روايه صك الغفران الفصل السابع بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
صك الغفران الفصل السابع بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
الفصل السابع
صك الغفران
بقلمي
صباحك بيضحك يا قلب فريده
ما قاله الشريف عن تلك الموظفة أصبح هاجسًا يؤرق مضجع آدم
لماذا تذكّر حبيبته القديمة وهو يستمع إلى صديقه
ولماذا شعر بذلك الألم المفاجئ يعصر قلبه عصرًا.... كأن ذكر اسمها وحده كافٍ لإيقاظ جرح لم يندمل
أخذ يتقلب فوق الفراش بلا هوادة حتى تضايقت حبيبه لعدم استطاعتها النوم فتأففت ثم اعتدلت قائلة بنزق
مالك يا آدم.... بتتقلب كده ليه...مش عارفة أنام بسببك
نظر إليها ببرودٍ يخفي خلفه اضطرابًا لا يريد الاعتراف به ثم قال
مش جايلي نوم… عندي مشكلة في الشغل بفكر فيها
ألقى الغطاء بعيدًا وهو يضيف بصوتٍ مقتضب
نامي براحتك… أنا طالع أشرب سيجارة برّه
وفقط.....انطلق نحو الخارج يبحث عن العزلة كمن يهرب من نفسه.... جلس منفردًا و بدأ غوص في أفكاره المميته
لماذا صارت تراوده صورتها بهذه الكثرة في الأيام الأخيرة....
ولماذا يؤلمه قلبه لأجلها بهذا العنف رغم سخطه عليها
منذ أن رآها....يتسلل إليه حنينٌ جارح… حنين يغضبه لأنه يفضح ما حاول دفنه طويلًا
كان يشعر بيقينٍ غامض يضغط صدره
يجب أن يجدها…..أن يعرف ما بها…...فهو متأكد تمامًا… أنها ليست بخير
خرج إلى الشرفة بعد ان اشتد عليه الاختناق.....الهواء البارد يلامس وجهه كأنه يحاول إفاقته من غيبوبة أفكاره
أشعل سيجارته.....ثم سحب نفسًا طويلًا.... لكنه لم يهدئ شيئًا… فالنار المشتعلة بين أصابعه أهدأ بكثير من النار التي تلتهم صدره
اتخذ قراره فجأة بلا تردد...لن يترك الأمر لهذا الوجع الغامض....سيبحث عنها
سيعرف أين وصلت بها الحياة بعده
سيواجهها… أو يطمئن فقط من بعيد أيًا كان الثمن
المهم أن يسكت ذلك الصوت الذي يصرخ داخله كل ليلة باسمها
قطع شروده صوت خطوات صغيرة تقترب
التفت فوجد يس وأسر يقفان عند باب الشرفة...يراقبانه بعيون يملاها الفضول علي حال أبيهم تلك الأيام
قال يس بصوت خافت
بابا… انت ليه صاحي
ابتسم آدم ابتسامة باهتة وأطفأ سيجارته سريعًا ثم قال
تعالوا .....كويس انكم لسه صاحيين
اقتربا وجلسا بجواره ...كلٌ منهما يتكئ على ذراعه بطريقه مازحه
وجودهما كان الدفء الوحيد الحقيقي في حياته… الحقيقة الوحيدة التي لا يخشى مواجهتها
نظر لهم بحنان ثم بدا يتحدث ....صوته خرج منخفضًا مكسورًا دون أن يقصد
احكولي عن صاحبكم الجديد ....و أخته ...كويسه و لا ايه
شايف اسيا متعلقه بيها اوي
رد عليه بس بحماس جعله يستغرب
اسمه صهيب ...واد جدع اوي يا بابا ....تحس انه شبهنا و نفس تربيتنا
اخته بقي حتت عسليه ...بتتكسف من خيالها اصلا
لما بتكون واقفه مع اسيا و نروحلهم بتحط وشها فالارض
اكمل عنه أسر بمزاح
و لو حد فينا هزر معاها وشها بيقلب ميت لون
ابتسم لهم ثم قال بجديه اب يخشي علي أبناءه لكنه يثق بهم
انا عمري ما ادخلت في اختيار صحابكم....لاني واثق في اختياركم
و زي ما قولت يا يس ....بتختارو ناس شبهنا
ظلو يتحدثون لبعض الوقت ثم قرر أن ينهي تلك الجلسه حتي يستطيع الاستيقاظ مبكرا لعمله ...و أولاده أيضا يذهبون الي مدرستهم
عاد إلى غرفته بعد أن دلف يس وأسر إلى فراشهما
كان البيت كله غارقًا في السكون إلا من صوت أنفاس نائمة لا تعرف شيئًا عن العاصفة التي تشتعل داخله
وقف أمام المرآة....نظر إلى انعكاسه طويلًا… كأنه يواجه رجلًا آخر لا يعرفه
