روايه سوار جهنم الفصل السادس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه سوار جهنم الفصل السادس والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
مش هقولك كلمه انهارده بس هدعيلك... ربنا يجبرك ويراضيكي ويريح قلبك وبالك يا حبيبي
أنا بحبك.
في الخامسة عصرًا بتوقيت نيويورك كانت ساعة الجيب الفضية ما تزال مفتوحة على الطاولة
كان تميم جالسًا على حافة المقعد الجلدي منذ أربع ساعات ظهره منحني
يداه على ركبتيه وعيناه على الأرض لم يتكلم إلا ثلاث كلمات طوال هذا الوقت
نعم سيدي...لا سيدي...لا أعرف سيدي
كان ديمتري جالسًا أمامه بهدوء رجل في نزهة يتكلم ويتكلم
عن موسكو في الشتاء وعن أبيه المحقق
وعن رجل فلبيني حقيقي اسمه جوزيف ماناليو كان يعمل ممرضًا في مستشفى صغير في كوينز
سافر فجأة قبل شهر إلى مانيلا لأن أمه مريضة ولم يعُد
– غريب يا ممرض
قالها ديمتري وهو يقلب بين أصابعه هاتفًا صغيرًا رخيصًا بغطاء أسود
– جوزيف ماناليو سافر إلى مانيلا... وأنت جوزيف ماناليو... وأنت هنا
رفع تميم عينيه للحظة ثم أعادهما إلى الأرض:
– أنا لم أسافر سيدي أمي ماتت قبل أن أشتري التذكرة
فلم يعُد هناك داعٍ للسفر
صمت ديمتري لحظة ثم ابتسم:
– جواب جيد... جواب جيد جدًا
لكنني لم أسألك سؤالًا
ثم رفع الهاتف الصغير أمام عيني تميم:
– وجدت هذا تحت فرشتك في القبو داخل الإسفنج
لا رسائل فيه ولا صور ولا أسماء
رقم واحد فقط اتصلت به منذ ساعة ولم يتكلم أحد
لم يتحرك تميم لم يرتجف لم يبتلع ريقه
فقط خفض رأسه أكثر كخادم ضُبط متلبسًا بسرقة صغيرة
وقال بصوت خافت مُرتبك:
– أرجوك سيدي لا تُخبر السيد فيكتور
الهواتف ممنوعة في القصر لكنني...
– لكنك ماذا
– لدي امرأة سيدي ممرضة مثلي نتحدث في الليل حين ينام الجميع
وهي تخاف أن ترد على أرقام غريبة لذلك لم تتكلم
ضحك ديمتري ضحكة قصيرة حقيقية لأول مرة وضرب على ركبته:
– امرأة... كم هذا جميل
الرجل الذي لا يتكلم أبدا لديه امرأة يتكلم معها في الليل
مال إلى الأمام ومد الهاتف إلى تميم:
– إذن اتصل بها... الآن
على مكبر الصوت أريد أن أسمعها تقول اسمك.
في المخزن المهجور في بروكلين كان معاذ يقف أمام الطاولة الخشبية والهاتف على السماعة الخارجية في يده منذ أن انقطع الخط لم يتكلم حين اتصل ديمتري
لم يتنفس ترك ديمتري يقول ما يريد وأغلق ثم وقف صامتا يفكر
الجميع حوله ينظرون إليه ولا يجرؤ أحد على التفوّه بحرف قال أخيرًا:
– ديمتري لقى موبايل تميم ومش عارف هو بتاع مين
لو كان عرف كان قالي يا معاذ أو قال اسم تميم
بس هو قال الممرض يعني تميم لسه مقالش حاجة
– وبعدين؟
قالها راغب
– وبعدين هيخليه يتصل بالرقم ده تاني قدامه
ويسمع مين اللي هيرد لو رد عليه راجل بيتكلم عربي
تميم ميت
ساد صمت ثقيل ثم جاء صوت متردد من ركن المخزن:
كان ماريك جالسًا على صندوق خشبي ملفوفًا في بطانية يده ما تزال ترتجف من صدمة الصباح:
– جارتي
قالها بالإنجليزية:
– جارتي روزا...:فلبينية
ممرضة في مستشفى في كوينز لها قلب طيب جدًا
وتكره الروس أكثر مني
أنا كنت مضطر أن أعمل معهم لأن إبني يحتاج
إلى عملية خطيرة وإلا سيموت
نظر إليه الجميع ثم نظر معاذ إلى فهد فقال فهد بسرعة:
– متبُصليش كده أنا قولتلك الراجل ده طيب من أول يوم
الشاورما متكدبش
في أقل من خمس دقائق كانت روزا على الخط صوت امرأة في الأربعين ناعم دافئ
تسمع ماريك وهو يشرح لها بالإنجليزية بسرعة... ثم سألت سؤالا واحدًا:
– هل هذا الرجل سيموت إن لم أفعل؟
– نعم
– إذن أعطوني اسمه
– جوزيف
قالها معاذ
– قولي له إنك تحبينه وإنك غاضبه منه لأنه لم يتصل منذ ثلاثة أيام
أخذ معاذ الهاتف الآخر وحول الرقم القديم عليها ثم وقف ينتظر
لم يكن هناك أحد في المخزن يتنفس
في المكتب الواسع ضغط تميم على الرقم الوحيد في الهاتف بإصبع يرتجف ارتجافًا مُتعمّد
وضعه على الطاولة بين ساعة الجيب وكوب الشاي البارد
رن الهاتف... مرة مرتين ثلاثًا... كان ديمتري ينظر إلى وجه تميم لا إلى الهاتف
أربعة... ثم انفتح الخط جاء صوت امرأة نائمة غاضبة بلغة لم يفهمها ديمتري
ثم تحولت إلى الإنجليزية بلكنة فلبينية ثقيلة:
– جوزيف... هل هذا أنت؟
ثلاثة أيام يا جوزيف ثلاثة أيام لا تتصل
ظننتك مُت ظننت الروس قتلوك في ذلك القصر اللعين
أغمض تميم عينيه وقال بصوت مرتعش:
– آسف... آسف يا حبيبتي كنت مشغولًا
– مشغولًا؟!
قالتها روزا ثم انفجرت في البكاء
قالت كلمات كثيره بلُغتها الأم لم يفهم منه تميم ولا ديمتري حرفًا
لكنه كان حديث امرأة عاشقة غاضبة خائفة لا يمكن أن يكون تمثيلًا
ثم قالت بالإنجليزية وسط دموعها:
– تعال يا جوزيف اترك هذا العمل وتعال المال لا يساوي شيئًا
نظر تميم إلى ديمتري كأنه يستأذنه فلم يتحرك ديمتري
كان ينظر إلى الهاتف هذه المرة على وجهه تعبير غريب
خليط من الدهشة والخيبة
مدّ ديمتري يده وأغلق الخط بنفسه ظل صامتًا
ثم أغلق ساعة الجيب ببطء ووضعها في جيبه
– أبي كان يقول إن الرجل لا يستطيع أن يصمت إلى الأبد
قالها بصوت خافت:
– لكنه لم يقل شيئا عن النساء... النساء يتكلّمن عن الرجال الصامتين
ثم قام و اتجه إلى النافذة في تلك اللحظة دوى صوت سيارات كثيرة تدخل البوابة
وصراخ بالروسية في الحديقة ثم انفتح باب القصر بعنف
سمعا خطوات فيكتور على الرخام
أدار ديمتري المفتاح في القفل وفتح باب المكتب فدخل فيكتور كالعاصفة
كان معطفه الممزق ما يزال عليه... وعلى كتفه أثر دم ليس دمه
نظر إلى ديمتري ثم إلى الممرض الجالس على حافة المقعد:
– ماذا يفعل هذا هنا؟
– كنا نتكلم
– تتكلم
صرخ فيكتور:
– أنا كِدت أموت في الميناء... ابن شعبان هرب وحبيب هرب معه
والشحنة كلها تحت عيون الشرطة الآن وأنت هنا تتكلم مع خادم
اقترب ديمتري منه بهدوء وقال بالروسية بصوت منخفض:
– فيكتور... أنا أشك في هذا الرجل
– أنت تشك في كل الناس
قالها فيكتور بالروسية ونفس الغضب يغلي في صوته
– شكوكك وأسئلتك وألعابك هي التي جعلت ابن شعبان ينام في بيتي ثلاثة أسابيع
هل تريد أن تعرف من الخائن... كلهم خونة
كل من ليس روسيًا في هذا القصر خائن
التفت إلى الحارس عند الباب وصرخ بالإنجليزية:
– الطباخ والممرض وعُمال الحديقة والخادمات كلهم
الآن خارج القصر لا أريد أن أرى وجهًا واحدًا غريبًا هنا الليلة
– فيكتور
قالها ديمتري بحدة لأول مرة:
– إذا خرج هذا الرجل لن نجده مرة أخرى
– إذا بقي سأقتله بيدي... وأنا لم أعد أثق بعيني ولا بعينيك
خرج فيكتور كما دخل.
