📁 آخر الأخبار

روايه سوار جهنم الفصل التاسع عشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه سوار جهنم الفصل التاسع عشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه سوار جهنم الفصل التاسع عشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه سوار جهنم الفصل التاسع عشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني 


الفصل التاسع عشر 
سوار جهنم 
فريده الحلواني 

صباحك بيضحك يا قلب فريده 


عارفه... إنتي أحلى وأطيب وأجدع ست خليكي متأكدة من ده لأنك فعلًا كده
خلي اللي يقول يقول و لا يهمك كلام حد حطي كلامهم تحت جزمتك
 عشان انتي ست الستات كلهم... وأنا بحبك. 



في الثامنة صباحًا كانت سيلا جالسة على طرف فراشها والهاتف الثاني في يدها والصورة مفتوحة أمامها لم تكن قد نامت دقيقة واحدة منذ وصلتها الرسالة
بعثتها لمعاذ ومعها سطر واحد... حد كان ورايا
وبعد أقل من دقيقة رن الهاتف:
– إنتي كويسة؟
– كويسة
– قفلتي الباب والشباك؟
– قفلت كل حاجة يا معاذ
سمعته يتنفس بصعوبة على الخط ثم قال بصوت مكتوم:
– خليكي في الأوضة... متفتحيش لحد غير أبويا أو أمك
 وابعتي الصورة لأبويا دلوقت حالًا.

وفي الثانية ظهرًا بعد أن استيقظ حسن أرسلها لسالم وأخبره أن يأتي إليه بعد نصف ساعة
 كان يجلس في مكتبه أمامه سالم ومعه رجل أربعيني بنظارة لا يعرف حسن إسمه ولم يسأل
قال سالم :
– راجعنا كاميرات صالة السفر كلها يا حسن
 الأشقر فضل واقف عند كشك القهوة من أول ما دخلت 
لحد ما خرجت... مقرّبش منها خطوة... اللي صورها حد تاني
 ظهرت على الشاشة صورة مُقرّبة لشاب نحيل في العشرينات بكاب أزرق وجاكت جينز يقف خلف سيلا في طابور الجوازات يرفع هاتفه بجوار صدره
قرّب حسن وجهه من الشاشة وقال ببطء :
– الواد ده أنا شوفته
– فين؟
– كاميرا البوابة بتاعتي... يوم الظرف
 كان لابس نفس الكاب حط الظرف على السلم
 واختفى في أقل من عشر ثواني
صمت سالم لحظة ثم قال :
– يبقى فيكتور مش شغال بالروس بس في إسكندرية
 عنده رجاله مصريين... حافظين الشوارع ومحدش بيلاحظهم
– ده معناه إيه يا سالم؟
– معناه إن الخطر مبقاش في العربية السودا وبس
 بقى ماشي في الشارع جنبنا

في نفس الساعة كان محمد جالسًا على مقعد خشبي في ممر طويل بارد في مديرية الأمن ببدلته الميري ووجهه ما زال متورما انفتح باب المكتب خرج اللواء ووقف أمامه:
– سلاحك الميري فين يا حضرة الظابط؟
– اتسرق يا فندم
– اتسرق إزاي؟
– كنت راجع من الوردية وناس هجموا عليا في جراج... أربعة
– كنت بتعمل إيه في جراج فندق في سيدي جابر الساعة اتنين بالليل من غير مأمورية؟
سكت محمد فقال اللواء بهدوء قاس :
– من النهارده إنت موقوف عن العمل لحد ما التحقيق يخلص
 سلّم الكارنيه... آه صحيح الكارنيه كمان اتسرق
 

في السادسة مساءًا دخل محمد الفيلا رمى مفاتيح سيارته على الطاولة بعنف
كانت سيلا نازلة على الدرج فتوقفت:
– اتوقفت؟
لم يرد
– اتوقفت يا محمد؟
– آه اتوقفت... ارتاحتي
قبل أن ترد خرج حسن من مكتبه ووقف ينظر إلى محمد:
– يعني إيه اتوقفت؟
– يعني بقيت قاعد في البيت يا عمي .. زي النسوان
شهقت سيلا ونزلت آخر درجتين بسرعة وقفت أمامه وقالت بحدة :
– زي النسوان... هي الستات قاعدة في البيت يا حمار
 أنا لسه راجعة من المطار الساعة سبعة الصبح
وغالية مطبقة يومين من غير نوم
 قول حاجة تانية غير دي 
 التفتت إلى حسن قبل أن يتكلم وقالت بصوت أهدى :
– حسن... هو غلط بس هو غلط عشانّا
 محدش في البيت ده هيقوله كلمة زيادة النهارده
نظر إليها حسن للحظات ثم تنهد ووضع يده على كتف محمد وقال :
– اطلع خد دُش واتغدى التحقيق ده هنعدي منه... سوا.
صعد محمد الدرج وحين وصل إلى أعلاه التفت إلى سيلا وقال بصوت منخفض :
– شكرًا
– متشكرنيش... أنا لسه هزعقلك بالليل على راحتي.

