رواية سوار جهنم الفصل العشرون بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
.الفصل العشرون
صباحك بيضحك يا قلب فريده
اوعي تيأسي أدام لسه فيكي نفس... عافري واحفري في الصخر
لحد ما توصلي لحلمك وهتوصلي
أنا واثقة فيكي
وبحبك .
في التاسعة صباحًا خرج تميم من باب المطبخ الخلفي يجر كيسين أسودين ثقيلين نحو صناديق القمامة الخضراء عند آخر الحديقة
كان الحارس واقفًا عند الباب يُدخن ولا ينظر إليه... فهو مجرد مُمرض فلبيني مسكين
يلقي القمامة لا يستحق نظرة
وصل تميم إلى الصناديق ورفع الغطاء الأول ببطء
كان السور الحجري خلف الصناديق مباشرة... ومن ورائه شجر كثيف وشارع جانبي هادئ
انحنى كأنه يربط الكيس رفع يده إلى أذنه ضغط على السماعة الصغيرة المختبئة تحت شعره:
– راغب
مرت ثانية... ثانيتان ثم جاءه صوت راغب مبحوحًا كأنه لم ينم منذ أيام:
– تميم... إنت عايش يا وِلد؟
– اسمعني ومتقاطعنيش... معايا أقل من دقيقة
حبيب هنا... في القبو ورا باب حديد في الآخر
عايش بس صدره تعبان وفيكتور إدى ياسر مسدس مليان
ياسر رايح يقتل منصور الليلة
حل صمت لحظة ثم قال راغب ببطء:
– الساعة كام؟
– مش عارف... بالليل
– ياسر هيضرب فين؟
– في المكان اللي هيقوله فيكتور
– جوله يضرب في الصدر... رصاصتين
ومهما حصل متقربش من الراس... فاهم؟
– فاهم
قبل أن يضيف راغب كلمة سمع تميم صوت الحارس خلفه:
– هاي... انتهيت
أنزل تميم يده بسرعة وألقى الكيس الثاني في الصندوق أغلق الغطاء واستدار بابتسامة غبية:
– يس سير... فينيش.
في الشقة الآمنة وضع راغب السماعة على الطاولة والتفت ببطء
كان معاذ واقفًا خلفه وقد سمع كل كلمة وكان أسر جالسًا على الأريكة وجهه أبيض كالحائط
همس أسر:
– عمي
لم يرُد أحد... ضرب معاذ الطاولة بكفه وقال بصوت حاد:
– محدش هيموت الليلة دي لا منصور ولا ياسر ولا أي حد
فكّر لحظة ثم التفت إلى راغب وقال بخُبث:
– منصور لازم يموت يا راغب
– إيه؟
– يموت قدام رجالة فيكتور... بعنيهم وبكاميرتهم
بس ميموتش
صمت راغب لحظة ثم ابتسم ابتسامة بطيئة وأشعل سيجارة:
– صديري... تحت الجميص
وكيسين دم على الصدر يفرجعوا مع الرصاصة
من مسافة خمس خطوات الصديري هيستحمل
هيكسرله ضلع ولا اتنين بس هيعيش والدم هيبجى في كل حتة
الراجل اللي بيصور هيصور اللي إحنا عايزينه يشوفه.
– والإسعاف؟
– عربية السباكة بجت عربية إسعاف من النهاردة
أنا عندي دكتور عجوز... عنده عيادة خاصة ومشرحة صغيرة
يكتب شهادة الوفاة وميسألش مديون ليا بحياته من عشر سنين
نهض أسر من على الكنبة وقال بصوت مرتجف:
– وعمي هيعرف؟
نظر إليه معاذ وقال بهدوء:
– عمك لازم يعرف إنه هيموت الليلة يا أسر
بس مش لازم يعرف إزاي ولا مين اللي عامل كده
اللي هيقوله الكلام ده... أبوك.
في الحادية عشرة كان تميم يغيّر رباط ياسر في الحمام والدش مفتوح على آخره
قرّب فمه من أذنه وهمس بسرعة:
– راغب بيقولك... الصدر... رصاصتين في الصدر
مهما حصل متقربش من الراس
نظر إليه ياسر نظرة مهزوزة ثم قال:
– يعني إيه؟
– يعني اعمل اللي بقولك عليه ومتفكرش
أغمض ياسر عينيه كان يعرف أن راغب لا يقول كلامًا بلا معنى
لكنه كان يعرف أيضًا أنه سيرفع المسدس الليلة على رجل حقيقي... بدم حقيقي
وأن إصبعه هو الذي سيضغط الزناد.
