رواية سوار جهنم الفصل الثامن والعشرون بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
رواية سوار جهنم الفصل الثامن والعشرون بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
رواية سوار جهنم
الفصل الثامن والعشرون
بقلمي
الفصل الثامن والعشرون
صباحك بيضحك يا قلب فريده
ظل ياسر ينظر إلى الصورة على الشاشة لم يتحرك لم يتكلم لم يتنفس
استدار فجأة نحو باب المخزن فقفز معاذ أمامه ووضع يده على صدره:
– استنى
– ابعد يا معاذ
– استنى يا ياسر
– قولتلك ابعد
صرخها ياسر بصوت هز جدران المخزن الحديدية دفعه بذراعه السليمة بكل قوته
لكن معاذ لم يتحرك من مكانه أمسك وجه ياسر بين يديه وثبت عينيه في عينيه:
– إنت هتروح فين... إنت عارف هي فين؟
لأ... يبقى هتجري في الشوارع زي المجنون لحد ما رجالة فيكتور يلموك من على الرصيف
وساعتها هو هيبقى معاه الإتنين... اهدى
ظل ياسر يلهث ثم ارتخى جسده فجأة وسقط جالسًا على صندوق خشبي
وضع وجهه في كفه السليمة:
– هيئذيها يا معاذ
– لأ
قالها تميم من خلفهم بهدوء وبثقة غريبة:
– مش هيأذيها هي الحاجة الوحيدة اللي في إيده دلوقت
لو لمسها مبقاش معاه حاجة... هيستناك تكلمه
في تلك اللحظة رن هاتف ياسر رقم مجهول
فتح الخط وضعه على السماعة الخارجية
جاء صوت فيكتور هادئًا مُتعبًا كصوت رجل لم يَنم منذ أيام:
– مساء الخير يا عقرب
– هي فين؟
– هي بخير تجلس أمامي الآن
وتنظر إلي كأنها تريد أن تقتلني بعينيها
فتاة شجاعة جدًا ابن عمها لم يكن يستحقها
– عايز إيه يا فيكتور؟
– أريدك أنت
قالها ببساطة:
– وحدك... الليلة الساعة الحادية عشرة
سأرسل لك العنوان قبلها بساعة... تأتي وحدك وبلا سلاح وبلا هاتف
تدخل أنت وتخرج هي مبادلة عادلة
– ولو مجتش؟
– ستأتي يا ابن شعبان
قالها فيكتور وفي صوته شيء يشبه الإعجاب:
– أنت من النوع الذي يأتي
في الخامسة عصرًا بتوقيت الإسكندرية
في مبنى رمادي عادي في شارع جانبي لا يلتفت إليه أحد
صعد محمد إلى الدور الرابع دخل غرفة صغيرة بلا لافتة
كان فيها رجل في الخمسين يجلس خلف مكتب معدني ويحتسي الشاي
رفع الرجل عينيه إليه وابتسم:
– أهلًا يا محمد بيه... إزّي القسم
– زي ما هو يا افندم محاضر... سرقة... وخناقات جيران
– معلش المهمة قربت تخلص وهترجع مكانك
جلس محمد أمامه... لم يكن يعرف أحد في الإسكندرية كلها أن الضابط
المشاغب في قسم سيدي جابر... الذي أوقفوه وسرقوا سلاحه وضربوه أمام فيلا أبيه
هو في الحقيقة ضابط في جهاز المخابرات
وأن القسم كله كان غطاء لمهمة واحدة بدأت قبل ستة أشهر
مراقبة الخيط الروسي الذي يمرّ من ميناء الإسكندرية.