في الثامنة مساءًا انفتحت البوابة الحديدية ودخلت السيارة الرمادية الصغيرة داخلها ياسين
نزلت آسيا معها حلة كبيرة ملفوفة في فوطة خلفها ياسين يحمل كيس فاكهة وشنطة ورق
وداخل صندوق السيارة أيضًا حقيبة سفر كبيرة بها ملابسهم كما أمرهم حسن من قبل
دخلت آسيا الصالة وقالت بصوت عالي :
– فين البطل اللي اتوقف؟
نزل محمد على الدرج بشعره المبلول وقال بضيق:
– هو الخبر وصل الدقهلية ولا لسه؟
– وصل كفر الشيخ كمان
 قالتها وهي تضع الحلة على الطاولة
– محشي ورق عنب... منة دايمًا كانت بتقول اللي زعلان ياكل محشي
ضحك حسن رغمًا عنه وقال :
– بتقول كده عشان هي اللي بتحب المحشي
– وأنا اتعلمت منها 

جلس طه بجوار محمد على الكنبة وفي يده ملفًا أزرق
– أنا كلمت صاحبي اللي في الشؤون القانونية بتاعتكم
 التحقيق هيبقى إهمال في حفظ العهدة... مش أكتر
 بس لازم تقول كل حاجة بالظبط ومتخبيش ولا كلمة عن اللي حصل
– أقول إيه عن اللي كنت بعمله هناك؟
– تقول إنك شاكك في عربية بتراقب بيت أهلك بعد اختفاء 
ابن عمك وده حقك إنت ظابط
 الغلط الوحيد إنك روحت لوحدك
نظر محمد إلى أبيه للحظات ثم قال :
– إنت عرفت كل ده إمتى؟
– من الصبح... آسيا مَخلتنيش أنام
ضحكت آسيا من المطبخ وقالت :
– ما هو أنا أخته برضه ولا إيه ؟
 بعدين أنا قولتلك من زمان الواد ده متهور
– أنا مش واد
– إنت واد يا محمد... واد اتضرب من أربعة
ضحك الجميع حتى محمد
جلست غالية لأول مرة منذ يومين على المائدة وأكلت و بين الحين و الآخر 
تتهامس مع منه في بعض الأحاديث التي تنم على خوفهم مما يحدث حولهم.

في الحادية عشرة ليلًا بتوقيت نيويورك كان قبو قصر إيفان باردًا كالمقبرة
نام تميم على فرشة إسفنجية رقيقة ملقاة على الأرض الحجرية بجوار الغسالات القديمة وصناديق النبيذ لم يكن ينام كان يعد خطوات الحارس فوق رأسه... أربعون خطوة ثم يلف أربعون خطوة ثم يلف وفي اللفة الثالثة سمعها... كحة ضعيفة مكتومة كأنها خرجت من صدر مخنوق
جاءت من آخر القبو... من خلف الباب الحديدي الصغير الذي ظنه مخزنًا
انتظر حتى ابتعدت خطوات الحارس ثم نهض حافيا مشى بمحاذاة الحائط حتى وصل إلى الباب 
رأى قفل جديد لامع على باب قديم صدئ
ألصق أذنه بالحديد فسمع أنفاسًا ثقيلة... وأنينًا خافتًا
همس بالعربية بصوت لا يكاد يسمع:
– فيه حد هنا؟
سكتت الأنفاس فجأة ثم جاء صوت مبحوح مكسور كأنه لم يتكلم منذ أيام:
– مين... مين بيتكلم عربي؟
– متخافش... قولّي إنت مين
بعد صمت طويل:
– أنا حبيب... حبيب منصور الجبري
 أنا عايش... قولوا لأبويا إني عايش
أغمض تميم عينيه وأسند جبينه إلى الباب البارد
ثم سمع خطوات الحارس تعود فهمس بسرعة:
– اصبر... ومتتكلمش تاني
عاد إلى فرشته في الظلام قبل أن يصل الحارس إلى رأس السلم.