في الثانية ظهرًا دخل سفيان بيت أخيه للمرة الثانية في يومين
وجد منصور جالسًا في الحديقة الخلفية تحت الشجرة الكبيرة
الإيصال الصغير ما زال في يده كأنه لم يتركه منذ الأمس
جلس سفيان أمامه على المقعد الخشبي ونظر إليه دون كلمة حتى قال منصور:
– فيه إيه يا سفيان... وشك مش طبيعي؟
– الليلة هتموت يا منصور
تجمد منصور:
– إيه؟
– فيكتور عرف إنك إنت اللي دلتني على المينا وهيبعتلك حد الليلة يقتلك.
سقط الإيصال من يده على العُشب لم يصرخ... لم يتحرك
فقط ابتسم ابتسامة مكسورة غريبة وقال:
– كنت عارف... من ساعة ما بعتلك التسجيل وأنا عارف إن دي آخرتها
بس قولّي حاجة واحدة... حبيب؟
– حبيب عايش
– متأكد؟
– متأكد يا منصور
أغمض منصور عينيه وتنهد تنهيدة طويلة كأن حملًا سقط عن كتفيه:
– خلاص... يبقى مش فارقة
مال سفيان إلى الأمام أمسك يد أخيه بقوة:
– اسمعني كويس إنت الليلة هتموت... بس مش هتموت
رفع منصور عينيه إليه بعدم فهم فأكمل الآخر:
– أنا مش هقدر أقولك أكتر من كده
بس فيه ناس هتجيلك بعد العصر
هتلبس اللي هيدوهولك... وتعمل اللي هيقولولك عليه بالحرف
لمّا الراجل يدخل عليك الليلة متجريش ومتتكلمش
ولما يرفع المسدس... بُص في عينه
صدقني يا منصور.....
– أصدقك!
قالها منصور بصوت مبحوح:
– أصدقك ليه يا سفيان... وأنا عمري ما صدقتك ولا إنت صدقتني
– عشان المرة دي مفيش غيري
نظر إليه منصور للحظة ثم ضحك ضحكة صغيرة وسط دموعه:
– فاكر لما كنا صغيرين وأبويا كان بيضربنا بالحزام... كنت بتقف قدامي وتقوله اضربني أنا
– فاكر
– عمري ما قولتلك شكرًا
– قولها دلوقت
– لأ
مسح منصور دموعه وأكمل :
– هقولهالك لو عشت.
عاد سفيان إلى سيارته وضع رأسه على عجلة القيادة دقيقة ولم يرى الوجه الذي كان مختبئًا
خلف شجرة أمام السور... فهد
كان قد توارى داخل صندوق السيارة هذه المرة ونزل بعد أن دخل أبوه البيت ثم لحقه
وسمع...لم يسمع كل شيء لكنه سمع ما يكفي
- الليلة هتموت... بس مش هتموت
حين فتح سفيان الصندوق في جراج البيت ليُخرج كيس الفاكهة وجد إبنه ملفوفُا فيها كالقطة
وعيناه حمراوان
– فهد!
خرج فهد ببطء ووقف أمام أبيه:
– أنا سمعت يا بابا
شحب وجه سفيان:
– سمعت إيه؟
– سمعتك بتقول لعمي إنه هيموت ومش هيموت... يعني إيه؟
أغلق سفيان الشنطة وفرد جسده حتى صار وجهه في مستوى وجه إبنه:
مسك كتفيه بيديه الإثنتين:
– فهد... إنت راجل
– أيوه
– الكلام ده لو طلع من بؤك لأي حد... عمك هيموت بجد... إنت فاهم؟
هز فهد رأسه ببطء
– احلفلي
– أحلف بإيه؟
– بحياة جودي
بلع فهد ريقه وقال بصوت مرتجف:
– وحياة جودي ما هقول لحد
حضنه سفيان بقوة حتى كاد يكسر ضلوعه وهمس في أذنه:
– أنا آسف يا حبيبي... آسف إنك شايل حاجة زي دي
وانت مش ذنبك تشيلها
– أنا مش صغير يا بابا أنا راجل و لازم أشيل الحمل معاك
قالها فهد وهو يربت على كتف أبيه:
– أنا الوحيد اللي عارف... يبقى هنشيلها سوى.
