📁 آخر الأخبار

روايه سوار جهنم الفصل الواحد والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه سوار جهنم الفصل الواحد والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه سوار جهنم الفصل الواحد والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه سوار جهنم الفصل الواحد والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 


سوار جهنم 

الفصل الواحد والعشرون 

فريده الحلواني 


صباحك بيضحك يا قلب فريده 


بعد الصبر جبر وعوض صدقيني هيجبرك ويعطيكي حتى يرضيكي أنا واثقة 

وبحبك. 



نظرت الموظفة العجوز إلى البطاقة على الكاونتر ثم إلى وجه ديمتري ثم إلى الباب الداخلي المُغلق خلفها:

– الدكتور مشغول يا سيدي... لا يمكن لأحد أن يدخل إلى غرفة الموتى في هذا الوقت

– أعرف أن الوقت متأخر

 قالها ديمتري بلطف وهو يسحب كرسيًا ويجلس أمام الكاونتر كأنه سينتظر حتى الصباح:

– لهذا جئت بنفسي... حتى لا أزعج أحدًا غدًا

 قولي للدكتور إن صديقًا للعائلة يريد أن يودّع السيد منصور

 وإنني لن أذهب قبل أن أودعه.


رفعت الموظفة سماعة الهاتف الداخلي بيد مرتجفة همست فيها بكلمات قليلة

وبعد دقيقة انفتح الباب الداخلي

خرج الطبيب العجوز بمريلة بيضاء مُلطخة بالدم عند الأكمام... نظارته على طرف أنفه

نظر إلى ديمتري نظرة مُتعبة ثم قال بالإنجليزية بصوت هادئ:

– الرجل وصل ميتًا يا سيدي

 رصاصتان في القلب من مسافة قريبة... لم يكن هناك ما يمكن فعله

– أعرف

 ابتسم ديمتري

– رأيت الفيديو

 لكنني رجل قديم الطراز يا دكتور... لا أصدق إلا ما ألمسه بيدي

صمت الطبيب لحظة ثم تنحى جانبً وأشار إلى الباب:

– تفضّل


في الغرفة الصغيرة خلف المشرحة كان أسر واقفًا ملتصقًا بالحائط في الظلام خلف ستارة بلاستيكية خضراء كان يسمع كل كلمة

كان يسمع قلبه يضرب في أذنيه حتى خاف أن يسمعه ديمتري من الناحية الأخرى

قبل ساعتين فقط كان الطبيب قد غرس الإبرة في ذراع عمه

قال وهو يضغط عليها ببطء:

– هذه ستجعل قلبه ينبض مرة كل عشرين ثانية تقريبًا

 وستخفض حرارته حتى يصبح جلده باردًا كالثلج

 سيبقى هكذا أربع ساعات إذا لمسه أحد... لن يجد شيئًا

 أضاف بهدوء وهو ينزع القفاز:

– إلا إذا انتظر أكثر من عشرين ثانية.


دخل ديمتري غرفة المشرحة ببطء

كانت الغرفة باردة جدًا ورائحة المطهر تملأ المكان

في منتصفها طاولة معدنية لامعة عليها جسد مغطى بملاءة بيضاء حتى الرأس

وعلى الملاءة فوق الصدر بقعتان حمراوان كبيرتان ناشفتان

وقف ديمتري بجوار الطاولة لحظة ثم مد يده ورفع الملاءة عن الوجه... منصور

وجهه أزرق شاحب شفتاه بنفسجيتان عيناه مغمضتان وعلى رقبته خيط دم ناشف نزل من صدره

نظر إليه ديمتري بهدوء كأنه يتأمل لوحة في متحف ثم أنزل الملاءة قليلا حتى ظهر الصدر