لا أبوه يعرف... ولا أخيه ياسين ولا أي أحد غير تميم
– الأشقر اتكلم يا فندم
قالها محمد بصوت منخفض:
– مقالش كل حاجة بس اتكلم
– قال إيه؟
– فيكتور مش هيفضل في أمريكا
عنده خطة هروب جاهزة من سنتين
طيارة خاصة في مطار صغير في نيوجيرسي
والطيار اسمه بوريس... الطيارة مستنية من امبارح
صمت الرجل لحظة ثم وضع كوب الشاي على المكتب:
– إنت عايز تبعت المعلومة دي لمين؟
– لسالم الشريف يا افندم هو عارف يبعتها لمين
نظر إليه الرجل للحظة ثم قال بهدوء:
– إنت عارف إن اللي بيحصل جوه هنا ميطلعش برة
– عارف يا افندم المعلومة مش هتطلع على إنها من هنا
هتطلع على إنها من الأشقر... والأشقر عند سالم باشا
أومأ الرجل برأسه ببطء:
– ابعتها
نزل محمد السلم مسرعًا وحين خرج إلى الشارع
اهتز هاتفه في جيبه... وجدها نغم من تتصل:
– أيوه
– إنت فين؟
– في القسم
– كداب
قالتها فورًا
– أنا في القسم دلوقت وبسأل عليك
العسكري بيقولّي محمد بيه مجاش النهارده خالص
توقف محمد في منتصف الرصيف ثم ضحك رغمًا عنه:
– إنتي في القسم بتعملي إيه؟
– جيت أجيبلك أكل
عشان إنت امبارح مكلتش غير الساندويتشين بتوعي
أنا قولت أكيد مفيش حد بيعملك أكل
صمت محمد... شعر بشيء دافئ يتسلل إلى صدره:
– أنا ساكن في الفيلا مع أبويا يا نغم... والبيت مليان ناس
– آه
قالتها وقد ارتبكت:
– طب خلاص... أنا هسيب الأكل عند العسكري
– لأ
قالها بسرعة:
– استنيني أنا جاي أقل من نصف ساعة هكون عندك.
وصل محمد إلى القسم بعد عشرين دقيقة فوجدها جالسة على الدكة الخشبية أمام غرفة الضُباط
وفي حجرها كيس بلاستيكي كبير تفوح منه رائحة الثوم والكزبرة
بجوارها العسكري عبد الصمد ينظر إلى الكيس بعينين جائعتين كأنه لم يأكل منذ أسبوع
قامت حين رأته... نظرت إلى وجهه إلى الكدمة الزرقاء تحت عينه:
ضاقت عيناها:
– إنت كنت فين بالظبط؟
– في مشوار
– مشوار إيه اللي يخليك تكدب عليا؟!
– هو أنا لازم أقولك أنا رايح فين؟!
– أيوه
قالتها بلا تردد ثم احمرّ وجهها فجأة حين سمعت ما قالته
فأشاحت بنظرها إلى الحائط:
– قصدي... إنت الظابط اللي ماسك بلاغي
من حقي أعرف إنت بتشتغل عليه ولا بتلف في الشوارع
ضحك محمد ضحكة حقيقية لأول مرة منذ أيام... مدّ يده وأخذ منها الكيس وفتحه:
– ملوخية؟!
– بالأرانب... ماما قالتلي الوصفة في التليفون
هي مش عارفة أنا بعملها لمين
– وإنتي بتعمليها لمين؟
– متتعشمش
قالتها بسرعة:
– أنا كنت بطبخ لنفسي واتبقى شوية قولت أجبهملك وأكسب ثواب
نظر محمد في الكيس ثم رفع حاجبه:
– اتبقي منك... أرنب كامل وحلة ملوخية؟!
ورُز وسلطة وعيش محمص كمان!
كتم عبد الصمد ضحكته بصعوبة فالتفتت إليه نغم بنظرة جعلته يعتدل في وقفته
ويعود إلى باب القسم كأن أحدا ناداه ثم أخذت حقيبتها من على الدكة:
– كُل وانت ساكت وابقى رجّعلي العلب نضيفة... دي علب ماما
اتجهت نحو الباب وقبل أن تخرج التفتت وقالت:
– محمد
– نعم
– خلي بالك من نفسك وشك بقي شوارع بجد.
ثم خرجت قبل أن يرُد وقف محمد في الممر والكيس في يده
ينظر إلى الباب الذي خرجت منه
شعر لأول مرة بثُقل الكذبة التي يعيشها منذ ستة أشهر
كان يكذب على أبيه وعلى كل من يحبه كان ذلك سهلًا
لكن الكذب عليها هي لم يُن سهلًا أبدًا
عرف وهو يقف هناك أنه سيظل يكذب عليها حتى تنتهي المهمة
وأن ذلك سيؤلمه كل يوم.
