📁 آخر الأخبار

روايه سوار جهنم الفصل الخامس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه سوار جهنم الفصل الخامس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه سوار جهنم الفصل الخامس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه سوار جهنم الفصل الخامس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني 


سوار جهنم 
الفصل الخامس والعشرون 
فريده الحلواني 


صباحك بيضحك يا قلب فريده 

متزعليش لما حد يخدعك... قولي يارب اكفيني شر المستخبي 
وهو هيتكفل بكل اللي عايز يأذيكي انا واثقة
وبحبك. 


رن الهاتف في جيب فهد رنة عالية حادة شقّت صمت الرصيف كله كما تشق السِكّين قطعة لحم
التفتت الرؤوس كلها في لحظة واحدة الرجلان اللذان يمسكان حبيب
والحارس الواقف عند الحاوية الحمراء وفيكتور نفسه
رأى ياسر من طرف عينه رجلين يضعان أيديهما على جيوب معاطفهما
لم يتجمد فهد ألقى الكرتونة على الأرض بعصبية أخرج الهاتف ورد بصوت عالي غاضب كأنه في سوق:
– أيوه... أيوه أنا... يعني إيه الأوردر هيتأخر نص ساعة
 أنا طالبه من الساعة سبعة...لا يا حبيبي متقولّيش زحمة
 إنت عارف أنا شايل كام كرتونة من الصبح
 أنا على لحم بطني من امبارح
كان يتكلم بالعربية بصوت يملأ الرصيف ويلوّح بيده الأخرى في الهواء
والرجال ينظرون إليه بدهشة ثم بدأ أحدهم يبتسم
ضحك ماريك ضحكة عالية من جوار السيارة وقال بالإنجليزية للحارس:
– إنه يتشاجر مع مطعم الشاورما هذا الفتى لا يفكر إلا في الطعام
ارتخت الأيدي عن الجيوب وعاد الحارس ينظر إلى الماء لكن فهد لم يغلق الخط
رفع صوته أكثر وقال وهو يمشي ببطء بين الحاويات نحو حافة الرصيف
– يعني إيه ...يعني الشحنة اتأخرت
 الشحنة اتأخرت يعني... طب أنا هعمل إيه دلوقت
سمعها ياسر... ثلاث كلمات بالعربية وسط الضباب... الشحنة اتأخرت

لم يفكر ألقى بجسده إلى الأمام على حبيب بكل ثقله وسقطا معًا على الحجارة المُبللة عند حافة الماء
في اللحظة نفسها انطلقت الرصاصة الأولى من مكان ما فوق الحاويات
سقط الرجل الذي كان يمسك ذراع حبيب الأيمن صارخًا وهو يمسك فخذه
ثم الرصاصة الثانية في ساق الرجل الآخر ثم انفجر الرصيف كله
صرخ فيكتور بالروسية وارتمى خلف عمود حديدي ضخم
خرج حُرّاسه من خلف السيارات السوداء يطلقون النار في كل اتجاه
على الضباب...على الحاويات..على لا شيء
كانت الرصاصات تضرب الحديد فيطلق رنينًا حادًا 
كان ياسر مُمددا فوق حبيب يده السليمة تضغط رأسه إلى الأرض
وحبيب يرتجف تحته ويصرخ:
– هيموتونا...هيموتونا
– اسكت
 قالها ياسر في أذنه
– اسكت ومترفعش راسك لو عايز تشوف أبوك تاني

توقف حبيب عن الصراخ فجأة رفع عينيه إلى ياسر وسط الدخان:
– أبويا؟!
– اسكت دلوقت
في تلك اللحظة رأى ياسر عربه نقل صغيرة رمادية تخرج من بين صفين من الحاويات بسرعة جنونية مكتوب على جانبها بحروف باهتة... شركة سباكة
لم يستطع ياسر أن يمنع نفسه من الضحك وسط الرصاص
توقفت السياره بعنف على بعد أمتار منهما وانفتح بابها الخلفي ظهر معاذ
بوجه آخر بقناعه السيليكون وبملابس عامل ميناء لكن عينيه كانت نفسها عينيه التي يعرفها
– يلا

نهض ياسر وشدّ حبيب من ياقة قميصه جرّه نحوها كانت ساقا حبيب ترتعشان من الضعف فسقط مرتين
وفي المرة الثالثة نزل معاذ من السيارة وحمله من تحت إبطيه رماه إلى الداخل كأنه حقيبه
ثم مد يده إلى ياسر :
– اركب
لكن ياسر التفت كان يبحث بعينيه في الضباب:
– فهد؟
– فهد مع راغب اركب يا ياسر
انطلقت رصاصة وضربت باب العربية على بعد شبر من رأس معاذ
فدفع ياسر إلى الداخل وقفز خلفه وأغلق الباب ثم انطلقت السيارة بسرعة جنونية.