في الخامسة عصرًا دخل رجل أبيض الشعر يحمل حقيبة طبيب جلدية قديمة بيت منصور
ومعه أسر لم يقُل الطبيب اسمه
فتح الحقيبة وأخرج منها صديريًا أسود رقيقًا وكيسين صغيرين شفافين
مليئين بسائل أحمر داكن وأسلاكًا رفيعة
ساعد منصور في لبس الصديري تحت قميصه الأبيض ثبت الكيسين على صدره بشريط لاصق
ثم قال بالإنجليزية بصوت هادئ:
– حين تشعر بالضربة ستشعر كأن حصانًا ركلك في صدرك
ستسقط... لن تحتاج أن تمثل
ابقى على الأرض... لا تتحرك... لا تفتح عينيك... مهما سمعت
نظر منصور إلى أسر الواقف عند الباب بوجه شاحب وقال:
– إنت هتبقى هنا؟
– لأ يا عمي... أنا هبقى برة بس قريب منك أوي متقلقش
– قولّي يا أسر... إنتو مين؟
ابتسم أسر ابتسامة صغيرة حزينة:
– إحنا عيلتك يا عمي وده كفاية .
في الإسكندرية كانت الساعة الثانية عشرة ليلًا
وقف سالم الشريف على الشاشة في مكتب حسن وجهه متجهم بشكل لم يراه حسن من قبل:
– لقينا شقة الواد أبو كاب أزرق في مُحرم بك
اسمه شريف... عنده تمانية وعشرين سنة... شغال سواق أوبر وبيعمل أي حاجة بفلوس
– مسكتوه؟
صمت سالم لحظة ثم قال:
– لقيناه ميّت يا حسن على الأرض في الصالة... من حوالي ست ساعات
والموبايل مش موجود... والشقة متقلّبة
وقف حسن ببطء من على مقعده:
– فيكتور؟
– فيكتور بيمسح وراه كل واحد شافه أو اشتغل معاه بيختفي
– والأشقر؟
– رجع الفندق امبارح ومطلعش من الأوضة
رجّالتي حواليه من كل ناحية
بس مقدرش أمسكه يا حسن... مفيش عليه حاجة لحد دلوقت
سكت حسن ثم نظر من نافذة مكتبه إلى الطابق الثاني حيث غرفة سيلا وقال بصوت منخفض:
– الواد ده كان واقف ورا بنتي بخطوتين يا سالم... خطوتين
– عارف
– ودلوقت ميت
– عارف يا حسن اطّمن لو عرفت حاجة تاني... هتكون أول واحد يعرف
أوعدك المرة دي.
في نفس الساعة في غرفه ياسين كانت آسيا جالسة على الأريكة وركبتاها مضمومتان إلى صدرها و التلفاز مفتوح بلا صوت
خرج ياسين من الحمام ببيجامته ووقف ينظر إليها:
– إنتي لسه صاحية؟
– مش جايلي نوم
جلس بجوارها سحب رجليها على حجره وبدأ يدلك قدميها ببطء كما يفعل كل ليلة منذ أن تزوجا:
– بتفكري في إيه؟
– في كل حاجة في معاذ اللي مختفي
وفي محمد اللي اتضرب واتوقف... وفي سيلا اللي اتمسكت في المطار
في بابا اللي شاب في أسبوعين... وفي ماما غالية اللي مبتاكلش
حاسة إن البيت بيقع حجر حجر يا ياسين وأنا قاعدة هنا بتفرج.
ترك ياسين قدميها سحبها إليه حتى صارت جالسة في حجره ورأسها على صدره:
– البيت ده مش هيقع يا آسيا
طول ما عمي حسن واقف... وطول ما إنتي بتطبخي محشي
ضحكت ضحكة صغيرة مخنوقة وضربته على صدره:
– إنت دايمًا بتهرّج في الوقت الغلط
– عشان إنتي دايمًا بتعيطي في الوقت الغلط
رفعت رأسها ونظرت إليه:
– أنا بعيط؟!
– إنتي بتعيطي من غير دموع... وأنا عارف
من ساعة ما اتجوزنا وأنا عارف عينك بتلمع كده... وبؤك بيترعش هنا
لمس طرف شفتها السفلى بإبهامه:
سكتت آسيا...ثم انفجرت فعلًا بالبكاء ودفنت وجهها في رقبته
فلم يقُل ياسين شيئًا ضمّها إليه أكثر وظل يمسح على شعرها ببطء ويهمس:
– عيطي... عيطي براحتك أنا هنا
بعد دقائق طويلة هدأت ورفعت وجهها المبلول وقالت:
– ياسين
– نعم
– إنت بتحبني؟
– لأ
اتسعت عيناها فضحك وقبّل جبينها:
– أنا بعشقك يا آسيا... الحب ده كلمة صغيرة
ثم قام وهو يحملها بين ذراعيه:
– تعالي ننام بقى... منة بكره هتصحيكي بدري عشان هتعملي فطير مشلتت
– أنا قولت هعمل فطير؟
– لأ... بس أنا عايز وهي قالت يبقى خلاص.