في الثامنة مساءًا بتوقيت نيويورك كان المخزن في بروكلين قد تحوّل إلى غرفة عمليات
خرائط على الطاولة وصور أقمار صناعية على اللابتوب
راغب يتحدث بالهاتف بصوت منخفض مع أحد ما
تميم يجلس على الأرض أمام ياسر ويفك الرباط عن حذائه
– ده إيه؟
سأله ياسر
– ده جهاز تتبع
قالها تميم وهو يدس قطعة إلكترونية رقيقة كالورقة في نعل الحذاء من الداخل
– فيكتور هيفتشك هيقلعك الجاكيت والقميص
هياخد منك الموبايل والساعة والحزام
بس محدش في الدنيا بيقلّع حد جزمته قبل ما يقتله
– ولو قلعهالي؟
– يبقى هتكون في مشكلة كبيرة
قالها تميم ببساطة وهو يعيد ربط الحذاء:
– بس هو مش هيقلعهالك
رن هاتف معاذ... سالم الشريف
ظل معاذ يستمع دون كلام ثم أغلق والتفت إليهم:
– مطار صغير في نيوجيرسي
طيارة خاصة الطيار اسمه بوريس
فيكتور مش ناوي يبادل حد
فيكتور ناوي ياخد ياسر وجودي الإتنين ويطير
ساد صمت في المخزن ثم قال ياسر بهدوء:
– يبقى أروح... هو هيوديني لحد الطيارة بنفسه
إنتوا تبقوا هناك قبلنا
نظر معاذ إلى راغب فأومأ راغب برأسه:
– أنا وتميم والرجالة نوصل المطار قبلهم بساعة ونستناهم
– وأنا؟
قالها فهد من مكانه عند الباب فالتفت إليه الجميع في وقت واحد وقالوا معًا:
– لأ
احمرّ وجه فهد وفتح فمه ليعترض لكن معاذ أدار اللابتوب نحوه
كانت على الشاشة خريطة ونقطة حمراء صغيرة ثابتة فوق المخزن
– إنت هتقعد هنا... النقطة دي هي جزمة ياسر
لو اتحركت في أي اتجاه غريب لو وقفت فجأة
لو اختفت... تقولنا في اللاسلكي فورًا
عينك متتشالش من عليها ولا ثانية
نظر فهد إلى الشاشة ثم إلى معاذ... جلس أمام اللابتوب ببطء كمن يجلس على كرسي عرش:
– ماشي... بس لو حد فيكم اتأخر أنا هادي.
في التاسعة إلا عشرين دقيقة خرج معاذ إلى الممر الخلفي للمخزن
كان الهواء باردًا رطبًا ورائحة الماء تأتي من بعيد أخرج هاتفًا صغيرًا
لا يعرف رقمه أحد إلا شخص واحد... نظر إلى الساعة في الإسكندرية الآن الرابعة إلا ثُلث فجرًا
ضغط الرقم... ردت من أول رنة:
– إنتي صاحية؟
– إنت عارف إني صاحية وإلا مكُنتش اتصلت
أغمض عينيه حين سمع صوتها كان صوتها مبحوحًا قليلًا كمن لم ينم
– مش بتنامي ليه؟
– مستنياك...كل ليلة بستناك وإنت عارف
صمت ثم قالت فجأة بصوت مختلف:
– صوتك فيه حاجة يا معاذ
– مفيش حاجة يا حبيبي وحشتيني بس
– لأ... فيه حاجة إنت بتكلمني كأنك بتودعني
ضغط معاذ قبضته على الحائط البارد:
– أنا مش بودعك يا سيلا أنا بفكّرك بوعدك
– وعد إيه؟
– أول ما أرجع... الفرح... ومش هستنى يوم واحد زيادة
ضحكت ضحكة صغيرة مرتعشة:
– ماشي... أصلًا الخياطة جت عشان تاخد مقاسات
الفستان بقالي يومين مدوخاها معايا
– وبفكرك بحاجة كمان
قالها بصوت أخفض وأكثر خشونة:
– القميص اللي وعدتيني بيه ولا نسيتي؟
شهقت ثم ضحكت... وسمع في ضحكتها خجلًا جعله يبتسم في الظلام
– إنت قليل الأدب
– قليل الأدب وجوزك ومستني الليلة دي من يوم ما النور قطع
فاكرة؟
– فاكرة
همستها:
– ومش عارفة أنسى
– ولا أنا... كل ما أغمض عيني بشوفك في الضلمة دي
أنا مش عايز أفضل أشوفك في الضلمة يا سيلا
أنا عايز أشوفك في النور قدامي
بتاعتي من غير ما حد يقاطعنا
سمع أنفاسها على الخط تتلاحق ثم قالت بصوت يكاد لا يُسمع:
– ارجع بقى
– هرجع... نامي دلوقت
– مش هنام غير لما تكلمني تاني
– هكلمك الصبح... أوعدك
أغلق الخط وظل واقفًا في الممر لحظة وعيناه مغمضتان
ثم فتحهما وحين عاد إلى داخل المخزن كان وجهه قد عاد ثلجًا.