في السابعة مساءًا خرج من البوابة الرئيسية لقصر إيفان سبعة أشخاص يحملون حقائب صغيرة
طباخ مكسيكي عجوز وثلاث خادمات وعاملا حديقة
وممرض فلبيني بزي مُجعد يحمل كيسًا بلاستيكيًا فيه قميص وفرشاة أسنان
كان ديمتري يقف في شرفة الطابق الثاني ينظر إليهم لم يحوّل عينيه عن الممرض
حتى وصل إلى البوابة وعند البوابة توقف الممرض لحظة والتفت
رفع عينيه إلى الشرفة تقابلت عيناهما عبر الحديقة الواسعة ثانية واحدة فقط
ثم انحنى تميم برأسه انحناءة الخادم المُهذب واستدار وخرج
ظل ديمتري واقفًا في الشرفة حتى اختفى الممرض في نهاية الشارع
أخرج ساعة الجيب وفتحها ونظر إليها وقال بالروسية بصوت لم يسمعه أحد:
– ثلاثة أسابيع وأربعة أيام وسبع ساعات
أنت أخطر رجل قابلته في حياتي يا جوزيف
أيًا كان اسمك.
في العاشرة ليلًا انفتح باب المخزن في بروكلين ودخل تميم بلا قناع
بوجهه الحقيقي المُتعب الذي لم يراه أحد منهم منذ شهر وفي يده الكيس البلاستيكي
لم يقُل أحد شيئًا... مشى إليه معاذ وضمه إلى صدره بقوة حتى سمع تميم عظامه تطقطق:
– أنا كويس يا معاذ
– اسكت
– معاذ أنا مش قادر أتنفس
– اسكت يا تميم
أبعده عنه وأمسك وجهه بين يديه ونظر فيه:
– قالك حاجة؟
– قالي كل حاجة وأنا مقلتلوش حاجة
هو عارف إني مش جوزيف بس مش عارف أنا مين
ومش هيعرف
عانقه مره أخرى بقوة أكبر... وقد دمعت عين معاذ ثم ابتعد
التفت تميم فرأى امرأة سمراء ممتلئة في الأربعين تجلس على الصندوق الخشبي بجوار ماريك وتمسح عينيها فمشى إليها ببطء انحنى وقبل يدها وقال بالإنجليزية:
– شكرًا لكي أنتي أنقذتي حياتي
ضحكت روزا وسط دموعها:
– أنت مدين لي بعشاء يا جوزيف
– وأنا كمان
قالها فهد من خلفهم
– أنا اللي جبت ماريك وماريك جاب روزا
يعني العشا عليا أنا وأنا اللي هختاره وهتبقى شاورما
ضحك الجميع جلس ياسر في الركن يضحك ويمسك ذراعه المصابة
لأول مرة منذ شهور شعر أن صدره يتسع.
في منتصف الليل كان حبيب جالسًا على فرشة إسفنجية في رُكن المخزن ملفوفًا في بطانية
لم ينم كان ينظر إلى الهاتف في يد معاذ منذ ساعة حتى نهض أخيرًا ومشى إليه بخطوات مترنحة:
– عايز أكلمه
رفع معاذ عينيه إليه:
– تكلم مين؟
– أبويا
تبادل معاذ وياسر نظرة سريعة ثم أومأ ياسر برأسه
فطلب معاذ رقمًا واحدًا ووضع الهاتف على أذنه وانتظر
حين جاء صوت سفيان على الطرف الآخر قال بهدوء:
– يا حج سفيان فيه حد هنا عايز يكلم أخوك
ثم ناول الهاتف لحبيب أمسكه حبيب بيدين مرتعشتين ملفوفتين بالقماش
ووضعه على أذنه لم يتكلم فقط سمع صوت أنفاس ضعيفة متقطعة
ثم صوتا مبحوحًا يعرفه منذ ولد:
– حبيب
انهار حبيب على ركبتيه على أرض المخزن الباردة:
– بابا... بابا إنت عايش؟!
