📁 آخر الأخبار

رواية سوار جهنم الفصل الثاني والعشرون بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا

 رواية سوار جهنم الفصل الثاني والعشرون بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا 

رواية سوار جهنم الفصل الثاني والعشرون بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا


رواية سوار جهنم الفصل الثاني والعشرون بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا 











٠الفصل الثاني والعشرون



صباحك بيضحك يا قلب فريده 



الأمل هو الحاجة الوحيدة اللي بتخلينا نعيش... خلي جواكي أمل اخلقي لنفسك 

هدف وإسعي إنك تحققيه مفيش حاجة مستحيلة لأن ربنا رب المستحيلات

توكلي عليه وهيرضيكي أنا واثقة. 

وبحبك. 




في الواحدة بعد منتصف الليل انفتح باب غرفة ياسر بعنف حتى ارتطم بالحائط

اعتدل  على الفراش بسرعة فرأى رجلين من رجال فيكتور يدخلان ويشدانه من ذراعه السليمة دون كلمة:

– فيه إيه؟

لم يرُد أحد... جرّاه في الممر الطويل ثم على السلم الرخامي ثم على السلم الحجري الضيق الذي ينزل إلى القبو كانت رائحة الرطوبة والعفن تزداد مع كل درجة

حين وصل إلى آخر السلم رأى تميم

كان واقفًا بجوار فرشته الإسفنجية بزي الممرض المجعد ويداه مرفوعتان قليلا كأنه يعتذر عن وجوده 

ورجل ثالث يقف أمامه يمنعه من الحركة

لم ينظر تميم إلى ياسر  نظر إلى الأرض كما ينظر خادم خائف

لكن ياسر رأى إصبعه الصغير يتحرك على فخذه

دقة... دقتان معناها... احترس.

في آخر القبو كان الباب الحديدي مفتوحًا على آخره والضوء الأصفر يخرج منه

عند الباب وقف فيكتور يُدخّن وإلى جواره ديمتري يستند إلى الحائط بكتفه في يده كوب شاي كأنه في سهرة قال فيكتور بالإنجليزية:

– تعال يا عقرب... أريد أن أعرّفك على أحد

دفعه الرجلان إلى داخل الغرفة فتوقف ياسر... رأى حبيب

جالس على الأرض ظهره إلى الحائط ولحيته طويلة مُتسخة قميصه مُمزق ووجهه شاحب كالموتى مفاصل أصابعه ملفوفة بقماش ملطخ بالدم

رفع رأسه ببطء وحين رأى ياسر... تغيرت عيناه

لم يكن فيهما حزن كان فيهما شيء أسوأ من الحزن بكثير:

– إنت

 همسها حبيب بصوت مبحوح مكسور:

– إنت يا ابن الكلب

 حاول أن يقف فسقط على ركبتيه وانفجر في نوبة سُعال هزّت صدره كله

لكنه رفع رأسه مرة أخرى وصرخ:

– قتلت أبويا يابن الكلب يا ###

 قتلته وهو قاعد على كرسيه أنا شوفته... شوفته بعيني

لم يتحرك ياسر وقف في منتصف الغرفة ذراعه مربوطة إلى صدره ووجهه حجر

التفت حبيب إلى فيكتور وقال بالإنجليزية وهو يلهث:

– اسمعني يا فيكتور

 الكلب ده كان في بيت سفيان ليلة كتب الكتاب بالليل

 في أوضة الجنايني القديمة في آخر الجنينة

 مع جودي والحارس لقى ولاعته هناك على الأرض

 ولاعة فضة عليها راس ديب

 أبويا اللي قالي وقتها... شوف الحارس بتاعك كان فين

 اسأله... اسأله كان بيعمل إيه في الجنينة الساعة اتنين بالليل مع مراتي؟

نظر ديمتري  إلى ياسر ونفث دخان سيجاره ببطء:

– هل هذا صحيح يا عقرب؟

صمت ياسر لحظة ثم نظر إلى حبيب نظرة  باردة وقال بالعربية بصوت منخفض خشن:

– كنت هناك

شهق حبيب كأنه انتصر أكمل ياسر بالبرود نفسه:

– كنت في الجنينة عشان منصور بيه كان قايلي أفتش أوضة الجنايني

 كان شاكك إن حد بيخبي حاجة هناك

 لقيت بنت عمك واقفة هناك بتعيط

 عشان مكانتش عايزة تتجوزك وأنا مكنتش عايز أسمع

 فمشيت والولاعة وقعت مني وأنا ماشي

– كداب

 صرخ حبيب:

– إنت بتحبها أنا شوفت عينك يوم الفرح

 إنت بتحبها يابن الكلب 

 عشان كده رميت نفسك قدام الرصاصة

نظر إليه ياسر  ببرود ثم تقدم خطوتين ببطء حتى وقف فوقه مباشرة

انحنى قليلا وقال بهدوء مرعب:

– أنا بحبها...

 سكت لحظة ثم أكمل:

– أنا امبارح قتلت عمها قدام عنيها يا حبيب

 دخلت بيتكم وضربت أبوك رصاصتين في قلبه

 وهي شافت الفيديو

 النهارده العصر وقفت قدامي في الجنازة وقالتلي إني مُت بالنسبالها واتدفنت مع عمها

 تفتكر ده شكل واحد بيحب؟

ساد صمت ثقيل في الغرفة الحجرية ثم استقام ياسر التفت إلى ديمتري وقال بالإنجليزية:

– الرصاصة يوم الفرح دي كانت شغلي يا سيد ديمتري

 فيكتور اللي قالّي أحرسه

 لو كانت جت في قلبه كان ابن منصور هيموت ليلة فرحه... والصفقة كلها هتقع

 أنا رميت نفسي قدام فلوسك... مش قدامها.


صرخ حبيب وزحف نحو ياسر على ركبتيه مد يده المُدماة يريد أن يمسك ساقه

لكن أحد الرجلين جذبه من ياقة قميصه وألقاه إلى الحائط

فسقط وظل يسعل يبكي ويشتم

ظل فيكتور صامتًا طويلًا ينظر إلى ياسر ثم إلى حبيب

ثم إلى ديمتري... رفع ديمتري الكوب إلى شفتيه وأخذ رشفة هادئة دون أن يقول شيئًا.

– ارجع إلى غرفتك يا عقرب

 قالها فيكتور أخيرًا:

– وغدًا نتحدث


صعد ياسر السلم الحجري خلف الرجلين بخطوات ثابتة

مرّ بجوار تميم دون أن ينظر إليه

لكنه حين بلغ أعلى السلم وانغلق باب القبو خلفه

وضع يده السليمة على الحائط

لثانية واحدة فقط كأن ركبتيه لم تعودا تحملانه.


في المكتب الواسع في الطابق الأرضي وقف فيكتور أمام النافذة ينظر إلى الحديقة الغارقة في الظلام جلس ديمتري على الأريكة الجلدية ومد ساقيه على الطاولة

قال فيكتور بالروسية دون أن يلتفت:

– ماذا رأيت؟

– رأيت شيئًا جميلًا جدًا يا فيكتور

 ابتسم ديمتري وأكمل:

– رأيت رجلين يقولان الحقيقة في الغرفة نفسها

 حبيب صادق... الحارس يحب زوجته

 وابن شعبان صادق... لقد قتل عمها أمام عينيها وهي تكرهه الآن

– كيف يكون الإثنان صادقين؟

– هذا هو السؤال الجميل

 قالها ديمتري وهو يضع الكوب على الطاولة:

– الرجل الذي يحب امرأة ثم يقتل عمها أمامها

 إما أنه لا يحبها أو أنه يحبها لدرجة أنه مستعد أن تكرهه طوال حياتها

 والنوع الثاني من الرجال يا فيكتور هو أخطر نوع في الدنيا

– وماذا تقترح؟

نهض ديمتري ببطء اتجه نحو الباب وقال وهو يمسك المقبض:

– أقترح أن ننام وفي الصباح... سأفكر في السؤال الرابع.