لم تنم سيلا ظلت تنظر إلى الهاتف في يدها حتى انطفأت شاشته
ثم قامت ونزلت السلم حافية كانت الفيلا غارقة في الصمت
لكن ضوءًا خافتّا كان يتسلل من باب المطبخ
دفعت الباب فوجدت محمد جالسًا أمام الرخامة وأمامه علب بلاستيكية مفتوحة
يأكل بيده في الرابعة فجرًا كأنه في عزومة
– إنت بتعمل إيه؟!
– باكل
– الساعة أربعة الفجر يا محمد!
– الجوع ملوش مواعيد
اقتربت ونظرت في العلب ثم رفعت عينيها إليه ببطء:
– ملوخية بالأرانب مين اللي عمل دي؟!
غالية مطبختش ملوخية بقالها شهر!
توقفت اللقمة في يد محمد:
– واحدة
– واحدة مين... انت مش ناوي تبطل صياعة بقى؟
– يا ستي واحدة صاحبة بلاغ
وضعت سيلا يديها في خصرها:
– نعم يا أخويا إنت بقيت تاكل أكل بنات غريبة كمان
وشك متورم وسلاحك اتسرق
وراجعلي الفجر بملوخية واحدة معرفهاش
إنت ناوي تجيب لنا مصيبة جديدة
ضحك محمد بفم ممتلئ:
– دي مش مصيبة دي ملوخية دوقي وإنتي تعرفي
نظرت إليه بغضب لحظة ثم سحبت كرسيًا وجلست
كسرت قطعة من الخبز وغمستها... أغمضت عينيها
– حلوة
قالتها مستسلمة:
– حلوة أوي... البنت دي متتسابش يا محمد
سكتت وظلت تنظر إلى العلبة دون أن تأكل:
– معاذ كلمني دلوقت
قالتها بصوت خافت:
– صوته مكانش طبيعي
رفع محمد عينيه إليها ورأى الخوف في وجهها... لم يكن يعرف أين معاذ
ولا ماذا يفعل الليلة لكنه كان يعرف أن هناك طائرة في نيوجيرسي
وأن المعلومة التي أرسلها قبل ساعات ذهبت إلى مكان ما
لم يستطع أن يقول لها شيئًا... مد يده ودفع العلبة نحوها:
– معاذ طول عمره بيرجع يا سيلا... كُلي
أكلا معا في صمت حتى ارتفع أذان الفجر من المسجد القريب
ظهر حسن على باب المطبخ بجلبابه ونظارته نظر إلى محمد وإلى سيلا وإلى العلب المفتوحة
ولم يسأل فقط ابتسم وعاد إلى غرفته.
