روايه سوار جهنم الفصل التاسع والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه سوار جهنم الفصل التاسع والعشرون بقلم الكاتبه فريده الحلواني
سوار جهنم
الفصل التاسع والعشرون
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
– ابتعدوا
صرخها المسعف بالإنجليزية وهو يضع اللوحين المعدنيين على صدر ياسر العاري
انتفض الجسد كله فوق النقالة ثم سقط ساكنًا ظل الصفير الطويل مستمرًا لا ينقطع:
– مرة تانية
قالها المسعف وهو يدير المؤشر كانت جودي في الركن تضغط يديها على فمها حتى لا تصرخ
وتميم جاثيًا على ركبتيه بجوار رأس ياسر يهمس بكلمات لا يسمعها أحد غيره
– ابتعدوا
انتفض الجسد مرة ثانية وسقط ثم سكتت سيارة الإسعاف كلها
لم يُسمع فيها إلا صفارتها في الخارج والصفير الطويل في الداخل
نظر المسعف إلى زميله نظرة يعرفها كل من رأى الموت من قبل:
– مرة أخرى
قالها تميم بالإنجليزية بصوت لم يكن صوت ممرض ولا صوت عامل نظافة:
– اعدها مرة ثالثة
نظر إليه المسعف لحظة ثم وضع اللوحين على صدر ياسر للمرة الثالثة:
– ابتعدوا
انتفض الجسد ثم جاء صوت صغير وبعده صفير قصير ثم آخر ثم آخر
انهارت جودي في الركن كأن أحدًا قطع الخيوط التي كانت تمسكها واقفة طوال الليل
لم تبكي فقط ظلّت تنظر إلى الخط الأخضر الذي عاد يتقافز على الشاشة الصغيرة
كأنه أجمل شيء رأته في حياتها.
ظل ياسر في غرفة العمليات سبع ساعات
في الممر الطويل البارد في مستشفى نيوجيرسي جلسوا جميعًا على المقاعد البلاستيكية الزرقاء جودي في آخر الصف وحدها وسفيان بجوارها لا يتكلم ويده على يدها
منصور يقف عند النافذة منذ وصل لم يجلس... وحبيب في الطرف الآخر من الممر
ملفوفًا في البطانية نفسها ينظر إلى الأرض
أما فهد فكان يذرع الممر جِيئة وذهابًا عشر خطوات إلى اليمين عشر خطوات إلى اليسار
حتى قال له سفيان بتعب:
– اقعد يا فهد دوختني
– مش قادر أقعد يا بابا
– طب كُل حاجة
– مش جعان
رفعت جودي رأسها ونظرت إلى أخيها لأول مرة منذ ساعات:
– إنت مش جعان؟!
– لأ
– فهد... إنت عمرك ما قُلت الكلمة دي في حياتك!
توقف فهد في منتصف الممر ونظر إليها ثم جلس على الأرض فجأة أمام قدميها كما كان يفعل وهما طفلان وضع رأسه على ركبتها:
– أنا ادتله وعد يا جودي لو رجع أعزمه على شاورما سنة كاملة
فلازم يرجع... أنا مش عايز أخلف وعدي
ضحكت جودي رغمًا عنها ضحكة مبللة بالدموع ووضعت يدها على شعره.
في السابعة صباحًا انفتح باب غرفة العمليات خرج الجراح وهو ينزع القناع عن وجهه
ووقف الجميع في لحظة واحدة
– الرصاصة كانت على بُعد سنتيمتر من القلب
قالها بالإنجليزية بصوت مُتعب:
– لقد مات مرتين الليلة لكنه عنيد جدًا... سيعيش
لم تسمع جودي باقي الحديث فقد سقطت جالسة على المقعد وضعت وجهها في كفيها
وبكت أخيرًا كما لم تبكي في حياتها.
في العاشرة صباحًا في ممر خلفي في المستشفى لا يمُر فيه أحد
وقف معاذ وتميم ورجل مُلثم بشال أسود كان أمامهم رجل في الأربعين ببدلة رمادية لا يبتسم
– الطيارة مستنياكم في مطار عسكري بعد ساعة
قالها الرجل بعربية فصيحة لا لهجة فيها:
– مفيش أختام مفيش أسماء
مفيش أي أوراق تقول إنكم دخلتوا أمريكا أو خرجتوا منها
إنتوا عمركم ما كنتوا هنا
ردّ عليه تميم باعتراض شديد:
- انا مش هرجع من غير ياسر استحالة
نظر له الرجل بقوة وقال بحسم :
- دي أوامر يا حضرة الظابط ولازم تنفذها
احنا عارفين بنعمل إيه ومش هنخاطر بحد فيكم .