في التاسعة مساءًا بتوقيت نيويورك وقفت سيارة سوداء أمام بيت منصور
نزل منها ياسر... ذراعه ما زالت مربوطة إلى صدره والمسدس في حزامه
خلفه رجلان من رجال فيكتور... واحد طويل أصلع والتاني قصير بلحية حمراء
وفي يده هاتف مرفوع قال الأصلع بالإنجليزية:
– السيد فيكتور يريد أن يرى كل شيء
من أول خطوة... إلى آخر نفس
وإذا ترددت... سنُكمل نحن... وسنبدأ بك.
في نفس اللحظة على بُعد شارعين كانت عربية إسعاف بيضاء مركونة بأنوار مطفأة
في المقعد الأمامي جلس معاذ بزي مُسعف أزرق... والماسك السيليكون على وجهه
بجواره راغب يُدخّن في الظلام ويده على اللاسلكي أما في الخلف
كان الطبيب العجوز يُجهز النقالة... همس معاذ:
– لو حصل أي حاجة غلط...
– مش هيحصل
– راغب
– الوِلد ده أنا اللي معلّمه يا معاذ هيضرب في المكان الصح.
دخل ياسر البيت والباب مفتوح كانت الصالة مضاءة بنور خافت
ومنصور جالس على مقعده الكبير في آخرها بقميص أبيض أمامه كوب شاي لم يشربه
رفع عينيه حين دخل ياسر لم يتحرك لم يصرخ لم يحاول أن يجري كأنه كان ينتظره
تحرّك ياسر خمس خطوات حتى توقف في منتصف الصالة والرجل ذو اللحية الحمراء خلفه يصور
أخرج المسدس من حزامه كان يشعر بثقله الحقيقي هذه المرة... بالرصاص داخله
رفعه نحو منصور قال الأخير بصوت هادئ غريب:
– إنت ياسر؟
– أيوه
– حبيب كان بيكرهك
– عارف
– بس إنت أنقذت جودي يوم الفرح أنا شوفتك
سكت لحظة ثم قال وهو ينظر في عينيه مباشرة:
– خليك جدع معاها يا ابني
إرتعش المسدس في يد ياسر لنصف ثانية ثم ثبت... تذكر صوت تميم في رأسه:
الصدر... رصاصتين مهما حصل متقربش من الراس
ضغط الزناد دوت الرصاصة الأولى في الصالة كالرعد
انتفض جسد منصور على المقعد كأن شيئًا ضخمًا ضربه في صدره
انفجرت بقعة حمراء على قميصه الأبيض ... ثم الثانية
فسقط منصور من المقعد إلى الأرض على جانبه والدم يسيل من صدره
على السجادة ببطء لم يتحرك
ساد صمت مُرعب اقترب الرجل الأصلع خطوتين ونظر إلى الجسد الملقى
ثم إلى ياسر:
– الرأس... أكمل في الرأس
تجمّد ياسر
- مهما حصل متقربش من الراس
قال بصوت بارد خشن:
– اللي بياخد رصاصتين في القلب ميحتاجش تالتة
أنا مبضيعش رصاص على الميتين.
نظر إليه الأصلع في نفس اللحظة جاء من الشارع صوت سيارة تقترب وأضواء تلمع في الشباك
قال صاحب اللحية الحمراء بقلق وهو ينزل الهاتف:
- الجيران... يجب أن نذهب
شدّ الأصلع ياسر من ذراعه السليمة وخرج الثلاثة من الباب الخلفي بسرعة
بعد أربع دقائق بالضبط وقفت عربية الإسعاف البيضاء أمام البيت
دخل معاذ والطبيب العجوز ومعهما النقالة
انحنى الطبيب على منصور وضع إصبعين على رقبته ثم همس بالإنجليزية:
– عايش ضلعان مكسوران... وفاقد الوعي من الصدمة... لكنه حي
أغمض معاذ عينيه خلف الماسك لثانية ثم حملا منصور على النقالة غطاه الطبيب بالملاءة البيضاء حتى رأسه
خرجا به إلى الإسعاف أمام عيون الجيران الذين بدأوا يتجمّعون على الرصيف.