ما الذي تفعله يا آدم....ألهذه الدرجة ما زالت تملكك....ألم تنتهِ تلك الصفحة منذ سنوات
سأل نفسه..... لكن الإجابات كانت مؤلمة
الصفحات لا تُغلق حين نمزقها… بل حين تكف عن النزف
قبض على حافة المقعد حتى ابيضّت مفاصله
يتذكر غضبه منها....قسوته....قراره بالابتعاد....كرامته التي أقسم ألا ينحني بعدها
لكن أين ذهبت تلك الكرامة الآن وهو يستعد للبحث عنها
زفر بقسوة.....لم يكن حبًا فقط… كان جرحًا لم يُسمح له بالشفاء
وفي النهاية…استسلم للصدق الوحيد الممكن
لن يهدأ… حتى يراها
صباحا .....صباح مليء والمفاجآت و الصدمات غير المتوقعة
كان صوت التلاميذ المختنق و الساخط يملأ ممر الإدارة
معلمة تحاول تهدئتهم.... وموظفة تستدعي أولياء الأمور بعد المشكلة التي حدثت في الفناء
دخل آدم بخطوات سريعة.... ملامحه مشدودة... يس وأسر خلفه يسيران بغضب مرسوم علي ملامحهم
لم يكن يفكر إلا في شيء واحد.... من تجرأ على إيذاء أولاده
وفي اللحظة نفسها…
دخلت آسيا من نفس الباب بعده بلحظات
كانت تمسك بيد ابنتها و جانبها صهيب الذي خدش في وجهه .... وجهها قلق رغم الغضب الذي احتلها ...وشعرها مربوط بعجلة كأنها جاءت راكضة
في لحظه....توقفت الأقدام.....توقف الزمن.....توقف الهواء
آدم رفع رأسه…وآسيا رفعت عينيها
التقت النظرات.....لا يحتاجان إلى أسماء… ولا إلى تعريف
زلزال صامت ضرب المكان.....أولادهم لا يفهمون…
المعلمات لا يفهمن…لكن القلبين يعرفان تمامًا ما يحدث
يس شدّ يد أبيه باستغراب
بابا… انت كويس
أما صهيب .... فقام بلف زراعه حول كتفها بحمايه و بخوف من غرابة الصمت
حاول ادم أن يتكلم… لكن صوته خانه
تلك المصدومه .... حاولت أن تبعد نظرها… لكنها لم تستطع
سنوات كامله اختصرت في نظرة واحدة....لا شوق مُعلن…..ولا كره واضح....فقط وجع مكشوف… بلا أقنعة
وأول كلمة خرجت أخيرًا…لم تكن عتابًا…بل حقيقة عارية
تحدث اخيرا بصوت خفيض مشدود
آسيا…
لم ترد.....لكن ارتجافة يدها كانت الإجابة
اخيرااااا....انهت المديره هذا الجو المشحون و قامت بدعوتهم للجلوس حول الطاوله حتي يناقشون ما حدث و يحاولون حله بهدوء و عقلانية
جلست آسيا على الكرسي المقابل لآدم داخل مكتب المديرة
الأولاد بجوارهم.....المديرة تتحدث.. تشرح ما حدث بين الصبية في الفناء…
لكن الكلمات كانت تمرّ فوق رؤوسهم دون أن يسمعها أحد منهما حقًا
هو كان يحدّق فيها ....ليس في وجهها… بل في تفاصيلها الصغيرة
طريقة ضمّها ليديها.....الشرود الذي تحاول إخفاءه
تعب السنوات المرسوم حول عينيها
و هي ...… كانت تتجنب النظر إليه
كأن مجرد رفع عينيها سيكشف ضعفًا لا تريد أن يراه
قالت المديرة
المشكلة بسيطة… سوء فهم بين الأولاد ....المهم نحلها بهدوء
أومأ آدم دون أن ينطق.....وأومأت آسيا مثله
اكملت المديرة بابتسامة دبلوماسية
كويس إنكم وصلتوا بسرعة… واضح إنكم ناس مسؤولة.....و باذن الله هتقدرو تقنعو الولاد ان الخناق مينفعش ابدا ...اي مشكله ممكن تتحل بالعقل
كلمة مسؤولة مرت عليهم بسخرية موجعة....لو عرفَت فقط ما الذي تحمله تلك الكلمة من تاريخٍ بينهم
وقف آدم أولًا.....مدّ يده لابنه دون أن ينظر لآسيا
لكن صوتها خرج فجأة… هادئًا....متماسكًا بصعوبة
الحمد لله إنهم بخير....بس اتمني أن حضرتك تفهمي أولياء أمور الولاد الي اتخانقو مع ابني أن مش هسكت ابدا لو ده اتكرر تاني
نظر إليها أخيرًا.....نظرة قصيرة… لكنها مليئة بما لا يُقال
رد بصوت أجش جعل جسدها يرتعش
الحمد لله.....