في التاسعة مساءًا كانت جودي جالسة على مقعد معدني في حظيرة طائرات واسعة باردة
كانت يداها مقيدتين أمامها بشريط بلاستيكي
على بعد أمتار وقفت طائرة بيضاء صغيرة بابها مفتوح وسُلمها جاهز للصعود
والأنوار الصفراء العالية تلقي ظلالا طويلة على الأرض الإسمنتية
لم تكن خائفة...ؤ كانت تعرف أنها يجب أن تكون خائفة
لكن شيئا ما في صدرها منذ الصباح منذ وضعت رأسها على ركبة عمها
جعل الخوف يبدو صغيرًا جدًا
كان إيفان يجلس على صندوق قريب منها رجل ضخم في الستين بوجه أحمر ويدين كبيرتين
ينظر إليها منذ ساعة بعينين لا تعجبانها ثم قام واتجه إليها ببطء انحنى أمامها:
– جميلة
قالها بإنجليزية ثقيلة:
– لهذا فعل العقرب كل ذلك
مد يده الضخمة نحو وجهها فرفعت جودي ذقنها نظرت إليه في عينيه مباشرة:
– إلمسني
قالتها بإنجليزية واضحة هادئة:
– وأنا أوعدك إن فيكتور هيقتلك بإيده
حتي لو كنت انت رئيسه... هو دلوقت بيشتري عمره
انا لو اتأذيت مش هيبقى معاه حاجة يبادل بيها
توقفت يد إيفان في الهواء نظر إليها لحظة طويلة
ثم ضحك ضحكة عالية وأبعد يده:
– فتاة ذكية... ذكية جدًا
ومن طرف الحظيرة جاء صوت فيكتور حادًا بالروسية:
– ابتعد عنها يا إيفان
ابتعد إيفان وهو ما يزال يضحك ظلّت جودي مكانها
تركت يديها المقيدتين في حجرها كي لا يرى أحد كيف ترتجفان.
في العاشرة إلا ربعًا كان ياسر يقف عند باب المخزن ينتظر السيارة السوداء التي أرسل فيكتور عنوانها كان معاذ وراغب وتميم قد خرجوا قبل نصف ساعة من الباب الخلفي
حين سمع خطوات بطيئة على السلم الحديدي خلفه
كان حبيب نزل ملفوفًا في البطانية نفسها التي لم يخلعها منذ الرصيف
وقف أمامه ونظر إلى ذراعه المربوطة وإلى القميص الأبيض:
– هي اتخطفت بسببي؟
– لأ
– أيوه يا ياسر لو أنا مكنتش مضيت
لو مكنتش اتجوزتها وأنا عارف إنها مش عايزاني
لو مكنتش وافقت أبويا عشان الفلوس والأسهم
مكانش حد فيكم هنا
– حبيب... مش وقت الكلام ده
– هو ده وقته الصح
قالها حبيب وارتعش صوته:
– لأنك ممكن متجيش
صمت ياسر... فمد حبيب يده إلى إصبعه خلع الدبلة الذهبية ببطء كأنها تلتصق بلحمه
وضعها في كف ياسر السليمة:
– لما ترجعها... قولها إن حبيب قلع الدبلة الليلة دي
والباقي هيتعمل في مصر قدام أبويا وقدام المأذون.
نظر ياسر إلى الدبلة في كفه ثم أخذ يد حبيب أعادها إليها وأغلق أصابعه عليها:
– لأ... ادهالها إنت بإيدك
ده حقها تسمعه منك إنت مش مني
ربت على كتفه ونظر إلى باب المخزن حيث ظهرت أنوار سيارة سوداء تقترب:
– خلي بالك من فهد متخلهوش ياكل اللابتوب.
في الحادية عشرة إلا ربعًا كان فهد جالسًا أمام اللابتوب في المخزن الخالي
لا يتحرك لا يأكل... وكيس الشيبسي بجواره مفتوحًا لم يلمسه
حبيب جالس على صندوق خلفه ينظر إلى الشاشة من فوق كتفه
كانت النقطة الحمراء الصغيرة تتحرك على الخريطة ببطء
تخرج من بروكلين تعبر الجسر تدخل نيوجيرسي
ثم تنحرف يمينًا عن الطريق السريع إلى طريق جانبي ضيق
وقلب فهد يتحرك معها
– هي رايحة فين؟
همسها حبيب:
– رايحة المطار
قالها فهد دون أن يلتفت:
– معاذ قال كده
توقفت النقطة فجأة ثانية ثانيتين خمس ثوان
رفع فهد اللاسلكي إلى فمه بيد مرتجفة:
– النقطة وقفت... النقطة وقفت عند البوابة الشمالية
سامعني؟
لم يأتي رد ثم جاء صوت خشن من الطرف الآخر صوت الرجل الذي لا يذكر أحد اسمه:
– سامعك يا بطل ده التفتيش... كمّل
تحركت النقطة مرة أخرى دخلت إلى مربع رمادي كبير على الخريطة
ووقفت هناك
– دخل الحظيرة
قالها فهد في اللاسلكي
– ياسر دخل الحظيرة
وضع اللاسلكي على الطاولة ووضع يديه على وجهه
– حبيب
– نعم
– لو ياسر رجع أنا هعزمه على شاورما لمدة سنة كل يوم
صمت حبيب لحظة ثم قال بصوت خافت:
– وأنا اللي هدفع
لم يقُل أي منهما شيئًا بعد ذلك فقط ظلا ينظران إلى النقطة الحمراء الثابتة.
