روايه سوار جهنم الفصل الثالث والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه سوار جهنم الفصل الثالث والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
سوار جهنم
الفصل الثالث والعشرون
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
ربنا سبحانه وتعالى أعلم بالنوايا دايمًا شايف اللي جوه قلوبنا
ملكيش دعوة بحد وخلي اللي يقول عليكي حاجة يقول
واللي بيوهم نفسه بحاجات بيتخيل إنك عملتيها براحته
أهم حاجة إن ربك شايف وعالم بيكي وبنيتك الصافية
وعلى نياتكم ترزقون .
أنا بحبك.
في التاسعة صباحًا خرج تميم بالكيسين الأسودين إلى صناديق القمامة كعادته
لكن خطواته هذه المرة كانت أسرع من المعتاد
لم يكد يرفع الغطاء الأول حتى ضغط على السماعة وهمس:
– راغب... ديمتري دخل على ياسر بالليل
النهارده ياسر هيروح بيت سفيان بنفسه ويجيب جودي القصر
هينزل بيها القبو لحبيب ويقف يتفرج
ديمتري قالّه لو مبتحبهاش مش هيبقى صعب عليك
صمت الخط لحظة ثم جاء صوت معاذ:
– جودي لازم تروح
– معاذ...
– لازم تروح يا تميم لو سفيان رفض هيعرفوا إن فيه حاجة
ولو ياسر اتلكك هيعرفوا إنه خايف عليها
يبقى لازم تروح... الحاجة الوحيدة اللي هتنقذ ياسر النهارده
هي الحاجة اللي ياسر نفسه بيموت منها.
جودي بتكرهه وكرهها حقيقي
محدش في الدنيا يقدر يمثل اللي هي حاسة بيه دلوقت
– يعني مش هتقولولها الحقيقة؟
– مش هنقولها حاجة... لا عن منصور ولا عن ياسر
هتدخل القبو وهي فاكرة إنه قتل عمها وده اللي هيخرجه حي
أغمض تميم عينيه وهو منحني فوق صندوق القمامة:
– دي قسوة يا معاذ
– عارف
قالها معاذ بصوت مكسور
– والأقسى منها إن ياسر هيمسك إيدها وينزلها السلم وهو عارف كل ده
بس لو محصلش كده... هيرجعوها بيتها لوحدها
وهوَّ هيفضل في القبو جنب حبيب
في لحظة تغير صوته إلى الحسم:
– اسمعني كويس... الخميس فيكتور هيبقى في الرصيف التاسع
عشان شحنة فولجا فهد جاب المعلومة دي
وسالم أكّدها من إسكندرية
يعني الخميس القصر هيبقى نصه فاضي
والخميس إحنا هنطلّعكم إنت وياسر وحبيب
من غير ما حد يحس
عايزك تعدّلي الحراس بالليل... كل واحد واقف فين وبيلف إمتى
– حاضر
– تميم
– نعم
– خلي بالك من جودي النهارده لو حبيب لمس شعرة منها..
قاطعه سريعًا بقوة:
– مش هيلمسها... اطّمن.
في الحادية عشرة كان أسر جالسًا مع أبيه في المطبخ والباب مغلق
أخبره بكل شيء بصوت لا يكاد يُسمع
وحين انتهى ظل سفيان صامتًا ينظر إلى فنجان القهوة البارد أمامه ثم قال:
– يعني بنتي هتروح لإبن عمها اللي زور عقده جوازهم
مع الراجل اللي هي فاكرة إنه قتل عمها وأنا هسيبها تروح وأنا عارف؟!
– أيوه يا بابا
– ومش هقدر أقولها؟
– لأ
قبض سفيان على الفنجان حتى كادت أصابعه أن تكسره ثم تركه واتجه إلى النافذة
أعطى إبنه ظهره وقال بقهر:
– عمك منصور قالّي امبارح إنه باع بنتي وأنا النهارده هسلّمها بإيدي
يبقى إيه الفرق بيني وبينه يا أسر
– الفرق إنك بتسلّمها عشان ترجع وتحافظ على حياتها يا بابا
قالها أسر بهدوء:
– هو كان بيسلمها عشان يدمرها.