في الطرف الآخر من الرصيف كان فهد منبطحًا على الأرض خلف الحاوية الحمراء يداه فوق رأسه 
والهاتف ما زال في يده وصوت راغب يأتي منه هادئًا:
– فهد
– أنا هنا
– إنت كويس
– أنا كويس بس ماريك... ماريك جري ناحية العربية يا راغب
 بيدور عليا
 سمع خطوات تقترب وصوت ماريك يناديه بصوت خائف:
– فهد...فهد أين أنت
رفع فهد رأسه قليلا فرأى ماريك يقف على بعد مترين وظهره إليه يلتفت يمينًا ويسارًا
لم يكن يحمل سلاحًا كان يبحث عنه هو الولد المصري الذي يأكل معه الشاورما كل ليلة

في تلك اللحظة خرج حارس من حراس فيكتور من بين الحاويات رفع مسدسه نحو ماريك وصرخ بالروسية:
– أنت من أحضره... أنت الخائن
كنت تعلم أنه ابن سفيان و مع ذلك أصبح صديقك
وأحضرته معك أيها الحقير 

لم يفكر فهد نهض من مكانه جرى وألقى بنفسه على ماريك فسقطا معًا خلف الحاوية
مرّت الرصاصة فوق رأسيهما وضربت الحديد
ثم جاءت يد قوية ومسكت فهد من عنقه من الخلف وجذبته إلى الأعلى
– إنت مجنون يا واد
كان راغب بوجهه الحقيقي هذه المرة وبمسدس في يده الأخرى
– إنت قولتلي متعملش فيها بطل
– وإنت عملت إيه؟
– رميت نفسي على ماريك
– وده إسمه إيه؟
– إسمه جدعنة... الراجل عزمني على أكل يومين
نظر راغب إلى ماريك المُلقى على الأرض والذي ينظر إليهما بعينين واسعتين لا يفهم شيئًا
ثم تنهد:
– هاته معاك هيموتوه لو فضل هنا
جرى الثلاثة بين الحاويات حتى وصلوا إلى سيارة سوداء صغيرة تنتظر عند البوابة الخلفية للميناء وانطلقت بهم.

حين هدأ الرصاص أخيرًا خرج فيكتور من خلف العمود الحديدي
كان معطفه ممزقًا عند الكتف ووجهه شاحبًا
وقف على حافة الرصيف ونظر إلى المكان الذي كان يقف فيه حبيب
لم يكن هناك أحد فقط بقعة دم صغيرة على الحجارة وسلاحه الذي
 أعطاه لياسر ملقى على الأرض

انحنى ببطء والتقطه ثم نظر إلى الماء الأسود طويلا وقال بالروسية بصوت خافت كأنه يحدث نفسه:
– ديمتري كان على حق
 أخرج هاتفه وطلب رقمًا واحدًا ولم يسمع أحد ماذا قال.