في التاسعة صباحًا خرج تميم بالكيسين الأسودين إلى صناديق القمامة

كان الحارس عند الباب يتثاءب وعيناه نصف مغمضتين

ضغط تميم على السماعة المختبئة تحت شعره وقال بهمس سريع:

– راغب... حبيب شاف الفيديو

 وواجه ياسر قدام فيكتور امبارح بالليل في القبو

 قال إنه كان في الجنينة مع جودي ليلة الولاعة

 وقال إنه بيحبها

– وياسر؟

– ياسر قلبها عليه

 قاله أنا قتلت عمها قدام عنيها... ده شكل واحد بيحب

 فيكتور سكت... بس ديمتري مسكتش

 ديمتري  مش هيعديها بالساهل أبدًا

 وده يرعب يا راغب

 حبيب بقى خطر على ياسر أكتر من فيكتور نفسه

 كل ما يتكلم أكتر هيديهم خيط جديد

سكت راغب لحظة ثم قال:

– معاذ سامعك دلوجت

– معاذ

جاءه صوت معاذ على الخط مباشرة حادًا هادئًا:

– أنا سامع يا تميم  تقدر تستحمل كام يوم جوه؟

– على حسب

– على حسب إيه؟

– على حسب ديمتري هيسأل سؤاله الرابع إمتى

صمت معاذ ثم قال بحسم:

– يبقى إحنا هنطلعكم قبل ما يسأله

 إنت وياسر وحبيب من القبو

 عايز منك كل حاجة... عدد الحراس... مواعيد التغيير... كل باب وشباك وكاميرا

 كل يوم الساعة تسعة تديني معلومة

– مفيش وقت كفاية يا معاذ

– اتصرف يا تميم لازم تكسب وقت على قد ما تقدر

 إنت أكتر واحد في الدنيا بيعرف يعمل كده.


ارتفع صوت الحارس خلفه:

– أنت... أسرع

أغلق تميم غطاء الصندوق والتفت بابتسامته البلهاء:

– يس سير... كامينج


في الحادية عشرة ليلا في بيت سفيان كانت جودي جالسة على الأريكة في الصالة

 والتلفاز مفتوح على قناة لا تشاهدها كانت قد كفت عن البكاء

لكنها لم تعد تتحدث أيضًا إلا بكلمة أو كلمتين حين يسألها أحد

نزل فهد الدرج ببنطال من الجينز وسترة جلدية مفاتيح سيارته في يده

وقف أمامها وقال بصوت عالي:

– أنا نازل أجيب شاورما

– مش عايزة

– محدش سألك أنا بقولك عشان لما أرجع وآكلها قدامك متقوليش أناني

رفعت جودي عينيها إليه لأول مرة منذ يومين ارتسم على طرف شفتيها ما يشبه الابتسامة:

– هات واحد فراخ

– أيوه كده

 وهجيبلك تومية زيادة عشان تبطلي تكلمي حد... ريحة بؤك هتبقى وحشة.


خرج فهد إلى الشارع لم يركب سيارته

سار على الرصيف بخطوات هادئة يداه في جيبي سترته حتى بلغ ناصية الشارع

حيث كانت السيارة السوداء واقفة في مكانها المعتاد

فيها الرجل نفسه... أربعيني بشعر رمادي قصير... بسترة داكنة وكوب قهوة بارد في يده

والورقة الصفراء على لوحة القيادة أمامه

بعد عشرين دقيقة عاد فهد يحمل كيسين ورقيين كبيرين

وبدلًا من أن يدخل البيت وقف إلى جوار نافذة السيارة السوداء نقر على الزجاج نقرتين

انتفض الرجل ونظر إليه بحدة ثم أنزل الزجاج إلى منتصفه:

– ماذا تريد؟

رفع فهد أحد الكيسين وقال بالإنجليزية بلكنة مصرية ثقيلة وابتسامة واسعة

– شاورما

– ماذا؟

– شاورما يا برو إنت قاعد هنا بقالك أسبوعين

 كل ليلة بتشرب قهوة بايتة وبتاكل سندوتشات من المكنة اللي في البنزينة

 أنا شايفك من الشباك وأنا راجل مصري يا برو

 المصري مبيعرفش يشوف حد جعان ويسيبه ده عيب في حقي

نظر إليه الرجل دون أن يفهم قصده... نظر  إلى الكيس ثم إليه مرة أخرى:

– أنا لا آكل من الغرباء

– أنا مش غريب أنا جارك

 إنت ساكن في أول شارعي من أسبوعين... يعني إنت جاري

 وبعدين لو حد عايز يسممك مش هيسممك بشاورما من عند أبو سمير

 الشاورما بتاعة أبو سمير بتحيي الميتين يا برو


ضحك الرجل رغمًا عنه ضحكة قصيرة ثم مد يده وأخذ الكيس

فتحه واستنشق رائحته فتغير وجهه وقال:

– هذا... جيد

– جيد بس كل الأول وبعدين قول جيد بس

استند فهد إلى السيارة فتح الكيس الآخر وبدأ يأكل بدأ الرجل يأكل أيضًا

ظلا صامتين دقيقتين ثم قال فهد وفمه ممتلئ:

– إنت منين؟

– بولندا

– بولندا... حلو أنا مش عارف بولندا فين بالظبط بس حلو

 إسمك إيه؟

تردد الرجل لحظة ثم قال:

– ماريك

– ماريك

 أنا فهد... هتقولي يعني إيه فهد... يعني الحيوان اللي بيجري بسرعة

 بس أنا مبجريش غير على الأكل

ضحك ماريك مرة أخرى وهو يمسح فمه بالمنديل:

– أنت مضحك

– عارف كل الناس بتقولي كده

  ألقى نظرة عابرة على الورقة الصفراء كأنها لا تعنيه وقال:

– إنت شغال إيه... بوليس؟

– لأ

– أمن

– شيء من هذا

– آه... أمن

 أنا أعرف ناس شغالين أمن... شغلانة مملة قاعد طول الليل تعد العربيات

– أنا لا أعد السيارات

 قالها ماريك بسرعة ثم سكت ابتسم فهد كأنه لم يسمع شيئًا ومد إليه منديلًا:

– خد... الطحينة نازلة على الجاكت بتاعك.


في الليلة التالية عاد فهد بالكيسين نفسيهما وفي الليلة التي تليها

في الليلة الثالثة كان ماريك قد صار ينتظره يفتح النافذة قبل أن ينقر فهد على الزجاج

يحدثه عن إبنته التي تعيش في بلده... وعن زوجته التي هجرته بسبب عمله

وفهد يصغي ويهز رأسه ويأكل ثم يلقي نكتة كل خمس دقائق

في الليلة الثالثة وبينما كان فهد يناوله الكيس رن هاتف ماريك على لوحة القيادة

رد ماريك بالبولندية ثم تحول إلى الإنجليزية وهو يخفض صوته:

– نعم... الشُحنة في الرصيف التاسع

 مخزن فولجا للنقل... سأكون هناك الخميس

أغلق الخط... ظل فهد يأكل كأنه لم يسمع ثم قال دون اكتراث:

– فولجا!

 ده نهر في روسيا صح؟

 أنا شوفته في فيلم وثائقي  مكنتش لاقي حاجة أعملها

قعدت اتفرج عليه

– نعم... نهر

 قالها ماريك وقد تغير وجهه قليلًا

– إنها شركة نقل... أعمل معهم أحيانا

– حلو...شغل كتير يعني فلوس كتير

 يعني الشاورما الجاية عليك.

