روايه سوار جهنم الفصل السابع والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه سوار جهنم الفصل السابع والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
سوار جهنم
الفصل السابع والعشرون
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرج
لما الدنيا تقفل أوي عليكي وتحسي إنك خلاص وصلتي للنهاية ومش قادرة تاخدي نفسك
اعرفي إن الفرج قريب أوي فوق ما تتخيلي مش ربنا قال ( إن مع العسر يسرا)
أبشري... فرجه قريب أقرب مما تتخيلي أنا واثقة
وبحبك.
في السابعة صباحًا بتوقيت الإسكندرية كانت بوابة منطقة الحاويات في الميناء ما تزال مغلقة
كان الضباب يزحف فوق الماء يغطي الرافعات الصفراء العملاقة حتى منتصفها
وعند البوابة وقفت ثلاث سيارات بلا لوحات نزل منها رجال لا يرتدون زيًا رسميًا
وبينهم محمد
كان وجهه متورما والكدمة تحت عينه قد عادت زرقاء بعد ليلة أمس
وقف بجوار الرجل الأربعيني ذو النظارة الذي يعمل مع سالم الشريف:
– إنت متأكد إنك عايز تبقى هنا؟
قالها الرجل دون أن ينظر إليه
– أختي هيَ اللي الهدية رايحالها
قالها محمد بصوت حاد:
– أنا لازم أبقى هنا
لم يقُل الرجل شيئًا ودخلوا... كانت الحاوية في آخر الصف الخامس
حمراء صدئة مكتوب على جانبها بحروف بيضاء باهتة
فولجا للنقل البحري... على بابها قفل حديدي ضخم وختم جمركي من الرصاص
وقف أمامها رجلان من رجال سالم معهما جهاز صغير يشبه المضرب
مرراه على الباب ببطء من أعلى إلى أسفل ثم على الجوانب
ثم توقف أحدهما فجأة ورفع يده:
– فيه حاجة يا باشا
إشارة ضعيفة في الركن اللي جوه على الشمال
تراجع الجميع خطوتين دون أن يطلب منهم أحد
ثم كسروا الختم ببطء وفتحوا الباب
كانت الحاوية مليئة بصناديق خشبية كبيرة... أثاث
مكتوب على كل صندوق بالإنجليزية أثاث كلاسيكي... قابل للكسر
مرسل إليه اسم شركة مصرية للمعارض
لكن في الركن الأيسر وراء الصناديق كلها كان هناك صندوق مختلف
أصغر ملفوف بورق ذهبي لامع وشريط أبيض من الساتان على شكل وردة
كهدايا الأفراح عليه بطاقة صغيرة بخط أنيق:
- إلى العروس الجميلة سيلا... مبروك
اقترب محمد ومدّ يده إلى البطاقة فأمسك الرجل ذو النظارة معصمه بقوة:
– متلمسش حاجة
دخل رجلان يرتديان قفازات وفتحا الورق الذهبي ببطء شديد كأنهما يفتحان قلبًا
تحته صندوق من خشب الأبنوس محفور بنقوش ذهبية
داخله مرآة كبيرة قديمة بإطار مدهب من تلك المرايا التي توضع في غرف العرائس
وخلف المرآة داخل الإطار نفسه أسلاك رفيعة وقطعة إلكترونية صغيرة
بحجم علبة الكبريت وضوء أحمر خافت يومض
– إيه ده؟
همسها محمد
لم يرُد أحد في البداية ثم قال أحد الرجلين وهو ينظر عن قرب:
– جهاز تصنت يا باشا وكاميرا صغيرة في الإطار
الحتة دي اللي تحت...