في الثانية عشرة ظهرًا وقفت السيارة السوداء الطويلة أمام بيت سفيان
نزل منها ياسر ومعه الرجلان... الأصلع الطويل وصاحب اللحية الحمراء
بقي ديمتري في المقعد الأمامي وزجاج نافذته مفتوح إلى منتصفه
صعد ياسر الدرجات الثلاث ببطء ودق الباب بيده السليمة
كل دقة كانت كأنها تضرب في صدره هو
فتح سفيان ونظر إليه نظرة حزينه صامتة لم يكن في عينيه كره
كان فيهما شيء أصعب على ياسر من الكره بكثير
كانتا تقولان له إنني أعرف وإنني آسف
قال ياسر بصوت جاف:
– السيد فيكتور بيبعت سلامه وبيقول إن حبيب سأل على مراته
وعايز يشوفها النهارده
لم يرُد سفيان وقف في الباب وجسده كله يرتجف سمع ياسر صوت خطوات تنزل الدرج خلفه... جودي
كانت ترتدي عباءة سوداء وطرحة سوداء وجهها أبيض كالورق
نزلت الدرجات واحدة واحدة نظرت إلى ياسر من فوق كتف أبيها
وحين التقت عيناهما لم تخفض عينيها ولم يخفض هو عينيه
قالت بصوت هادئ:
– أنا جاهزة
ظهر فهد من خلفها في أعلى السلم
قميص أسود وبنطال جينز وسترته الجلدية على كتفه
نزل بسرعة ووقف بجوار أخته نظر إلى ياسر من رأسه إلى قدميه ببطء متعمد
ثم ابتسم ابتسامته المعروفة:
– أهلا يا كابتن إيه الأخبار... إيدك عاملة إيه
لم يرُد ياسر فأكمل فهد بنفس النبرة الخفيفة وهو يلبس سترته
– أنا جاي معاكم
قال الأصلع بالإنجليزية من خلف ياسر:
– الدعوة للسيدة فقط
– لا يا برو
قالها فهد بالإنجليزية بلكنته الثقيلة وهو يغلق سحاب سترته
– أختي مش هتركب عربية فيها تلات رجالة لوحدها
مش عندنا... ده عيب
ولو عندكم مش عيب... يبقى دي مشكلتكم مش مشكلتي
تجمّد الأصلع والتفت ياسر إلى السيارة
كان ديمتري يتابع المشهد من النافذة المفتوحة
على وجهه ابتسامة تتسع شيئًا فشيئًا ثم أخرج رأسه قليلُا وقال بعربيته المكسرة:
– إبن الشاورما... دعوه يأتي أحب هذا الولد
اقترب فهد من ياسر حتى صار كتفه بجوار كتفه في طريقه إلى السيارة
وقال بصوت منخفض لا يسمعه غيره وهو ينظر أمامه:
– أنا هفضل قاعد فوق مستنيها
هعد كل حاجة ومش همشي من غيرها
لم يعرف ياسر هل كان فهد يقصد ما فهمه لكنه شعر بشيء في صدره يهدأ قليلًا.
جلست جودي في المقعد الخلفي بجوار النافذة وجلس ياسر إلى جوارها لأن ديمتري أشار له بذلك وبينهما مسافة شبر واحد أما فهد جلس في المقعد الأخير خلفهما تمامًا
انطلقت السيارة ولم يتحدث أحد
كانت جودي تنظر من النافذة إلى الشوارع الرمادية المبللة ويداها في حجرها
كان ياسر ينظر أمامه يشعر بكل نفس من أنفاسها كأنه نار
بعد عشر دقائق قالت جودي دون أن تلتفت بصوت هادئ جدًا
– أنا كنت فاكرة إن ربنا بعتك... طلع الشيطان هو اللي بعتك
لم يقُل ياسر شيئًا لكن فهد في المقعد الخلفي رأى يده السليمة وهي تنقبض على ركبته حتى ابيضّت مفاصلها ولم تنفتح حتى وصلوا
في الواحدة ظهرًا نزلت السيارة عند السلم الحجري لقصر إيفان قال الأصلع لفهد:
– أنت ستنتظر هنا في القاعة
– ماشي
قالها فهد وجلس على مقعد جلدي ضخم في القاعة الكبيرة وضع ساقًا على الأخرى
ثم نظر إلى الحارس الواقف عند الباب وسأله:
– عندكم أكل هنا ولا أنا هموت جعان؟
نظر إليه الحارس بدهشة ولم يرُد
– ماشي... أنا هموت جعان
بس لما أموت قولوا لأبويا إنهم مأكلونيش
ابتسم ديمتري وهو يمر بجواره لكن فهد لم يكن يمزح
كانت عيناه تتحركان في القاعة بهدوء... رأى كاميرا فوق الباب الرئيسي
وكاميرا عند السلم الرخامي... حارس عند باب الحديقة
وحارس عند السلم الذي ينزل إلى أسفل وساعة كبيرة على الحائط
كان يعد كل ما يراه.