في عربه السباكة كان الظلام يملأ الصندوق الخلفي إلا من شريط ضوء رفيع يتسلل من شِق الباب وكانت السياره تهتز مع كل حفرة في الطريق فيرتطم حبيب بالجدار المعدني ويئن
جلس ياسر في الركن المقابل ظهره إلى الحديد البارد وذراعه المصابة تنزف من جديد تحت الرباط لكنه لم يكن يشعر بها
ظل حبيب صامتًا طويلًا ينظر إليه في الظلام ثم قال بصوت مبحوح مكسور:
– إنت قولتلي أبويا
لم يرد ياسر
– إنت قولتلي لو عايز تشوف أبوك تاني... أبويا ميت
أنا شوفته بيموت شوفتك وانت بتموته
رفع ياسر عينيه إليه أخيرًا... كان وجه حبيب في شريط الضوء شاحبًا مبللا بالعرق والدموع
وعيناه تتوسلان لا تطلبان حقيقة تطلبان أملًا:
– أبوك عايش يا حبيب
تجمد حبيب ثم هز رأسه ببطء:
– كداب
– الرصاصتين كانوا فشنك
أبوك كان لابس تحت القميص حاجة عمك سفيان لبسهاله بإيده
ووقع قدام الكاميرا عشان فيكتور يصدق
دفنوا تابوت فاضي
فتح حبيب فمه ولم يخرج منه صوت ثم وضع يديه الملفوفتين بالقماش على وجهه
وبدأ جسده كله يهتز لم يكن بكاء... كان شيئًا أعمق من البكاء
كأن كل ما في صدره من خوف وكُره وذُل الأيام الماضية يخرج منه دفعة واحدة
ظل ياسر ينظر إليه دون أن يتحرك ثم قال بهدوء:
– أبوك عمل حاجات كتير وحشة يا حبيب
وإنت كمان بس هو فاق قبل الفيديو بأسبوع مكانش
 بيفكر في الفلوس ولا في الصفقة كان بيقول اسمك
رفع حبيب وجهه من بين يديه:
– إنت ليه بتعمل كده؟!
– بعمل إيه؟
– إنت بتكرهني وأنا بكرهك
أنا كنت عايز فيكتور يقتلك من يومين
ليه رميت نفسك عليا على الرصيف
صمت ياسر للحظات ثم أسند رأسه إلى الحديد وأغمض عينيه:
– عشان جودي كانت هتعيط عليك
زي ما عيطت على أبوك لما فكرته مات 
هيَّ طيّبة ومهما اذيتوها هتفضلوا ابن عمها... وعمها اللي رباها
وأنا مبقدرش أشوفها بتعيط
ساد الصمت في الصندوق المُعتم لم يعد يسمع إلا صوت المحرك وأنفاس الرجلين
 قال حبيب بصوت خافت جدًا كأنه يعترف لنفسه:
– هي عمرها ما عيطت عليّا يا ياسر... ولا مرة
من المقعد الأمامي جاء صوت معاذ وهو يقود دون أن يلتفت:
– اتنين عُبط ربنا بلاني بيهم ...خلوا الكلام ده لما نوصل... أنا مش ناقص نكد
لأول مرة منذ شهور ضحك ياسر من قلبه وبعد لحظة ضحك حبيب أيضًا وسط دموعه.


في القصر على بعد أربعين كيلومترًا كان تميم يقف خلف ديمتري في المكتب الواسع ويُدلك كتفيه بأصابع ثابتة كان ديمتري جالسا مغمض العينين
على الطاولة أمامه ساعة جيب فضية قديمة مفتوحة عقاربها تتحرك بصوت خافت
قال ديمتري دون أن يفتح عينيه:
– أتعرف ما هذه يا ممرض؟
– ساعة يا سيدي
– كانت لأبي...كان محققًا في الشرطة السّرية أيام الاتحاد السوفيتي
 كان يضعها على الطاولة أمام كل رجل يحقق معه
 ويقيس بها
– يقيس إيه يا سيدي؟
– الوقت الذي يستطيع فيه الرجل أن يكذب
لم تتوقف أصابع تميم ولم تتغير حركتها لكن قلبه كان يدق بنفس سرعة تلك العقارب
– أبي كان يقول إن أي رجل يستطيع أن يكذب ساعة
 والرجل القوي يكذب يوما والرجل الخطير يكذب أسبوعًا
 لكن لا أحد في الدنيا يستطيع أن يكذب شهرًا كاملا دون أن يخطئ مرة واحدة
فتح ديمتري عينيه ونظر إلى الساعة:
– أنت هنا منذ ثلاثة أسابيع يا مُمرض
 رن هاتفه على الطاولة لم يتحرك تميم رفع ديمتري الهاتف ونظر إلى الشاشة
ثم رد بالروسية وظل يستمع دون أن يتكلم
رأى تميم في زجاج النافذة المقابلة انعكاس وجه ديمتري
لم يكن غاضبًا لم يكن مندهشًا...كان يبتسم
أغلق ديمتري الهاتف ووضعه على الطاولة بهدوء ثم قال:
– يكفي هذا يا ممرض ظهري أصبح أفضل
ابتعد تميم خطوة وانحنى برأسه:
– أمرك سيدي...أحضر الشاي؟
– لا
 قالها ديمتري
– اجلس
أشار إلى المقعد الجلدي المقابل له فجلس تميم على حافته بظهر منحن كما يجلس الخدم
قام ديمتري ببطء اتجه إلى باب المكتب وأدار المفتاح في القفل مرتين
ثم وضع المفتاح في جيب سترته الداخلي وعاد وجلس:
– السيد فيكتور خسر شيئًا مهمًا جدًا اليوم
 قالها وهو يغلق ساعة الجيب بهدوء:
– الحراس كلهم معه في الميناء والقصر فارغ
 لا أحد فيه إلا أنا وأنت ولدينا اليوم كله
 ابتسم ابتسامته المهذبة
– لنتحدث.