أومأ معاذ برأسه ثم قال بحكمة:
- تميم... الجهاز عمره ما هيرجّعنا مصر من غير ما يكون
مأمن ياسر واللي معاه... أكيد ليهم حكمة في كده
وإحنا علينا ننفذ الأوامر
التفت إلى الرجل المُلثم ثم قال :
– وإنت
– أنا هفضل
قالها راغب بصوته الخشن:
– لحد ما العقرب يقف على رجليه وبعدين هرجع... زي ما رجعت زمان
مد معاذ يده وصافحه بقوة ثم صافحه تميم لم يقُل أحد منهم شكرًا
فالرجال الذين يقفون معًا في الظلام لا يحتاجون إلى هذه الكلمة
– مش هتشوفه قبل ما تمشي؟
سأل معاذ تميم
نظر تميم نحو الممر الذي فيه غرفة ياسر:
– لو شُفته مش همشي أنا عندي واحدة مستنياني من شهور ووعدتها
إني أرجع وأرجّع أخوها... مش هينفع أخوّفها علينا أكتر من كده.
فتح ياسر عينيه بعد الظُهر كان الضوء في الغرفة أبيض قاسيا
كان صدره ثقيلا كأن أحدًا وضع عليه حجرًا... كل نفس يأخذه يمر في جسده كسكين
رآها... كانت جالسة على مقعد بعيد عند النافذة... بعيدة جدًا عن فراشه
كأنها رسمت خطًا على الأرض بينهما ولم تتجاوزه... كانت نائمة ورأسها مائل على كتفها
عيناها متورمتان من البكاء وما تزال ترتدي الملابس نفسها التي كانت في الحظيرة
ظل ينظر إليها بعشق دون أن يتحرك... خائفًا أن يتحرك فتستيقظ
وخائفًا ألا تستيقظ فيظُن أنه يحلم
فتحت عينيها فجأة كأنها شعرت بنظرته وتجمدت:
– ياسر
همستها ثم قامت ووقفت تحركت خطوتين نحو الفراش
ثم توقفت عند الخط الذي لا يراه أحد غيرهما
– إنتي قاعدة بعيد ليه؟
قالها بصوت مبحوح لا يكاد يخرج:
– عشان لو قرّبت هلمسك
قالتها ودموعها تنزل:
– وأنا لسه مقدرش أقرب وألمسك
أغمض ياسر عينيه وابتسم:
– أنا استنيت كتير يا جودي أستنى شوية كمان
في تلك اللحظة طرق أحدهم الباب دخل حبيب وخلفه منصور وسفيان
وقف حبيب في منتصف الغرفة بين فراش ياسر والمقعد الذي تقف عنده جودي
كان وجهه شاحبا لكنه كان ثابتا لأول مرة منذ عرفوه نظر إلى أبيه
فأومأ منصور برأسه ببطء
مد حبيب يده إلى جيبه وأخرج الدبلة الذهبية... وقف أمام جودي ولم يلمسها
فقط مد كفه المفتوحة والدبلة فيها:
– دي بتاعتك أنا قلعتها امبارح بالليل قبل ما ياسر يخرج
هو قالّي إن ده حقك تسمعيه مني أنا
أخذت جودي الدبلة من كفه بأطراف أصابعها ونظرت إليها
– أنا اتجوزتك وأنا عارف إنك مش عايزاني يا جودي
قالها حبيب بصوت مرتعش:
– اتجوزتك عشان الفلوس والأسهم وعشان أبويا قالي كده
أبويا دلوقت واقف ورايا ومُعترف إنه غلط وأنا كمان غلطت
وده الشيء الوحيد اللي أقدر أصلحه
ثم أخذ نفسًا عميقًا ونظر في عينيها:
– إنتي طالق يا جودي... طالق
والباقي هيتعمل عند المأذون أول ما نرجع مصر
ساد صمت ثقيل في الغرفة ثم سمعوا صوتًا غريبًا... كان سفيان يبكي
الرجل الذي لم يراه أحد يبكي من قبل وضع يده على كتف حبيب وضغط عليها:
– إنت راجل يا ابني وأنا كنت فاكرك عيل
أنا كنت متأكد إن إنت وأبوك هتندموا وهترجعوا
أبويا ربانا بالحلال وإبن الحلال مهما غلط لازم يرجع و يتوب
منصور واقف عند الباب يمسح عينيه بظهر يده وقال بصوت خافت:
– دلوقت بس عرفت إني ربيت راجل... بعد ما كنت فاكر إنك عيّل وطماع
أنا آسف... آسف ليكم كلكم لحد ما اموت هفضل أقولها
خرج حبيب من الغرفة دون أن يلتفت وخلفه الرجلان
بقيت جودي واقفة عند الخط الذي لا يراه أحد والدبلة في يدها
نظرت إلى ياسر ونظر إليها لم يقُل أي منهما شيئًا فقط ابتسما.