كلمتان فقط…..لكن بينهما سنوات من القهر... والغياب... والحنين المكسور
قاد سيارته بصمت......يس وأسر في الخلف يضحكان وقد نسيا ما حدث....تجلس جانبه ابنته الصغيره بشرود
أما هو… فكان يقود كأنه لا يرى الطريق.....صورة آسيا أمامه.....صوتها....ارتجاف يدها.....شحوب وجهها.....لم تكن بخير كما شعر....
سأل أولاده باهتمام شديد
هما دول صحابكم الجداد....بقيتو بلطجيه ....من امتي بتتخانقو في المدرسه
خافت اسيا لكن ياسين رد برجوله تربي عليها
يا بابا احنا مش بلطجيه ....مازن العجمي هو وأصحابه عاكسو اسيا اختي
مقدرتش اتحمل المنظر ضربته و صهيب دخل معايا ....بجد الواد ده راجل و صاحب صاحبه
حاول جعل نبرته طبيعيه و هو يقول
فين باباه ....يعني غريبه أن أمه الي تيجي خصوصا لشاب في ثانوي
ردت اسيا بحماس يملأه الدفاع
دي ست كويسه جدا يا بابا ....هي المسؤوله عن ولادها بعد طلاقها
باباهم حد مش كويس ....بسمه حكتلي كتير عن حياتهم و قد ايه مامتها تعبت
اكمل أسر بطريقه طبيعيه ما جعل أبيه يشتعل
عارف يا بابا ....طنط اسيا شغاله في شركه عمو شريف صاحبك
ضغط على المقود بقسوة....حاول أن يتمالك غضبه و النار التي اشتعلت داخل صدره
اذا.....من المؤكد أنها تلك الموظفه التي شغلت عقل صديقه
أدرك شيئًا واحدًا مرعبًا....عودتها لحياته… لم تعد احتمالًا.....بل قدرًا بدأ يتحرك.....اصبح علي يقين أن إحساسه الذي تملك منه كان صحيحا ...يا الله
سارت في الشارع تمسك بيد بسمه بينما صهيب كان يجاورهم
الهواء كان ثقيلًا… وصدرها أضيق....ما أن ابتعدت خطوات قليلة حتى انزلقت دمعة من عينها
مسحتها سريعًا قبل أن يراها اولادها
آدم…..الاسم الذي حاولت دفنته سنوات عاد ليقف في منتصف حياتها فجأة.....خافت…..ليس منه…بل من نفسها
من ارتجاف قلبها الذي ظنّت أنه مات.....من وجعٍ قديم استيقظ بضربة واحدة
شدّت على أيدي أطفالها أكثر وكأنها تحتمي بهم من الماضي الذي عاد ليطالب بحقه
في تلك الليلة لم ينم آدم.....جلس في مكتبه المنزلي شاشة اللابتوب مفتوحة لكن عينيه لا تريان شيئًا مما أمامه.
صورة آسيا في المدرسة لا تفارقه.....نفس الشحوب… نفس القوة الهشة… نفس النظرة التي تعرفه أكثر مما ينبغي
لم يقوي علي اشتعال صدره ....يجب أن يتأكد انها هي ....الموظفه....