فتحتان صغيرتان حمراوان وحولهما كدمات زرقاء داكنة واسعة

كان الصديري قد أخذ الرصاصتين... لكن الضربة تركت على الجلد آثارا حقيقية جدا

كان الطبيب قد أكمل الباقي بمشرطه


انحنى ديمتري ونظر إلى الجرحين عن قرب ثم استقام ونزع قفازه الجلدي الأسود ببطء

وضع إصبعين على رقبة منصور تحت الفك

واحد اثنان ثلاثة

خلف الستارة أغمض أسر عينيه وبدأ يعد معه في رأسه

أربعة خمسة ستة

كان الطبيب واقفًا عند الباب يداه في جيبي البالطو لم يتحرك فيه شيء

إلا إصبع واحد في جيبه كان يضغط على القلم حتى كاد يكسره

عشرة أحد عشر اثنا عشر

– جلده بارد جدًا

 قالها ديمتري بهدوء دون أن يرفع إصبعيه

– هذه غرفة الموتى يا سيدي

 رد الطبيب هكذا وأكمل:

– نحن نحافظ عليها باردة

خمسة عشر ستة عشر سبعة عشر

بلع أسر ريقه بصعوبة وقبض يديه حتى انغرزت أظافره في كفيه

ثمانية عشر... فجأة رفع ديمتري إصبعيه

نظر إلى وجه منصور لحظة أخيرة ثم أعاد الملاءة على الوجه بعناية كأنه يغطي طفلًا نائمًا.

– رجل مسكين

 قالها وهو يلبس قفازه

– كان يحب إبنه أكثر مما يجب وهذا دائمًت ما يقتل الآباء

أخرج هاتفه التقط صورتين... صورة للوجه وصورة للصدر

ثم التفت إلى الطبيب وابتسم ابتسامته المهذبة:

– متى الدفن؟

– أهله مسلمون... يريدون الدفن غدًا قبل العصر

 الأخ اتصل منذ ساعة وطلب أن يكون التابوت مغلقًا

 الجرح في الصدر كبير... وهم لا يريدون أن تراه الفتيات.

– طبعًا... طبعًا

 هزّ ديمتري رأسه بتفهّم اتجه نحو الباب ثم توقف عند العتبة دون أن يلتفت وقال:

– قُل للأخ إننا سنحضر جميعا يا دكتور

 السيد فيكتور يحب أن يودّع أصدقاءه القدامى.



ثم خرج... ظل الطبيب واقفًا مكانه حتى سمع صوت الباب الخارجي يُغلق ثم صوت السيارة تبتعد

 أخرج يده من جيبه كان القلم مكسورًا نصفين

خرج أسر من خلف الستارة وجهه مبلول بالعرق

اقترب من الطاولة ورفع الملاءة عن وجه عمه بيد ترتجف

وضع أصابعه على رقبته وانتظر

واحد... اثنان... ثلاثة حتى عشرين ثم شعر بها

نبضة واحدة ضعيفة تحت أصابعه كأنها طرقة خفيفة على باب بعيد

جلس أسر على الأرض الباردة بجوار الطاولة وأسند ظهره إليها

وضع وجهه بين رُكبتيه وبكى كما لم يبكي منذ ماتت أمه.


في السابعة صباحًا دخل تميم غرفة ياسر ومعه الصينية

كان ياسر جالسا على حافة الفراش بنفس الملابس التي رجع بها ليلة أمس

لم ينم لم يتحرك كانت عيناه حمراوين وجهه رماديًا كوجه رجل خرج من قبر

قال تميم بالإنجليزية بصوت عالي:

– صباح الخير يا سيدي... وقت الحمام

لم يرد ياسر لم ينظر إليه حتى

فاقترب تميم أمسك ذراعه السليمة وشده برفق فقام معه كأنه بلا وزن

في الحمام فتح تميم الدُش على آخره

 أدار ياسر نحوه ومسك وجهه بيديه الإثنتين قرّب فمه من أذنه وهمس:

– عايش

لم يفهم ياسر

– منصور عايش يا ياسر الصديري استحمل

 ضلعين مكسورين بس... وهو دلوقت نايم

 في أوضة سرية عند الدكتور وأسر جنبه

 راغب قالي من نص ساعة وأنا بطلّع الزبالة.


