📁 آخر الأخبار

روايه سوار جهنم الفصل الثلاثون والاخير بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه سوار جهنم الفصل الثلاثون والاخير بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه سوار جهنم الفصل الثلاثون والاخير بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه سوار جهنم الفصل الثلاثون والاخير بقلم الكاتبه فريده الحلواني 


سوار جهنم 
الفصل الأخير 
فريده الحلواني 

بعد عشرة أيام من ليلة الحظيرة هبطت طائرة صغيرة بلا علامات في مطار عسكري على أطراف القاهرة بالطريق نفسه الذي عاد منه معاذ وتميم بلا أختام وبلا أسماء

نزل منها رجل ضخم ملثم بشال أسود لم يسأله أحد عن اسمه
فالرجل الذي مات منذ سنين لا يحتاج إلى جواز سفر
وصلت طائره أخرى إلى مطار سوهاج في الرابعة فجرا

نزل منه الرجل نفسه بجلباب رمادي وشال صوفي ملفوف حول رأسه ونصف وجهه

لم ينتبه إليه أحد فالرجال الذين يلفون وجوههم بالشيلان في فجر الصعيد البارد أكثر من أن يلتفت إليهم أحد

استقل سيارة نصف نقل حتى أول البلد ثم مشى
مشى على الجسر الترابي بجوار الترعة والضباب الأبيض يغطي الغيطان حتى منتصف أعواد القصب كان يسمع صوت الساقية من بعيد ونباح كلب وحيد

كل خطوة كان يخطوها كانت تنزع عنه شيئا من نيويورك
الحاويات والرصاص والحظيرة الباردة ووجه فيكتور وهو يسقط
 
وصل إلى البيت الكبير في آخر البلد
بيت من الطوب الأحمر بباب خشبي عتيق وشجرة جميز ضخمة أمامه

وقف تحت الجميزة رفع عينيه إلى الشباك الوحيد المضاء في الدور الثاني

كانت مستيقظة كان يعرف أنها مستيقظة فهي لم تنم ليلة واحدة منذ سافر
لم يطرق الباب دار حول البيت إلى الباب الخلفي المطل على حظيرة المواشي

فتحه بهدوء وصعد السلم الحجري درجة درجة دفع باب الغرفة
كانت أميرة جالسة على الأرض أمام الشباك على سجادة الصلاة
ومسبحة طويلة بين أصابعها شعرها الأسود الطويل منسدل على ظهرها حتى الأرض

كانت تهمس بشيء وحين سمعت صرير الباب لم تلتفت:
– أنا قولتلك يا خالة مش هنام... سيبيني
– أنا كمان مش هسيبك تنامي
 قالها بصوته الخشن توقفت المسبحة بين أصابعها وتوقف كل شيء
 التفتت ببطء شديد ونظرت إليه إلى الرجل الواقف عند الباب بالجلباب الرمادي والشال
رفع يده ونزع الشال عن وجهه لم تقم ظلت جالسة على السجادة تنظر إليه
فمها مفتوح ودموعها تنزل دون صوت كأنها لا تصدق
كأنها رأته في الحلم كل ليلة حتى صارت تخاف أن تصدق

اتجه إليها وجثا على ركبتيه أمامها على السجادة
مد يده الضخمة ولمس خدها المبلول:
– أنا جيت يا أميرة
انفجرت...ضربته بقبضتيها الصغيرتين على صدره مرة ومرتين وثلاثا:
– إنت كداب
 