في العاشرة والنصف ليلًا رن هاتف سفيان في بيته كان جالسًا في الصالة مع أولاده الثلاثة
فهد ملتصق به لا يتركه... رسالة من رقم مجهول... فيديو
لم يفتحه سفيان لكن جودي كانت بجواره ورأت إسم الرسالة على الشاشة... عمك
– بابا... إيه ده؟
– مفيش يا جودي
– بابا افتحه
– قولت مفيش
خطفت الهاتف من يده قبل أن يمنعها وضغطت على الفيديو... رأت صالة بيت عمها
وعمها جالس على مقعده ورجل يقف أمامه ويرفع مسدسًا الكاميرا تلف قليلًا فيظهر وجهه... ياسر
دوت الرصاصتان من سماعة الهاتف رأت عمها يسقط والدم يُغرق قميصه الأبيض
صرخت جودي صرخة لم يسمعها أحد في البيت منها من قبل
سقط الهاتف من يدها على الأرض وقفت تنظر إلى أبيها بعينين مفتوحتين على آخرهما
– ياسر قتل عمي... ياسر قتل عمي يا بابا
– جودي...
– هو... هو بإيده... أنا شوفته أنا شوفته
جرى أسر إليها حاول أن يحتضنها فدفعته بعُنف وجرت إلى غرفتها أغلقت الباب بالمفتاح
سمعوها تبكي وتصرخ وتكسر كل شيء تقع عليه يدها
وقف سفيان في منتصف الصالة يداه ترتجفان
جلس فهد على الأرض بجوار الهاتف المكسور ووضع رأسه على ركبتيه
كان يسمع أخته تصرخ خلف الباب كان يعرف كان يعرف الحقيقة كلها
لكنه قد حلف بحياتها
رفع رأسه ونظر إلى أبيه بعينين حمراوين
فهز سفيان رأسه ببطء... بمعنى لا.
قام فهد واتجه إلى باب غرفة أخته جلس على الأرض أمامه وظهره إليه
لم يقُل شيئًا... ظل جالسًا هناك حتى الثالثة فجرًا إلى أن هدأ البكاء خلف الباب.
وحين فتحت جودي الباب أخيرًا وجدته نائمًا على الأرض أمامه
جلست بجواره وأخذت رأسه في حجرها وبكت بصمت حتى طلع النهار.
في الحادية عشرة ليلًا كان ياسر جالسًا في المقعد الخلفي للسيارة السوداء عائدًا إلى قصر إيفان
ينظر من النافذة إلى أضواء المدينة ولا يرى شيئًا كانت يده السليمة ما زالت ترتعش على ركبته
كان يسمع صوت منصور في أذنه:
- خليك جدع معاها يا ابني
ولا يعرف... لا يعرف إذا كان منصور عايش أم ميت
لا يعرف إذا كان الصديري تحمّل أم لا
لا يعرف إذا كانت يده هي التي قتلت راجل أم شئ آخر
حين نزل من السيارة أمام القصر وجد ديمتري واقفًا على السلم الحجري يرتدي عطف خفيف
في يده كوب شاي ابتسم له ابتسامته المهذبة وقال:
– أحسنت يا ابن شعبان
شاهدت الفيديو رصاصتان في القلب... عمل نظيف جدًا
أخذ رشفة من الشاي ثم أكمل وهو ينظر إلى السماء:
– لكن الإسعاف وصلت بعد أربع دقائق فقط
في حي هادئ... في هذا الوقت من الليل... أربع دقائق هذا سريع جدًا... ألا تظن؟!
لم يرُد ياسر.
في الواحدة بعد منتصف الليل وقفت سيارة رمادية صغيرة أمام عيادة خاصة قديمة في شارع جانبي نزل منها ديمتري سوكولوف وحده... دفع الباب الزجاجي ورنّ الجرس الصغير المُعلق فوقه
رفعت الموظفة العجوز عند الكاونتر عينيها من الجريدة وقالت:
– العيادة مغلقة يا سيدي
ابتسم ديمتري ابتسامته المهذبة وضع على الكاونتر بطاقة لا يقرأ ما عليها أحد:
– أعرف... أنا هنا من أجل رجل جاء إليكم الليلة
السيد منصور الجبري قيل لي إنه توفى
ترددت الموظفة لحظة ونظرت إلى الباب الداخلي المغلق
فمال ديمتري على الكاونتر وقال بهدوء:
– أريد أن أرى الجثة... الآن
ماذا سيحدث يا ترى.....
سنرى.......
انتظروووني.......
بقلمي / فريده الحلواني