يجب أن يعلم عنها كل شيء و يتأكد مما سمعه من أولاده قبل ان يتخذ اي خطوه
مدّ يده إلى هاتفه...تردد لحظة… ثم ضغط اسمًا مسجل لأحد موظفي المدرسه
عايز كل حاجة عن مامت صهيب شغلها..... عنوانها. ...وضعها.... أي حاجة
ثم أضاف بصوت أخفض...أشد قسوة
وبأسرع وقت...انت كده كده معاك اللابتوب الي عليه كل البيانات ....نص ساعه و تكلمني
أنهى المكالمة.....وسند رأسه إلى الكرسي....كان يعرف أنه بدأ حربًا جديدة…حرب ضد الماضي…وضد نفسه
بعد أقل من ساعه حصل على أول خيط حقيقي
تعمل مديره مكتب صديقه ....تعيش وحدها مع طفليها في شقة إيجار بسيطة.....لا زوج… ولا سند
كان مبنى الشركة يعجّ بالحركة كأي صباح عادي
موظفون يدخلون ويخرجون... رنين هواتف… حياة طبيعية لا تعرف أن زلزالًا يقترب
دخل آدم بخطوات ثابتة.... ملامحه جامدة.... لكن داخله يغلي.....لم يأتِ لزيارة صديقه
بل ليتأكد بعينيه من الحقيقة التي قلبت حياته رأسًا على عقب
استقبله موظف الاستقبال باحترام وأخبره أن الشريف في مكتبه....لم يهتم بما يقال ....كانت عيناه كانت تمسح المكان…
تبحث… رغم أنه لا يعترف بذلك حتى لنفسه....يحاول تكذيب نفسه ...انها هي من تحدث عنها صديقه
فجأة…رآها
كانت تقف قرب مكتبها....تحمل بعض الملفات... تتحدث بهدوء مع زميلة لها
شعرها مربوط ببساطة...وجهها خالٍ من أي زينة.... لكن حضورها…
ضربه في الصميم....آسيا.....ليست صورة من الماضي....ليست ذكرى
بل هي حقيقية تقف امامه الان … تعمل… تتنفس… تعيش بعيدًا عنه
تجمّد في مكانه.....لم تشعر به بعد…
لكن قلبه كان يخفق كأنه يركض منذ ساعات
في تلك اللحظة خرج الشريف من مكتبه،...ولمح آدم واقفًا بعيد
اقترب منه بابتسامة
ادم المصري هنا بنفسه ...نورت الشركة يا باشا… تعال المكتب واقف كده ليه
لم يبعد عينيه عنها....قال بصوت منخفض ثابت رغم العاصفة داخله
دي… هي الموظفه الي كلمتني عنها
التفت شريف حيث ينظر ثم عاد بعينيه إلى آدم…قال بصوت يملاه الحماس
آه… آسيا. الموظفة اللي حكيتلك عنها
كلمة واحدة فقط…..لكنها أغلقت كل أبواب الإنكار
أبتلع ريقه بصعوبة ثم قال وكأنه يقرر مصيره
جميل ....عايز أتعرف عليها
تردد لحظة… ثم قال بحذر بعد ان شعر بعدم الراحة من مظهر صديقه الغريب
تحب أندهلها
رد آدم بنبرة لا تعرف التراجع
لأ… سيبها تشوفني لوحدها
في نفس اللحظه التي استغرب شريف من هذا الرد المبهم....رفعت آسيا رأسها صدفة…
كأن قلبها استشعر وجوده قبل عينيها
نظرت نحو المدخل…...رأته
آدم....يقف هناك… كما لو خرج من ماضيها مباشرة
اتسعت عيناها قليلًا.....يدها التي تمسك الملفات ارتجفت
سقط ملف من بين أصابعها على الأرض....لم ينحنِ أحد ليلتقطه
فكل ما في المكان توقف… داخلها على الأقل
لم يتحرك ذاك الذي يشتعل من الداخل ....لم يبتسم....لم يظهر غضبه
فقط نظر إليها… نظرة رجل وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه.... حتى لو لم يكن يعرف ماذا سيفعل بعد ذلك
أما هي .....فشعرت بشيء واحد فقط
أن حياتها الهادئة… انتهت في هذه اللحظة
اتجه الثلاثة نحو الداخل بعد ان اقتربت منهم اسيا دون حديث ....سبقهم شريف بخطوتين....كأنه يحاول امتصاص التوتر الذي يملأ المكان
دلفو المكتب ثم قال شريف بابتسامة مصطنعة