قولتلي مش هتتأخر...اتأخرت يا راغب
 بقالك شهور غايب عني وفجأة انقطع اتصالك
 شهرين وأنا مش عارفة إنت عايش ولا ميت
 شهرين وأنا كل ما الباب يخبط أقول جايبين خبرك
 والحريم في البلد بيبصولي و يتهامسوا عليا 
 وخالتي بتعيط في أوضتها بالليل وفاكرة إني مش سامعاها
 وأنا... وأنا
انهارت على صدره فضمها إليه بذراعيه ضمة الرجل الذي عاد من الموت ويخاف أن يعود إليه
دفن وجهه في شعرها الطويل:
– حجك عليا... حجك عليا يا جلبي
 والله ما كان بيدي
رفعت رأسها ونظرت إلى وجهه لمست بأصابعها الندبة الجديدة على حاجبه
والأخرى على ذقنه
 – إيه ده؟
– ولا حاجة
– متقولش ولا حاجة أنا مراتك يا راغب مش واحدة من البلد

أخذ يدها وقبل باطن كفها ثم قبل أصابعها واحدًا واحدًا
– إنتي مرتي ... مرتي بس اللي هتعرف
 بس مش النهاردة... النهاردة أنا عايز حاجة واحدة بس

ــ عايز إيه؟
همستها...لم يرُد... مد يده إلى المسبحة في كفها أخذها منها برفق وضعها على حافة الشباك
ثم رفعها بين ذراعيه من على الأرض كأنها لا تزن شيئًا
فشهقت ولفت ذراعيها حول عنقه:
– راغب... الخالة صاحية تحت
– تصحى... أنا جوزك وراجع من سفر
 ضحكت لأول مرة منذ شهرين ضحكة مكتومة في عنقه
أحست بأنفاسه الدافئة على أذنها حين همس
– وحشتيني يا أميرة
 وحشتيني لحد ما كنت بشم ريحتك في الحاويات
 كنت بقول لنفسي لو مت هنا آخر حاجة هفتكرها شعرك ده
وضعها على الفراش العالي بالناموسية البيضاء جلس على حافته ينظر إليها
أخذ خصلة من شعرها الطويل ولفها حول أصابعه
ثم انحنى وقبلها قبلة طويلة بطيئة كأنه يعتذر بها عن كل ليلة غاب فيها
مدت يدها و خلعت عن عنقها السلسال الموضوع فيه الخاتم 
أمسكت كفه الضخم و وضعته في وهي تقول بهمس عاشق:
- أخيرا رجع مكانه 
حمد الله ع السلامة يا قلب أميرتك 
أعقبت قولها بمد يدها وإطفاء الأباجورة
غرقت الغرفة في ضوء الفجر الرمادي الذي يتسلل من الشباك.

في الدور الأرضي سمعت الحاجة نفيسة التي تساعدها في توضيب المنزل 
 صوت ضحكته الخشنة من فوق، كانت تتوضأ لصلاة الفجر
فتوقفت والماء يقطر من يديها ثم رفعت وجهها إلى السقف
بكت وابتسمت وقالت بصوت لا يسمعه أحد غير الله:
– الحمد لله... الحمد لله يا رب
بعد أسبوع واحد في مكتب المأذون في مصر الجديدة
كانت العائلة قد عادت من نيويورك قبلها بيومين سفيان وجودي وفهد ومنصور وحبيب
وياسر على مقعد متحرك في الطائرة رغم اعتراضه
بعد أن سمح له الأطباء بالسفر أخيرا قضى الرحلة كلها ينظر إلى جودي الجالسة في المقعد المقابل وهي تنظر إلى النافذة وتبتسم.

في المكتب الضيق وقع حبيب على الورقة الأخيرة بيد ثابتة ووقعت جودي بعده
جلس منصور وسفيان على المقعدين المتجاورين يشاهدان دون أن يتفوه أحدهم بحرف
حين أغلق المأذون الدفتر الكبير رفع نظارته وقال:
– كده كل حاجة خلصت ومفيش عدة يا بنتي
 لأن الجواز ده متمش من أساسه
 والعروسة مدخلتش بيت جوزها ولا ليلة
نظرت جودي إلى الدفتر المغلق شعرت كأن حجرا ثقيلا كانت تحمله على صدرها منذ ليلة الفرح سقط أخيرا ثم التفتت إلى حبيب كانت هذه أول مرة تنظر إليه دون غضب وقالت:
– شكرًا يا حبيب
– متشكرينيش
 قالها وهو يقوم
– أنا اللي لازم أشكرك إنك سبتيني أصلح غلطتي

 مد يده إلى أبيه ساعده على القيام وخرجا معًا
كان منصور يتكئ على ذراع إبنه وهي المرة الأولى في حياته التي يتكئ فيها على أحد.