أمام السلم الحجري الضيّق توقّف ياسر... وقفت جودي خلفه
قال ديمتري من أعلى السلم بهدوء:
– أمسك يدها يا ابن شعبان السلم مُظلم
لا نريد أن تسقط زوجة صديقنا
مدّ ياسر يده إليها ولم تأخذها... نظرت إلى يده الممدودة لحظة
ثم أمسكت بطرف كم قميصه فقط بأطراف أصابعها كأنها تمسك شيئًا قذرًا
ونزلت... كانت كل درجة أطول من سابقتها وكان ياسر يسمع خطواتها خلفه
يشم رائحة الياسمين التي تعرفها روحه ويعرف أنه بعد ثلاث عشرة درجة سيفتح لها الباب بيده
ويقف ويشاهد
في آخر السلم كان تميم واقفًا بجوار فرشته رفع عينيه للحظة إلى جودي ثم أخفضهما بسرعة كما يفعل الخادم الخائف ثم نظر إلى ياسر حرك إصبعه على فخذه
دقتين... ثم دقة... بمعنى أنا هنا
فتح الحارس القفل... مد ياسر يده السليمة ودفع الباب الحديدي فانفتح بصرير ثم تنحى جانبًا
دخلت جودي وتوقفت كان حبيب جالسًا على الأرض بنفس القميص الممزق
حين رآها توقف تنفسه لحظة ثم انتفض واقفًا رغم ضعفه مد ذراعيه نحوها:
– جودي... جودي إنتي جيتي
قبل أن تتحرك كانت يده قد قبضت على معصمها وجذبها نحوه بقوة
فتعثرت خطوة إلى الأمام وشهقت
لم يتحرك ياسر وقف عند الباب ظهره مستقيم وجهه حجر
لكن تميم الذي كان يقف خلفه رأى عضلة فكه وهي تنقبض وتنبسط
تنقبض وتنبسط كأنه يمضغ الحديد
– جودي... قوليلهم
كان حبيب يلهث ويده تشد معصمها أكثر
– قوليلهم إنه كان معاكي في الجنينة
قوليلهم إنه بيحبك قوليلهم إنك بتحبيه
هو قتل أبويا يا جودي... قتل عمك قوليلهم
نظرت جودي إلى يده المُلتفة حول معصمها ثم رفعت عينيها إليه ببطء
وبحركة واحدة هادئة سحبت يدها من قبضته وتراجعت خطوة:
– أقولهم إيه يا حبيب؟
قالتها بصوت منخفض كأنها لا تصدق ما تسمعه:
– أقولهم إني بحبه هو!
الراجل اللي دخل بيت عمي وضربه رصاصتين وهو قاعد على كرسيه
التفتت ونظرت إلى ياسر عند الباب نظرة طويلة لم يكن فيها شيء غير الكره
كره خالص صافي كالماء:
– إنت فاكر إني ممكن أحب واحد قتل عمي
ثم أعادت عينيها إلى حبيب وأكملت بنفس البرود:
– ولا انت فاكر إني ممكن أحبك إنت... اللي أبوك اتباع ومات عشانك
انت اللي بسببك عمي كان بيعيط بالليل في مكتبه
إنت اللي كتبت إسمي جنب إسمك على ورقة وأنا مكنتش عايزاك
أنا مبحبش حد فيكم أنا بكرهكم إنتوا الإتنين
ساد صمت مُرعب في الغرفة الحجرية
صرخ حبيب صرخة مكتومة ومد يده إليها مرة أخرى لكن السُعال سبقه.