نظر إليه ياسر نظرة غريبة كأنه لا يصدق ثم ارتعشت شفتاه

انكسر شيء في وجهه... ثم انهار

سقط على ركبتيه على أرض الحمام المبلولة والماء ينهمر فوق رأسه

انحنى إلى الأمام حتى كادت جبهته تلمس البلاط

خرج من صدره صوت لم يسمعه تميم من رجل قط

بكاء مكتوم مخنوق كأنه محبوس منذ سنين

جثا تميم بجواره على الأرض شده إلى صدره وحضنه بقوة:

– خلاص... خلاص يا ياسر خلاص

– أنا كنت فاكر إني قتلته

 همسها ياسر وهو يرتجف كله

– طول الليل يا تميم... طول الليل وأنا شايف وشه

 كان بيبُصلي... كان بيقولي خليك جدع معاها يا ابني

 وأنا ضربته... أنا ضربته في قلبه

– إنت عملت كده عشان يعيش

– مكُنتش عارف

 مكنتش عارف لو الصديري هيستحمل

 مكنتش عارف لو هيقوم

 كنت عارف بس إن صباعي هو اللي ضغط

شد تميم رأسه إلى كتفه أكثر ظل يمسح على شعره المبلول كما كان يفعل مع عدي وهم صغار حين يرى كابوسًا:

– اسمعني إنت مش قاتل يا ياسر القاتل مبيعيطش كده

 القاتل بينام عادي ولا كأنه عمل حاجة


ظلا هكذا على أرض الحمام تحت الماء حتى برد

ثم ساعده تميم على الوقوف أكمل غسل الجرح بهدوء كأن شيئًا لم يكن

قبل أن يفتح الباب همس له:

– الدفن النهارده العصر فيكتور وديمتري رايحين

 إنت هتروح معاهم وجودي هتبقى هناك

أغمض ياسر عينيه:

– جودي فاكرة إني قتلت عمها صح؟

– أيوه

– وهتفضل فاكرة كده؟

– لحد ما نقدر نقولها وده مش النهارده طبعًا.


في الرابعة فجرًا كان منصور قد فتح عينيه

كانت الغرفة صغيرة جدًا بلا نوافذ نور أصفر خافت يأتي من أباجورة على الأرض

صدره يؤلمه ألمًا رهيبًا كلما تنفس

أدار رأسه ببطء فرأى أسر جالسًا على مقعد بجوار الفراش رأسه مائل على كتفه نائمًا

همس منصور بصوت مبحوح لا يكاد يُسمع:

– حبيب

انتفض أسر وفتح عينيه:

– عمي

 مال عليه بسرعة

– متتكلمش... متتحركش الدكتور قال ضلوعك مكسورة

– حبيب

 كررها منصور ودمعة تنزل من طرف عينه على المخدة:

– حبيب فين يا أسر؟

بلع أسر ريقه ومسك يد عمه:

– حبيب عايش يا عمي إحنا عارفين هو فين

 ومش هنسيبه

– فين؟

– مش هقدر أقولك بس قريب أقرب مما تتخيل

أغمض منصور عينيه أخذ نفسًا متقطعًا مؤلمًا ثم فتحهما وقال:

– والولد ده

– مين؟

– ياسر...الولد اللي ضربني كان بيرتعش يا أسر

 إيده كانت بترتعش وهو رافع المسدس

 بعدين ثِبتت... وبصلي في عيني

 مكانش بيبصلي زي واحد عايز يقتل

 كان بيبصلي زي واحد بيعتذر

لم يرُد أسر فابتسم منصور ابتسامة مكسورة:

– مش هتقولي إنتوا مين... صح؟

– مش دلوقت يا عمي

– طب قولي حاجة واحدة بس... أنا ميت دلوقت؟

– آه

 قالها أسر وضحك وسط دموعه:

– إنت ميت يا عمي والنهارده العصر هندفنك

– هتعيطوا عليا كويس؟

– أبويا هيعيط عليك أكتر من أي حد

سكت منصور ثم قال بصوت أخفض:

– سفيان... قوله... قوله شكرًا

 أنا قولتله إني هقولهاله لو عشت وأنا عشت.