بقى سفيان جالسًا ينظر إلى ابنته ثم قال بصوت خافت:
– ياسر عايز يجيلي البيت بكرة بالليل
 قال إنه عايز يكلمني في موضوع مهم
احمرّ وجه جودي حتى أذنيها ونظرت إلى يديها في حجرها:
– وإنت هتقوله إيه يا بابا؟
صمت سفيان للحظه ثم ضحك ضحكة قصيرة متعبة
– هقوله إيه؟ الولد مات مرتين عشانك
 وأنا كنت فاكره بيعمل حاجات وحشة
 طلع هو الوحيد اللي بيعمل حاجات صح 
 هقوله إيه يعني؟

رفع يده ومسح على رأسها كما كان يفعل وهي صغيرة
– بس هخليه يستنى شوية قبل ما أقوله آه
 عشان يعرف قيمتك.

في مساء الخميس جلس حسن الجيزاوي معه طه أخيه في الصالة الصغيرة في شقة نغم
وبجوارهم محمد في بدلة جديدة يشد ياقة قميصه كل دقيقتين
أمامهما أم نغم سيدة في الخمسين بوجه طيب وعينين ذكيتين تشبهان عيني ابنتها تمامًا
ونغم في المطبخ تعد الشاي ولا تخرج

– يعني إنت ظابط يا ابني؟
 قالتها أم نغم وهي تنظر إلى محمد من فوق نظارتها
– أيوة يا حاجة
– في قسم سيدي جابر؟
– أيوة يا حاجة
– اللي اتوقفت عن الشغل واتسرق سلاحك واتضربت قدام بيتكم؟
 وبنتي جات تعمل عندك بلاغ فزعقتلها
ابتلع محمد ريقه ونظر إلى أبيه ثم عمه حسن
فرأى حسن يكتم ضحكته بصعوبة وينظر إلى السقف
– الحاجة عارفة كل حاجة يا محمد
 قالها حسن أخيرًا
– أنا قولتلك من الأول
– هي حكيتلي
 قالتها أم نغم وهي تبتسم لأول مرة
– حكيتلي كل حاجة في التليفون وأنا في البلد
 كل يوم ساعة...عن الظابط الرخم المتعصب اللي مبيعرفش ياكل
 وأنا قولت في نفسي البنت دي وقعت

جاء صوت صينية تسقط في المطبخ ثم صوت نغم الغاضب:
– ماما
دخلت بوجه أحمر كالطماطم صينية الشاي في يدها والأكواب تهتز
وضعتها على الطاولة بعنف حتى انسكب نصف الشاي
– أنا محكيتش حاجة
– حكيتي
– محكيتش ... أنا كنت بشتكي
– كل يوم ساعة؟
 قالها محمد وهو ينظر إليها بابتسامة واسعة
– بتشتكي مني كل يوم ساعة؟
– إنت تسكت خالص
 قالتها وهي تشير إليه بإصبعها
– إنت جاي تخطب ولا جاي تستفزني؟
– الإتنين
نظرت أم نغم إلى حسن ونظر حسن إليها
انفجر الإثنان في الضحك
بينما وقف محمد ونغم يتبادلان النظرات الغاضبة فوق صينية الشاي المُنسكب
كانت تلك أغرب خطوبة شهدتها تلك الشقة الصغيرة...وأجملها.

في الإسكندرية كان كل شيء يتحرك بسرعة لم يعرفها بيت حسن الجيزاوي من قبل
فقد قرر معاذ أن يكون الفرح في الحديقة لا قاعة ولا فندق
ولا غرباء .. العائلة فقط ومن وقف معهم في الظلام
تأجل الفرح أسبوعًا واحدًا لأن معاذ رفض أن يقيمه وياسر ما يزال لا يقوى على الوقوف
قال لسيلا حين اعترضت:
– ياسر مات عشان الفرح ده يتم يا سيلا
 مش هيتم من غيره.