حين عاد فهد إلى البيت دخل المطبخ وأغلق الباب خلفه أخرج هاتفه وكتب في الملاحظات

فولجا للنقل الرصيف التاسع الخميس

ثم مسح وجهه بكفيه كانت يداه ترتجفان لأول مرة منذ بدأ هذه اللعبة

لا من الخوف بل من الفرح.



في العاشرة صباحًا كان سفيان يجلس على طرف الفراش الضيق في الغرفة السرية خلف عيادة الطبيب العجوز

كان منصور مستلقيًا على ظهره صدره ملفوف بأربطة بيضاء عريضة وقد عاد إلى وجهه لون خفيف كان يتنفس ببطء وحذر كأن كل نفس يدفع ثمنه

ظلا صامتين  لبعض الوقت ثم قال منصور دون أن يفتح عينيه:

– دفنتوني كويس؟

– كويس جدًا

– عيطت؟

– عيطت يا منصور

 سكت سفيان ثم أكمل بصوت مبحوح:

– عيطت عليك وإنت عايش تخيل لو كنت مُت بجد

 كنت هعمل إيه؟

فتح منصور عينيه ونظر إلى أخيه:

– كنت هتعمل زي ما بتعمل دايمًا... هتقف تاني يوم... وتكمل

– لأ

 قالها سفيان بحدة:

– المرة دي مكنتش هعرف أكمل... عارف ليه؟

 عشان وأنا واقف قدام التابوت افتكرت إننا

 مقعدناش مع بعض قعدة حلوة من عشرين سنة

 عشرين سنة يا منصور

 بنتكلم في الفلوس والأسهم والصفقات والحسابات

 آخر مرة ضحكنا فيها سوا كانت يوم فرحك على أم حبيب الله يرحمها

ارتعشت شفتا منصور مد يده المرتجفة ببطء فوق الملاءة حتى بلغت يد سفيان

– شكرًا

 همسها وأكمل:

– شكرًا يا سفيان على إنك  اتضربت بالحزام بدالي وأنا صغير وعلى إنك وقفت قدامي

 وعلى إنك سمعتني لما قولتلك الفيديو فيه صوت سفينة

 وعلى إنك دفنتني وإنت عارف إني عايش

 وعلى إنك عيطت عليا برضه

وعلى إنك صدقتني لما قولتلك إن ولادك في خطر 

وإنك دخلت اللعبه بسببي. 


قبض سفيان على يد أخيه بيديه الإثنتين وضع جبينه عليها وبكى الإثنان في صمت

كأنهما يدفنان عشرين سنة  في تلك الغرفة الضيقة التي لا نوافذ لها

 رفع منصور رأسه قليلًا وقال بصوت مُتعب:

– سُفيان

– نعم

– لما حبيب يرجع... وهيرجع عايزك تقف قدامه برضه

 زي ما كنت بتقف قدامي

 لأني مش عارف هقدر أبُص في عينه بعد اللي عملته

أنا اللي بطمعي خليته أناني وطماع 

أنا اللي دخّلته السكة دي بدل ما أربيه زي ولادك 

صمت للحظة ثم قال بندم شديد:

 أنا اللي زورت العقد يا سفيان... أنا اللي بعت بنتك

– عارف

– مش هتسامحني؟

– هسامحك يا منصور

 قالها سفيان وهو يمسح وجهه:

– لما تقوم من السرير ده وتُقف قدام بنتي وتقولها بنفسك.