– عايش يا ابني عايش ومستنيك
– أنا شوفتك بتموت... شوفتك يا بابا
وكنت عايز أموت وراك
– أنا عارف... عارف يا حبيب
بكى الإثنان على الخط كثيرا دون كلام
ابتعد الجميع إلى الطرف الآخر من المخزن ليتركوهما
إلا ياسر ظل واقفًا على بعد خطوات وظهره إلى الحائط
ثم قال منصور بصوت متعب:
– حبيب اسمعني أنا عملت حاجات وحشة كتير
وإنت كمان أنا اللي علمتك
بس فيه حاجة واحدة لازم تصلّحها قبل ما ترجع
حاجة لو مصلحتهاش مش هقدر أبصلك ولا هتقدر تبُصلي
– إيه يا بابا؟
– جودي
صمت حبيب التفت ببطء ونظر إلى ياسر الواقف عند الحائط
ثم قال في الهاتف بصوت خافت:
– عارف يا بابا... عارف.
في الحادية عشرة ليلًا في منزل سفيان دخلت جودي غرفة أسر دون أن تطرق
وأغلقت الباب خلفها وضعت البطاقة على المكتب أمامه
– إيه ده يا أسر؟
نظر أسر إلى البطاقة للحظة ثم رفع عينيه إليها:
– بطاقة عزا
– اقلبها
لم يقلبها كان يعرف ما على ظهرها
– إنتي لقيتيها فين؟
– في جيبي لما رجعت من القصر
والراجل الوحيد اللي لمسني هناك كان ياسر
صمت أسر فاقتربت منه وضربت المكتب بكفها:
– الخط ده خط عمي يا أسر وأنا حافظاه
البطاقة دي اتطبعت بعد ما مات
يعني إيه... يعني عمي كتبلي بعد ما مات
ولا يعني إن عمي مماتش؟
لم يرد أسر ونظر إلى الحائط... فانكسر صوتها فجأة:
– أسر أنا هتجنن
أنا وقفت قدام ياسر في الجنازة وقولتله إنه مات بالنسبالي
أنا شوفته على الفيديو بيقتله ودلوقت ألاقي ده
أصدق مين... أصدق عيني ولا أصدق خط عمي؟!
قام أسر ببطء ووقف أمامها وضع يديه على كتفيها:
– جودي... أنا مقدرش أقولك كل حاجة دلوقت
مش عشان مش عايز... عشان لو قولتلك
حاجة غلط في وقت غلط... ناس كتير هتموت
– يعني فيه حاجة؟
– فيه حاجات
– عمي عايش؟
صمت أسر للحظات ثم قال بصوت خافت جدًا:
– استني يومين... يومين بس وهتسمعي الإجابة من حد غيري
حد إنتي هتصدقيه أكتر مني
ارتجفت شفتاها:
– وياسر؟
– ياسر إيه؟
– ياسر كان بيقتله ولا لأ؟
نظر أسر إلى عينيها بحنان ثم قال:
– ياسر عمره في حياته ما عمل حاجة تئذيكي يا جودي ولا هيعمل
جلست جودي على طرف الفراش غطت وجهها بيديها
وبكت بكاء لم تبكه يوم الجنازة.
في الواحدة بعد منتصف الليل في الإسكندرية لم يكن حسن نائمًا
كان واقفًا في الشُرفة وفي يده كوب ماء لم يشرب منه والبحر أمامه أسود هادئ
صوت الموج يأتي ويذهب انفتح باب الشرفة خلفه بهدوء
لم يلتفت كان يعرف خطواتها جاءت غالية ووقفت بجواره وضعت شالًت صوفيًا على كتفيه:
– إنت هتاخد برد يا حسن
– مش بردان
– إنت بقالك ساعتين واقف هنا
– مش جايلي نوم
نظرت إليه في ضوء القمر ثم مدت يدها وأخذت منه كوب الماء ووضعته على السور
وأمسكت يده:
– قولي إيه اللي مقلّقك... الولاد خلاص طلعوا
وسيلا نامت وهي بتضحك لأول مرة من زمان
صمت حسن لحظة ثم قال بصوت منخفض:
– سالم بيقول إن رجالته مش هيسيبوا الفيلا
ومحمد كان في خناقة الساعة اتنين بالليل
وأنا قاعد متكتف هنا مش قادر اتحرك
لأن أي حركة مش طبيعيه هتبقي خطر علي الكل
ضغطت غالية على يده بقوة ثم اقتربت ووضعت رأسها على كتفه:
– إنت حميتنا كلنا يا حسن
من يوم ما دخلت البيت ده أنا وبنتي في حضنك
سيلا بتقولك يا حسن مش عشان مش بتحترمك
عشان إنت أقرب لها من أي أب
وأنا... أنا عمري ما حسيت بالأمان غير وإنت جنبي
التفت إليها كانت عيناها تلمعان في ضوء القمر
فرفع يده ومسح على شعرها الذي بدأ الشيب يتسلل إليه:
– إنتي لسه حلوة زي يوم ما شوفتك يا غالية
ضحكت وضربته على صدره برفق:
– إنت كبرت وبقيت بتكدب
– أنا عمري ما كدبت عليكي
قالها وهو يقترب:
– ولا هكدب دلوقت
قبّل جبينها ثم شفتيها قبلة هادئة طويلة
كقُبلة رجل وامرأة عرفا الدنيا وتعبا منها... ووجد كل منهما في الآخر الراحة
ثم ضمّها إليه ووقفا معًا ينظران إلى البحر حتى أذّن الفجر.