في ليلة الفرح كان فهد يقف في المطبخ الخلفي منذ الظهر يتنقل بين الحلل
يرفع الأغطية يشم ويتذوق حتى أمسكته غالية من أذنه:
– إنت جاي تساعد ولا جاي تخلص الأكل قبل المعازيم؟
– أنا بعمل مراقبة جودة يا طنط
 قالها فهد بجدية تامة
– دي مهمة حساسة جدًا أنا كنت في عمليات
 أنا كنت ماسك لابتوب في نيويورك
– طب امسك الصينية دي وطلعها
– بس الحمام ده محتاج دقيقتين كمان
 أنا عارف...أنا عيني متدربة
حين خرج إلى الجنينة يحمل الصينية رأى ياسر جالسًا على مقعد تحت شجرة المانجو
ببدلة سوداء وقميص أبيض ذراعه ما تزال مربوطة وجهه شاحبًا لكن عينيه كانتا تلمعان
فوضع الصينية على أقرب طاولة وجلس بجواره:
– بقولك إيه؟... الشاورما اللي وعدتك بيها
– مالها؟
– أنا حسبتها سنة كاملة كل يوم ده كتير أوي
 ممكن نخليها ست شهور؟
 وأنا أعزمك على الكشري الست شهور التانيين
ضحك ياسر حتى أمسك صدره من الألم:
– إنت مش ممكن يا فهد
– أنا عملي... قالها فهد
– وبعدين إنت هتتجوز أختي وهتبقى ملزوم تأكلني فالحساب هيتقفل.

كانت الجنينة قد تحولت إلى شيء لم يره أحد من قبل
أنوار صغيرة صفراء معلقة بين الأشجار كالنجوم
طاولات بمفارش بيضاء وورود في كل مكان
جاءوا جميعًا
جاء سالم الشريف وسمر في ذراعه كان كلما رأى شيئا يعجبه التفت إليها:
– شوفي الورد يا بابا
– شوفي النور يا بابا
حتى قالت له سمر بغيظ:
– يا سالم إنت هتفضل تقولي يا بابا لحد إمتى؟
– لحد ما أموت يا بابا
جاء عدي وضي... وكانت ضي ترتدي فستانًا أخضر وعدي لا يرفع عينيه عنها
جاء تميم وسما... كانت سما تمسك يده ولا تتركها
كأنها ما تزال تخاف أن يختفي مرة أخرى خلف وجه لا تعرفه
جاء ياسين وآسيا... وجاء منصور يتكئ على ذراع حبيب
جاء سفيان وجودي في فستان وردي فاتح لم يستطع ياسر أن يرفع عينيه عنها منذ دخلت
جاءت نغم وأمها...نغم في فستان أزرق بسيط وقف محمد ينظر إليها بفم مفتوح
حتى اقتربت منه وقالت بصوت منخفض:
– اقفل بوقك الناس بتبص
– الفستان ده
– ماله؟
– مين قالك تلبسيه؟
– إنت ملكش دعوة باللي ألبسه
– أنا خطيبك
– من امبارح بس... متاخدش على كده
في آخر الجنينة عند السور المطل على البحر
وقف رجل ضخم في جلباب صعيدي أبيض وعمامة
بجواره إمرأة ملفوفة في شال أسود مطرز وشعرها الطويل مضفور خلف ظهرها
لم يكن هناك من بين الحاضرين أحد غريب فلم يكن راغب يحتاج إلى لِثام هذه الليلة
حين رآه ياسر من بعيد رفع يده السليمة فرفع راغب يده وابتسم
انحنت أميرة نحو زوجها وهمست:
– هو ده؟
– هو ده... ده اللي كان معايا
 