أحب أعرفكم ببعض… آدم صاحبي و مدير بنك ..… والأستاذة آسيا مديره مكتبي و من أكفأ الموظفين عندي
مدّ آدم يده للأمام بثباتٍ كامل… كأن قلبه لا يصرخ
تشرفت بمعرفتك يا مدام آسيا.....حقيقي اتفاجات انك هي نفسها الي قابلتها في مدرسه ولادي امبارح
رفعت آسيا يدها ببطء...صافحته.....يدها باردة… لكنها لم ترتجف هذه المرة
الشرف ليا يا فندم......عادي ...الدنيا صغيره و الصدفة وارده مع اي حد ...و في اي مكان
لا نظرات طويلة.......لا ذكريات
فقط جمل رسمية… كأنهما غريبان التقيا لأول مرة
قال شريف مره اخري محاولًا كسر الجمود
آسيا مسؤولة عن ملف مهم جدًا في الشركة… وحابب أوريك شغلها....هاتي ملف شركه الشرق بسرعه لو سمحتي
أومأت آسيا.....تحت أمرك....ثواني
جلست أمام اللابتوب.....بدأت تشرح… بصوت ثابت… بنبرة مهنية… كأن آدم ليس الرجل الذي هدمها يومًا
و الاخر لم يكن يسمع الأرقام…
كان يراقب....خاتم في يدها… لا يوجد.....لا أثر لرجل آخر...اذا معلومة طلاقها صحيحه
لاحظ شيئًا آخر…حين دخل أحد الموظفين ليضع بعض الأوراق أمامها… ابتسمت له بلطف
ابتسامة عادية…لكنها كانت كافية لتشعل جحيمًا داخله.....الا يكفيه نظرات صديقه لها
قبض يده تحت المكتب....عضلات فكه تشدّدت...تبتسمين لغيري....هكذا قال داخله بجنون
ظل صامتًا… لكن عينيه اسودّت أكثر
بينما أنهت آسيا العرض ثم أغلقت اللابتوب وقالت بهدوء مهني
أتمنى أكون أفادت حضرتك
نهض آدم ببطء....اقترب خطوة ثم قال بهدوء خطر
شغل ممتاز.....كده هتشجعيني اسمع كلام صاحبي و ادخل شريك معاه
قالها بصوت هادئ…لكنه كان أقرب لتهديد غير مرئي
فهمت سريعا ما يعنيه ....خفضت عينيها لحظة واحدة فقط…..لحظة كشفت أن البرود… مجرد قناع هش
و ان الاتي ليس بهين
خرج آدم من الشركة…..الهواء في الخارج لم يكن باردًا بما فيه الكفاية ليبرد قلبه الملتهب
جلس في سيارته يضع يديه على المقود… لكنه لا يرى الطريق
كل ما يراه… صورة آسيا.....تلك الابتسامة الصغيرة التي أهدتها لرجل آخر… ببرود... بطبيعية... بعفوية
لكنها بالنسبة له كانت سهمًا في قلبه
ناهيك عن صديقه الذي بدي أنه وقع لها و لسحرها الذي يعرفه جيدا
رفع رأسه إلى السماء…كأنه يحاول أن يستنشق هواءً جديدًا…لكن الهواء نفسه كان محمّلًا بالغيرة....بالوجع.... بالغضب والحنين معًا
هي… هي اللي كنت بحلم بيها...اللي قلبي ما نسيهاش ولا يوم....الي عشت بوجهها سنين....بتبتسم لغيري
صاحبي اتهوس بيها
قبض على المقود بقوة حتى شعرت أصابعه بالألم....نفسه يخرج من بين أسنانه على شكل شهيق حاد…
شهيق يغلي بالغضب والحرقة والاعتراف...كل شيء في آن واحد
لم تكن فقط الغيرة…بل شعور بالاقتلاع....بالظلم... بالوقت الذي ضاع بلا رجعة
ابتلع ريقه بقوة وهو يعلم أنه لن يستطيع التراجع ثم قرر
سوف يقرب منها أكثر…سوف يعرف كل شيء…سوف يتحكم في كل تفاصيل حياتها إذا استطاع…
حتى لو لم تكن تعرف أنه عاد بهذه القوة
ابتسم ابتسامة باهتة...باردة من الخارج…..لكن النار التي بداخل قلبه كانت تحرق كل شيء حوله
ذكريات... كبرياء... وراحة البال الذي لم يحظى بها الا معها ثم قال
تمام يا اسيا ....هنشوف
لم يكن ابن أخيه قاسم المصري أقل عنفوانًا منه... دائمًا ما يلقبونه بـ....ادم الصغير...