في السابعة صباحًا صعد تميم إلى غرفة ياسر ومعه الصينية المعتادة
وقف في منتصف الغرفة وقال بالإنجليزية بصوت عالي :
– الطبيب قال يجب أن تستحم اليوم يا سيدي
الجرح يحتاج أن يبقى نظيفًا وذراعك لا تستطيع تن تحركها وحدك
نظر إليه ياسر لحظة ثم فهم:
- الحمام... المكان الوحيد في الغرفة اللي مفيهوش كاميرا

دخلا معًا وأغلق تميم الباب فتح الدش على آخره حتى ملأ صوت الماء المكان
ثم فكّ الرباط عن ذراع ياسر ببطء قرب فمه من أذنه وهمس بالعربية بسرعة:
– اسمعني كويس ومتردش غير بهز راسك:
 حبيب هنا
اتسعت عينا ياسر
– تحت في القبو... ورا الباب الحديد اللي في الآخر
 عايش بس تعبان... صدره مش سليم
 هز ياسر رأسه ببطء والماء يتساقط على وجهه فأكمل تميم:
– السماعة لسه معاك
فتح ياسر فمه قليلا فرأى تميم الشيء الصغير اللامع تحت لسانه
– إديهالي
– ليه؟
 همسها ياسر لأول مرة
– عشان أنا بنزل المطبخ وبطلّع الزبالة كل يوم الساعة تسعة
 المطبخ فيه شباك على الجنينة اللي ورا
 لو قربت من السور يمكن أقدر أكلم راغب
تردد ياسر لحظة...السماعة كانت آخر خيط بينه وبين الدنيا
 أخرجها من تحت لسانه وضعها في كف تميم المبلول
فأغلق تميم يده عليها وابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة منذ دخل القصر
– إنت عملت إيه في المسدس امبارح يا ياسر؟
– عملت إيه؟
– إنت كنت عارف إنه فاضي؟
 قالها تميم وعيناه في عينيه... لم يرُد ياسر أخفض عينيه وترك الماء ينزل على رأسه
لأنه لم يكن يعرف... لم يكن يعرف أبدًا هو فقط دعا ربه داخله ووثق في حديث راغب 
فهم تميم من صمته كل شيء
شد على كتفه السليمة بقوة لثانية واحدة ثم عاد يغسل الجرح وكأن شيئًا لم يكن.


في نفس الليلة في بيت سفيان كان فهد جالسًا على شرفة غرفته في الطابق الثاني والميكرسكوب القديم خاصة أبيه على عينيه
- العربية السوده في أول الشارع... والراجل اللي جواها لسه بيكتب
كل عربية تدخل الشارع... كل عربية تخرج... يكتبها في الورقة الصفراء.

قام فهد ونزل على أطراف أصابعه إلى المطبخ أخذ كرة القدم من تحت السلم
خرج من الباب الخلفي وبعد دقيقتين كانت الكرة تتدحرج من الرصيف حتى استقرت تحت عجلة السيارة السوداء
جرى خلفها فهد انحنى بجوار الباب وقال بالإنجليزية : 
– سوري... الكرة
نظر إليه الرجل بضيق ثم أشار له أن يأخذها
لكن فهد كان قد رأى في ثانيتين كل ما يحتاجه
الورقة الصفراء على التابلوه... تحتها كارت صغير عليه اسم شركة
نفس اسم الشركة المكتوب على باب سيارة السائق الذي اوصل فيكتور يوم الغداء عند عمه منصور
بجوار الكارت هاتف مفتوح على محادثة... وآخر رسالة فيها كلمة واحدة بالإنجليزية:
الميناء.

رجع فهد إلى غرفته وقلبه يضرب في صدره لم يكلم أسر... ولم يكلم أبوه
دخل غرفة جودي جلس على طرف فراشها وقام بايقاظها:
– جودي... الراجل اللي برة مش بيراقبنا وبس
 ده بيبعت كل حاجة لفيكتور... وفيكتور عارف إن بابا راح الميناء.