نزلت سيلا السلم سكتت الجنينة كلها
كانت في فستان أبيض بسيط بلا تطريز كثير شعرها مرفوع وفيه زهور صغيرة بيضاء
غالية تمشي خلفها وتبكي كما قال معاذ تمامًا وحسن ينتظرها عند أسفل السلم في بدلته السوداء
ومعاذ...كان واقفا تحت شجرة الجميز الكبيرة في منتصف الجنينة
لم يتحرك حين رآها لم يبتسم فقط ظل ينظر إليها كأن كل ما حدث في الأشهر الماضية
الوجه المستعار والحاويات والرصاص والليالي في الظلام
كان من أجل هذه اللحظة فقط
حين وصلت إليه مدت يدها فأخذها انحنى وقبل باطن كفها أمام الجميع وهمس:
– اتأخرت عليكي؟
– أوي
 قالتها وعيناها تلمعان
– بس جيت
– جيت
بدأت الموسيقى رقص معاذ وسيلا الرقصة الأولى تحت الأنوار الصفراء
ثم انضم إليهم تميم وسما ثم عدي وضي ثم ياسين وآسيا
أمسك حسن يد غالية وسحبها إلى وسط الجنينة رغم اعتراضها
ثم قام سالم وأخذ سمر
– تعالي يا بابا نوريهم الرقص على أصوله
عند السور كان راغب واقفًا مكانه لا يتحرك فجذبته أميرة من كمه
– قوم
– أنا مبرقصش يا بت
– هترقص... قالتها بعناد
– بعد كل اللي شوفته في غيابك هترقص غصب عنك
نظر إليها للحظة ثم ضحك ضحكته الخشنة
أمسك يدها ومشى بها إلى طرف الجنينة ورقص
رقصة صعيدية ثقيلة بطيئة وهو يمسك يدها ويدور بها
وأميرة تضحك وعيناها لا تفارقان وجهه ثم توقفت الموسيقى فجأة
وقف معاذ في منتصف الجنينة ورفع يده:
– استنوا... لسه فيه حاجة
التفت الجميع إليه نظر معاذ إلى البوابة
فدخل منها رجل عجوز بعمامة وفي يده دفتر كبير تجمدت جودي
– أنا بعتّله النهاردة الصبح
 قالها معاذ وهو ينظر إلى سفيان:
– عمي سفيان قالي إمبارح إنه موافق
 وإنه كان عايز يخلي ياسر يستنى شوية
 أنا قولتله...ياسر استنى كفاية

نظر الجميع إلى سفيان فهز سفيان رأسه وضحك:
– الواد ده مات مرتين مش هيستنى التالتة
وقف ياسر ببطء من المقعد تحت شجرة المانجو نظر إلى جودي
ونظرت إليه كانت دموعها تنزل لم تكن دموع خوف هذه المرة
جلسوا على الطاولة البيضاء في منتصف الجنينة
سفيان وكيلًا عن إبنته... وياسر أمامه ومعاذ وتميم شاهدين
وضع سفيان يده في يد ياسر تحت المنديل الأبيض
ردد ياسر الكلمات خلف المأذون بصوت ثابت لم يرتعش مرة واحدة
وحين قال المأذون:
– بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير
انفجرت الجنينة كلها بالزغاريد وكانت أعلاها زغرودة غالية
ثم زغرودة أميرة الصعيدية التي جعلت الجميع يلتفتون إليها.

قام ياسر واتجه إلى جودي وقف أمامها على بعد شبر واحد
الشبر نفسه الذي كان بينهما في الحظيرة
مد يده ببطء ولمس خدها لأول مرة بعد شهور... بعد الولاعة
وبعد الفرح الذي انتهى بالرصاص... وبعد القبو وبعد الحظيرة

لمسها...أغمضت جودي عينيها ووضعت يدها فوق يده على خدها
– أخيرًا
 همستها
– أخيرًا
 همسها
– مكانش ينفع أستنى أكتر من كده

في الركن كان فهد يمسح عينيه بكم بدلته فنظر إليه حبيب الواقف بجواره:
– إنت بتعيط يا فهد؟
– لا ده البصل
– مفيش بصل هنا
– فيه بصل في المطبخ أنا كنت هناك من الظهر
 البصل بيفضل في العين
ضحك حبيب ووضع يده على كتف فهد ظلا واقفين معا ينظران.