في الثانية بعد منتصف الليل في الإسكندرية كان محمد ما يزال جالسًا على درجة السلم أمام شقة نغم قد غلبه النوم ورأسه مسنود إلى الحائط والكوبان الفارغان بجواره
لم يسمع صوت الخطوات على السلم الخلفي خطوات ثقيلة بطيئة حذرة
لم يسمع صوت المفتاح الذي دخل في قفل باب الشقة من الداخل
لكنه سمع الصرخة
قفز من مكانه قبل أن يفتح عينيه وضرب الباب بكتفه مرة
مرتين وفي الثالثة انكسر القفل وانفتح الباب على مصراعيه
كان الصالون مظلمًا إلا من ضوء الشارع الأصفر
رأى في منتصفه رجلًا طويلًا أشقر يمسك نغم من الخلف ويده على فمها
وهي تركل وتخدش وتعض ونافذة المطبخ مفتوحة خلفهما
– سيبها
التفت الأشقر نحوّه ولم يتردد محمد... ألقى بنفسه عليه فترك الأشقر نغم وسقطت على الأرض
دار بين الرجلين صراع عنيف في الظلام تحطمت فيه الطاولة الصغيرة والمزهرية
أصابت قبضة الأشقر الكدمة القديمة تحت عين محمد فرأى نجومًا بيضاء
ثم لمع في يد الأشقر شيء معدني
– محمد
صرخت نغم... كان سِكينًا لكن قبل أن يصل إلى صدر محمد
ارتطم شيء ثقيل برأس الأشقر من الخلف فترنح
التفت فوجد نغم واقفة خلفه وفي يدها طاسة حديدية من المطبخ
ضربته مرة ثانية سقط الأشقر على ركبتيه
قفز عليه محمد وثبت ذراعيه خلف ظهره... وضع ركبته على عنقه
في اللحظة نفسها اقتحم الشقة رجلان من رجال سالم الشريف كانا في سيارة اسفل البيت
ووضعوا القيود في يدي الأشقر
جلس محمد على الأرض يلهث والدم يسيل من أنفه
نظر إلى نغم الواقفة أمامه بالبيجامة الرمادية وشعرها منكوش والطاسة ما تزال في يدها
– إنتي ضربتيه بطاسة؟!
– كانت أقرب حاجة
– إنتي مجنونة؟
– إنت اللي قاعد على السلم لحد الساعة اتنين مين فينا المجنون
ألقت الطاسة وركعت أمامه فجأة أمسكت وجهه بين يديها تتفحص الدم
كانت يداها ترتجفان:
– إنت متعور؟
– دي حاجة بسيطة
– اسكت بقى هي دي فيها كِبر كمان
أخرجت منديلًا من جيب البيجامة وبدأت تمسح الدم عن شفته ببطء
كانت قريبة جدًا أنفاسها المتقطعة على وجهه
نظر محمد إلى عينيها المبللتين في ضوء الشارع الأصفر
نسي الألم ونسي الأشقر نسي رجال سالم الواقفين عند الباب
– نغم
– إيه
– إنتي خايفة عليا؟
توقفت يدها لحظة ثم ضغطت المنديل على شفته بقوة متعمدة فتأوّه:
– اسكت بقى
لكنها لم تبعد يدها عن وجهه.