في آخر الممر جلس حبيب على المقعد البلاستيكي الأزرق نفسه وضع رأسه بين يديه
لم يكن يبكي لكنه كان يرتجف كمن خرج لتوّه من ماء بارد
شعر بأحد يجلس بجواره ثم بكيس ورقي ساخن يوضع على ركبته فرفع رأسه كان فهد
– إيه ده؟!
– شاورما
قالها فهد وهو يفتح كيسًا آخر لنفسه:
– من عربية واقفة قدام المستشفى
صاحبها مكسيكي ومش فاهم يعني إيه طحينة
بس ماشي الحال
نظر حبيب إلى الكيس ثم إلى فهد:
– إنت كنت مش جعان من ساعتين؟!
– كان
قالها فهد بفم مُمتلئ
– ياسر عاش يبقى الجوع رجع دي قوانين الطبيعة
ضحك حبيب ضحكة قصيرة لم يتوقعها من نفسه ثم فتح الكيس وأكل لقمة
ثم لقمة أخرى أدرك أنه لم يأكل شيئًا حقيقيًا منذ أسابيع
بل أدرك الآن فقط... أن كنوز الدنيا لا تسوى دفيء العائلة.
ظلا يأكلان في صمت ثم قال حبيب دون أن ينظر إليه:
– فهد... أنا آسف
– على إيه؟
– على كل حاجة... على أختك وعلى إني كنت بشوفك عيّل بيهزر
وإنت امبارح لماةكنت قاعد قدام اللابتوب كنت أرجل مني
توقف فهد عن الأكل نظر إلى الشاورما في يده ثم قال بجدية نادرة:
– إنت عملت النهارده حاجة محدّش كان يقدر يعملها يا حبيب ده يكفي
ثم عاد صوته إلى طبيعته فجأة:
– بس الشاورما دي عليك أنا دفعت تمنها... ومعيش فلوس تاني
وعندي وعد سنة كاملة لياسر.
في المساء جلست جودي على المقعد عند النافذة كان ياسر قد استيقظ مرة أخرى وطلب أن يرفعوا الفراش قليلًا كي يراها
ظلا ينظران إلى بعضهما فوق المسافة الصغيرة التي لم يعبرها أحد
– فاكرة الولاعة؟
قالها بصوته المبحوح فابتسمت:
– لسه فاكر طعم شفايفك من وقتها
كنتي بتعيطي مقدرتش أشوفك بتعيطي
– ولسه مش قادر؟
– ولسه مش قادر ده عيبي الوحيد
ضحكت جودي ثم سكتت ونظرت إلى الدبلة الذهبية التي ما تزال في يدها:
– ياسر... لما المأذون يخلّص وكل حاجة تبقى صح...
– هاجي لأبوكي
قالها قبل أن تُكمل:
– وهقف قدامه زي ما وقفت قدام فيكتور من غير سلاح
ومن غير موبايل ومن غير خوف
– بابا مش هيقولك لأ
– لو قال لأ هاجي تاني أنا بقيت خبير في الرجوع من الموت يا جودي
الرجوع لأبوكي مش حاجة صعبة.
ضحكت حتى دمعت عيناها ثم أسندت رأسها إلى زجاج النافذة نامت وهي تبتسم.