ثم سكت
– مالها؟
– دي مش جهاز تصنت
دي حاجة لو اتوصلت بكهربا تولع في أوضة في ثواني
شعر محمد بالأرض تميد تحت قدميه مرآة في غرفة أخته وأخيه
ليلة فرحهم تراقبهم ثم تحرقهم
وضع يده على جدار الحاوية البارد كي لا يسقط
سمع الرجل ذو النظارة يتكلم في الهاتف بصوت منخفض:
– أيوه يا سالم باشا... لقيناها
وكمان لقينا حاجة تانية
رأى محمد الرجل الآخر يخرج من قاع الصندوق الخشبي تحت المرآة كيسًا بلاستيكيًا محكمًا
فيه ثلاثة أقراص صلبة صغيرة ودفتر جلدي أسود
فتح الرجل الدفتر بأطراف أصابعه كان مليئًا بالأرقام والأسماء والتواريخ بالروسية والإنجليزية
أسماء بنوك في قبرص ومالطا وسويسرا أسماء شركات... وأسماء رجال
قال الرجل ذو النظارة في الهاتف بصوت لم يستطع أن يخفي فيه الدهشة:
– يا باشا... أليكسي كان جايب الدفتر بنفسه عشان يخبيه في الحاوية
كان فاكرها أئمن مكان... هدية فرح محدش هيفتشها
ده دفتر حسابات فيكتور كله يا باشا... كله
جاء صوت سالم الشريف من الهاتف هادئا كأنه ينتظر هذه اللحظة منذ سنين:
– فيكتور خلص يا ابني هو لسه ميعرفش... بس خلص.
في الثانية فجرًا بتوقيت نيويورك كان قصر إيفان غارقًا في صمت ثقيل
لم يعد فيه طباخ ولا خادمات ولا عُمال حديقة فقط حراس روس يدورون في الممرات بأحذيتهم الثقيلة
وفيكتور جالس في المكتب الواسع وحده أمام زجاجة فودكا نصف فارغة
رن هاتفه على الطاولة رقم من الإسكندرية رفعه إلى أذنه دون أن يقول شيئًا
ظل يستمع ثم تغير وجهه ببطء من التعب إلى الدهشة
ومن الدهشة إلى شيء آخر لا اسم له
ألقى الهاتف على الحائط بكل قوته فتحطم إلى قطع صغيرة
قلب الطاولة بزجاجتها وكؤوسها وصرخ صرخة طويلة بالروسية سمعها الحراس في الحديقة
انفتح الباب بهدوء دخل ديمتري بثياب النوم وعليه روب حريري أسود
نظر إلى الزجاج المكسور على الأرض ثم إلى فيكتور الواقف في منتصف الغرفة يلهث:
– أليكسي
قالها ديمتري بهدوء كأنه يعرف
– أمسكوه في الإسكندرية والحاوية فتحوها... والدفتر
قالها فيكتور وصوته ينكسر
– الدفتر يا ديمتري ... كل شيء
كل اسم... بنك... رقم
عشرون سنة من عمري في يد رجل مصري عجوز لا أعرف حتى وجهه
لم يرُد ديمتري... مشى بين الزجاج المكسور حتى وصل إلى النافذة ونظر إلى الحديقة المظلمة:
– قُلت لك منذ البداية يا فيكتور
هؤلاء المصريون ليسوا عصابة هؤلاء عائلة
والعائلة لا تضربها في جيبها العائلة تضربها في قلبها
التفت إليه فيكتور:
– ماذا تقصد؟
– ابن شعبان أخذ منك كل شيء في أسبوع واحد
حبيب وصفقتك ودفترك... لكنه لم يأخذ ذلك لأنه يحب المال
أخذه لأنه يحب امرأة
الرجل الذي يفعل كل هذا من أجل امرأة
يُسلّم نفسه في دقيقة واحدة من أجلها
صمت فيكتور طويلًا ثم مسح وجهه بكفه:
– الفتاة؟
– الفتاة
قالها ديمتري ثم أضاف بنبرة باردة:
– لكن لا تؤذها يا فيكتور الفتاة المجروحة لا تساوي شيئًا
الفتاة الخائفة تساوي كل شيء
اتجه نحو إلى الباب وقبل أن يخرج قال دون أن يلتفت:
– أنا لن أشارك في هذا أنا أحب الأسئلة
لا أحب الخطف افعلها وحدك
خرج وظل فيكتور واقفًا وسط الزجاج المكسور ثم نادى أحد حراسه
قال له جملة واحدة بالروسية:
– أريد رجالًا حول بيت سفيان الجبري ليلًا ونهارًا
أي سيارة تقترب من البيت لتأخذ الفتاة... أريدها قبل أن تصل اليها.