 اقترب نادل شاب من معاذ وفي يده علبة صغيرة سوداء
– يا باشا... حد ساب العلبة دي عند البوابة
 وقال تتسلم لتميم بيه في إيده

أخذ معاذ العلبة توقف قلب سيلا لحظة فتحها معاذ ببطء و قد وقف تميم جانبه ينظر باهتمام
كان بداخلها قطعة شطرنج... ملك أبيض سليم
وتحته ورقة صغيرة بالخط الأنيق نفسه:
- انتهت اللعبة يا جوزيف... الملك الأسود سقط
والأبيض يستحق أن يفرح الليلة
ربما نلعب مرة أخرى يومًا ما... مبروك
ديميتري.

نظر معاذ إلى الورقة ثم نظر إلى تميم الذي اقترب وقرأها من فوق كتفه
تبادلا نظرة قصيرة ثم أغلق معاذ العلبة وأعطاها له
التفت إلى سيلا وابتسم:
– ولا حاجة هدية من صاحب قديم
– صاحب؟
– صاحب بيحب الشطرنج
 ونسيت أقولك إني بكره الشطرنج

نظر الى تميم ثم قال بصدق يشوبه المزاح 
- كنا هنموت سوا وكنا هنموت على بعض 
بس كدة الهدنة خلصت صح؟
ضحك تميم وعانقه بقوه ثم قال:
- مش هعرف أتخيل حياتي من غير ما اطلع ميتين أهلك 
ضربه معاذ داخل صدره وقال بغيظ مازح:
- غوووور ياض من قدامي أبو شكل اللي يعبرك تاني 

 أمسك يد حبيبته وسحبها إلى وسط الحديقة:
– تعالي ... الليلة دي مافيهاش غير إحنا.

بعد منتصف الليل صعد معاذ وسيلا السلم إلى جناحهما في الدور الثاني
كانت الحديقة تحتهما ما تزال مضاءة أصوات الضحك والموسيقى تأتي من بعيد
صوت فهد يعلو فوق الجميع وهو يتجادل مع غالية على آخر صينية حمام.

أغلق معاذ الباب خلفه واستند إليه نظر إليها
كانت واقفة في منتصف الغرفة بالفستان الأبيض
الشموع التي أشعلتها غالية في كل ركن تلقي على وجهها ظلالا دافئة
كانت يداها متشابكتين أمامها ولأول مرة منذ عرفها رآها خجولة حقًا
– إنتي بتترعشي؟
 قالها بصوت منخفض
– مش بترعش
– بتترعشي يا سيلا
– طب وإنت مالك؟
ضحك ضحكة خافتة اتجه إليها خطوة خطوة
حتى وقف خلفها مد يديه إلى الزهور البيضاء في شعرها ونزعها واحدة واحدة ببطء شديد ثم مد أصابعه إلى الدبابيس سقط شعرها على كتفيها وظهرها
فدفن وجهه فيه وتنفس:
– أخيرًا
 همسها في عنقها
– أخيرًا يا سيلا مفيش تليفون ومفيش مسافة
 مفيش نور بيقطع ومفيش حد هيخبط على الباب
– محمد ممكن يخبط
 قالتها وهي تضحك ضحكة مرتعشة
– لو خبّط هرميه من الشباك

وضع يديه على كتفيها وأدارها إليه نظر في عينيها
ثم أمسك وجهها بين كفيه وقبلها قبلة مختلفة عن كل القبلات التي سبقتها
لم تكن جائعة ولا مسروقة ولا خائفة كانت قبلة رجل يعرف أن الوقت كله صار له
ثم ابتعدت عنه فجأة وضعت يدها على صدره:
– استنى
– إيه تاني؟
 قالها بنفاد صبر جعلها تضحك
– الوعد
 قالتها وقد احمر وجهها 
– الوعد اللي وعدتك بيه