في الليل حين نامت جودي على المقعد عند النافذة انفتح باب الغرفة بهدوء
دخل الرجل المُلثم بالشال الأسود وقف عند رأس ياسر ثم انحنى وهمس:
– إنت مُت مرتين امبارح يا عقرب
وأنا مُت مرة محدش يعرف إني عايش غيركم خليها كده
فتح ياسر عينيه ونظر إليه:
– هتمشي؟
– همشي والولد بتاع الشاورما ده خلي بالك منه
فيه راجل جواه محدش شايفه
وضع شيئًا صغيرًا على الطاولة بجوار الفراش... ورقة مطوية فيها رقم هاتف ولا شيء غيره
ثم خرج كما دخل ولم يراه أحد.
في الثانية فجرًا بتوقيت الإسكندرية توقّفت سيارة بلا أنوار
في الشارع الخلفي لفيلا حسن الجيزاوي نزل منها رجل بجاكيت أسود وحقيبة صغيرة
وقف لحظة ينظر إلى الفيلا
إلى الشرفة في الدور الثاني ثم مشى إلى الباب الخلفي فتحه بمفتاح لم يستعمله منذ شهور
كانت الفيلا غارقة في الصمت صعد السلم حافيًا والحذاء في يده وقف أمام باب غرفتها
كان من تحته يتسلل ضوء خافت لم تكن نائمة فتح الباب ببطء
كانت جالسة على حافة الفراش ظهرها إليه والهاتف في يدها
كانت تكتب له رسالة للمرة العاشرة الليلة ثم تمسحها
– مش هتبعتيها؟
قالها بصوت خافت تجمدت سيلا ثم سقط الهاتف من يدها على الأرض
التفتت ببطء كأنها تخاف أن تلتفت فلا تجده
كان هناك... واقفًا عند الباب بوجهه الحقيقي... أنحف وأكثر تعبًا
في عينيه شيء لم تراه من قبل... لكنه هو
لم تصرخ لم تقُل اسمه... قامت وجَرت إليه ألقت نفسها عليه بكل قوتها
فتراجع خطوة حتى اصطدم ظهره بالباب فانغلق خلفه
دفن وجهه في شعرها وأغمض عينيه ظل يتنفسها كأنه كان يغرق شهورًا ثم خرج إلى الهواء
– إنت كنت فين؟
همستها في صدره وهي تبكي
– متسألنيش
قالها
– متسأليش أبدًا... أنا هنا
رفعت وجهها إليه فأخذه بين كفيه ونظر إليه بعمق كأنه يحفظه من جديد
ثم قبّلها قُبلة طويلة جائعة... فيها كل الليالي التي قضاها في الظلام يتذكر وجهها
فيها كل الرسائل التي كتبتها ومسحتها... شعرت به يرتجف وهو يضمها
الرجل الذي لم يرتجف أمام الرصاص ولا أمام فيكتور يرتجف الآن بين ذراعيها
حين ابتعد عنها أخيرًا كانت أنفاسهما تتلاحق مد يده إلى طرف قميص نومها الحريري وأمسكه بين أصابعه نظر إليها بعينين لم تعرف فيهما الثلج:
– ده القميص اللي وعدتيني بيه؟
– لأ
همستها وقد احمرّ وجهها
– ده عادي اللي وعدتك بيه... مستني ليلته
ضحك ضحكة مكتومة في عنقها فارتعشت كلها:
– إنتي بتعذبيني يا سيلا
– إنت اللي غِبت كتير ... استحمل
رفعها فجأة بين ذراعيه فشهقت ولفّت ذراعيها حول عنقه... اتجه بها إلى الشُرفة المُطلة على البحر جلس على المقعد الخشبي وهي في حجره... الهواء البارد يحمل رائحة الملح
وضعت رأسها على كتفه
– الفرح الأسبوع الجاي
قالها في أذنها
– الأسبوع الجاي إزاي مفيش قاعة والفستان لسه
مخلصش ولا.....