في الثالثة عصرًا بتوقيت الإسكندرية كانت سيلا تقف في الشرفة منذ ساعة 
والهاتف في يدها وجهها شاحب لم يتصل معاذ منذ الفجر لم يرد على الرسالة الأولى
ولا الثانية ولا العاشرة
خرجت غالية إليها ووضعت يدها على كتفها:
– ادخلي يا حبيبتي الجو برد
– مش بردانة يا غالية
– طب كُلي حاجة
– مش جعانة
نظرت غالية إلى ابنتها للحظة ثم سحبت مقعدًا وجلست بجوارها في صمت
أخرجت من جيب عباءتها سبحة خشبية قديمة وبدأت تسبح بصوت خافت
بعد دقيقة جلست سيلا على الأرض بجوار مقعدها وأسندت رأسها إلى ركبتها
كما كانت تفعل وهي طفلة لم تقل أي منهما شيئًا
في الصالة كان حسن يجلس أمام التلفزيون المطفأ هاتفه على الطاولة أمامه
ينتظر رسالة من سالم
في الرابعة إلا خمس دقائق اهتز هاتف سيلا في يدها رسالة من رقم غريب
كلمتان فقط:
- خلصت... وعد
لم تفهم في البداية ثم فهمت انفجرت في البكاء فجأة بصوت عالي:
فارتعدت غالية وأمسكت وجهها بين يديها:
– إيه يا بنتي فيه إيه؟
لكن سيلا كانت تضحك وتبكي في نفس الوقت وتقلب الشاشة نحو أمها
– رجع يا غالية قصدي... خلاص...هيرجع
خرج حسن إلى الشرفة على صوتها فلم تقُل له شيئًا
فقط قامت وارتمت في حضنه
ظل حسن يربت على ظهرها وهو ينظر إلى غالية من فوق كتفها وعيناه تلمعان.

في نفس الساعة في بيت سفيان الجبري كانت جودي تجلس في الصالون وحدها والتلفزيون مفتوح على قناة إخبارية أمريكية لم تكن تشاهد كانت تقلب البطاقة الصغيرة بين أصابعها وتنظر إلى الفراغ ثم سمعت المذيعة تقول كلمة جعلتها ترفع رأسها:
ميناء بروكلين...رأت على الشاشة صورًا مهتزة من بعيد لحاويات وسيارات شرطة وأضواء زرقاء وحمراء وشريطًا أصفر يحيط بالرصيف التاسع
إطلاق نار كثيف هذا الصباح... إصابات بين مجهولين... لا معلومات عن القتلى حتى الآن
وقفت جودي دون أن تشعر
ورن في أذنها صوت ديمتري أمس عند باب القبو وهو يقول لياسر:
غدًا ستأتي مع السيد فيكتور إلى الميناء سقطت البطاقة من يدها على السجادة
لم تفهم ما الذي يحدث لها كانت يداها ترتجفان وصدرها يضيق
صورة واحدة تملأ رأسها...ياسر بذراعه المربوطة إلى صدره
واقفا على حافة ماء أسود وحده
همست بصوت مرتعش:
– لا
ثم بصوت أعلى:
– لا لا لا
دخل أسر من باب الصالون على صوتها فوجدها واقفة أمام التلفزيون وجهها أبيض كالورق:
– جودي...مالك؟
التفتت إليه بعينين واسعتين:
– المينا يا أسر...المينا اللي ديمتري قال إن ياسر رايحه النهارده
فيه ضرب نار وفيه ناس ماتت
نظر أسر إلى الشاشة ثم إليها رأى في وجهها شيئا جعله يتوقف:
– إنتي خايفة على مين يا جودي؟
سكتت فتحت فمها ثم أغلقته
ثم انحنت والتقطت البطاقة من على السجادة بسرعة وخبأتها في كفها:
– على حبيب
قالتها بصوت لا يصدقه أحد:
– حبيب كان معاهم
ابتسم أسر ابتسامة حزينة صغيرة
جلس على ذراع الكنبة:
– حبيب كويس وياسر كويس الاتنين كويسين
شهقت جودي:
– إنت عرفت منين؟!
– عرفت
 قام و اتجه نحو الباب قبل أن يخرج قال دون أن يلتفت:
– على فكرة يا جودي إنتي لما بتكدبي إيدك الشمال بتترعش
من وإنتي صغيرة
نظرت جودي إلى يدها اليسرى كانت ترتعش رغمًا عنها وسط كل هذا الخوف ...ابتسمت.