في الصباح التالي جلس سفيان في مكتب منصور وأمامه على المكتب الإيصال الصغير 
لم يحكي له عن الدم لم يحكي له عن الخاتم الذي ما زال في جيبه قال فقط :
– كان هناك يا منصور...كان بياكل الساعة اتنين الضهر
 واللي بيأكلوه... مش ناويين يموتوه
مسك منصور الإيصال بيدين ترتجفان قرّبه من عينيه كأنه رسالة من ابنه
ثم وضع وجهه على المكتب وبكى وقف سفيان ولف حول المكتب ببطء
لأول مرة منذ سنين وضع يده على كتف أخيه:
– فهد هو اللي لقاه
رفع منصور رأسه؟
– فهد!
– آه... استخبى في العربية ورانا زي الحرامي
 وفضل يدور في الزبالة لحد ما لقاه
ضحك منصور وسط دموعه ضحكة مكسورة:
– الواد ده كان حبيب بيضربه على قفاه في كل عيد
– هو قالّي كده بالظبط
مسح منصور وجهه ثم قال بصوت خافت:
– سفيان... أنا عملت فيك حاجات زبالة... وفي بنتك... وفي نفسي
– مش وقته يا منصور
– لأ وقته لو حصلّي حاجة... عايزك تعرف إني ندمان
 ندمان على كل إمضا حطيتها.


في نفس الساعة دق جرس بيت سفيان
فتح أسر فوجد أمامه ديمتري سوكولوف بقميص أبيض في يده علبة حلويات صغيرة مربوطة بشريطة حمراء:
– صباح الخير... هل السيدة جودي هنا؟
 أردت أن أعتذر لها عن ليلة أمس لم يكن لطيفًا أن ترى شيئًا كهذا
جلس ديمتري في الصالة على الكنبة الكبيرة بهدوء كأنه في بيته
وجلست جودي أمامه على كتفيها شال ثقيل ويداها في حجرها
وعلى ذراع المقعد بجوارها جلس فهد
لم يتحرك من مكانه
نظر ديمتري إلى فهد وابتسم:
– اخوكي يحرُسكي؟
– لأ مش بحرسها بس بحب اقعد لازق في أختي 
كده عندك مانع؟
– آسف... 
 التفت إلى جودي وقال بنعومة :
– زوجك حبيب... أنا لم أره بعد لكنني سمعت أنه رجل صعب
 سؤال واحد يا سيدة جودي... وبعدها أذهب:
 هل تريدين أن يعود؟
شعرت جودي بالدم يهرب من وجهها كان السؤال فخًا... وكانت تعرف
لو قالت لا... سيفهم ولو قالت آه بسرعة... سيفهم أيضًا
قبل أن تفتح فمها قال فهد بصوت عالي:
– هو إحنا في المحكمة؟
التفت اليه ديمتري بدهشة فأكمل فهد ووجهه أحمر:
– إحنا ناس فيها اللي مكفيها 
 ابن عمي مخطوف وعمي هيموت من الحزن
 وإنت جاي تسأل أختي عايزاه يرجع ولا لأ
 أكيد عايزينه يرجع... كُلنا عايزينه يرجع
 حتى لو كان رخم وكلنا مش بنطيقه
ساد صمت ثقيل ثم ضحك ديمتري ضحكة صادقة لأول مرة ووقف:
– أحب هذا الولد
 قالها لجودي وهو يضع علبة الحلويات على الطاولة:
– حافظي عليه... الرجال الذين يتكلمون قبل أن يفكروا قليلون في عائلتكم
ثم خرج.

حين أغلق أسر الباب خلفه التفتت جودي إلى فهد انفجرت باكية وحضنته:
– إنت أنقذتني
– أنا عارف
  همس وهو ينظر إلى الباب:
– بس هو مش مصدق يا جودي... هو بس عرف إني هتكلم بدالك.