 أخذت شيئا مطويا من على الفراش وجرت إلى الحمام الصغير وأغلقت الباب خلفها
وقف معاذ في منتصف الغرفة وحده ينظر إلى الباب المغلق
قلبه يدق كما لم يدق أمام فيكتور نفسه
مرت دقيقة ثم أخرى ثم انفتح الباب ببطء ولم يستطع أن يتنفس
كانت واقفة عند الباب في القميص الذي وعدته به منذ ليلة انقطاع النور
حرير بلون النبيذ ينساب على جسدها كالماء شعرها منسدل على كتفيها العاريتين
كانت تنظر إلى الأرض ثم رفعت عينيها إليه ببطء فيهما خجل وفيهما جرأة
فيهما كل الليالي التي انتظرته فيها
– قول حاجة... همستها
– أنا مش قادر أتكلم يا سيلا
اتجه إليها ولم يقل شيئًا آخر رفعها بين ذراعيه
لفت ذراعيها حول عنقه وأخفت وجهها في صدره
سار بها إلى الفراش الكبير الذي تساقطت عليه بتلات الورد الأحمر
وضعها عليه كأنه يضع شيئا ثمينا يخاف أن ينكسر
انحنى فوقها وأطفأ الشمعة الأخيرة بأصابعه
كانت آخر ما سمعته الغرفة همستها:
– بحبك يا معاذ
وهمسه:
– وأنا بحبك من قبل ما أعرف يعني إيه حب... يا مراتي.

في نفس اللحظة كانت الغالية تبكي على صدر حبيبها وتقول من بين دموعها المنهمرة :
- مش مصدقة يا حسن ...بنتي اللي كنت بشوفها 
ميتة قدامي وهي صغيرة وأنا مش قادرة أعالجها
شوفتها عروسة... أحلى عروسة في الدنيا 
أبعدها برفق وقال بحنان بعد أن أخذ يمسح دموعها بإصبعه:
- وهنشوف ولادهم بإذن الله 
حاوطت وجهه بكفها نظرت له بعشق وقالت:
- عمري ما هنسي إنك كنت السبب بعد ربنا 
إن بنتي تعيش يا حسن 
- غالية .... بلاش الكلام ده سيلا بنتي 
ولو حكمت أبيع اللي ورايا واللي قدامي كنت هعملها 
دي حته من الغالية يا غالية 
ابتسمت بعشق مختلط بالحزن وقالت: 
- وهي صغيرة أبوها كان مستخسر فيها العلاج 
لحد ما الثقب كبر في قلبها لإني مكنتش بقدر 
أجيب علاجها دايمًا 
عمري ما هنسي إنك حاولت كتير مع الدكتور 
عشان يعملها منظار بدل قلب مفتوح 
- كنت عايز اريحها بس للأسف الدكتور قال 
إن الثقب كبير ولازم قلب مفتوح عشان يتظبط
أكملت عنه بحزن:
كانت ضعيفة واحتاجت دم معاذ مرضاش أبدًا
حد يديها دم غيره 
الصق جبهته بخاصتها وقال بمُزاح تشوبه الوقاحة:
- احنا هنقضيها عياط وذكريات ولا إيه؟ 
لااااا يا غالية الواد ابن الكلب زمانه بياكل البت 
هو أجدع مني يعني؟ 
- حسن 
- قلب حسن وروحه يا... غالية.

كان فهد نائمًا على مقعدين متلاصقين تحت شجرة المانجو بجواره صينية حمام فارغة تمامًا
حبيب جالس على الأرض بجواره يضحك وحده وهو ينظر إليه.
عند البوابة كان محمد ونغم واقفين يتشاجران بصوت منخفض
لأنها رفضت أن يوصلها ولأنه رفض أن يتركها تذهب وحدها
وأمها جالسة في السيارة تنتظر وتضحك.