في السادسة مساءًا كان محمد يقف أمام باب شقة نغم في الدور الثالث
كان قد وقف هناك عشر دقائق قبل أن يرفع يده ويطرق
فتحت الباب وهي ترتدي بيجامة رمادية واسعة وشعرها مفرود على كتفيها
في يدها كوب شاي تجمدت حين رأته:
– إنت جاي هنا ليه؟!
– أنا مش جاي أنا واقف
– واقف ليه؟
– عشان مش هسيبك لوحدك النهارده ولا بكرة
 لحد ما نمسك الراجل الأشقر ده
ضيّقت نغم عينيها وأسندت كتفها إلى إطار الباب:
– ده أمر من القسم؟
– لأ
– أمر من مين؟
صمت محمد لحظة ثم قال بصوت منخفض:
– أمر مني
نظرت إليه للحظات والبخار يتصاعد من كوب الشاي بينهما
ثم أفسحت له الطريق قليلًا:
– طب ادخل عشان الجيران
– لا
 قالها بسرعة:
– أنا هقعد على السلم مينفعش أدخل بيت بنت لوحدها
 أنا هقعد هنا
رفعت حاجبيها بدهشة:
– على السلم!
– أيوه...أمك مسافرة البلد عند خالتك وإنتي لوحدك
– إنت عرفت منين إن ماما مسافرة؟!
– أنا ظابط يا نغم مش بتاع فجل
ظلت تنظر إليه كان في عينيها شيء جديد لم يراه من قبل
لا سخرية فيه... ولا تحدي... ثم دخلت وأغلقت الباب
جلس محمد على درجة السلم وأسند ظهره إلى الحائط
بعد خمس دقائق انفتح الباب مرة أخرى
خرجت نغم وفي يدها كوب شاي ثاني وطبق فيه ساندويتشين
وضعتهما على الدرجة بجواره دون كلمة ثم جلست على الدرجة الأعلى منه
لفت ذراعيها حول ركبتيها:
– إنت مجنون يا حضرة الظابط
– عارف
– محدش عمل كده عشاني قبل كده
لم يرُد أخذ رشفة من الشاي ونظر أمامه إلى الحائط فقالت بصوت أخف:
– الشاي حلو؟
– أحلى من شاي القسم
– عشان أنا اللي عاملاه
التفت إليها أخيرا كانت قريبة وكانت تبتسم فابتسم.