جلس داخل مكتبه، خلع جاكته الرمادية ثم شمر ساعديه وأمعن النظر في أوراق تلك القضية التي استولت على كل تركيزه
دخلت عليه رضوى وهي تشعر بنزق يتملّكها
قالت بهدوء ظاهري
حضرتك محتاج مني حاجة… عايزة أمشي بعد إذنك
رفع عينيه ليحدق بها بغيظ وقال بحدة
هو إنتي ليه محسساني إن أنا اللي شغال عندك
إيه يا أستاذة العوجان اللي إنتي فيه ده
ردّت بغضب شديد
يا ريت أسلوبك يكون أفضل من كده من فضلك… في حدود بينا... مش هسمحلك تتخطاها
طرق فوق مكتبه بقوة جعلت جسدها ينتفض برعب...فتراجعت خطوة .... قال بغرور
حدود… تسمحيلي… إنتي هبلة .....أنا قاسم المصري… أوعي تنسي الاسم ده عشان منفوخكيش
ردت عليه بقوه.... رغم ارتجاف قلبها
احترم نفسك بقي… آآآه…
قطعت حديثها حينما انقض عليها ليقبض على زراعها بقوة وقال بغل شديد
طب يا رضوى… إيه رأيك مخصوم منك شهرين.. ولو لسانك طول هتشتغلي من غير فلوس خالص
رغم خوفها الشديد الا انها قالت بصوت ثابت
و على إيه كل ده… أنا مستقيلة
ضحك بصخب ثم قال باستهزاء
ومالو… بس ادفعيلي ميت ألف جنيه شرط جزائي، يا حلوة
تطلعت له بدهشة، ثم تذكرت الشرط الذي قرأته مسبقًا… كادت أن ترفض إلا أن صديقتها أقنعتها أنه مجرد روتين وليس أكثر
اكمل بثقه و تكبر
انتي شغاله في اكبر شركه محاماه في البلد ....الشركه فيها قضايا لاسماء كبيره يا دوب الي ذيك يسمعو عنها ....ايه يضمنلي الي يشتغل هنا ميسرقش ملف منهم و يبيعه للخصم....عرفتي ليه حاطط الشرط ده يا قطه
ابتسم قاسم ابتسامة ساخرة أكثر وكأنه يلعب لعبة يعرف نهايتها مسبقًا
تستقيلي… آه، أكيد براحتك لكن… القانون و العقد…
ميت ألف جنيه شرط جزائي… هل فهمتي يا رضوى
ارتعشت يدها.... لكنها لم تنكسر
حتى لو لازم أدفع… مش هسمحلك تكسّرني بالكلام أو بالاهانه
اقترب منها خطوة… ثم خطوة أخرى.... يقترب منها ببطء و هو يقول بخبث
ده اللي حلو فيكي… الجرأة دي… بس خلي بالك… أنا مش بياع كلام… أنا بعرف أستعمل كل حاجة لصالحي
شعرت رضوى بدوار بسيط....قلبها يخفق بسرعة… لكنها رفعت عينيها إليه، نظرة فيها تحدّي رغم كل الخوف
جرب… أنا مش هخاف منك و لا اتخلق اصلا الي يخوفني
ابتسم قاسم ابتسامة ضيقة....أكثر خبثًا هذه المرة
حلو… ده اللي أنا بحبه
ثم تراجع قليلًا....لكنه لم يبتعد
بس افتكري… أنا اللي ماسك اللعبة… واللي يلعب معايا… لازم يكون مستعد لكل حاجة
صمتت حل علي المكان لبضع لحظات ثم قالت بصوت منخفض لكنه ثابت
وأنا مستعدة…… وأحاسبك على أي كلمه او اهانه ممكن توجهالي عشان بس انت عامل شرط جزائي يعجز اي حد أنه يسيب الشغل عندك
ابتسم قاسم ببطء كأن النار تحت بروده تكاد تشتعل
يبقى يبقى… اللعبة بدأت.....قصدي يبقي اشتغلي بضمير و بلاش تعانديني
في تلك اللحظة.... شعرت رضوى أن كل شيء تغير
الخوف… الغضب… التحدي… كلها امتزجت في قلبها....لكنها لم تستطع منع نبضات قلبها من التسارع