– متشغليش بالك أنا مش هستنى يوم واحد زيادة
مش بعد كل ده
صمتت لحظة ثم قالت بصوت خجول:
– وحسن وغالية
– حسن هيفرح وغالية هتعيط ومحمد هياكل
ضحكت حتى دمعت عيناها... ظلا هكذا في الشرفة حتى بدأ الضوء الرمادي يظهر فوق البحر
هو يقبّل شفتيها بين الحين والآخر... هي تمسك يده كأنها تخاف أن يختفي إن تركتها
نظرت له بجرأة وقالت:
- هو إحنا هنفضل في البلكونة و لا إيه... وحشتني ؟!
حاوط وجهها بقوة وقال بجنون:
- لو لمست السرير وإنتي في حضني
مش هقدر أمسك نفسي زي قبل كده
هدخل عليكي يا سيلا عشان دي الحاجة الوحيدة
اللي هتخليني أصدق إني رجعت وإنك في حضني
وأنا مش هقدر أعمل كده غير وإنتي لابسة الفستان الأبيض
بادرت بتقبيله وكان هذا أبلغ رد على ما قاله .
في الساعة نفسها في فيلا الشريف كانت سما نائمة في غرفتها حين شعرت بيد باردة على وجهها ففتحت عينيها رأت تميم جالسًا على حافة الفراش ينظر إليها:
– تميم
همستها وقبل أن تُكمل كان قد ضمّها إليه شعرت بقلبه يدق تحت خدها كطبول بعيدة
– رجعت؟!
– رجعت ومش هسيبك تاني
رفعت وجهها إليه ولمست خده بأصابعها ثم قبّلته بجنون كي تتأكد أنه حقيقة أمامها
بادلها بهوس وبعد أن ابتعد وجدها تقول:
– وشك خاسس أوي
– وشي كان مستخبي ورا وش تاني شهور
لما أحكيلك هتضحكي
– احكيلي دلوقتي
– لأ
قالها وهو يقترب منها:
– دلوقتي مش وقت الحكايات
في اللحظة نفسها انفتح باب الغرفة... وقف سالم الشريف في الممر بجلبابه
وقد أيقظه صوت السيارة نظر إلى إبنه وزوجته في حضنه
لم يقُل شيئًا لكن تميم رأى عينيه تلمعان بخبث
ثم التفت سالم إلى الخلف ونادى بصوت عالي هزّ الفيلا كلها:
– يا بابا يا سمر... قومي إبنك رجع
سمعوا صرخة سمر من آخر الممر وأبواب تنفتح... عدي يجري حافيًا وخلفه ضي
ضحكت سما ودفنت وجهها في صدر تميم:
– مفيش خصوصية في البيت ده أبدا
– ولا هيبقى
قالها تميم وهو يضحك:
– وأنا مش عايزها... لو فضلوا واقفين كده
هنام معاكي قدامهم بس هغطيكي بالبطانية
ولا هيفرق معايا... أنا مش قادر.
في السابعة صباحًا نزل محمد السلم وهو يتثاءب ثم توقف في منتصفه
كان معاذ نائمًا على الأريكة في الصالة بقميصه وحذائه
على كتفه سجادة الصلاة التي كانت غالية تتركها على ظهر الكنبة دائمًا
كأنه سقط هناك من التعب ولم يقُم
ظلّ محمد واقفًا ينظر إليه لحظة طويلة ثم نزل باقي السلم ببطء وقف فوق رأسه
ففتح معاذ عينيه فورًا كأنه لم يكن نائمًا أصلًا نظرا إلى بعضهما
– رجعت؟
قالها محمد
– رجعت
قام معاذ وجلس وقف محمد أمامه ثم انحنى وضمه ضمة قوية
لم يتعانقا هكذا منذ كانا صغيرين وحين ابتعد كان معاذ ينظر إلى الكدمة تحت عينه:
– مين عمل فيك كده؟
– حكاية طويلة
– أنا عندي وقت
– أنا لأ
قالها محمد وهو يبتسم:
– وإنت كمان أكيد عندك حكاية طويلة مش هتحكيها؟
نظر كل منهما في عيني الآخر رأى كل منهما في عيني أخيه شيئًا لم يقُله
شيئًا يشبه الظل... لكن أيًا منهما لم يسأل فبعض الإخوة يعرفون متى يسكتون
– سيلا عرفت؟
سأله محمد
– عرفت
– وهتزعقلك على إنك نمت على الكنبة بالجزمة
– هتزعقلك إنت الأول إنت اللي ابتديت
ضحك الإثنان معًا ضحكة عالية جعلت غالية تطُل من باب المطبخ
ثم تصرخ وتجري نحو معاذ وهي تبكي.