في التاسعة صباحًا في الإسكندرية دخل محمد قسم شرطة سيدي جابر لأول مرة منذ إيقافه

كانت الكدمة تحت عينه قد تحولت إلى لون أصفر باهت

كان قد أمضى نصف ساعة أمام المرآة يحاول أن يخفيها بكريم استعاره من آسيا ثم استسلم ومسحه

ألقى التحية على العسكري عند الباب وصعد إلى مكتبه وجلس

لم يكد يفتح الملف الأول حتى انفتح الباب بعنف

دخلت فتاة في اوائل العشرينات بسُترة من الجينز وبنطال أسود وشعر بني معقود في ذيل حصان عالي

تحمل في يدها ملفًا ورقيًا وفي عينيها نار... خلفها العسكري يهرول:

– يا آنسة استني... قولتلك استني برة

– أنا استنيت ساعة ونص برة

 قالتها دون أن تلتفت إليه وقفت أمام مكتب محمد وألقت الملف عليه:

– حضرتك الظابط اللي مسؤول هنا ؟

رفع محمد عينيه إليها ببطء:

– صباح الخير الأول

– صباح النور... أنا عايزة أعمل محضر

– اتفضلي اقعدي

– مش عايزة أقعد

– يبقى هتعملي المحضر واقفة

 قالها ببرود ثم أخرج دفتر المحاضر وفتحه:

– الإسم؟

– نغم عادل المنياوي

– السن؟

– أربعة وعشرين

– الشغل؟

– مهندسة ديكور

– المحضر ضد مين؟

– ضد ميكانيكي إسمه الأسطى عبده عنده ورشة في مُحرم بيك

 خد عربيتي يصلح الفرامل

 رجّعهالي من غير الجنوط ومن غير الكاسيت

 من غير الكاوتش الجديد اللي لسه مركباه

 وحاطط بداله كاوتش من أيام الملك فاروق

 لما روحت أكلمه قالّي اللي عندك اعمليه

 فأنا جاية أعمل اللي عندي


كتب محمد سطرين ثم رفع عينيه إليها:

– إنتي متأكدة إن الكاوتش كان جديد؟

– نعم!

– أنا بسأل يا آنسة

– أنا سمعت حضرتك

 حضرتك بتسألني متأكدة إن الكاوتش كان جديد

 يعني شايف إني ممكن أكون بتبلى على الراجل

 ولا شايف إني بنت ومفهمش في الكاوتش؟

– أنا مقولتش كده

– بس عينيك قالت كده

وضع محمد القلم على المكتب ببطء ونظر إليها.

كان مزاجه منذ الصباح في أسوأ حالاته... الإيقاف والخصم والكدمة والنظرات التي لاحقته في الممر

 من زملائه ناهيك عن معاذ الذي اتصل به منذ قليل وألقى عليه تعليمات جديدة:

– اسمعي يا آنسة نغم أنا هنا عشان أسمع وأكتب

 مش عشان حد يدخل عليا المكتب ويرمي الورق

 في وشي ويقولي عينيك قالت إيه

 لو عايزة تعملي المحضر... اقعدي واهدي

– متقولّيش اهدي

 قالتها بحدة وضربت المكتب بكفها:

– متقوليش اهدي أبدًا

 كل راجل في البلد دي بيقول للست اهدي لما تكون صح

 الأسطى عبده قالّي اهدي والعسكري اللي برة قالّي اهدي

 وحضرتك دلوقت بتقولي اهدي أنا هادية جدا يا حضرة الظابط

 لو مكُنتش هادية كنت كسّرت الورشة على دماغ الأسطى عبده.


ساد الصمت في المكتب وقف العسكري عند الباب يكتم ضحكته

فرمقه محمد بنظرة جعلته يختفي في ثانية

ثم تأمل نغم من رأسها إلى قدميها:

– عارفة إن إهانة موظف عام أثناء تأدية عمله دي جُنحة

– عارفة... وعارفة إن رفض تحرير محضر ده تقصير في أداء الواجب

 وعارفة إن عين حضرتك مزرقة يعني يا إما اتخانقت

 مع حد يا إما وقعت من على السلم

 وفي الحالتين حضرتك مش في مزاج  كويس عشان تسمعني النهارده

 فأنا هروح أعمل المحضر في قسم تاني

 سحبت الملف من على المكتب بعنف واستدارت نحو الباب نهض محمد من مقعده:

– استني

لم تتوقف

– آنسة نغم

توقفت عند الباب ولم تلتفت

– القسم التاني هيبعتك لهنا عشان محرم بك دايرتنا

 يعني هترجعيلي برضه بس بعد ساعتين كمان ومواصلات وزحمة

التفتت إليه ببطء ونظرت إليه بغيظ فأكمل وهو يعود إلى مقعده ويسحب الدفتر:

– عيني مزرقة عشان اتضربت من أربعة في جراج... مش عشان وقعت من على السلم

 ولو حد قالي اهدي ساعتها كنت ضربته هو كمان

 اقعدي يا نغم.


ظلت واقفة عند الباب لحظات ثم عادت بخطوات بطيئة سحبت المقعد  وجلست أمامه وضعت الملف على المكتب بهدوء هذه المرة:

– أربعة؟!

–أه أربعة تخيلي

– وإنت لوحدك؟

– أنا لوحدي

– يبقى إنت غبي

رفع محمد عينيه إليها بغضب فأكملت:

– لأ عادي

 قالتها وهي تفتح الملف:

– أنا كمان غبية... روحت أكلم الأسطى عبده لوحدي ومعاه تلات صبيان

 بس الفرق إني متضربتش

– عشان إنتي بنت

– لأ... عشان أنا رميت عليه علبة زيت موتور وجريت

ضحك محمد ضحكة عالية لم يضحك مثلها منذ أسبوعين

غطى وجهه بيده نظرت إليه نغم بدهشة للمرة الأولى... ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة رغمًا عنها وأخفتها بسرعة:

– إيه اللي بيضحك؟!

– مفيش

– لا قول بجد والنبي

– علبة زيت موتور يا نغم!

– كانت مليانة على فكرة

كتب المحضر كله في نصف ساعة... انت تصحح له كل كلمة

الجنوط مش الطارة الكاسيت ماركة كذا مش أي كاسيت

والكاوتش كان ميشلان مش أي كلام

حين انتهى مد إليها القلم لتوقع... وقعت وألقت القلم على المكتب ونهضت:

– هتعمل إيه في الأسطى عبده؟

– هبعتله استدعاء

– استدعاء... يعني ورقة وهو هيرميها في الزبالة

– خلاص أنا هروحله بنفسي

– لوحدك؟

– لأ... المرة دي هاخد معايا حد

 نهض محمد وارتدي جاكيت بدلته ثم قال :

– وهاخدك إنتي كمان... عشان تعرّفيني الكاوتش بتاعك

– أنا مش رايحة في حتة معاك

– يبقى مش هعرف الكاوتش

– إنت بتهددني؟

– لأ... أنا بطلب مساعدتك مهندسة ديكور بتفرق بين الميشلان والأي كلام

 دي موهبة البلد محتاجاها

نظرت إليه بغيظ عقدت ذراعيها على صدرها:

– إنت مستفز

– إنتي اللي بدأتي

خرجت قبله من المكتب وهي تتمتم بكلمات لا يسمعها في الممر توقفت فجأة والتفتت إليه:

– على فكرة

– نعم

– الكدمة دي... حط عليها تلج مش كريم

 باين إنك حاطط كريم ومسحته ده بيخليها تبان أكتر

احمرّ وجه محمد حتى أذنيه ومشت نغم أمامه بخطوات سريعة

بينما وقف العسكري عند السلم ينظر إلى الحائط ويعض شفته كي لا ينفجر ضاحكًا.



في الثانية ظهرًا غادر الرجل الأشقر فندق سيدي جابر لأول مرة منذ ثلاثة أيام

ركب سيارة أجرة بيضاء وبعده بدقيقة تحركت سيارة رمادية صغيرة مطفأة الأنوار

بعدها بدقيقتين تحرّكت سيارة أخرى من الجهة المقابلة.


