روايه صك الغفران الفصل العاشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
روايه صك الغفران الفصل العاشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
صباحك بيضحك يا قلب فريده
جلست آسيا وسط شقتها البسيطة وبجوارها ابنتها الكبرى، بينما كانت رضوى معهما… جسدها متوتر وأنفاسها متلاحقة، كأن الغضب يحرق صدرها من الداخل
ذلك المستفز… قاسم… نجح مرة أخرى في دفعها إلى حافة فقدان السيطرة
تحدثت بجنون
خالتو… أنا خلاص مبقتش قادرة أتحمل بروده واستفزازه كل شوية
ده محسسني إني مجرد أراجوز بيتسلى بيه عشان يخفف ضغط الشغل
رفعت آسيا رأسها بعينين اشتعل فيهما الغضب ليس منها… بل عليها
وإيه اللي يخليكِي تتحملي ده كله أصلًا
إنتِي بتستهبلي متروحيش الشغل ده تاني… سامعة
انخفضت عينا رضوى للأرض وكأن الهزيمة تثقل كتفيها ثم همست بحزنٍ
للأسف… مش هقدر
العقد فيه شرط جزائي… مية ألف جنيه
في تلك اللحظة انفجرت آيات التي كانت تراقب بصمتٍ
عشان إنتِي واحدة متخلفة
قلتلك من الأول متمضيش وقُلتي إجراء روتيني
أهو لبستي في الحيطة يافالحه
أضافت بغيظٍ شديد وكأنها ترى ما لا يراه غيرها
هو قاسم ده بيعمل حاجة صدفه
ده شكله من أخبث خلق الله… وبيخطط لكل خطوة قبل مياخدها
ساد الصمت بعدها…
صمت ثقيل يعرف طعم الخوف من القادم
في صباح اليوم التالي…
وقفت آسيا أمام مبنى المؤسسة ترفع رأسها رغم دقات قلبها المتسارعة
لم تأتِي لتترجى… بل لتضع حدًا لهذا المتجبر
داخل مكتب قاسم…
كان يجلس خلف مكتبه الواسع هادئًا كعادته يُقلب بعض الأوراق وكأن الوقت ملكه وحده
رفع عينيه إليها ببطء… نظرة ثابتة لا دهشة فيها ولا ترحيب
ثم قال بصوت أجش
مدام آسيا...اهلا يافندم اتفضلي
السكرتيره قالتلي ان حضرتك خالة رضوي...في حاجه؟
تقدمت خطوة واحدة... فقط خطوة… لكنها كانت كافية لتُعلن المواجهة
قالت بقوه و ثبات
أنا جاية بخصوص العقد اللي ماضياه رضوى
أغلق الملف أمامه بهدوء مُتعمد ثم قال ببرود
عقد قانوني وسليم في مشكلة؟
المشكلة إنك استغليت قِلة خبرتها و حطيت شرط جزائي تعجيزي… وده اسمه استغلال واضح
ابتسم ابتسامة خفيفة… باردة
في الشغل يا مدام آسيا… مفيش حاجة اسمها استغلال
فيه بند… واتوافق عليه بإرادتها أنا مغصبتش عليها تمضي و لا تطلب شغل عندي
اقتربت أكثر… حتى أصبحت أمام مكتبه مباشرة ثم قالت
تمام....بنت اختي مش مرتاحه هنا … أنا بطالبك تلغي العقد
رفع حاجبه بثبات ثم قال بغيظ مكتوم
وألغي ليه....مفيش حاجه اسمها مش مرتاحه
لو هي مش بتاعت شغل كانت سابت الفرصه لغيرها و ألف مين يتمني الشغل في المؤسسه
ردت عليه بقوه يملأها التحدي
لأن اللي بتعمله مش هيكسبك احترام… انت كده بتجبر الناس تشتغل معاك غصب عنهم حتي لو مش حابين الشغل معاك
سكن المكتب لحظة
لم يغضب قاسم… لكن كبرياءه تحرك كوحش صامت لا يحب أن يُتهم بشيء
نهض من مقعده ببطء
وقف بطوله الفارع… حضوره طاغي و هيبته واضحه