في التاسعة صباحًا بتوقيت نيويورك كان بيت سفيان الجبري صامتًا صمتًا غريبًا
لم يفتح أحد التلفاز... لم تشغل الخادمة المكنسة
كان سفيان يجلس في الصالون بثياب الخروج ويداه متشابكتان أمامه
أسر يقف عند النافذة ينظر إلى الشارع وفهد جالس على السلم الداخلي يأكل تفاحة بصوت عالي
فنظر إليه أبوه نظرة حادة فتوقف عن المضغ وقال:
– إيه... أنا متوتر و لما بتوتر باكل
نزلت جودي على السلم كانت ترتدي فستانا بسيطًا رماديًا وشعرها مربوط إلى الخلف ووجهها شاحب عيناها حمراوان من قلة النوم توقفت حين رأتهم جميعًا:
– فيه إيه... ليه كلكم صاحيين كده؟
قام سفيان من مكانه ببطء:
– تعالي يا جودي فيه حد عايز يشوفك
– مين؟
لم يرُد... فقط مد يده إليها وأمسك يدها كما كان يمسكها وهي في السادسة حين يعبران الشارع
اتجه بها إلى باب غرفة المكتب في آخر الممر الغرفة التي كانت مغلقة منذ الأمس ولا يدخلها أحد وقف أمام الباب لحظة ثم قال بصوت مبحوح:
– أنا جنبك يا بنتي مهما سمعتي... أنا جنبك
فتح الباب كانت الستائر مسدلة والغرفة في نصف ظلام
على الأريكة الجلدية الكبيرة تحت النافذة جلس رجل نحيل شاحب
صدره ملفوف بالأربطة البيضاء تحت قميص مفتوح لحيته طويلة رمادية
وعيناه... عيناه هما نفس العينين اللتين كانتا تنظران إليها وهي طفلة
لم تتحرك جودي لم تصرخ لم تبكي وقفت عند الباب كأن قدميها التصقتا بالأرض
نظرت إليه ونظر إليها ثم قال بصوت ضعيف مرتجف:
– جودي
سقطت جودي على ركبتيها في مكانها... لم تقم... فقط غطت فمها بيديها الإثنتين
ظلت تنظر إليه وجسدها كله يرتجف
حاول منصور أن ينهض فلم يستطع فمد يده إليها من مكانه:
– تعالي يا بنتي... تعالي
لم تذهب... وقالت بصوت لم يسمعه منها أحد من قبل :
– إنت مُت... أنا شوفتك أنا وقفت قدام قبرك
أنا عيطت لحد ما صوتي راح
أنا شوفته... شوفته بيرفع المسدس
– كان فشنك يا جودي
قالها منصور:
– الرصاصتين كانوا فشنك
أبوكي لبّسني حزام تحت القميص بإيده
ياسر... ياسر كان عارف
ياسر هو اللي اختار إنه يبقى القاتل قدام الكاميرا
عشان فيكتور يصدقه وعشان أنا أعيش
رفعت جودي رأسها ببطء نظرت إلى أبيها الواقف عند الباب
فأومأ سفيان برأسه ودموعه تنزل في صمت
– ليه؟
همستها:
– ليه محدش قالّي ليه سبتوني أقوله إنه مات بالنسبالي
ليه سبتوني أكرهه؟
صمت منصور للحظه ثم قال بصوت تكسر في منتصفة:
– عشان كُرهك هو اللي كان بيحميه يا بنتي
فيكتور كان بيدوّر في عينيكي على أي حاجة
إنتي لو كنتي عرفتي كان هيبان
ياسر قال لمعاذ سيبوها تكرهني أنا أستحمل كرهها
بس مستحملش إنها تموت بسببي
أغمضت جودي عينيها وانهمرت دموعها أخيرًا لكنها لم تقُم من مكانها
– فيه حاجة كمان يا جودي
قالها منصور وقد اشتد ارتجاف صوته:
– حاجة لازم تسمعيها مني أنا مش من حد تاني
العقد... عقد جوازك من حبيب
– ماله؟
– أنا اللي زورته
فتحت جودي عينيها!
– أنا اللي زورت امضتك يا جودي وامضة أبوكي
عشان فيكتور كان عايز ابن الجبري يتجوز بنت الجبري
والصفقة تبقى في العيلة أنا كنت خايف وكنت طماع
بعتك... بعت بنت أخويا اللي ربيتها على إيدي.