في الثالثة فجرًا بتوقيت نيويورك صعد ياسر إلى سطح المخزن
كان يريد هواء... يريد أن يكون وحده
لكنه وجد معاذ هناك جالسًا على حافة السطح ساقيه متدليتان والهاتف في يده
التفت إليه معاذ وابتسم:
– تعالى
جلس ياسر بجواره ظلا صامتين ينظران إلى أضواء المدينة
– بتكلم سيلا؟
سأله ياسر
– بستناها تصحى تصلي الفجر... هي بتصحى قبل الأدان بعشر دقايق
وأنا بحب أبقى أول حاجة تشوفها
ابتسم ياسر ابتسامة حزينة:
– إنت محظوظ يا معاذ
– عارف
– هي بتحبك ومش خايفة تقولها
– وجودي كمان بتحبك
قالها معاذ بهدوء:
– بس خايفة
التفت إليه ياسر بحدة:
– جودي فاكراني قتلت عمها
– جودي النهارده كانت هتموت من الخوف عليك
أسر قالّي لما شافت الميناء في التلفزيون
لم يرُد ياسر أشاح بوجهه إلى الجهة الأخرى ظل معاذ ينظر إليه ثم قال:
– قرب هترتاح يا ياسر... كلنا قربنا
ثم اهتز الهاتف في يده فتح الشاشة فجاءه وجه سيلا ناعسًا ملفوفًا في إسدال الصلاة الأبيض
وشعرها يطل من تحته:
– صباح الخير يا قليل الأدب
قالتها بصوت مبحوح من النوم
ضحك معاذ وقام ياسر بهدوء ليتركهما لكنه سمع معاذ يقول قبل أن يبتعد:
– صباح الفل يا عروسة
الوعد لسه قائم
– أنا عارفة إنه قائم أنا مستنية
– الفستان جاهز
– والقميص كمان
قالتها ثم عضت شفتها فأغمض معاذ عينيه وتنهد
– سيلا إنتي عايزاني أموت على السطح
– لأ... عايزاك ترجع على رجليك... وتيجي تصلي معايا
نزل ياسر السلم وهو يسمع صوت ضحكتها يأتي خافتًا من الهاتف
فكّر أنه لو سمع جودي تضحك له هكذا مرة واحدة فقط في حياته
فسيكون ذلك كافيًا وقف في منتصف الدرج و قال بهمس حزين:
- حُبك طوق من نار اتلف حوالين رقبتي
يا جودي... طول مانتي بعيد بيحرقني
بس مش عايز أشيله
كأنه حته من جهنم حرقت قلبي وروحي
وضع يده علي قلبه الذي ينبض بقوة ثم أغمض عينه وأكمل:
- قلبي محروق يا سيلا طول مانتي فاكراني وحش
الإسورة اللي من نار اللي انتي لابساها دي مش
ملفوفة على إيدك لأ... دي محاوطه قلبي اللي
بيموت في بُعدك... كأنها بالظبط... سوار من جهنم.
في الثالثة فجرًا كان سالم الشريف في مكتبه
على الشاشة أمامه غرفة صغيرة بلا نوافذ في مكان ما في الإسكندرية
في منتصفها الأشقر جالسًا على مقعد حديدي يداه مقيدتان خلفه
ورأسه ملفوف بشاش أبيض:
– اسمك أليكسي؟
قالها سالم بالإنجليزية بهدوء لم يرُد الأشقر
– إنت ماسك حسابات فيكتور في أوروبا
جيت إسكندرية بنفسك عشان حاوية واحدة
رايحة نيويورك... فيها إيه الحاوية دي؟
رفع أليكسي رأسه ببطء ونظر إلى الكاميرا ثم ابتسم ابتسامة بطيئة غريبة:
– أنتم أغبياء جدًا
قالها بإنجليزية ثقيلة:
– تظنون أن الحاوية ذاهبة إلى نيويورك
مال إلى الأمام قليلًا:
– الحاوية ليست ذاهبة... الحاوية عائدة
إنها هدية من السيد فيكتور... هدية زفاف
ضحك ضحكة قصيرة:
– للعروس الجميلة في الفيلا الكبيرة على البحر... السيدة سيلا
ماذا سيحدث يا ترى....
سنرى.....
انتظرووني.....
بقلمي/ فريده الحلواني