في الثالثة عصرًا بتوقيت نيويورك كانت المقبرة الإسلامية في نيوجيرسي رمادية تحت سماء ملبدة بالغيوم

عشرات الرجال وقفوا حول الحُفرة المفتوحة... جيران منصور وشركاؤه القدامى ورجال من الجالية المصرية ورجال لا يعرفهم أحد

في الأمام وقف سفيان بجلباب أبيض وطاقية بيضاء وجهه منحوت من حجر

بجواره أسر بعينين متورمتين وفهد ببدلة سوداء وقميص أسود مفتوح الزر الأول

كان طول عمره هو الذي يُضحك العائلة في الأفراح و الأحزان أيضًا 

كان دائمًا أول من يسأل ماهو الطعام الذي سيقدمونه بعد العذاء

لكنه اليوم كان يقف صامتًا يده على كتف أبيه وفكه مشدود

ولا كلمة ولا مزحة... كان هذا كفيلًا أن يعلم آسر أن أخاه يحمل همًا لا يتحمله أحد .   

على بعد خطوات وقفت النساء جانبهم جودي في عباءة سوداء وطرحة سوداء وجهها شاحب كالشمع وعيناها جافتان تماما كانت قد بكت حتى لم يعد فيها دموع

حمل الرجال التابوت الخشبي المغلق على أكتافهم كان خفيفًا

خفيفا أكثر مما يجب لكن لا أحد كان يفكر في الوزن وهو يحمل ميتًا

قرأ الإمام الدعاء بصوت جهوري وأنزلوا التابوت ببطء في الحفرة

انحنى سفيان والتقط حِفنة من التراب وقف فوق الحفرة للحظات ثم ألقاها

انكسر صوته فجأة وهو يقول:

– الله يرحمك يا منصور

انهار على رُكبتيه على حافة القبر لم يكن يمثل كان يبكي على كل السنين التي ضاعت بينهما

على كل كلمة لم يقُلها... على الحزام الذي كان أبوهم يضربهم به

على أخ كان ميت فعلًا بداخله منذ زمان... وعاد للحياة الليلة الماضية.


جرى أسر وفهد إليه رفعاه من تحت إبطيه

عند صف السيارات في آخر المقبرة توقفت سيارة سوداء طويلة

نزل منها فيكتور بمعطف أسود طويل ونظارة سوداء

خلفه ديمتري بقميص أسود هذه المرة

خلفهما ياسر... ذراعه ما زالت مربوطة إلى صدره ووجهه بلا أي تعبير

ساد همس بين الرجال حول القبر وتجمد أسر في مكانه

أما جودي فرفعت عينيها ببطء ورأته

مشى فيكتور حتى وقف على بعد خطوات من سفيان خلع نظارته وقال بالإنجليزية بصوت مسموع:

– البقاء لله يا سيد سفيان أخوك كان رجلا طيبًا

 لكن الطيبين لا يعيشون كثيرًا في هذه المدينة

لم يرُد سفيان نظر إليه فقط نظرة لو كانت رصاصة لقتلته في مكانه

في تلك اللحظة تحركت جودي

مَشت بين الرجال الواقفين بخطوات ثابتة غريبة لم يستطع أحد أن يوقفها

حتى وقفت أمام ياسر مباشرة على بعد خطوة واحدة

لم تلمسه... لم ترفع يدها فقط نظرت في عينيه

لم يخفض ياسر عينيه هذه المرة كان يعرف أنه يستحق كل ما سيأتي

قالت بصوت منخفض هادئ أرعب من أي صراخ:

– إنت قتلت الراجل الوحيد في عيلتنا اللي كان ندمان

 الوحيد اللي كان عايز يصلّح

 قتلته وهو قاعد على كرسيه وبيبُصلك

 أنا شوفت الفيديو يا ياسر شوفته عشرين مرة

 مش عارفة أنا كنت بشوف عمي بيموت

 ولا بشوفك إنت بتموت قدامي

ارتعش فك ياسر ولم يقل شيئًا.