في الحادية عشرة كان محمد في سيارته في طريقه إلى شقة نغم والعلب البلاستيكية بجواره على المقعد حين اهتز هاتفه... الرقم الذي لا يظهر عليه إسم:
– أيوه يا فندم؟
– الخيط الروسي اتقطع يا محمد
قالها الرجل بصوت هادئ:
– فيكتور مات وإيفان... والأشقر قال كل اللي عنده
الحاوية اتقفلت... المهمة خلصت... أول الشهر ترجع مكانك
ركن محمد السيارة على جانب الطريق وأغلق عينيه... ستة أشهر
ستة أشهر يرتدي فيها وجه ضابط مشاغب في قسم صغير
ويكذب على كل من يحبهم
– محمد... إنت سامعني
– سامعك يا فندم
– فيه حاجة؟
– لأ يا فندم... بس القسم هيوحشني
ضحك الرجل ضحكة قصيرة لم يسمعها منه محمد أبدًا:
– القسم ولا صاحبة البلاغ؟
أغلق الخط نظر محمد إلى الهاتف بذهول ثم إلى العلب البلاستيكية بجواره
فهم أن لا شيء في الإسكندرية يخفى على هؤلاء الناس... أدار السيارة وانطلق.
في الظهر وقف محمد أمام باب شقة نغم في يده العلب البلاستيكية مغسولة ونظيفة كما طلبت
دق الجرس ففتحت الباب ونظرت إلى العلب ثم إلى وجهه:
– الكدمة خفت شوية
– الملوخية عملت معجزات
– متهزرش إنت مجتش القسم الصبح تاني... أنا عرفت
تنهد محمد:
– إنتي مسلطة عليا مخبر في القسم؟
– عبد الصمد بيحبني عشان بجيبله أكل
– يعني بترشي عسكري عشان تراقبي ظابط؟!
وضعت يديها في خصرها:
– أيوه... عندك مانع؟
ظل ينظر إليها لحظة طويلة ثم مدّ العلب إليها وقال بصوت هادئ لم تسمعه منه قبل ذلك:
– نغم... مامتك راجعة من البلد إمتى؟
ارتبكت:
– الخميس... ليه؟
– عشان أنا جاي أكلمها الخميس بالليل أنا وأبويا
سقطت العلب من يدها على الأرض وتدحرجت على السلم لم يلتفت أي منهما إليها
– إنت بتهزر!
– أنا عمري ما هزرت في حاجة تخص حياتي
احمرّ وجهها حتى أذنيها ثم قالت بعناد وهي تحاول أن تخفي ابتسامتها:
– و لو رفضت؟
– هاجي الخميس اللي بعده... واللي بعده
لحد ما عبد الصمد نفسه يقولّك وافقي يا أبلة
أغلقت الباب في وجهه سمعها تضحك من خلفه ثم انفتح الباب مرة أخرى بسرعة:
– هات العلب.
في الرابعة عصرًا كان حسن الجيزاوي يجلس في الجنينة مع غالية
كانت تبكي منذ الصباح منذ رأت معاذ في الصالة وكان حسن يضحك عليها:
– يا ست الكُل خلاص رجع
– أنا بعيط من الفرحة يا حسن سيبني أعيط براحتي
جاءت سيلا من البوابة تحمل ظرفًا أبيض كبيرًا:
– ده وصل دلوقت الحارس بيقول عربية وقفت ورمته ومشيت
مكتوب عليه اسمي
فتحته... كان بداخله كارت فرح أبيض أنيق بحواف فضية
فارغ لا أسماء فيه ولا تاريخ
في الداخل سطر واحد مكتوب بخط إنجليزي أنيق تعرفه عين واحدة فقط في هذا البيت
كانت تلك العين نائمة في غرفة معاذ في الدور الثاني
- مبروك مقدمًا للعروس... أنا دائمًا أحب الأفراح
تحت الكارت في قاع الظرف كانت هناك قطعة شطرنج
صغيرة سوداء عبارة عن ملك مكسور من المنتصف.
ماذا سيحدث يا ترى.....
سنرى....
انتظروووني..
بقلمي / فريده الحلواني
.jpg)