انتي شايفاني بعمل ده عشان فلوس....ولا شايفاني محتاج أضغط على بنت صغيرة
نظرت له آسيا بقوه ثم قالت
شيفاك بتلعب لعبة قوة… على حساب واحدة ضعيفه
هي الرجوله انك تفرد عضلاتك علي بنت ....و لا انك تجبرها تشتغل معاك يا سياده المحامي الكبير
لأول مرة… ضاقت عيناه قليلًا
ثم قال بنبرة يملأها الغضب لكنها حاسمه
تمام....العقد هيتلغى
اتسعت عينا آسيا قليلًا… لم تتوقع تلك السرعة
أما قاسم فأكمل ببرودٍ بعد ان تحكم في غليانه بصعوبة ...لكنه اختار كلماته بعنايه شديده
لأن أنا مبحبش حد يقول عني بستغل حد....و لا اني بستقوي علي الضعيف
و بما إنك اول مره تشرفيني في مكتبي ... فانا مش بحب حد يدخل مكتبي عشمان في حاجه و انا ارد عشمه
ثم جلس مرة أخرى وكأن القرار لا يعنيه
اعتبريه اتلغى…بس قولي لرضوى حاجة واحده
اللي يواجهني مرة… ميهربش بعد كده
لم ترد آسيا بل اكتفت بنظرة أخيرة… ثم استدارت وغادرت
لكن خلف الباب…كان قاسم يبتسم ابتسامة خفيفه
ابتسامة رجل لم يخسر شيئًا…
بل بدأ لعبة جديدة
ما إن أُغلق الباب خلفها حتى تبدل وجه قاسم
اختفت تلك الملامح الهادئة المصقولة وحلّ محلها شيء أشد قتامة
وقف مرة أخرى… لكن هذه المرة بعصبية شديده
فك أزرار قميصه العُليا وكأن الهواء لم يعد يكفي صدره
اقترب من النافذة… نظر إلى الشارع أسفل المؤسسة لكنه في الحقيقة لم يكن يرى شيئًا ثم قال بغِل
دخلت مكتبي… واتهمتني بالاستغلال… وطلعت كاسبة الجولة...قدامي و في مكاني
قبض على إطار النافذة بقوة حتى ابيضّت مفاصله.
رضوى…
خرج الاسم من بين أسنانه منخفضًا… خطيرًا
كنتي فاكرة إن العقد هو اللي رابطك بيا
لا… إنتِي اللي دخلتي دايرتي بإرادتك…
واللي يدخل دايرتي مش بيخرج بالساهل
استدار نحو مكتبه التقط هاتفه لكن تراجع قبل أن يضغط
لا… ليس الآن
هكذا قال و هو يبتسم ابتسامة جانبية… باردة كحد السكين
اللعبة لسه مبدأتش يا رضوى…والمرة الجاية… مش خالتك اللي هتدخل مكتبي....إنتِي اللي هتدخلي…وبمزاجك
مفيش واحده فكرت تتحداني و لا تخرج بره المكتب ده غير بمزاجي
و انتي عملتيها يبقي تتحملي بقي
جلس أخيرًا… وعاد يقلب أوراقه لكن هذه المرة كان يعرف جيدًا…أنه أعلن حربًا سيكون المُنتصر فيها ...او هكذا ظن
بالأسفل… كانت رضوى تنتظرها بقلبٍ يرتجف.....الخوف يلتف حول صدرها كحبلٍ مشدود وكل ثانية تمرّ كانت تزيده ضيقًا
وحين رأتها تخرج من باب المؤسسة … هرولت إليها بلهفةٍ و ملامحها تصرخ خوفا
ها يا خالتو..عملتي إيه طمنيني… رفض صح؟
ابتسمت آسيا باتساع ثم أمسكت كفها بقوة لتجبرها على التحرك وكأنها تخشى أن تتجمد من الصدمة
إنتِي هبلة يا بت… خلاص يا قلب خالتك
العقد اتلغى… وملوش حاجة عندك
توقفت رضوى في منتصف الطريق....كأن الشارع كله تجمد معها
نظرت إليها بذهولٍ وعدم تصديق
بتهزري...طب إزاي والشرط الجزائي؟
سحبتها آسيا مرة أخرى بثقة من انتصر في معركه ثم قالت
خلاص يا حبيبتي… لا شرط ولا زفت انتهى
انتهى...بسهولة كده؟
هو… قاسم… اتنازل!