– أنا كنت فاكراك

 سكتت وبلعت ريقها:

– مش مهم كنت فاكراك إيه إنت دلوقت ولا حاجة

 إنت بالنسبالي مُت مع عمي واتدفنت معاه في نفس الحفرة

 استدارت ومشت ولم تلتفت.

وقف ياسر في مكانه كأن أحدا غرس سِكينًا في صدره وتركها

كان ديمتري بجواره ينظر إليه بعينيه الرماديتين الهادئتين

ثم قال بصوت خافت لا يسمعه غيره:

– المرأة لا تكره رجلًا بهذه القوة... إلا إذا كانت

 أحبته قبل ذلك بنفس القوة هذا ممتع جدًا.



بعد نصف ساعة بدأ الناس ينصرفون

وقف فيكتور يتحدث مع رجلين من شركاء منصور القدامى

كان ياسر واقفًا وحده عند شجرة جافة على طرف المقبرة

حين سمع خطوات هادئة على العُشب خلفه

التفت فوجد فهد واقفًا بجواره... يداه في جيبي بنطاله عيناه على القبر البعيد

وقف الإثنان جنبًا إلى جنب كأن كل واحد منهما لا يعرف الآخر

 قال فهد بصوت عادي جدا كأنه يتحدث عن أحوال الطقس:

– الجو برد النهارده

لم يرد ياسر

– أنا مَكلتش من امبارح

العزا ده هيبقى فيه أكل وحش... أنا عارف سفيان بيطلب الأكل من مين

 سكت لحظة وأكمل دون أن يلتفت إليه:

– إنت لسه مديون ليا بشاورما على فكرة

من يوم الحمّام ومتفتكرش إن عشان الدنيا اتقلبت هنسى

أنا مبنساش اللي ليا 

الجدعان بيدفعوا ديونهم... ولا إيه؟

 التفت إليه أخيرًا ولم يكن في عينيه أي مُزاح

كانت عيناه ثابتتين في عيني ياسر نظرة عميقه لثانيتين فقط

ثم ابتسم ابتسامته المعتادة وربت على كتفه السليمة كما يربت أي رجل على كتف رجل في عزاء:

– البقاء لله

مشى بخطوات هادئة نحو أبيه وأخيه وقف ياسر مكانه ينظر إليه وهو يبتعد بين الناس

- والجدعان بيدفعوا ديونهم... ولا إيه؟

يعني إنت لسه جدع في عيني... يعني أنا عارف

انحنى ياسر برأسه قليلًا حتى لا يرى أحد وجهه

خلف عينيه المغمضتين كان شيء صغير جدًا قد عاد يتنفس.


في الإسكندرية كانت الساعة العاشرة صباحًا

جلس محمد على مقعد خشبي أمام باب مكتب التحقيق في مديرية الأمن ببدلته الميري 

كانت يداه متشابكتين على ركبتيه بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه

جلس ياسين بجواره وفي يده الملف الأزرق:

– متتوترش

– أنا مش متوتر

– رجلك بتتهز من ربع ساعة يا محمد

أوقف محمد قدمه ونظر إلى أخيه و قال بتمثيل متقن:

– لو اترفدت؟

– مش هتترفد

– لو اترفدت يا ياسين... يبقى أنا ضيّعت الحاجة الوحيدة اللي عملتها في حياتي صح

لو خرجت دلوقت بسبب غلطة زي دي

– مش هتخرج

 قالها ياسين بهدوء ووضع يده على كتفه وأكمل:

– بعدين عمي حسن مش زعلان عشان إنت غبي 

 عمي حسن زعلان عشان إنت كنت هتموت

انفتح الباب وخرج عسكري

– المُقدم محمد طه الجيزاوي

دخل محمد وأغلق الباب خلفه

ظل ياسين جالسًا ينظر إلى الباب المغلق لمدة ساعة بأكملها

حين انفتح أخيرًا خرج محمد ووجهه لا يقول شيئًا.