في القاهرة كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل
كانت سما جالسة على الأرجوحة الخشبية في آخر حديقة فيلا الشريف هاتفها على ركبتها
فتحت المحادثة للمرة العشرين... عشرات الرسائل
- صباح الخير يا تميم
- إنت كويس
- وحشتني
- رد عليا بكلمة واحدة بس
كلها بعلامة صح واحدة رمادية... لم تصل أبدًا
كتبت رسالة جديدة:
- النهارده الياسمين اللي زرعته جنب الشباك فتّح... كنت عايزاك تشوفه
 مسحتها قبل أن ترسلها وضعت الهاتف على الأرجوحة وغطّت وجهها بيديها
أحست بالأرجوحة تهتز تحتها
رفعت رأسها فوجدت عُدي جالسًا بجوارها بتيشيرت أبيض في يده كوبان من الشاي
مد إليها كوبًا وقال :
– ضي نامت... وأنا عارف إنك قاعدة هنا
– عرفت منين؟
– عشان أنا توأمه يا سما وانتي حبيبة توأمي 
 هو كان بيقعد هنا بالظبط لما يكون زعلان
أخذت الكوب منه ولم تشرب:
– مبيردش يا عدي بقاله أسبوعين مبيردش... الرسايل حتى مبتوصلش
سكت عدي للحظات ثم قال بهدوء :
– تعرفي أنا وتميم كنا بنعمل إيه وإحنا صغيرين لما واحد فينا يتوه في النادي؟
– إيه؟
– كنا بنقف في نفس المكان اللي اتفرّقنا فيه ومنتحركش لحد ما التاني يرجع
 نظر إليها وقال:
– إنتي واقفة في المكان الصح يا سما هو هيرجع هنا
 عشان الياسمين اللي زرعه... وعشانك
مسحت سما دموعها وأسندت رأسها إلى كتفه
ظلا جالسين على الأرجوحة في صمت حتى برد الشاي.


في نفس الساعة في الإسكندرية أغلقت سيلا باب غرفتها بالمفتاح
أطفأت النور الكبير وأشعلت الأباجورة الصغيرة بجوار الفراش
 فتحت الهاتف الثاني فجاءتها مكالمة فيديو قبل أن تضعه
ظهر وجه معاذ متعبًا في ضوء خافت لحيته طويلة على غير عادته:
– إنتي لسه صاحية؟
– مستنياك
– شيلي الطرحة
ابتسمت وفكّت الحجاب ببطء تركت شعرها ينسدل على كتفيها
ظل ينظر إليها باشتياق دون كلمة حتى خجلت وقالت :
– بتبُصلي كده ليه؟
– عشان أنا بقالي كتير بشوفك في الصور بس
 والصور مبنشمش ريحتها... قرّبي الموبايل
قربته فقال بصوت أعمق :
– أكتر
ضحكت ضحكة خافتة وسندت الهاتف على الوساده استلقت بجواره على جنبها:
– كده؟
– كده حلو
 ثم قال بهدوء خطير :
– اقلعي يا سيلا
اتسعت عيناها:
– معاذ!
– اقلعي... وحشني جسمك
 وحشني لدرجة إني بصحى بالليل إيدي بتدور
 عليكي في السرير ومبلاقيش غير المخدة
 وحشني صوتك وإنتي بتقوليلي بس يا معاذ وإنتي مش عايزاني أبطل
احمرّ وجهها حتى أذنيها ودفنته في المخدة وقالت:
– إنت قليل الأدب
– أنا جوزك
– جوزي قليل الأدب
– وإنتي بتحبيه كده
رفعت وجهها ونظرت إليه في الشاشة 
كانت عيناه حمراوين من السهر... فيهما جوع لم تراه فيهما منذ زمن
مدت يدها ببطء إلى أول زر في قميص نومها الحريري وهيا تقول:
– لو أمي خبطت؟
– مش هتخبط... الساعة واحدة
– ولو محمد؟
– هقتله
ضحكت وفكت الزر الأول ثم الثاني سمعته يأخذ نفسًا طويلًا مُرتعشًا على الخط:
– بالراحة يا سيلا
– إنت اللي قولتلي أقلع يا حبيبي!
– عارف... بس بالراحة عايز أحفظ كل حتة
إنزلق الحرير عن كتفها أغمض معاذ عينيه لثانية كأنه لا يحتمل
ثم فتحهما وقال بصوت مبحوح :
– ياااه... إزاي أنا عايش بعيد عن ده
انزلق القميص كله وسقط على حافة الفراش لم تعد سيلا تخجل
كانت عيناه على الشاشة تلمسانها أكثر مما كانت يداه تفعلان
كل نظرة منه كانت تمر على جلدها كأنها أصابع
على رقبتها... على كتفها... على الخط الناعم الذي ينزل من ضلوعها إلى خصرها
قال بصوت خفيض : 
كأنه يحكي سرًا:
– فاكرة أول مره لمستك فيها؟
– فاكرة
– كنتي بترتعشي كده بالظبط وكنتي بتقوليلي اطفي النور... وأنا مرضيتش
– إنت دايمًا مبترضاش
– عشان أنا عايز أشوفك
 عايز أشوف وشك وإنتي بتنسي الدنيا