في التاسعة مساءًا في فيلا الشريف... كان عدي يقف في المطبخ يحاول أن يصنع القهوة لأول مرة في حياته البن مسكوب على الرخامة و القدح على النار تفور
وضي واقفة عند الباب تكتم ضحكتها بيدها:
– إنت بتعمل إيه يا عدي؟
– بعملك قهوة
– دي مش قهوة دي جريمة... سمر لو شافتك هتحبسك
– أنا ظابط يا ضي...أنا بحقق في الجرايم مش بعملها
أطفأت النار وأخذت منه القدح قبل أن تنسكب كلها
ثم نظرت إلى قميصه المبقع بالبن وضحكت:
– بُص عملت في نفسك إيه؟
– دي شهادة إني حاولت
مد يده ومسح بإبهامه بقعة صغيرة من البن على خدها :
– وإنتي كمان اتبقعتي
– أنا متبقعتش
– لا اتبقعتي
 مسح بقعة أخرى غير موجودة على طرف شفتها وأكمل:
– وهنا كمان
– عدي
همستها وهي تتراجع خطوة حتى التصق ظهرها بالثلاجة
– لا...هنا بالظبط
اقترب أكثر ورفع ذقنها بإصبعه
كانت ضي تنظر إليه بعينين نصف مغمضتين وأنفاسها قد تسارعت
لم يعد بينهما إلا نفس واحد
– يا بابا
انتفضا معا كان سالم الشريف واقفا عند باب المطبخ وفي يده نظارته
ووراءه سمر تكتم ضحكتها
– يا بابا إنتي شايفة ابن الكلب ده
قالها سالم لسمر وهو يشير إلى عدي بالنظارة
– مخلي المطبخ بيت دعارة كأنه شاقطها من على الكورنيش
– يا بوب أنا كنت بعمل قهوة وبعدين حرام عليك
اقسم بالله انت قاطعلي الخلف من زمان 
وضع يده علي بطن زوجته المنتفخة ثم أكمل بوقاحة:
- ميغورّكش الإتنين اللي جوه دول أنا جبتهم بدُعى امي ليّا
رد عليه سالم بوقاحة أكبر:
- انت هتشتغلني يا روح أمك... دُعى امك إيه 
دانت ابن سالم الشريف يلاااااا
صرخت سمر بخجل لم يفارقها: 
- بسسسسس....انت بتتباهى بإيه انت وهو 
ارحمني يا رب
- دي انجازات يا بابا و لازم نفتخر بيها
قالها سالم بجدية ثم ابتسم فجأة ابتسامة لم يراها عدي على وجه أبيه منذ أسابيع
– اعملوا القهوة يا ولاد وتعالوا الصالة عندي خبر حلو
وخلي البوس فوق يا روح أمك أنا عايز القهوة بوش
نظر عدي وضي إلى بعضهما بدهشة ثم خرج سالم ومعه سمر
سمعاه يقول لها في الممر بصوت منخفض:
– الحمد لله يا بابا الولاد طلعوا من الميناء
لم يسمعا بقية الكلام لكن ضي لاحظت أن عُدي قد تغير وجهه فجأة وصار يُحدّق في الباب الفارغ
– مالك؟
– مفيش
قالها بسرعة ثم ابتسم لها:
– تعالي نعمل القهوة صح المرة دي
امسك كفها ليتجه نحو الموقد لكن عقله كان يفكر في أخيه التوأم
الذي انقطعت أخباره منذ مدة.

في الثامنة مساءًا بتوقيت نيويورك توقفت عربة السباكة في مخزن مهجور في بروكلين
انفتح الباب الخلفي ونزل ياسر أولا ثم نزل معاذ يسند حبيب
 وصلت السيارة السوداء خلفهم نزل منها راغب وفهد وماريك
وقف ياسر في منتصف المخزن ونظر حوله:
– فين تميم؟
لم يرد أحد التفت إلى معاذ:
– معاذ...فين تميم؟
كان معاذ يمسك هاتفه ينظر إلى الشاشة وكان وجهه قد صار رماديًا
– تميم مطلعش بالزبالة الساعة أربعة ولا الساعة خمسة
 ولا الساعة ستة والسماعة بتاعته مقفولة من ساعتين
ساد صمت ثقيل في المخزن ثم قال حبيب من مكانه على الأرض بصوت مبحوح:
– المُمرض... المُمرض الفلبيني اللي كان في القبو ده كان معاكم
لم يرد عليه أحد فهمس حبيب:
– ديمتري كان بيقعد يتفرج عليه بالساعات... كل يوم وهو نايم
في تلك اللحظة اهتز هاتف معاذ في يده رقم مجهول فتح الخط ووضعه على السماعة الخارجية لم يتكلم أحد على الطرف الآخر و لم ينطق معاذ أيضًا 
كل ما يسمعه هو صوت خافت منتظم ثم جاء صوت ديمتري هادئًا مهذبًا بعربيته المكسرة:
– مساء الخير
لم يأته رد من الطرف الآخر فأكمل بهدوء :
 نحن نتحدث منذ أربع ساعات هو رجل لطيف جدًا
 لكنه لم يقل كلمة واحدة بعد
صمت لحظة ثم أضاف:
– أبي كان يقول إنه لا يوجد رجل يستطيع أن يصمت إلى الأبد
 أنا أريد أن أعرف إن كان أبي على حق
و فقط ...انقطع الخط.

ماذا سيحدث يا ترى.....

سنرى......

انتظروووني......

بقلمي / فريده الحلواني 
تعليقات