نوبة سعال حادة عنيفة جعلته ينحني على نفسه ويسقط على ركبتيه
سال من فمه خيط أحمر على الأرض
هُنا تحرك تميم تجاوز ياسر عند الباب واندفع إلى داخل الغرفة جثا بجوار حبيب وأمسك كتفيه
وقال بالإنجليزية بصوت عالي مذعور:
– دم... إنه يكح دمًا يجب أن يستلقي... يجب أن يبتعد الجميع
الآن... من فضلكم... إنه لا يتنفس
رفع عينيه إلى جودي وقال بنفس الذعر:
– سيدتي... من فضلك... اخرجي الهواء... يحتاج الهواء
ترددت جودي لحظة ثم استدارت ومشت نحو الباب مرت بجوار ياسر دون أن تنظر إليه
لكنها حين صارت بجواره تمامًا توقفت لنصف ثانية ورفعت ذقنها ومضت.
في أعلى السلم كان ديمتري يقف ويداه في جيبيه ويراقب كل شيء
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة رفع حاجبيه كمن شاهد مسرحية أعجبته
في الثالثة عصرًا وقف ديمتري في المكتب الكبير أمام فيكتور وهو يشرب الشاي:
– المرأة لا تمثل يا فيكتور رأيت الكثير من الممثلات في موسكو
ولا واحدة منهن تستطيع أن تنظر إلى رجل بهذه الطريقة
لقد كرهته بكل ما فيها وكرهت زوجها أيضًا
– وماذا عن الحارس؟
– الحارس وقف عند الباب ولم يتحرك
حتى حين أمسك حبيب معصمها الرجل الذي يحب امرأة لا يحتمل هذا يا فيكتور
إلا إذا كان قويًا جدًا أو ميتًا من الداخل
هز كتفيه وأكمل:
– وفي الحالتين... لم يعد يملك ما يخسره
وهذا النوع من الرجال مفيد جدًا
– إذن صدقته؟
– صدقتهما الآن
قالها وأخذ رشفة أخرى:
– وهذا يزعجني قليلًا فأنا لا أحب أن أصدق أحدًا.
في الطريق إلى البيت جلست جودي في المقعد الخلفي وجهها إلى النافذة
جلس فهد بجوارها هذه المرة ولم يجلس ياسر معهما كان قد بقي في القصر
حين نزلا أمام البيت وانطلقت السيارة السوداء انهارت جودي على درجات السلم
جلست على الدرجة الثانية ووضعت وجهها بين ركبتيها لم تبكي
كانت ترتجف فقط ترتجف كأن البرد سكن عظامها
جلس فهد بجوارها ولفّ ذراعه حول كتفيها ولم يقُل شيئًا
ثم قال بعد دقيقة بصوت خافت:
– إنتي كُنتي جامدة النهارده يا جودي
أجمد من أي حد شوفته في حياتي
– أنا قولتله إني بكرهه
همستها وهي ترتجف
– أنا بكرهه فعلا يا فهد بس ليه... ليه قلبي كان بيوجعني وأنا بقولها
لم يرُد فهد لأنه كان يعرف الإجابة... كان قد حلف ألا يقولها
ضمّها إليه أكثر ونظر إلى الحديقه ثم أخرج هاتفه بيده الأخرى وفتح الملاحظات وكتب بسرعة... أربع كاميرات في القاعة... حارس عند الحديقة... حارس عند سلم القبو
تغيير الحراس الساعة تلاتة بالظبط... شوفت الساعة على الحيطة
ثم أرسلها إلى أسر.