في الحادية عشرة إلا عشر دقائق توقفت سيارة سوداء أمام باب الحظيرة
ونزل منها ياسر بلا جاكيت... بقميص أبيض فقط... ذراعه المصابة مربوطة إلى صدره
فتّشه رجلان عند الباب من رأسه إلى قدميه أخذا الهاتف والساعة والحزام
ثم دفعاه إلى الداخل... رأته جودي
مشى ياسر في الحظيرة الواسعة ببطء كانت عيناه عليها وحدها
لم ينظر إلى فيكتور ولا إلى إيفان ولا إلى الحُراس الستة الواقفين حولها
كأن الحظيرة كلها فارغة إلا منها
وقف على بعد خمسة أمتار منها نظر إليها ونظرت إليه
كانت قد رأته كثيرًا...في حياتها في بيت أبيها... وفي الجنينة
في الفرح... وعلى شاشة الفيديو وهو يرفع المسدس
عند باب القبو أيضًا لكنها لم تراه هكذا من قبل
كأنه جاء من آخر الدنيا ليقف أمامها وهو يعرف أنه قد لا يعود
– جودي
قالها بصوت خافت:
– أنا مقتلتوش... مقتلتش عمك
ارتعشت شفتاها وانهمرت دموعها:
– عارفة
همستها:
– عارفة يا ياسر عمي قالّي كل حاجة
أغمض ياسر عينيه لحظة واحدة كأن حملًا ثقيلًا سقط عن صدره بعد شهور
وحينما فتحهما كان فيهما شيء لم تراه فيهما أبدا... كانت الراحة
– كفاية
قالها فيكتور وهو يتقدّم بخطوات بطيئة:
– المشهد جميل جدًا لكننا متأخرون
أشار إلى الحراس:
– اركبوهما الطائرة
– الاتفاق إنها تخرج
قالها ياسر دون أن يلتفت إليه
– الاتفاق تغير يا عقرب
قالها فيكتور بهدوء:
– أنت أخذت مني كل شيء وأنا لن أترك لك شيئًا
ستأتيان معي إلى موسكو وهناك لدي أسئلة كثيرة
ديمتري ليس موجودًا ليسألها بلطف
في تلك اللحظة انطفأت الأنوار... كل الأنوار في الحظيرة دفعة واحدة
غرق المكان في ظلام دامس وصرخ إيفان بالروسية
سمعت جودي صوت أقدام تجري في كل اتجاه وصوت سلاح يُسحب
ثم الرصاصة الأولى ثم شعرت بشيء يقف أمامها
لم يلمسها فقط وقف أمامها في الظلام بجسده كله كالجدار
سمعت صوته قريبًا منها:
– انزلي على الأرض ومتقوميش
انزلقت من المقعد إلى الأرض الإسمنتية الباردة
ويداها المقيدتان على رأسها ظل ياسر واقفًا أمامها لا يتحرك
اشتعلت الأنوار الاحتياطية الحمراء الخافتة في سقف الحظيرة
رأت جودي المشهد كله دفعة واحدة كأنه صورة
إيفان ممددًا على الأرض بجوار الطائرة لا يتحرك وثلاثة حراس على الأرض
والآخرون يطلقون النار نحو أبواب الحظيرة الجانبية
ورجل مُلثم بشال أسود يتحرك بين الصناديق كالظل
وآخر بملابس عامل نظافة يسحب الطيار بوريس من باب الطائرة ويلقيه على السلم
وفيكتور... كان فيكتور واقفًا على بعد أمتار منها والمسدس في يده
موجهًا إليها هي لا إلى ياسر... بل إليها
– إن لم تكن لي
قالها فيكتور بصوت مجنون هادئ:
– فلن تكون لك
ضغط الزناد وكان ياسر أسرع لم يلقي بنفسه عليها
خطا خطوة واحدة فقط إلى اليسار وقف بينها وبين فيكتور
دخلت الرصاصة في صدره لم يصرخ فقط اهتز جسده كله