ساد صمت ثقيل في الغرفة لم يكن يُسمع فيه إلا أنفاس منصور المتعبة
ثم بدأ يبكي بكاء رجل عجوز مكسور:
– أنا مش طالب منك تسامحيني
أنا بس كان لازم أقولك وأنا عايش
بدل ما تعرفي بعد ما أموت بجد
ظلت جودي جالسة على الأرض لبعض الوقت ثم قامت ببطء
اتجهت نحوه خطوة ثم خطوة حتى وقفت أمامه
نظر إليها منصور منتظرًا الصفعة لكنها انحنت جلست على الأرض عند قدميه
وضعت رأسها على ركبته كما كانت تفعل وهي صغيرة حين تنام في المكتب وهو يعمل
بكت... وضع منصور يده المرتجفة على شعرها لم يقُل شيئًا
وقف سفيان عند الباب وأسند جبينه إلى الإطار الخشبي
وخلفه في الممر جلس فهد على الأرض والتفاحة في يده ولم يأكل منها.
بعد ساعة خرجت جودي من الغرفة كان وجهها مبللًا لكن عينيها كانتا مختلفتين
فيهما شيء قوي حاسم مشت مباشرة إلى أسر الواقف عند النافذة:
– هو فين؟
– مين؟
– ياسر يا أسر... ياسر فين؟
تبادل أسر النظرات مع أبيه:
– مينفعش يا جودي فيكتور لسه برة وهو بيدور عليه في كل حتة
– أنا مش هروح أقعد معاه هروح أشوفه خمس دقايق
عايزة أقوله حاجة... حاجة لازم يسمعها مني دلوقت
مش بكرة... ومش بعد ما كل ده يخلص... لأ دلوقت
نظر أسر إليها للحظات ثم أخرج هاتفه:
– انا هتصرف.
في الثانية ظهرًا بتوقيت نيويورك كان تميم جالسًا وحده في غرفة صغيرة في الدور العلوي من المخزن
كان قد استحم لأول مرة منذ شهر بلا قناع
نظر إلى وجهه في المرآة المكسورة كأنه يتعرف عليه من جديد
ثم أخرج هاتفًا جديدًا أعطاه له معاذ وطلب رقمًا يحفظه أكثر من اسمه:
– ألو
جاء صوت سما ناعمًا متعبًا:
– سما
صمتت لحظة ثم قالت بصوت مختلف:
– تميم
انهارت كل الجدران التي بناها في صدره طوال شهر أغمض عينيه وأسند رأسه إلى الحائط:
– وحشتيني
– إنت فين؟
قالتها بسرعة وصوتها يرتجف:
– كل ده مش بترد كنت بسأل عليك كل ساعة
– أنا كويس يا سما والمهمة خلصت أو تقريبا
– إنت كويس بجد يا تميم... وياسر؟
قالتها فجأة بصوت هادئ جدًا
صمت تميم كان يعرف هذا الصوت:
صوت امرأة تعرف زوجها أكثر مما يعرف نفسه
– ليه بتسألي؟
– عشان إنت قولت وحشتيني على طول
مش عشان وحشاك بس... لأعشان تلهيني
ومعرفش انك مش كويس
ضحك تميم ضحكة قصيرة مكسورة مسح وجهه بكفه:
– أنا مقدرش أقولك يا سما
– عارفة
قالتها بنفس الهدوء:
– مش هسألك تاني ومش هسأل عدي ولا لحد
بس رُد عليا في حاجة واحدة
– إيه؟
– هترجع؟
نظر تميم إلى وجهه في المرآة المكسورة:
– هرجع وأول حاجة هعملها...
– هتنام؟
– لأ
– هتاكل؟
– لأ
– أومال إيه؟
– هقفل باب الأوضة بالمفتاح وأرمي المفتاح من الشباك
مش هخرج حتي لو كسروا الباب
سمع ضحكتها على الطرف الآخر خافتة مبحوحة فيها دموع:
– إنت قليل الأدب يا تميم
– شهر يا سما... شهر كامل
أنا كنت بنام على فرشة إسفنج في قبو
وأحلم بيكي كل ليلة وأصحى على صوت واحد ابن كلب
صمتت سما ثم قالت بصوت خافت جدًا كأنها تخاف أن يسمعها أحد في البيت:
– أنا كنت بنام في قميصك كل ليلة
لحد ما ريحتك راحت منه وبقيت أرش عليه البرفان بتاعك
أغمض تميم عينيه بقوة:
– سما متقوليش كده أنا على بُعد ساعات بالطيارة
– عشان كده بقولها عشان ترجع بسرعة
انا كنت بموت من الرعب عليك يا تميم
أرجوك... ارجعلي كفايه كده.