قاسم… عرف أنه أمام تحدٍ حقيقي… لم يقابل فتاه تقف امامه بكل تلك القوه و التحدي
دخل في علاقات بعدد شعر راسه ...لم يقابل من تملك هذا الجمال و الغرور و التواضع و البساطه
ان غذا لناظره قريب
في صباح اليوم التالي....دخلت رضوى إلى مكتبها تحمل الملفات بعناية تحاول أن تظهر هادئة ومهنية
لكن كل حركة كانت محسوبة.... كل نظرة كانت حادة لأنها تعرف أن قاسم المصري يراقبها مثل الصياد الذي يترقب أي حركة تصدر من فريسته
جلس على مكتبه يبتسم ابتسامة ضيقة ثم رفع رأسه قائلاً
صباح الخير يا رضوى… جاهزة للملف اللي حنبدأ بيه انهارده
أومأت ببطء محاولة أن تحافظ على صوتها المهني
تمام يا أستاذ… كل حاجه جاهزه....كل الورق الي حضرتك طلبته موجود
ابتسم قاسم ابتسامة باردة لكنه كان يراقب كل تفصيلة في جسدها.... طريقة جلوسها...نظراتها.. حتى انقباض كفوفها على الملفات
نار الغضب والفضول التي لم يعرف كيف يسيطر عليها تتأجج داخله
بدأ يشرح بعض الملاحظات على الملفات بصوت هادئ لكن كل كلمة كان يقذف بها شيئًا من التحدي
لاحظي هنا، يا رضوى… لو غلطه واحده حصلت حسابي هيكون معاكي ....مليش دعوه بالي راجع القضيه قبلك
رفعت عينيها إليه.... ثابتة رغم الخوف وقالت بصوت هادئ لكنه حاد
تمام… متقلقش حضرتك ....انا راجعته قبل ما توصل مرتين ....مش بحب اعتمد علي حد
ابتسم قاسم ابتسامة خبيثة وكأنه يقول لنفسه.... اللي جاي شكله جااااحد....
تحدث بصوت شبه مزاح لكنه مليء بالتهديد
حلو… بس افتكري… أنا محدش يقدر يوصل لدماغي ....لاحظت انك ماشيه علي نفس خطواتي في ترتيب النقط
قلبها تخطى سرعة دقاته…..كانت تعرف أنه يتلاعب بالكلمات ....يعرف كيف يثير الأعصاب.... كيف يشعل النار تحت برود الكلمات لكنها رفضت أن يظهر الخوف
كل شيء واضح يا أستاذ قاسم ....طبيعي أن افهم طريقه شغلك و امشي عليها … أنا هعمل كل حاجة بالمستوى الي يليق بمؤسسه قاسم المصري....اطمن
ابتسم قاسم بجانب فمها ثم جلس ساكنًا لدقيقة.....يراقبها....كما لو كان يحاول قراءة ما خفي تحت وجهها المهني الهادئ
في تلك اللحظة شعر كلاهما بالضغط…
هو....... لأنه لم يعرف كيف يسيطر على إحساسه بالانجذاب
اما هي..... لأنها تعرف أن الرجل الذي أمامها ليس مجرد صاحب شركه او محامي كفوء … إنه عاصفة من الذكاء.... الغرور... والسيطرة ....كل لحظة في عمله معناه...اختبار لها
صمتوا جميعًا.... واستمرّت الملفات تنتقل من يد إلى يد والهواء في المكتب مشحون…
صراع غير معلن يلتقي فيه البرود المهني مع نار التحدي ....كل ثانية تزيد التوتر بينهما أكثر وأكثر
مرت ساعات العمل والمكتب يعج بالموظفين....لكن بالنسبة لرضوى وقاسم… كل شيء بدا وكأنه خارج الزمن
رفع قاسم رأسه فجأة وقال بابتسامة باردة
رضوى… شايفة نفسك متفوقة انهارده
رفعت عيناها إليه، دون أن تبتسم