لم تقلها لكن عينيها قالتا كل شيء
اقتربت آسيا منها وربّتت على يدها بحنانٍ يملأه القوه ثم قالت
تعالي نفطر في أي مكان
أنا زهقانة ومليش مزاج أروح الشغل النهارده....تعالي نغيّر جو
ابتسمت رضوى أخيرًا…
لكن في عمق الابتسامة…
كان هناك سؤال صغير خفي يقلقها
هو الموضوع فعلًا انتهى ....قلبي مش مطمن
جلسا معًا داخل أحد المقاهي وبعد أن طلبا ما يريدان قررت آسيا أن تتصل بشريف لتخبره بعدم ذهابها إلى الشركة اليوم
حينما جاءها الرد ألقت عليه تحية الصباح ثم قالت
بعد إذنك يا أستاذ شريف أنا هاخد إجازة إنهارده
سألها بلهفة قبل أن تُكمل حديثها
ليه يا آسيا... مالك فيكي حاجة.. تعبانة... طليقك عملك حاجه
ابتسمت باستغراب لكنها طمأنته قائلة
لا لا لا… مَفيش حاجة خالص والله بس كنت في مشوار مع بنت أختي واتأخرت فحبيت آخد اليوم إجازة لو سمحت
تنهد براحة ثم قال بمزاح
يا ستي براحتك… أدام كويسة يبقى مش مهم أي حاجه
على فكرة أنا كمان مش رايح الشركة إنهارده أختي عندها مشكلة ولازم أكون معاها
سألته باهتمام
خير إن شاء الله… لو حضرتك محتاج أي حاجة أنا موجودة
ولو كده أروح الشركة مينفعش إحنا الاتنين منكٌنش موجودين
لا خالص… كده كده مفيش شغل مهم انهارده .وآدم رايح يظبّط الدنيا
فخليكي براحتك انهارده ونتقابل بكرة على خير إن شاء الله
صمتت لحظة.... ثم قالت سريعًا قبل أن تخجل وتتراجع عمّا تريد
ممكن أطلب من حضرتك طلب… لو مكنش فيه إزعاج
أكيد طبعًا يا آسيا، اتفضلي
بنت أختي خريجة حقوق وكانت شغالة في شركة محاماة كبيرة، بس سابتها عشان مرتَحتش
حضرتك امبارح قلت إنك محتاج تكبر قسم الشؤون القانونية في الشركة بسبب الشراكة الجديدة…
فلو أمكن ممكن تشتغل معانا ولا حضرتك مظبّط الموظفين خلاص ومش محتاج حد جديد
رد عليها بحماس يشوبه وقارُه المعتاد
لأ... أكيد محتاج طبعًا… و أدام تبعك اعتبريها اتعيّنت
هاتيهـا معاكي بكرة بإذن الله تستلم الشغل
أنهت الحديث معه بعد أن شكرته كثيرًا وكادت أن تخبر رضوى إلا أن اتصالًا من أمير قطع أفكارها
وحينما ردّت عليه، قال بلهفة ممزوجة بالحذر
آسيا… في حاجة مهمّة لازم تعرفيها... مش هينفع أخبي عليكي وأنا لسه عارفها دلوقت
في إيه يا أمير.... قلقتني
صمت لحظة لا يعلم كيف يزفّ لها الخبر معتقدًا أنها لا تعلم
آدم المصري… هيشارك شريف في الشركة
لسه مقابله حالًا اتصدمت بوجوده
قلت الحمد لله إنك مش موجودة انهارده عشان متقابلهوش… وتشوفي نفسك هتكمّلي ولا لأ
ابتسمت بحزن ثم أغمضت عينيها للحظة، قبل أن تفتحهما مجددًا وتقول بهدوء ثابت
العقد اتمضى امبارح يا أمير… وأنا كنت موجودة
وأساسًا جه الشركة مرتين وقابلته
بس عادي… ولا فارق معايا...أسيب شغلي ليه....ده زيه زي أي حد بالنسبالي
داخل مكتب آدم في الشركة
الساعة تقترب من الواحدة ظهرًا
الهدوء خانق… كأنه يضغط على صدره
ألقى الملف من يده بقسوة فوق المكتب
نظر إلى الهاتف للمرة الخامسة خلال عشر دقائق
لا اتصال من شريف....لا رسالة.....ولا أثر لآسيا
همس بصوت أجش
الاتنين… مش موجودين
نهض فجأة و أخذ يدور داخل المكتب بخطوات سريعة عصبية كأن الأرض تضيق به
فك أزرار قميصه العلوية بعنف… الهواء لا يكفيه
اقترب من الزجاج المطل على الشارع
انعكاس صورته على الزجاج كشف عينيه المشتعلة بالنار....