في الإسكندرية وقفت سيارة الشرطة أمام ورشة الأسطى عبده في أحد شوارع محرم بك الجانبية
نزل محمد ببدلته الفاخره ومعه أمين شرطة ضخم الجثة
من الباب الخلفي نزلت نغم بنظارتها الشمسية وذيل حصانها العالي وحقيبتها على كتفها
كانت الورشة مزدحمة بالسيارات المكشوفة... الزيت على الأرض والراديو يصدح بأغنية شعبية
خرج الأسطى عبده من تحت سيارة مليئًا بالشحم نظر إلى البدلة ثم إلى نغم
وتغير وجهه:
– أهلا يا باشا... خير؟
– خير يا أسطى
قالها محمد ووضع يديه خلف ظهره:
– الآنسة عاملة محضر إنك شلت الجنوط والكاسيت والكاوتش بتاع عربيتها
– أنا يا باشا... ده كلام ولاد ناس برضه
أنا ورشتي في الحتة دي من تلاتين سنة
ومحدش اشتكى مني.
خلعت نغم نظارتها الشمسية ببطء نظرت إلى الأسطى عبده نظرة جعلته يبلع ريقه
ثم مشت بخطوات هادئة بين السيارات المكشوفة كأنها في معرض
وقفت أمام سيارة حمراء في آخر الورشة
– الجَنط ده بتاعي
– لا يا أبلة ده بتاع الزبون
– الزبون اسمه إيه؟
– ها
– الزبون اسمه إيه يا أسطى؟
سكت الأسطى عبده فانحنت نغم أمام العجلة مسحت بإصبعها على حافتها الداخلية
ثم رفعت رأسها إلى محمد وقالت:
– في خربوش هنا من جوه شكله زي حرف اللام
أنا اللي عملته وأنا بركن قدام بيت خالتي في سموحة
والكاوتش اللي عليه ميشلان والرقم اللي على جنبه
لو جيت بصيت عليه هتلاقيه نفس الرقم اللي في الفاتورة اللي في الملف عندك
اقترب محمد وانحنى بجوارها نظر إلى حافة الجنط كان الخدش هناك
على شكل حرف اللام بالضبط استقام ونظر إلى الأسطى عبده
كان الرجل قد بدأ يمسح يديه في فوطة متسخة بعصبية
– إيه رأيك يا أسطى؟
– يا باشا ده سوء تفاهم
– يبقى نفهم في القسم
قبل أن يتحرك الأمين قالت نغم بهدوء:
– والكاسيت تحت الترابيزة اللي ورا الراديو
أنا شايفة السلك بتاعه من هنا هو أحمر عشان أنا اللي غيرته
نظر إليها محمد للحظة ثم إلى الطاولة ثم إليها مرة أخرى فرفعت حاجبيها:
– إيه؟
– إنتي جاية تعملي محضر ولا جاية تعملي تحريات
– ما هو لو استنيتك تعمل التحريات كنت هستنى لحد السنة الجاية
ضحك الأمين ضحكة مكتومة فالتفت إليه محمد فسكت فورًا
حين كانوا يغادرون الورشة والأسطى عبده في سيارة الشرطة
توقفت نغم عند الباب الخلفي وقالت دون أن تنظر إلى محمد:
– شكرًا
– على إيه؟
– إنك جيت بنفسك وإنك سمعتني المرة دي
– أنا كنت بسمعك المرة اللي فاتت كمان
– لأ... المرة اللي فاتت كنت بتسمع نفسك وإنت بتقولي اهدي
رفع محمد يده وفرك جبينه بتعب:
– نغم
– نعم
– إنتي دايمًا كده؟
– كده إزاي؟
– لسانك أطول منك
– وإنت دايمًا كده؟
– كده إزاي؟
– فاكر إن البدلة دي بتخليك صح
ركبت السيارة وأغلقت الباب... نظرت له من النافذة
وابتسمت ابتسامة صغيرة سريعة ثم أغلقت الزجاج.
وقف محمد على الرصيف ينظر إلى السيارة وهي تبتعد
ثم انتبه إلى الأمين الواقف بجواره ينظر إليه بابتسامة عريضة
– إيه؟
– مفيش يا باشا
– طب غور من قدامي.