أغمضت عينيها ومرت يدها ببطء على المكان الذي كان يحب أن يقبلها فيه تحت أذنها
فسمعته يهمس بإسمها كأنه يُقبلها من بين الحروف:
– سيلا
– إنت هنا
– أنا هنا... أنا دلوقت جنبك علي السرير وشفايفي مكان إيدك
 حاسة بيا؟
– حاسة بيك
كانت الأباجورة تُلقي على جسدها ضوءًا ذهبيًا دافئًا
وكان صوته يقودها كما كان يقودها دائمًا... كلمة كلمة... نفسًا نفسًا
يقول لها هُنا... فتفعل ويقول لها ... بالراحة... فتتمهل
يقول لها لا تبعدي عينيك عني... فلا تبعدهما
حتى صارت أنفاسهما على الخط نفسًا واحدًا متقطعًا
لم يعد يفصل بينهما محيط ولا مُدن ولا رجال يراقبون الشوارع
كانت في حضنه وكان في حضنها وكانت المسافة كلها كذبة.

 شهقت شهقة صغيرة مكتومة ودفنت وجهها في الوسادة
ظل هو على الشاشة يغمض عينيه ويتنفس ببطء ويهمس:
– بحبك... بحبك... بحبك
بعد وقت طويل كانت سيلا مستلقية على ظهرها شعرها مبعثر على المخدة والهاتف على صدرها والملاءة ملفوفة حولها
كان معاذ على الشاشة ينظر إليها بعينين نصف مغمضتين وابتسامة مُتعبة:
– سيلا
– همم
– أنا راجع...أقسم بالله راجع
 وأول ليلة هقفل باب الأوضة ومش هفتحه أسبوع
ضحكت بصوت ناعس:
– وأمي...؟ دي تنفوخنا 
– تحطلنا الأكل على الباب
– وأبوك؟
– أبويا فاهم
– ومحمد؟
– محمد هيبقى موقوف ومتفرغ... يجيبلنا الحلو من بره
ضحكت حتى دمعت عيناها ثم نامت والهاتف على صدرها
وظل معاذ يتطلع إليها وهي نائمة حتى انقطع الخط وحده.


في الرابعة فجرًا بتوقيت نيويورك انفتح باب غرفة ياسر بهدوء
استيقظ قبل أن يرى أحدًا... كان قد تعلًم أن ينام بنصف عين
وقف فيكتور عند الباب في معطفه الأسود الطويل وخلفه رجلان
دخل وأشعل الأباجورة بجوار الفراش جلس على طرفه بهدوء غريب:
– صباح الخير يا عقرب
اعتدل ياسر ببطء وذراعه ما زالت مربوطة:
– صباح النور
– أتعرف ما الذي أكرهه في هذه الحياة؟
لم يرد
– الخيانة...أكرهها أكثر من الموت
 الموت على الأقل صادق
أخرج من جيبه هاتفًا ووضعه على الفراش
على الشاشة صورة لسفيان وأسر يخرجان من بوابة مخزن صدئ في الميناء ليلًا:
– سُفيان ذهب إلى المكان الذي كان فيه حبيب
 قبل أن نخبر أحدًا بمكانه
 في الدنيا كلها رجل واحد فقط رأى الفيديو وسمع صوت السفينة
 رجل واحد فقط
رفع عينيه إلى ياسر وقال ببطء :
– السيد منصور
 مد يده إلى حزامه وأخرج مسدسًا أسود فتح خزنته أمام ياسر
فرأى الرصاصات اللامعة مرصوصة فيها واحدة فوق الأخرى
أعاد الخزنة إلى مكانها ثم وضع المسدس على رُكبة ياسر
– هذه المرة ليس فارغًا يا صديقي
 السيد منصور خاننا وأنت ستذهب إليه الليلة

ماذا سيحدث يا ترى...

سنرى......

انتظرووني......

بقلمي / فريده الحلواني 
تعليقات