نار جحيميه تحرق احشاءه
عاد للمكتب التقط هاتفه واتصل بأحد الموظفين يسأله عن سبب غياب صديقه
جاءه الرد سريعًا
الأستاذ شريف اعتذر انهارده… ظرف عائلي
أغلق الهاتف ببطء… بطء مرعب
ثم اتصل بقسم الموارد البشرية
مدام آسيا… جات انهارده
لا يا فندم… أخذت إجازة
صمت.....ثانيتان.....ثلاث
ثم ضحكة قصيرة خرجت من صدره… باردة… بلا روح
اجازة....والتاني ظرف عائلي
اقترب من مكتبه وضع كفيه عليه انحنى قليلًا…
كأن الوحش داخله يستعد لالتهام احدهم
همس بجنون
يعني سبتوا الشغل… اكيد اتقابلو بره
مرّ شريط قديم أمام عينيه
ضحكتها....نظرتها له قديما ثم خيانتها و.... رحيلها
قبض على قلم معدني… حتى انغرز في راحة يده
قطرات دم صغيرة ظهرت… لكنه لم يشعر بها رفع رأسه ببطء
نبرة صوته خرجت منخفضة… خطيرة
فاكره إنك بعيدة عني
فاكره إنك تقدري تعيشي من غير متبُصي وراكي
التقط جاكتهُ بسرعة...خرج من المكتب كالإعصار
في المصعد…انعكاس وجهه في المرآة كشف رجلاً آخر
لا آدم الهادئ المُتزن بل رجل يوشك أن يحترق… ويُحرق معه كل من يقترب
همس لنفسه
لو شريف قرب منك خطوة واحدة ههد الشركة كلها فوق دماغه
وبينما تنغلق أبواب المصعد…
كانت الحرب قد بدأت
خرج من الشركة كمن يطارده شيء لا يُرى
قاد سيارته بسرعة غير محسوبة لا يعرف إلى أين تحديدًا…
فقط يعرف أنه لا يستطيع الجلوس دقيقة أخرى
يده تضرب عجلة القيادة بعنف
صوت داخله يصرخ
مش معاه… مش معاه…
لكن صورة شريف وآسيا جانب بعضهما البعض تفرض نفسها عليه
ضغط على الفرامل فجأة أمام أحد المقاهي
نظر حوله بلا وعي…كل وجه أنثوي يشبهها كل ضحكة تحرقه
و عندما لم يجد لها أثر أخرج هاتفه
فتح جهات الاتصال توقف عند اسمها
آسيا......إصبعه ارتجف…
ضغط عليه و سمع رنين الهاتف
مرة...اثنتان...ثلاث
ثم صوتها الهادئ
ألو
ابتلع أنفاسه للحظة نبرة صوته خرجت منخفضة ...مشدودة
إنتِي فين
صمتت ثانية، استغربت السؤال المباشر.... لكنها تعرفت على نبرته سريعا وقد قرأت ما يدور بداخله
ابتسمت بجانب فمها وقالت داخلها بغِلٍ شديد
لسه بتشُك... طبعا انا مش موجوده ولا شريف وانت معتقد إن إحنا مع بعض
تنهدت بهم ثم قالت بهدوء
في مشوار
مع مين
السؤال خرج أقرب لأمر وليس استفسارًا
رفعت حاجبها و نظرت لرضوى الجالسة أمامها ثم ردّت بثبات
مع بنت أختي
صمت ثقيل حل بينهم ... لم يُصدق أو لم يُرِد أن يصدق فسألها بجنون
فين
عضت شفتها السفلي بغلٍ ثم قالت بنبرة غاضبه رغم انخفاضها
برغم أني عارفه سبب سؤالك ......بس تمام خليني معاك للأخر مع إن ملكش حق اصلا تسألني
انا قاعده في كافيه قريب من البيت اسمه ###
أغلق الهاتف دون رد و انطلق تجاهها دون تفكير
مازال معتقدًا انها تكذب عليه لدرجه انه فكر ان شريف سيغادر قبل أن يصل هو
وضعت آسيا الهاتف ببطء على الطاولة ثم تنهدت بحزن و غضب شديد
نظرت لها رضوي بتوجس ثم قالت
خير يا خالتو في حاجه ...مين ده
ابتسمت آسيا ابتسامة صغيرة باهتة
آدم
لم تقل أكثر صمتت بشرود ففعلت رضوي المثل و أعطتها كل الوقت كي تبدأ في الحديث مره اخري