في الحادية عشرة ليلا في الإسكندرية أغلقت سيلا باب غرفتها بالمفتاح
أطفأت الأنوار كلها إلا الأباجورة الصغيرة على الطاولة بجوار الفراش
ثم جلست على حافة الفراش والهاتف في يدها تنتظر
حين رن فتحته سريعًا وظهر وجه معاذ لكنه هذه المرة كان مختلفًا
كان قد حلق لحيته كانت عيناه هادئتين وعلى شفتيه ابتسامة لم ترها منذ سافر
– إنت حلقت؟
– عشانك
– معاذ... إنت كويس؟
– أنا كويس النهارده يا سيلا
النهارده حاجة كبيرة عدت على خير
مش هقدر أقولك إيه بس أنا حاسس إني أخيرًا عارف أتنفس
أمال رأسه ونظر إليها بعشق وقال:
– إنتي لابسة إيه؟
نظرت إلى بيجامتها القطنية الزرقاء المُزينة بنجوم صغيرة:
– بيجامة
– البيجامة بتاعة النجوم؟
– آه
– دي اللي كنتي لابساها ليلة ما النور قطع
احمرّ وجهها فجأة حتى أذنيها أدارت الهاتف قليلًا كأنها تهرب من عينيه:
– معاذ
– فاكرة؟
– متبدأش
– لا هبدأ
قالها وهو يعتدل في جلسته
– أنا بقالي شهر بنام على مخدة باردة في شقة ريحتها سجاير راغب
من حقي أبدأ أسند ظهره إلى الحائط وقال بصوت منخفض:
– ليلة ما النور قطع في الفيلا
كانت أغسطس والحر كان بيموّت
كانو كلهم نايمين فوق في السطوح عشان الهوا
وإنتي قولتي إنك هتنامي في أوضتك عشان بتخافي من شكل السما وهي ضلمة
– أنا فعلا بخاف من شكلها
– عارف
أنا نزلت أجيبلك شمعة
– إنت نزلت تجيبلي شمعة
– آه
– وجبت الشمعة؟
– لأ
ضحك:
– نسيتها خالص أول ما فتحت الباب
ضحكت سيلا وغطت وجهها بيدها لكنها لم تقطع الخط ظلت تنظر إليه من بين أصابعها
– كنتي قاعدة على الشباك يا سيلا
قالها بصوت أبطأ
– رجليكي نازله من برة وشعرك مفكوك
القمر كان داخل الأوضة وأول ما سمعتي الباب بيتفتح بصيتي ورا وقولتيلي
– امشي يا معاذ
قالتها هي بهمس كأنها تعيد الجملة نفسها
– قولتلك أنا لو مشيت مين هيحميكي من خوفك من الضلمة
ضحكا معًا ثم سكتا وصار الصمت على الخط ثقيلا دافئًا
– وبعدين يا سيلا؟
قالها وعيناه في عينيها
– وبعدين إيه؟
– قوليلي إنتي حصل إيه بعد كده
– لأ
– قولي
– أنا مش هقول
– يبقى أنا هقول وأنا مبحكيش باختصار
اعتدلت سيلا على الفراش استلقت على جنبها أسندت الهاتف إلى الوساده أمامها
كأنها تستعد لسماع حكاية تعرفها وتشتاق أن تسمعها رغم ذلك
– قومتي من على الشباك
بدأ يحكي بصوت خفيض
– ووقفتي قدامي... حافية
كنتي أقصر مني بكتير رفعتي وشك وقولتيلي إنت مجنون لو حد صحي
وأنا قولتلك محدش هيصحى... وإنتي قولتيلي إزاي عارف
قولتلك عشان أنا مش هسيب حد يصحى النهارده
– كدااب
– والله قولت كده
– إنت قولت هششش بس
– ماشي قولت هششش بس كان قصدي كده
ضحكت وعضت طرف المخدة وأكمل هو:
– بعدين حطيت إيدي على خدك كان سُخن من الحر
مسحت حبة عرق صغيرة كانت نازلة من جنب ودنك
فاكرة عملتي إيه؟
– لا
– غمضتي عينيكي وأنا ساعتها عرفت إن الليلة دي مش هتعدي زي أي ليلة
صمتت سيلا وكان قلبها يضرب في صدرها كأنها هناك الآن... في تلك الغرفة
في ذلك الحر في ذلك الظلام الذي لا يضيئه إلا القمر
– وبعدين قربت منك
قالها وصوته ينخفض أكثر:
– وإنتي رجعتي لورا خطوة لحد ما ضهرك لمس الحيطة
قولتيلي معاذ إحنا لسه... وأنا قولتلك عارف إحنا لسه
أنا مش هعدي حاجة إنتي مش عايزاها
بس سيبيني أقرّب... بس أقرّب
ضمّت سيلا رُكبتيها إلى صدرها تحت الملاءة وهمست:
– وقربت
– قربت ولمست شفايفك أول مرة
كانت طعمها نعناع عشان كنتي لسه شاربة شاي بالنعناع
حسيتك بترتعشي مش من الخوف من حاجة تانية
إيديكي اللي كانت على صدري عشان تزقني
لقيتها بتمسك في قميصي
– بس يا معاذ
– لأ مش بس... أنا لسه في الأول
غطت وجهها بالوسادة وأطلقت ضحكة مكتومة حين رفعت رأسها كان وجهها أحمر وعيناها تلمعان:
– إنت قليل الأدب
– جوزك قليل الأدب عادي يا حبيبي ارضي بنصيبك
– ده مش بيبرر حاجة
– ده بيبرر كل حاجة
قال بجدية مفاجئة:
– قومي اقفلي الشباك
– ليه؟
– عشان أنا مش عايز حد يسمعك دلوقت
نظرت إليه بجرأة ثم نهضت ومشت حافية إلى النافذة أغلقتها وأسدلت الستارة
حين عادت لم تجلس وقفت أمام الهاتف المسنود على الوسادة
– اقعدي على الشباك يا سيلا
– إيه؟!
– اقعدي على الشباك زي الليلة دي وفكي شعرك
ترددت لحظة ثم مدت يدها ببطء وفكت المشبك من شعرها
فانسدل على كتفيها جلست على حافة النافذة المغلقة وظهرها إلى الستارة
أدارت الهاتف نحوها ظل معاذ صامتًا وحين بدأ يتحدث كان صوته أجش:
– كده بالظبط بس ناقص القمر
– وناقص إنت
– أنا هنا أنا واقف قدامك دلوقت...حاسة بيا؟
أغمضت عينيها
– حاسة
– إيدي على خدك
مدت يدها ووضعتها على خدها كأنها تمسك يده
– نازلة
نزلت يدها ببطء على عنقها على المكان الذي كان يحب أن يُقبّلها فيه تحت أذنها
– فاكرة لما وصلت هنا عملتي إيه؟
– قولت اسمك
– قولتيه إزاي
همست بإسمه بالطريقة نفسها بالرعشة نفسها
سمعته يأخذ نفسًا طويلًا مرتعشًا على الخط:
– يا بنت الإيه
قالها بصوت يملأه الرغبة:
– إنتي ناوية تموتيني وأنا بعيد عنك ببلاد
ضحكت وفتحت عينيها:
– إنت اللي بدأت
– وأنا اللي هكمل بس قومي من على الشباك تعالي عالسرير
الشباك ده بيفكرني بحاجات مش هقدر أعملها دلوقت
عادت إلى الفراش استلقت على ظهرها وشعرها منثور على الوسادة
أسندت الهاتف بجوار رأسها حتى صار وجهه على الشاشة قريبًا جدًا كأنه مستلقي إلى جوارها:
– معاذ
– نعم
– كمل الحكاية
– الحكاية!