في الثالثة عصرًا عاد محمد إلى الفيلا كان قد قضى نصف ساعة في السيارة أمام البوابة قبل أن يقدر على الدخول وحين دخل الصالة توقف كانت سيلا واقفة في منتصفها أمام المرآة الكبيرة
ترتدي فستانًا أبيض طويلًا من الدانتيل
والخياطة جالسة على الأرض عند قدميها والدبابيس في فمها
غالية على الكنبة تمسح دموعها بطرف طرحتها... آسيا تصور بالموبايل وتضحك
التفتت إليه سيلا وابتسمت ابتسامة واسعة:
– محمد... بُص جه النهارده من عند الخياطة
حلو قولّي بصراحة؟
لم يرُد محمد وقف ينظر إلى أخته في الفستان الأبيض
وإلى المرآة التي خلفها لم يرى المرآة التي في الصالة
رأى مرآة أخرى بإطار مذهب وضوء أحمر يومض خلفها
– محمد... مالك وشك عامل كده ليه؟
اتجه إليها وقبل أن تفهم ماذا يحدث ضمها إلى صدره بقوة
حتى سقطت الدبابيس من فم الخياطة وصرخت:
– يا أستاذ الفستان... الدانتيل
لكن محمد لم يتركها ظل يضمها وذقنه على رأسها وسيلًا واقفة بين ذراعيه مذهولة:
– محمد... إنت بتعيط؟!
– لأ
قالها بصوت مبحوح:
– الكدمة بتوجعني بس
أبعدها عنه ونظر إليها من رأسها إلى قدميها ابتسم ابتسامة مُرتعشة:
– حلو يا سيلا... حلو أوي معاذ هيتجنن
ضحكت سيلا وضربته على كتفه:
– إنت النهارده مش طبيعي
أول مرة في حياتك تقول على حاجة لابساها إنها حلوة
خرج محمد إلى الحديقة بسرعة قبل أن تنتبه
وجد حسن واقفًا هناك ينتظره
– سالم كلمني
قالها حسن بهدوء:
– عرفت كل حاجة... سيلا مش لازم تعرف
– مش هتعرف
– ولا غالية
أومأ محمد برأسه ثم أخرج هاتفه طلب رقما في نيويورك
رد معاذ من أول رنة:
– محمد
– معاذ...لقينا الحاوية
حكى له كل شيء المرآة والإطار المذهب والكاميرا
والضوء الأحمر الجهاز الذي كان سيحرق غرفة العروس في ثوانٍ
لم يقُل معاذ شيئًا طوال الحكاية... وحين انتهى محمد ظل الخط صامتًا
حتى ظن محمد أنه انقطع:
– معاذ
– أنا سامعك
قالها معاذ بصوت لم يسمعه محمد منه أبدًا صوت هادئ ميت كالثلج
– محمد... خلي بالك منها لحد ما أرجع
وسيب فيكتور ليا.
في الرابعة عصرًا خرجت جودي من الباب الخلفي لبيت أبيها
كانت ترتدي جاكيتًا أسود طويلًا وقبعة صوفية تخفي شعرها
وأسر يمشي خلفها عند ناصية الشارع كانت سيارة سوداء صغيرة تنتظر بمحرك دائر
السيارة التي قال راغب إنه سيرسلها فتح أسر الباب الخلفي لها:
– السواق بتاعه اسمه مارك هيوديكي المخزن
وهيرجعك قبل المغرب أنا وراكي بعربيتي
– متتأخرش عليا أنا مش عارفه ليه مش هتركب معايا؟!
– عشان امشي وراكي بعربيتي وأراقب الطريق
ممكن يكون حد مراقبك لازم نأمن الدنيا يا قلب أخوكي
ركبت جودي وأغلق أسر الباب نظرت إلى السائق في المرآة
رجل أشقر في الثلاثين بنظارة شمسية ابتسم لها ابتسامة مهذبة:
– مساء الخير يا آنسة
قالها بإنجليزية خفيفة وانطلقت السيارة أسرع أسر إلى سيارته المركونة على الجهة الأخرى
أدار المفتاح ولم يدُر المحرك... أدار المفتاح مرة ثانية وثالثة
ثم نزل وفتح غطاء المحرك... نظر داخله كان سلك البطارية مقطوعًا
قطعا نظيفًا مستقيمًا بسكين.