وقف ياسين بسرعة:

– إيه؟

مشى محمد خطوتين حتى وقف أمامه ثم ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة:

– إنذار وخصم شهرين

 التحقيق في السلاح مفتوح لحد ما يتلاقى

 بس راجع الشغل من أول الشهر

ضربه ياسين على كتفه بقوة حتى تأوّه:

– قولتلك

– كتفي يا ياسين... كتفي لسه وجعاني يا غبي

– أحسن

 ثم حضنه فجأة وقال في أذنه:

– آسيا هتعيط لما أقولها

– آسيا بتعيط على أي حاجة

– آه... بس دي هتعيط وتعمل فطير.


في الحادية عشرة ليلًا في الإسكندرية رن الهاتف في يد سيلا

كانت قد غفت على الأريكة الصغيرة في غرفتها والمصحف مفتوح على صدرها وهو في يدها

فتحت الشاشة فظهر وجه معاذ لكنه لم يكن يبتسم ولم يكن يقول شيئًا

كان جالسًا على أرض الشقة الآمنة ظهره إلى الحائط عيناه حمراوان ولحيته مبعثرة

– معاذ

لم يرُد

– مُعاذ... مالك؟

– أنا شوفت راجل بيموت قدامي امبارح يا سيلا

 قالها بصوت مبحوح هادئ جدًا

اعتدلت سيلا على الأريكة وقلبها يقع:

– مين؟

– مش مهم مين

 المهم إنه وقع قدامي والدم في كل حتة

 أنا اللي شيلته على النقالة أنا اللي غطيت وشه بالملاية

 طول الطريق في العربية كنت بحط إيدي على رقبته

 كنت مستني... وكنت بعد واحد اتنين تلاتة

 لحد عشرين مكنتش عارف لو هيقوم تاني أو لأ 

 مكُنتش عارف لو إحنا اللي قتلناه


سكت ومسح وجهه بكفه ببطء:

– هوَّ قام يا سيلا

 قام الساعة أربعة الفجر وأول كلمة قالها إسم إبنه

 بس أنا من ساعتها مش قادر أنام

 كل ما أغمض عيني أشوف الملاية البيضا على وشه

 وأفكر لو كان ده... لو كان ده حد بحبه

قرّبت سيلا الهاتف من وجهها حتى كادت تلمس الشاشة بأنفها:

– بُصلي يا معاذ

رفع عينيه إلى الشاشة

– بُصلي كويس أنا هنا وإنت هناك

 الراجل ده قام وكل اللي إنت بتعمله هناك بيخلي ناس كتير تقوم

 حتى لو إنت مش قادر تنام

– سيلا

– اسمعني... إنت فاكر أول مرة شوفتك فيها بتعيط

– لأ

– أول يوم مسكت فيه مهمة واضطريت إنك تقتل واحد

رجعت وقعدت جنبي على السلم برة مقولتش ولا كلمة

 بس فضلت قاعد... وقتها أنا عيطت وسألتني 

بتعيطي ليه قولتلك عشان حاسة إنك عايز تعيط ومش قادر فبعيط بدالك 

وقتها قولتلي أنا فديت صاحبي مكنش ينفع مقتلهوش

  ارتعشت شفتا معاذ وأغمض عينيه:

– فاكر

– أنا من يومها عرفت إنك لما بتشيل حاجة تقيلة بتشيلها بدال حد تاني

 أنا مش عايزاك تشيلها لوحدك دلوقت

 عيط يا معاذ أنا هنا أنا مش هقفل لحد ما تنام

لم يقُل معاذ شيئًا أسند رأسه إلى الحائط وترك الدموع تنزل في صمت

ظلت سيلا تنظر إليه في الشاشة تقرأ له بصوت خافت من المصحف المفتوح على صدرها

حتى أغمض عينيه ارتخت يده ونام والهاتف في حجره

ظلت هي مستيقظة تنظر إليه وهو نائم حتى طلع الفجر في الإسكندرية.