– الليلة دي...حصل إيه بعد الشباك
ابتسم ابتسامة بطيئة خَطرة:
– متأكدة؟
– متأكدة
أكمل بصوت منخفض هادئ يحكي كأنه يرسم عن قميصها القطني الذي ابتل من الحر
عن أصابعه وهي تتوقف عند أول زر وتسألها بعينيه
عن عينيها وهي تجيب دون كلمة وعن الهواء الساخن الذي كان يدخل من النافذة المفتوحة فلا يبرد شيئًا
وعن خوفهما معًا من أن يسمعهما أحد على السطوح
عن ضحكتها المكتومة في كتفه حين صرخ قط في الشارع فقفزا معًا
وعن قبلاته التي كانت تسير على كتفها كأنها تحفظ الطريق
عن يديها اللتين كانتا تبحثان عنه في الظلام ثم تتوقفان فجأة خجلا
ثم تعودان
كانت سيلا تسمع وتغمض عينيها تعض شفتها السفلى وتشد الملاءة بأصابعها
تهمس له بين حين وآخر أن يكف فلا يكُف... وأن يكمل...فيكمل
– أنا وقفت يا سيلا
قالها أخيرًا بصوت مبحوح:
– وقفت عند الحد اللي اتفقنا عليه مع إني كنت هموت وأكمل
إنتي قولتيلي جملة لسه بتصحيني من النوم لحد النهارده
– قولت إيه؟
– إنتي عارفة قولتي إيه
– عايزة أسمعها منك
صمت لحظة ثم همس:
– قولتيلي يوم الفرح هسيبك تكمل لحد الصبح
أخفت سيلا وجهها في الوسادة وأطلقت صوتًا صغيرًا بين الضحك والأنين:
– أنا مقولتش كده
– قولتي كده بالحرف أنا فاكر كويس والسرير اللي كنا نايمين عليه عريانين شاهد
حتى القطة اللي نونوت وانتي قاعدة فوقي شاهده على اللي حصل
انفجرت ضاحكة حتى دمعت عيناها ثم هدأت نظرت إليه في الشاشة وقالت بجدية مفاجئة:
– معاذ
– نعم
– أنا لسه عند كلامي...يوم الفرح
تغير وجهه لم يكن يضحك كانت عيناه تلمعان بشيء أعمق من الرغبة:
– هرجع يا سيلا وهعملك أكبر فرح في إسكندرية
هرقص مع أمك وأبويا قدام الناس كلها هشيلك على إيدي من باب الفيلا لحد الأوضة دي
وأقفل الباب والشباك والدنيا كلها
– والقطة؟
– القطة هتبقى برة وأنا اللي جوه
ضحكت سيلا وأغمضت عينيها ظل هو ينظر إليها في الشاشة حتى تباطأ تنفسها
حين نامت والابتسامة على شفتيها همس بصوت لا يكاد يُسمع:
– تصبحي على خير يا مراتي وحبيبتي و كل ما ليا .
في الحادية عشرة ليلا بتوقيت نيويورك فتح ياسر عينيه على صوت الباب
كان قد غفا أخيرًا على المقعد بجوار النافذة للمرة الأولى منذ ليال
رأى فيكتور يدخل وحده هذه المرة بلا رجال بلا ديمتري وفي يده كأسان من الفودكا
ناوله كأسا وجلس على حافة الفراش أمامه:
– اشرب يا عقرب
اليوم كان يومًا جيدًا لك
لم يشرب ياسر أمسك الكأس فقط فإبتسم فيكتور وشرب كأسه دفعة واحدة:
– ديمتري صدّقك وهذا لا يحدث كثيرًا
آخر رجل صدقه ديمتري كان ابن عمه
وقتله بعد ذلك بأسبوع
ضحك ضحكة قصيرة ثم وضع الكأس الفارغ على الطاولة:
– لكنني لست ديمتري أنا أحتاج رجالا... لا أحتاج أن أصدقهم
مال إلى الأمام ووضع مرفقيه على ركبتيه نظر في عيني ياسر مباشرة:
– يوم الخميس لدي شحنة مهمة في الرصيف التاسع
شحنة تأتي من موسكو... وأخرى تذهب إليها ستأتي معي
أنت وحدك ستقف بجواري لأن الرجل الذي يقتل عم المرأة التي يحبها أمام عينيها
هو الرجل الوحيد الذي لا يمكن شراؤه
نهض ومشى نحو الباب وقبل أن يخرج التفت وقال بهدوء:
– سنأخذ حبيب معنا لن يعود إلى القبو بعد الخميس
سيعود إلى موسكو في الحاوية
انغلق الباب وظل ياسر جالسًا والكأس في يده ينظر إلى السائل الشفاف دون أن يراه
الخميس...اليوم الذي قال تميم إن معاذ سيخرجهم فيه من القصر
اليوم الذي سيكون فيه هو وحبيب في مكان آخر تمامًا.
ماذا سيحدث يا ترى........
سنرى......
انتظرووني......
بقلمي / فريده الحلواني