لم تكن تعلم بما سيحدث بعد قليل
بعد عشر دقائق دخل آدم المقهى
فتح الباب الزجاجي بقوة مما جعل الجميع يلتفت تجاهه لا إراديًا
عينيه تدوران كصيّاد يبحث عن فريسته.....و في لحظه ... رآها
جالسة بهدوء… أمامها فتاة شابة
توقف مكانه لحظة....كأن كل الغضب داخله تلقى ضربة مفاجئة
مش شريف.....لكن بدل من أن يهدأ زاد جنونه
لأنه أدرك شيئًا أخطر من اي شيء
لا يزال يراقبها…ويغار…ويحترق…
رغم أنه لا يملك الحق
اقترب من طاولتها ثم وقف أمامها مباشرة
رفعت عينيها ببطء بنظرة ثابتة… بلا خوف
وجدته يقول بصوت منخفض لكنه خرج من الجحيم
بتعملي إيه هنا
ردّت بهدوء قاتل دون ان تلتفت لنظرات رضوى المصدومه
بشرب قهوة
تدخلت رضوى بتوتر
مين حضرتك
قاطعها آدم دون أن يبعد عينيه عن آسيا
سيبينا لوحدنا يا أنسه ...عايز خالتك في كلمتين
نظرت آسيا لرضوى بلطف ثم كادت أن تتحدث الا انها وجدتها تقف من تلقاء نفسها و تقول بأدب
بعد اذنك يا خالتو هعمل مكالمه و ارجعلك بسرعه
بقيا وحدهما....صمت حارق إلتف حولهما لبضع لحظات
بدأ الحديث بنبرة خشنه
ليه مروحتيش الشركة انهارده؟
أخذت إجازة
وليه شريف كمان أخذ إجازة؟
رفعت آسيا كتفيها ببساطة
اسأله!
ضحكة قصيرة خرجت منه لكنها تحمل وجع كبير
كُنتِي معاه؟
قالتها ثابتة واضحة
لأ
كلمة واحدة لكنها أصابته في مكان لا يتوقعه
نظر إليها طويلًا…
ثم قال بصوت أخفض من الهمس مليء بالشك
و المفروض اصدقك يعني ....كده وحش يا آسيا.
ابتسمت بحزن ثم قالت
والشك أوحش و فالعموم مطلبتش منك تصدقني
مش فارق معايا بجد
وهنا…الهدوء انتهى و حل مكانه جنون و غضب الله فقط يعلم مداه
امسك كفها فجاه دون أن يستأذن
قرب المسافة… قرب النار
عينيه مغروسة في عينيها كأنه يريد أن ينتزع الحقيقة بالقوة
قال بصوت منخفض… لكن كل حرف فيه يضغط علي جرحها الذي لم يغلق بعد ...كما يضغط علي كفها حتي تمتنع عن سحبه من بين يده
والشك جه من فراغ....ولا أنا كنت أعمى طول السنين اللي عشقتك فيها ؟
لم تبعد نظرها عنه.....هدوءها كان مستفزًا أكثر من أي صراخ
إنت اللي اخترت تشك… مش أنا اللي عملت حاجة تخليك تشك....انت اللي اخترت تصدق و انا حاولت بس للأسف حتي المحاوله اكتشفت انها كانت خساره فيك
كل اللي صعبان عليا بس أني ضيعت كرامتي و وقتي مع واحد ميستاهلنيش
انقبض فكه....العِرق ظهر على جانب عنقه....قبض يده حتى ابيضّت مفاصله و كاد أن يحطم يدها المتمسك بها
متستفزنيش يا آسيا
ردت عليه ببرود
إنت مُستفَز لوحدك
كلمة واحدة…كسرت آخر حائط بينه وبين الانفجار
ضرب بقبضته الطاولة حتي ارتجّت الأكواب
التفتت الأنظار حتي رضوى نظرت لهم من بعيد بزعر
انحنى بوجهه قريبًا جدًا منها....أنفاسه ساخنة.... غاضبة
فاكره إنك خلاص خرجتي من حياتي...فَلتي بعملتك
فاكره إنك تقدري تبقي قدامي كده… ولا يهمك اللي عملتيه زمان
رفعت ذقنها بثبات لكن داخلها… قلبها يدق بعنف
قالت بتحدي و قوه جعلته يشتعل
أنا فعلًا خرجت من حياتك يا آدم…
إنت اللي رافض تطلع من حياتي أو متخيل ان ممكن يكون ليك مكان فيها حتي لو خناق أو شك أو قرف .