في منتصف الليل بتوقيت نيويورك نزل فيكتور السلم الحجري إلى قبو قصر إيفان

كان الحارس واقفًا عند الباب الحديدي فأشار له فيكتور أن يفتح

على الفرشة الإسفنجية في الطرف الآخر من القبو كان الممرض الفلبيني نائمًا على جنبه ووجهه إلى الحائط لم يلتفت إليه فيكتور لكن تميم لم يكن نائمًا.

كانت عيناه مفتوحتين في الظلام وأذناه مع كل صوت.


انفتح الباب الحديدي بصرير مُخيف دخل فيكتور الغرفة الضيقة وأشعل الضوء

وجد حبيب ملقى على فرشة رقيقة على الأرض لحيته طويلة وجهه شاحب صدره يصفر مع كل نفس رفع رأسه ببطء ونظر إليه بعينين مليئتين بالكُره:

– عايز إيه تاني...؟ أنا مضيت على كل حاجة

جلس فيكتور على مقعد خشبي أمامه بهدوء وقال بالإنجليزية:

– جئت لأخبرك خبرًا يا حبيب

 خبرا سيئًا... والدك مات الليلة الماضية

تجمّد حبيب:

– إنت كداب

– دفناه اليوم العصر كُنت هُناك... عمك سفيان بكى كثيرًا

– كداب

 صرخ حبيب وحاول أن ينهض فسقط على ركبتيه من الضعف

أخرج فيكتور هاتفه ببطء فتح الفيديو وقلب الشاشة نحوه:

– لا تصدقني... إذًا صدّق عينيك

نظر حبيب إلى الشاشة... رأى صالة منزله... أبيه على مقعده الكبير

ورجل يدخل يرفع مسدسًا والكاميرا تلف فيظهر الوجه... وجه ياسر.

دوت الرصاصتان من سماعة الهاتف الصغيرة في الغرفة الحجرية

رأى حبيب أباه يسقط... انطلق من صدره صوت كعواء حيوان جريح

ارتمى على الأرض وضرب البلاط بقبضتيه حتى سال الدم من مفاصل أصابعه

صرخ وصرخ حتى انقطع صوته وتحوّل إلى سُعال حاد هزّ جسده كله

في الظلام خلف الباب أغمض تميم عينيه وشد قبضته على الفرشة.


انتظر فيكتور حتى هدأ السعال ثم انحنى إلى الأمام وقال بهدوء:

– الرجل الذي قتل أباك يعمل لدي الآن

 أنقذ زوجتك يوم الفرح... وقتل أباك أمس

 رجل غريب... أليس كذلك؟!


رفع حبيب رأسه ببطء كان وجهه مغطى بالدموع والدم واللعاب

عيناه... عيناه كانتا تلمعان بشيء مرعب:

– ياسر؟

 همسها وهو يلهث:

– ياسر شعبان؟

– هو بعينه

ضحك حبيب ضحكة مجنونة مكسورة وسط دموعه:

– إنت مش فاهم حاجة

 إنت مش فاهم أي حاجة يا فيكتور

 الكلب ده مكانش بيُحرس مراتي

 الكلب ده...

 زحف على ركبتيه حتى وصل إلى قدمي فيكتور أمسك طرف معطفه بأصابعه المدماة وصرخ بكل ما بقيَ في صدره من صوت:

– اقتله... اقتله يا فيكتور ده بيحب مراتي


ماذا سيحدث يا ترى......


سنرى.......


انتظروووني......


بقلمي/ فريده الحلواني 

تعليقات