نظر إلى أسفل إلى البقعة الحمراء التي بدأت تنتشر على القميص الأبيض
ثم نظر إلى فيكتور وابتسم وسقط على ركبتيه
صرخت جودي صرخة لم تسمعها من نفسها أبدًا
رفع فيكتور المسدس مرة أخرى لكن قبل أن يضغط دوت رصاصة من خلفه
توقف فيكتور ونظر إلى صدره بدهشة ثم التفت ببطء
فرأى رجلًا يقف عند باب الطائرة بوجه عامل ميناء
عينين يعرفهما فيكتور جيدًا عينين رآهما مرة واحدة فقط من بعيد
في صورة لرجل في الإسكندرية منذ عامان
– المراية
قالها معاذ بصوت ميت كالثلج:
– كانت هدية حلوة أوي يا فيكتور
سقط المسدس من يد فيكتور ثم سقط هو ولم يقُم
زحفت جودي على الأرض الإسمنتية بيديها المقيدتين حتى وصلت إلى ياسر
كان قد سقط على جانبه عيناه مفتوحتان ويده السليمة على صدره
والدم يتسلل بين أصابعه مدت يديها نحوه ثم توقفت
توقفت يداها في الهواء على بعد شبر من وجهه وارتجفتا
لم تستطع أن تلمسه كانت ما تزال زوجة رجل آخر كان ياسر يعرف
كانت هي أيضًا تعرف وكان هذا الشبر الصغير بينهما أقسى من الرصاصة نفسها
فتح ياسر عينيه ونظر إلى يديها المعلقتين في الهواء وابتسم ابتسامة متعبة:
– متلمسينيش
همسها:
– أنا مستني... من ساعة ما شوفتك أول مرة وأنا مستني
أستنى شوية كمان
انفجرت جودي في البكاء وضعت يديها المقيدتين على صدرها هي
ونظرت في عينيه:
– متموتش يا ياسر أنا لسه مقولتلكش
– تقوليلي إيه؟
– إني بحبك من أول مرة شوفتك فيها
من يوم الولاعة... من قبل كده كمان
متموتش قبل ما تسمعها مني بجد
أغمض ياسر عينيه وسال من طرف عينه خيط رفيع من الدموع
– سمعتها
همسها
– سمعتها
جاء صوت أقدام تجري انحنى تميم فوقه وضغط بكفيه على الجرح بكل قوته:
– ياسر... ياسر بُصلي متغمضش
الإسعاف على بعد خمس دقايق... بُصلي يا ياسر
لكن عيني ياسر كانت قد أغلقت.
في نفس الساعة على الطرف الآخر من نيويورك كان قصر إيفان صامتًا تمامًا
لم يكن فيه حراس ولا أنوار ولا أحد
في المكتب الواسع في الطابق الأرضي على الطاولة الخشبية
التي جلس أمامها تميم أربع ساعات
كانت ساعة جيب فضية قديمة مفتوحة عقاربها تتحرك بصوت خافت
تحتها ورقة صغيرة مطوية مكتوب عليها بالإنجليزية بخط أنيق:
- إلى جوزيف أيًا كان اسمك
أبي كان مخطئًا بعض الرجال يصمتون إلى الأبد
لكن الوقت لم ينتهي بعد
لم يكن في القصر كله أي أثر لديمتري.
في سيارة الإسعاف التي تشق شوارع نيوجيرسي بصفارتها العالية
جلست جودي في الرُكن ويداها المحررتان في حجرها
لا تلمسه فقط تنظر إليه المسعفان يعملان فوق صدره بسرعة
أما فكان تميم يمسك الكيس البلاستيكي فوق رأسه ويضغط
بدأ الجهاز الصغير بجوار رأس ياسر يصفّر صفيرًا متقطعًا
ثم سريعًا... ثم صفير واحد طويل مستمر لا ينقطع صرخ المُسعف بالإنجليزية:
– توقف القلب.
ماذا سيحدث يا ترى..
سنرى....
انتظرووني...
بقلمي / فريده الحلواني