صمت....لكنه صمت قاتل
ثم ابتسم....ابتسامة مكسورة… مظلمة تشبه السلاح الذي رفعه لتوه أمام وجهها
قال بنبرة خرجت من الجحيم
تمام
وقف فجأة.....ألقى ورقة نقدية على الطاولة دون حساب
نظر إليها من فوق نظرة وعد… لا تهديد ثم اكمل
من انهارده…كل خطوة هتخطّيها قدامي هتدفعي تمنها
ثم التفت… وغادر
اغلق الباب الزجاجي خلفه بقوة
ظلت جالسة....لم تهتز....لم تلاحقه بنظرها
لكن حين عادت رضوى وجلست…
وضعت آسيا يدها فوق يديّ رضوي ...كانت أصابعها باردة
أغلق باب السيارة بعنف
جلس خلف عجلة القيادة… لكن لم يُدر المحرك
سكون…ثم انفجار داخلي....ضرب المقود بكل قوته
مرة…مرتين حتى احمرت يداه
أسند رأسه للخلف....عينيه مغمضتان....أنفاسه متقطعة… كأن صدره لا يسع الهواء
همس بصوت مكسور
ليه لسه بتوجعيني
ليه لسه بتّحرق كل ما أشوفك
فتح عينيه فجأة.....نظرة حادة… حاسمة
مخلصناش يا آسيا…قسَمًا بربي مخلصناش
ادار السيارة وانطلق كأنه يهرب من نفسه
قررت رضوى قطع الصمت حتي تُخرج خالتها الحبيبة من تلك الحالة التي لا تعلم سببها
بدأت تتكلم بحماس عن العمل الجديد
كانت تستمع لها وتهز رأسها ممثله الاهتمام
لكن شعرت بيدها ترتجف وضعت الكوب ببطء
خافت أن يلاحظ أحد رعشتها
تنفست بعمق ثم رفعت رأسها....ابتسمت لرضوى و قالت بحِنّو
مبروك يا حبيبتي… بكرة أول يوم ليكي و انا واثقه انك هتثبتي كفاءه
صوتها ثابت لكن داخلها…كان شيء قديم… موجع… استيقظ و اخذ ينهش في قلبها الممزق
حين نظرت من الزجاج لم تجد السيارة احتلها شعور ثقيل…
أن العاصفة لم تنتهِي بعد....بل ماحدث كان بدايتها
انتهي اليوم بصعوبه و بدأ يوم جديد لا احد يعلم علي ماذا سينتهي
دخلت رضوى مبنى الشركة بخطوات مترددة في البداية ثم ثابتة شيئًا فشيئًا
حركة الموظفين… أصوات الهواتف والطابعات…كل شيء جديد لكنه مريح
لا نظرات متفحصة… لا برود مقصود… لا لعبة أعصاب
كانت اسيا تنتظرها عند مكتب الاستقبال بابتسامتها المعتادة
قالت لها بحماس و فرحه
من انهارده ده مكتبك
وهنا… محدش هيقدر يعلي صوته عليكِي ولا يكسرك
رفعت رأسها ونظرت من نافذة المكتب…السماء صافية ولأول مرة منذ شهور…تنفست براحة حقيقية
لكن القدر كان يكتب موعدًا آخر
قبل نهايه اليوم كانت رضوى جالسة خلف مكتبها الجديد تراقب الموظفين حولها وتشعر لأول مرة منذ شهور بشيء يشبه الأمان
دخلت اسيا عليها المكتب بابتسامة واسعة تحمل بعض الملفات
ايه يا حبيبتي عامله ايه ...مبسوطه
ابتسمت رضوى بخجل ورفعت رأسها لتلتقي بعين آسيا ثم قالت
أنا… متحمسة… بس خايفه أقصّر
ربّتت آسيا على كتفها بحنان ثم قالت
اللي زيك ميقصرش أبدًا انتي اخدتي خبره و اتعلمتي حاجات كتير… وده كفاية
بدأت رضوى تفتح الملفات تكتب الملاحظات وتستوعب إجراءات العمل
لم يكن المكتب كبيرًا… لكنه هاديء و جميل رغم وجود اثنان آخران يخصان زملائها الجُدد
اعتبرت هذا المكتب هو مساحتها الخاصة حيث تتحرك بحرّية دون ضغوط و بدون اثاره أعصابها من احدهم.
و احدهم ....قرر القدر أن يرسله سريعا قبل حتي ان تحظي بيوم بعيد عنه
عقد شريف اجتماع طارق بصحبه ادم كي يعرف الموظفين عليه وايضا على من سيتواجدون معهم داخل الشركه من اليوم
جلست اسيا بجوار شريف الذي كان يجلس على رأس الطاولة بينما الموظفون يأخذون أماكنهم
وأدم يجلس امامه من الجهه الاخرى ببرود شديد يواري به غليانه الداخلي بسبب جلوسها جانب صديقه.