لا يا أستاذ… بس بحاول أعمل شغلي على أكمل وجه
ابتسم قاسم ابتسامة ماكره وكأنها لعبة بدأها منذ زمن
شغلك على أكمل وجه..… آااااه ....كويس… بس خدي بالك… شويه تفاصيل الصغيرة ممكن تبوظ كل حاجه
رفعت رضوى حاجبها و قد كان تحديها واضح
وأنا هنا عشان اخد بالي من كل صغيره قبل الكبيره ....مش هقبل حاجه تبوظ مني
ضحك قاسم بخفوت لكن عينه لم تفارقها و هو يقول
كويس… كويس… بس اهم حاجه تركزي كويس و تعرفي حدود شغلك قبل ما تحاولي تظهري قوتك
شعرت أن الكلمات أكثر من مجرد تحذير… إنها اختبار
ابتسمت ابتسامة صغيرة باردة
كلنا هنا بنعرف حدودنا، يا أستاذ… وأنت أولنا
ارتفع صوت ضحكاته الصاخبة ثم جلس هادئًا فجاه .....يراقبها بعينين تحترقان
آه… أنا بحب اللي عنده ثقة… بس… لازم أكون متأكد إن الثقة دي مش مجرد شو عشان تلفتي الانتباه
قال تلك الكلمات و داخله كان قلبه يغلي من الغيظ… من شعور لم يستطع كتمه
أما هي… فكانت تعرف كل كلمة.... كل نظرة.... كل حركة من قاسم.... وتحاول أن تحافظ على رباطة جأشها،....لكنها لم تستطع إنكار شيء واحد....الخطر.... والفتنة....والتحدي الذي يشعل المكان كله
صمت حل علي المكتب… صمت ثقيل....مليء بكل ما لم يقال
و بعد أقل من ساعه ....انتهى اليوم في المؤسسة وأغلق الموظفون مكاتبهم واحدة تلو الأخرى
لكن المكتب الذي يجلس فيه قاسم ورضوى ظل مشحونًا… وكأن الجدران نفسها تحفظ كل التوتر الذي دار بينهما
وقفت رضوى لتغادر حملت حقيبتها ببطء.....ونظراتها لم تفارق قاسم الذي جلس بهدوءيراقب كل حركة
قال بصوت هادئ لكنه حاد يكاد يخترق الصمت
خلصنا… بس اتمني تكوني فاكرة كل اللي حصل النهارده.....عشان القضيه
رفعت رضوى رأسها بثقة مصطنعة ونظرت إليه بعينين باردتين
متقلقش. .....مش بنسي حاجه ابدااااا
ابتسم بجانب فمه ثم نهض ببطء يمشي خلفها حتى باب المكتب و هو يقول بمكر
حلو… أشوفك بكرة....رضوى
توقفت عند الباب.... قلبها ينبض بسرعة لكنها لم تدنِ خطوة.
متتاخريش الصبح
خرجت من المكتب دون ان تلتفت و بخطوات حاولت إظهارها ثابته
جلس مرة أخري فوق مقعده .... وضع يديه على الطاولة وأغمض عينيه للحظة
نفَس عميق… لكنه لم يهدأ......كان قلبه مولعًا بمشاعر … التحدي و الاعجاب و الغيظ والإثارة كلها متشابكة بداخله
لقد رأى القوة في عينيها....الجرأة التي لم يقوي عليها أحد…
أما رضوى… وهي تسير في الممر..... تشعر بخطواتها خفيفة لكنها لا تستطيع كبح الخفقان الذي يحدث جلبه داخلها
كل كلمة قالها.... كل نظرة....كل ابتسامة جانبيه… ظلّت عالقة في ذهنها
عرفت أن هذا اليوم لم ينتهِ… وأن الاتي مع هذا القاسم ليس بهين
غادر الاثنان المكان… كل منهما في طريقه....لكن كل خطوة كانت تُشعل نارًا داخل القلب.... نار لن تنطفئ بسهولة
ماذا سيحدث يا ترى
سنري
انتظروووووووني
بقلمي / فريده الحلواني
