفت سيارة سوداء أمام بيت سفيان
نزل منها رجلان ودقا الباب... فتح أسر
– السيد فيكتور يرسل تحياته
 ويدعو زوجة السيد حبيب لزيارة الرجل الذي أنقذ حياتها في قصر السيد إيفان
 هو متعب... ويسأل عنها

ظهر سفيان خلف إبنه ونظر إلى الرجلين بصمت كان يعرف أن هذه ليست دعوة
نظر إلى جودي الواقفة على الدرج عيناها واسعتان من الخوف... ومن شيء آخر يشبه الأمل
– أنا جاي معاها
– الدعوة للسيدة فقط يا سيد سفيان
شد أسر يد أخته وقال بحدة:
–  اختي مش هتروح في حتة 
لكن جودي سحبت يدها بهدوء ونزلت الدرج حتى وقفت أمام أبيها:
– أنا هروح يا بابا
– جودي...
– لو رفضت هيسألوا ليه
 قالتها بهمس لا يسمعه إلا هو
– هو هناك لوحده... ومحدش معاه

نظر سفيان إلى عينيها  للحظة ثم أمسك وجهها بيديه قبّل جبينها وقال بصوت مكسور:
– إنتي على ورقهم مرات حبيب يا جودي
 خلي بالك من كل نظرة وكل كلمة... ارجعيلي
– هرجع يا بابا... أوعدك.

في الرابعة عصرًا كان ياسر يقف عند النافذة الطويلة في الطابق الثاني ينظر إلى الحديقة المُغطاة بأوراق الخريف
حين سمع باب الغرفة ينفتح خلفه ظن أنه ديمتري
لكنه شم رائحتها قبل أن يلتفت
تلك الرائحة التي يعرفها... ياسمين ممزوج بشيء من الفانيليا
التفت ببطء فوجدها واقفة عند الباب في فستان كحلي مُحتشم بأكمام طويلة
خلفها رجل من رجال فيكتور أغلق الباب ووقف بالخارج
لم يتحرك أي منهما ظلا ينظران إلى بعضهما في صمت وبعد دقيقه ثم همست جودي:
– إنت كويس؟
لم يرُد كان يعرف أن في هذه الغرفة كاميرا... وربما ميكروفون
كان يعرف أن كل كلمة سيقولها الآن سيسمعها ديمتري الليلة
كان يعرف ما هو أسوأ... أنها أمام الناس زوجة رجل آخر
– كويس يا مدام جودي... شكرًا على السؤال
رأى الألم في عينيها حين قال مدام ورأى كيف عضت شفتها السفلى حتى لا تبكي
اقتربت خطوة واحدة ثم توقفت كأن بينهما حائطًا من زجاج
قالت بصوت مرتجف:
– أنا جيت أشكرك... على الرصاصة
– دي كانت شغلي
– مكانتش شغلك يا ياسر وإنت عارف كده
نظرت إلى الأرض ثم رفعت عينيها إليه وقالت بهمس لا يكاد يسمع:
– أنا مش قادرة أقرب ولا قادرة أمشي
 ودي أصعب حاجة في الدنيا.

لم يتحرك لم يمد يده لكنه أغمض عينيه لثانية واحدة... ثانية واحدة فقط
وحين فتحهما كانت عيناه تقولان كل ما لم يستطع لسانه أن يقوله
كان يشعر بشيء يلتف حول رقبته ويحرقه... كأنه سوار من نار.

 انفتح الباب فجأة بعنف دخل ديمتري وعلى وجهه ابتسامته المهذبة:
– آه... السيدة جودي هنا
 ممتاز... ممتاز جدًا
 لدينا ضيف آخر الليلة... أريدكما أن تشاهدا معًا.

بعد قليل  كان الجميع في القاعة الكبيرة في الطابق الأرضي
إيفان جالس على مقعده الضخم أمام المدفأة وفيكتور بجواره
ديمتري واقف في المنتصف يداه خلف ظهره
وياسر جالس على مقعد جانبي وجودي على مقعد بعيد عنه يدها مشدودة على حافة فستانها

انفتح الباب الخشبي الكبير دخل رجلان يجران رجلا ثالثًا بينهما من ذراعيه
كان يرتدي زي مُمرض أزرق ممزقًا عند الكتف وكمامة زرقاء على وجهه
على قميصه الأزرق بقعة دم صغيرة تتسع ببطء
ألقاه الرجلان على ركبتيه في منتصف القاعة أمام ديمتري
قال أحدهما بالإنجليزية:
– وجدناه في المستشفى يسأل عن الغرفة أربعة مئة واثنتى عشرة للمرة الثالثة اليوم
 وحين سألناه عن اسمه... ركض.

اقترب ديمتري من الرجل الراكع ببطء انحنى ومد يده نزع الكمامة عن وجهه
كان وجهًا فلبينيًا نحيلًا شاحبًا بعينين ضيقتين ووجنتين بارزتين
وجه لا يعرفه أحد في القاعة... إلا ياسر
لم يكن الوجه كانت العينان... العينان اللتان رآهما فوقه في المستشفى ليلة بعد ليلة وهو يغيب ويصحو العينان اللتان كانتا تقولان له اصبر... إنه تميم
تجمّد الدم في عروق ياسر لكن وجهه لم يتحرك... ولا حتى رمشة
استقام ديمتري نظر إلى الرجل الراكع لحظة ثم التفت إلى ياسر وابتسم:
– أتعرفه يا ابن شعبان؟
– لا
– لا تعرفه!... مُمرض مسكين يسأل عن مريض لم يعد موجودًا
 ثلاث مرات ثم يركض حين يسأله أحد عن اسمه
 أمر غريب... أليس كذلك؟!
مد يده خلف ظهره وأخرج مسدسًا أسود صغيرًا
قلبه في يده ثم مده إلى ياسر من مقبضه
– خُذ
شهقت جودي ووضعت يدها على فمها نظر ياسر إلى المسدس... ثم إلى ديمتري:
– يعني إيه؟
– يعني إذا كان غريبًا لا تعرفه...
 ابتسم ابتسامته المهذبة وأكمل بهدوء:
– فأقتله
ساد صمت لم يُسمع فيه إلا صوت الحطب في المدفأة
مد ياسر يده السليمة ببطء وأخذ المسدس كان باردًا وثقيلًا
نهض من مقعده مشى خطوتين حتى وقف أمام تميم الراكع
رفع المسدس ووضع فوهته على جبينه
رفع تميم عينيه إليه لم يكن فيهما خوف

ماذا سيحدث يا ترى.......

سنرى......

انتظروووني......

بقلمي / فريده الحلواني


تعليقات