فجأة… فُتح باب القاعة ببطء ودخل رجل طويل ...نظرة عيناه حادة وثابتة ابتسامة خفيفة تتدلى على شفتيه
قاسم....وقف في مدخل القاعة للحظة كأنه يزن الاجواء … ثم قال بصوت هادئ لكن مشحون بالدهاء حينما رأي أسيا أولاً
واضح أن الدنيا صغيرة جدًا…صباح الفل
تجمدت رضوى للحظة قلبها يقفز في صدرها وهي تحاول تهدئة أنفاسها
هو… هنا
اما آسيا لم تبدو منزعجة رغم دهشتها من الداخل فقط رفعت حاجبها وكأنها تقول
تعالي يا حبيبي…بيتك و مطرحك
وقف قاسم عند المدخل عيناه تتجولان على الحضور ثم توقفت على رضوى
ابتسامة باردة نصفها استفزاز نصفها دهشة
لم أتوقع أراكِي هنا…
كانت مفاجأة بالنسبالي…ممتعة بعض الشيء.....ده اللعب هيحلو اوي
هكذا كان يتحدث داخله بينما وقف شريف يُعرف الجميع بهذا المُتكبر
ارتجفت يد رضوى قليلًا تحت الطاولة لكنها رفعت رأسها بثبات محاولة أن تُخفي رهبتها
بينما جلس قاسم على المقعد مستقيم الظهر مستعدًا للمواجهة لكنه لم يرفع صوته و هو يقول بقوه
الشغل مش لعبة… وأنا هنا كمستشار قانوني للشركة…مش هقبل بأي تقصير
كل خطوة هنا تتنفذ بدقة… و الكلام ده مش للناس القديمه بس ....لا للموظفين الجداد كمان
اصل لاحظت أن في شباب موجود معانا
شعرت بالضغط، لكنها أيضًا شعرت بقوتها الجديدة
مش هخاف… ده شغلي… مش هيقدر يعملي حاجه
تحدث شريف بمزاح بعد ان شعر بتوتر الأجواء من حوله
بالراحه يا قاسم انت داخل حامي كده ليه ...متبقاش زي عمك في كل حاجه كده
رد عليه ادم ببرود بعد أن ثبت نظراته الحاده داخل خاصه أسيا التي تتصنع البرود
ماهو لازم يطلعلي يا شريف ....الكل بيقول قاسم نسخه مني
خلونا نبدأ الاجتماع…
كتمت أسيا صدمتها ببراعة بينما ألقي عليها نظره مُتشفيه ثم بدأت رضوى بالاطلاع على الملفات تشرح ملاحظاتها بحزم
و قاسم يستمع ينظر إليها بين الحين والآخر ويحاول قراءة حركاتها كأن كل كلمة منها اختبار له
أنتِي… لم تتغيري...قالت عيناه تحديًا في صمت
فجأة...قطع استرسالها و علق على إحدى الملاحظات القانونية بصوت عملي بحت
على الرغم من وجود بعض الثغرات....بس تمام مش بطاله
ابتسمت رضوى قليلاً لكنها شعرت بالتحذير الكامن
ليس كل كلمة تقال هي مدح… يوجد خطورة وراء كل نظرة
الاجتماع استمر… وكل ثانية كانت مشحونة بين اربعتهم
قاسم و رضوي ....ادم و اسيا
كل حركة كل كلمة كانت لعبة شد و جذب… كلاهما يحاول أن يظهر سيطرته لكن الآن المعركة أصبحت صامتة وداخلية أكثر من أي مواجهة خارجية سابقة
لاحظ قاسم تلك النظرات الناريه التي يصدرها عمه تجاه تلك الجميله
و لاحظ ايضا تحديها المستتر لعمه كلما قرر معارضتها في أمر ما ترد عليه بذكاء بصدمه
وقبل نهاية الاجتماع، ألقى قاسم نظرة أخيرة على رضوى نصفها تهديد و نصفها الآخر تحدي
حاسس ان الشغل بينا هيكون مُريح
ارتجفت رضوى قليلًالكنها أجابت بصوت هادئ
بالنسبالي… مجرد شغل انا مش جايه ارتاح
قالت تلك الكلمات بقوه لكن في داخلها كانت تعرف أنه لن يصمت… وأن الصدمة الحقيقية لم تتلقاها بعد
قطع تلك الحرب الصامته دخول وليد عليهم والذي رأى اسيا امامه فظهرت على ملامحه الصدمه جليه
تقدم منها ثم مد يده وسلم عليها بود حقيقي قائلا باحترام
أسيا .... مش معقول إنتي شغاله هنا
عاش من شافك اخبارك ايه يا بنتي اختفيتي من زمان
ألقت ببصرها سريعا نحو الذي يُناظرها بغِلٍ ثم قالت بهدوء وقد خرجت كلماتها بمغزى لم يفهمه إلا هذا المتبجح
اخبارك إيه يا استاذ وليد والله فعلا وحشتني
مَختفتش ولا حاجه بس الدنيا تلاهي كل واحد اتلهى في حياته واولاده ودنيته
وأدينا تقابلنا من جديد ومسير الحي يتلاقى
نظر لهم شريف باستغراب وسأل بإهتمام
هو انتم تعرفوا بعض ولا إيه
قبل ان يفكر وليد بالتفوّه بحرف ردت اسيا سريعاً باقتضاب
كُنا جيران زمان
بعد انتهاء الاجتماع، خرج معظم الفريق من القاعة تاركين رضوى وآسيا وبعض الملفات
آسيا اضطرت لمغادرة المكتب لإجراء بعض المكالمات
بينما وقفت رضوى تُرتب بعض الأوراق تحاول أن تهدأ من ضربات قلبها المتسارعة…
لكن شعورًا غريبًا بدأ يتسلل إليها شعور بأنها لم تنتهِي بعد من قاسم.