في الثالثة والنصف كان ياسر يقف أمام المرآة المكسورة في الغرفة الصغيرة فوق المخزن
يحاول أن يُغلق أزرار قميص نظيف بيد واحدة والذراع المصابة مربوطة إلى صدره
فشل في الزر الثالث مرتين ثم سمع صوتًا من الباب:
– هتفضل كده لحد بكرة
كان فهد الذي سبق اخته إلى هناك واقفًا مستندًا إلى إطار الباب وفي يده كيس شيبسي:
– جودي جاية
قالها فهد وهو يبتسم ابتسامة واسعة:
– وإنت واقف بقالك ربع ساعة بتلبس قميص كأنك رايح تخطب
احمرّ وجه ياسر:
– امشي يا فهد
– مش هامشي أنا أخوها لازم أبقى موجود دي أصول
ألقى الكيس على الفراش تقدم ومد يده أغلق الأزرار الباقية بنفسه
عدل الياقة ونظر إليه من الأعلى إلى الأسفل:
– مش وحش بس لازم تحلق
– مفيش وقت
– يبقى خليك بالدقن البنات بيحبوا الدقن دلوقت
أنا قريت كده في النت
صمت فهد لحظة وتغير صوته فجأة:
– ياسر
– نعم
– هي كانت بتعيط عليك امبارح
لما شافت المينا في التلفزيون أنا سمعتها
كانت قاعدة في أوضتها وبتعيط وبتقول اسمك
أنا عمري ما شوفتها كده
لم يستطع ياسر أن يرد التفت إلى المرآة المكسورة كي لا يرى فهد وجهه
فربت فهد على كتفه السليم وخرج قبل أن ينزل الدرج سمع صوت حبيب في الممر:
– فهد
التفت فهد... فرأه واقفًا عند باب غرفة أخرى ملفوفًا في البطانية ووجهه أقل شحوبًا من الأمس
– هي جاية فعلًا؟
– جاية
صمت حبيب لحظة ثم نظر إلى باب غرفة ياسر:
– أنا مش هطلع من الأوضة لما تيجي مش عايزها تشوفني... مش النهارده
ثم قال بصوت أخفض:
– قول لياسر بابا كلمني تاني الصبح وأنا وعدته أول ما نرجع هعمل اللي لازم يتعمل... هسيبها
عشان هي عمرها ما كانت بتاعتي
نظر إليه فهد ولأول مرة منذ عرفه لم يجد نكتة يقولها فقط أومأ برأسه ونزل.
في المخزن كان راغب يقف عند الباب ينظر إلى ساعته التفت إلى معاذ:
– مارك اتأخر قاله هيوصل البيت الساعة أربعة إلا ربع
– يمكن الزحمة
رن هاتف راغب رفعه إلى أذنه جاءه صوت رجل يلهث ويتكلم بإنجليزية ركيكة:
– سيد راغب أنا مارك أنا آسف جدًا
قد هجمو عليّ وأخذوا السيارة
أسف... حقًا اسف فقد علموا أنني انتظر الفتاة
بعد أن ابرحوني ضربًا ولم يتركوني إلا الآن
تجمّد راغب... التفت ببطء إلى معاذ كان ياسر واقفًا خلف معاذ وقد رأى وجه راغب
– فيه إيه؟
لم يرُد راغب... وفي تلك اللحظة اهتز هاتف ياسر في جيبه أخرجه
رسالة من رقم مجهول صورة واحدة... جودي
في المقعد الخلفي لسيارة سوداء والقبعة الصوفية قد سقطت عن رأسها
عيناها واسعتان من الرعب ويد رجل لا يظهر وجهه على كتفها
تحت الصورة سطر واحد بالإنجليزية:
- أخذت مني عروسًا في الميناء يا عقرب
وأنا أخذت منك عروسك.
ماذا سيحدث يا ترى.....
سنرى......
انتظرووني...
بقلمي/ فريده الحلواني
.jpg)