في السيارة الماضية على الطريق الصحراوي إلى حي آخر داخل الإسكندرية
كانت سما نائمة على كتف تميم وسالم في المقعد الأمامي يقول لسمر بصوت خافت:
– الفرح كان حلو يا بابا
 وسمر تبتسم ولا ترُد.

عند السور المُطل على البحر كان راغب واقفًا وأميرة في حضنه
الشال الصوفي ملفوف حولهما معا ينظران إلى الماء الأسود والقمر
– هنرجع البلد بكرة؟
 قالتها
– هنرجع
– ومش هتسافر تاني؟
 صمت راغب للحظات ثم قبل جبينها
– مش هسافر تاني يا أميرة... خلاص... الدبابة مات
 واللي واقف قدامك ده راجل صعيدي غلبان
 مراته بتضربه على صدره كل ما يتأخر
ضحكت أميرة ودفنت وجهها في صدره.

على بُعد آلاف الأميال في شقة صغيرة دافئة في مدينة لا يعرفها أحد

كان رجل أنيق ووسيم يجلس أمام رقعة شطرنج
أمامه فنجان شاي ساخن كانت الرقعة خالية إلا من قطعة واحدة
بيدق أبيض صغير

نظر إليه ديمتري للحظة ثم ابتسم ابتسامته المهذبة أدار الفنجان بين يديه:
ــ ليس الآن... همسها بالروسية
ــ ليس الآن يا جوزيف... لكن الوقت لا ينتهي أبدًا.

في غرفة الضيوف في الدور الأرضي من فيلا حسن
لم تنم جودي كانت جالسة على حافة الفراش بفستانها الوردي
وياسر نائمًا بجوارها ورأسه في حجرها كانت تمرر أصابعها في شعره ببطء
لأنها تستطيع أخيرا أن تلمسه كانت كل لمسة تقول له شيئًا لم تقُله في سنين
لمسة عن الولاعة... ولمسة عن ليلة الفرح والرصاص
ولمسة عن القبو والنظرة الباردة التي كانت تكذب ولمسة عن الشبر الصغير في الحظيرة
الذي ظنت أنه سيبقى بينهما إلى الأبد
 فتح ياسر عينيه نظر إليها من أسفل:
– إنتي منمتيش؟
– مش عايزة أنام خايفة أصحى ألاقي ده كله حلم
رفع يده السليمة ببطء وأمسك يدها التي في شعره
أنزلها إلى صدره وضعها فوق قلبه فوق الجرح الذي كان على بعد سنتيمتر من الموت:
– حاسة بيه؟
– حاسة
– ده مش حلم يا جودي ده قلبي
 وقف مرتين ورجع عشانك
ارتعشت شفتاها وانحنت عليه وضعت جبينها على جبينه
ظلا هكذا كثيراً لا يتكلمان فقط يتنفسان معا.

ارتفع أذان الفجر من المسجد القريب... طلع الضوء الأول فوق البحر
دخل أول شعاع للشمس من نافذه الغرفة الصغيرة
سقط على يديهما المتشابكتين فوق صدره وعلى سوار ذهبي رفيع في معصم جودي
لمع السوار في الضوء فرفع ياسر عينيه إليه مد أصابعه ولمسه كما لم يجرؤ أن يلمسه من قبل

– السوار ده... همسها
– من هنا بدأت الحكاية كلها
نظرت جودي إلى السوار ثم إليه ابتسمت والدموع في عينيها
– وهنا خلصت؟
– لأ
 قالها ياسر وهو يضم أصابعها بين أصابعه:
– هنا بدأت... رغم أن حبك كان سوار من نار حوالين قلبي ورقبتي بيحرقني 
إلا إني مبسوط بالنار دي ومش عايزها تنطفي 
بعشقك يا سيلا .... بعشقك 

الآن .... لم يعد سوار جهنم ... صار سوار البيت

تمت بحمد الله
تعليقات