في الثالثة كانت سيارة الأجرة تقف أمام البوابة الرئيسية لميناء الإسكندرية

نزل الأشقر واتجه إلى مكتب صغير عند البوابة وقّع على ورقة ودخل ثم بعد ساعة خرج.


في السادسة مساء كان سالم الشريف يجلس في مكتبه في  وأمامه على الشاشة الرجل الأربعيني ذو النظارة

– الأشقر دخل منطقة الحاويات يا أفندم

 وقف قدام حاوية واحدة بس عشر دقايق وصورها ومشي

 رقم الحاوية عندنا ومتسجلة بإسم شركة شحن روسية مسجلة في قبرص

 الشحنة رايحة نيويورك الأسبوع الجاي

– اسم الشركة؟

– فولجا للنقل البحري يا فندم


صمت سالم لحظة ثم مد يده إلى الهاتف الآخر على مكتبه كتب رسالة قصيرة إلى رقم واحد

(فولجا)

بعد دقيقتين جاءه الرد من نيويورك... من راغب

فهد جالها امبارح بالليل... الرصيف التاسع... الخميس


ابتسم سالم ابتسامة بطيئة لأول مرة منذ أسابيع

وضع الهاتف على المكتب وقال للرجل ذي النظارة:

– الخيط اتربط يا ابني إسكندرية ونيويورك بقوا خيط واحد

 الحاوية دي مش هتطلع من الميناء إلا وإحنا عارفين فيها كل مسمار.


في الواحدة بعد منتصف الليل بتوقيت نيويورك كان ياسر جالسًا على مقعد إلى جوار النافذة في غرفته المظلمة لم يستطع النوم منذ ليلة القبو كان صوت حبيب لا يفارق أذنه

إنت بتحبها يابن الكلب

ويسمع صوته هو يرد... تفتكر ده شكل واحد بيحب

كان يعرف أن تلك الجملة أنقذته كان يعرف أيضًا أنها أصدق جملة قالها في حياته

وأكذبها في الوقت نفسه

انفتح الباب بهدوء لم يلتفت كان يعرف تلك الخطوات الناعمة الهادئة قبل أن يرى صاحبها

دخل ديمتري وأغلق الباب خلفه برفق

سار في الظلام حتى وقف إلى جوار النافذة على بعد خطوة من ياسر

نظر معه إلى الحديقة المظلمة ثم قال بعربيته المكسرة بصوت هادئ كأنه يُكمل حديثًا قديمًا:

– أتعرف يا ابن شعبان

 فكرت طوال اليوم في السؤال الرابع ولم أجد سؤالا جيدًا

 فقررت أن ألغي الأسئلة

التفت إليه ياسر ببطء فابتسم ديمتري ابتسامته المهذبة في الظلام وأكمل:

– حبيب يبكي في القبو منذ ليلتين لا يريد إلا شيئًا واحدًا

 يريد زوجته

 والسيد فيكتور رجل كريم... يحب أن يجمع الأزواج

مد يده ووضع على حافة النافذة أمام ياسر ورقة صغيرة مطوية:

– هذا عنوان بيت سفيان

 أعرف أنك تعرفه لكنني أحببت أن أكتبه لك بنفسي

 مال قليلا حتى صار فمه قريبًا من أُذن ياسر وهمس

– غدًا يا صديقي أنت من سيحضر السيدة جودي إلى هنا

 إلى زوجها... وستهبط بها الدَرج... إلى القبو بنفسك

 ستفتح لها الباب بيدك وستقف وتشاهد

استقام ديمتري اتجه نحو الباب بهدوء وقبل أن يخرج توقف وقال دون أن يلتفت:

– إذا كنت لا تُحبها كما قُلت فلن يكون هذا صعبًا عليك أبدًا

ثم انغلق الباب.


ماذا سيحدث يا ترى.......


سنرى.......


انتظروووني......


بقلمي / فريده الحلواني


تعليقات