و قاسم.....يقف عند باب المكتب يبتسم ابتسامة خبيثه و هو يسأل أبيه باهتمام
بقولك إيه يا حاج انت تعرف المُزّه اللي جوه دي منين
شكلها عاجبه دماغ ادم طول الاجتماع مشالش عينه من عليها بس بصته مريحتنيش هو في ايه بالظبط
تنهد وليد بِهم حقيقي وقد شعر أن القادم ليس سهلًا ثم قال بحزن
دي أسيا خطيبه عمك القديمه اللي حكيتلكم عنها
ظهرت الصدمه جليّه على وجه قاسم لكنه قال
معقوله..... دي الوليه صاروخ ازاي يسيبها
وكزه وليد فوق كتفه بغيظ ثم تركه وهو يسب ويلعن على سفاله ولده ولسانه البذيء
اما هو نظر للأمام بشرود لكنه ابتسم بمكر وهمس لنفسه
ده اللعب هيحلو قوي يلاااااا بينا
إلتف بجسده وقرر ان يعود الى تلك المرتعشه بالداخل كي يضغط على اعصابها قليلا
شوفي يا شيخه سبحان الله كنتي متخيله ان انتي خلصت مني بسهولة....خرجت نبرته هادئة لكن حادة
ارتجفت رضوى للحظة ثم جمعت شجاعتها و قالت
أنا هنا بشتغل في شركه شريف بيه ...يعني انت ملكش دعوه بيا اصلا
قالت بثبات لكنها شعرت بحرقة الغضب بداخله
تقدم قاسم خطوات قليلة حتى أصبح قريبًا منها لكن لم يلمس شيئًا....فقط حضوره كان يضغط عليها
هو انتي متعرفيش ان ابويا وعمي شركاء شريف بيه.... لسه لاغيه العقد معايا امبارح وانهارده ألاقيكي تاني بتشتغلي عندي
ابتسامة رضوى لم تهتز بل قالت بقوه
بس انا مش شغاله عندك..... وحتى لو.... سهل جداً أسيب الشغل بس الفرق إن هنا مفيش شرط جزائي تقدر تضغط عليا بيه
ضحك ضحكة قصيرة نصفها استهزاء و باقيها تهديد
تسيبي الشغل.....بتحلمي
اقتربت رضوى قليلاً دون خوف ظاهر لكنها في داخلها تشعر بالتيار الكهربائي الذي يمر بينهما
أنا مبخفش منك…واللي كنت بتعمله فيا هناك مش هسمحلك تعمله هنا.... قالت بنبرة هادئة لكنها صلبة
ابتسم ابتسامة جانبية وعاد إلى وضعه المُعتدل،لكنه قال بصوت منخفض
زي الفل… هتكوني تحدي جديد بالنسبالي يا .... رضوى
ولأول مرة تشعر أنها ليست مجرد موظفة أمامه…بل خصم مُحتمل في معركة ستطول
ابتعد قليلاً نظراته تلاحق كل حركة لها، لكنه تركها واقفة وحدها وكأن كل كلمة وكل نظرة كانت اختبارًا لقُدرتها علي الصمود امامه
ترك وراءه شعورًا واحدًا واضحًا ...اللعبة إحلوت و الكل طرف فيها .....
ماذا سيحدث يا ترى
سنري
انتظروووووني
بقلمي/فريده الحلواني
