روايه صك الغفران الفصل الثاني بقلم الكاتبة فريدة الحلواني
روايه صك الغفران الفصل الاول بقلم الكاتبة فريدة الحلواني
صباحك يضحك، يا قلب فريدة.
أصعب ما قد يحياه المرء
أن يبكي القلب… بينما تبتسم الشفاه
لماذا تحاصرني تلك الذكريات؟
كيف لذكرى مضى عليها عشرون عامًا أن تعود كاملة... نابضة...
بسبب كلمة واحدة قيلت بعفوية أمامي؟
أيها القلب الخائن...أما اكتفيت من خذلاني؟
أما شبعت من ذلك الألم الذي أرهقك وأرهقني معك طوال السنين؟
إلى متى سأظل هكذا؟
أعيش بين أشياء مزيفه... بل أتقن التظاهر بالحياة...بينما يبقى هو…
الحقيقة الوحيدة الراسخة في أعماقي..لا تشيخ.. ولا تُنسى... ولن تموت.
لا أعلم....أهو ضعفٌ مني أم وفاءٌ موجع؟
كيف لشيءٍ غاب منذ زمن
أن يملك كل هذه السلطة عليّ؟
أُقنع نفسي كل يوم أنني تجاوزت...أنني شُفيت....أنني صرت أقوى…ثم تأتي ذكرى عابرة
فتهدم كل ما بنيته بصبر السنين.
أضحك أمامهم كأنني بخير...أشاركهم أحاديثهم الخفيفة...وأخفي داخلي قلبًا
يحمل من التعب ما يكفي لقتل الروح
يا لهذا القلب…لا يطلب المستحيل ولا يطمع في العودة
كل ما يريده....أن يهدأ....أن ينسى
أو على الأقل....أن يتوقف عن النزيف بصمت.
لكن الحقيقة المؤلمة أن بعض الذكريات
لا تُنسى…بل نتعلّم فقط كيف نعيش معها وكيف نبتسم
اما الوجع....يظل ساكنا خلف الضلوع
بمنتهى الهمجية كان يتحدث مع حبيبته، تلك التي تفقده عقله دومًا، مستمتعًا بإشعال غيظها:
- يا بت هخلي الدكتور يحتار يخيط إيه في وش أمك ده… بطّلي عناد واسمعي الكلام أحسنلك عشان متغاشمش عليكي.
رمقته بغيظٍ مكتوم، وقبل أن تفتح فمها للرد، سبقتها أمها الغالية بصوتٍ مرتفع وغضبٍ مفتعل تخفي خلفه حبًا كبيرًا:
- تصدق بالله أنا اللي هفتح دماغك الجزمة دي! مش هتبطل قلة أدب وطول لسان يا زفت إنت؟
ضحك بخفة، ثم جلس إلى جوارها، ولف ذراعه حول كتفيها في حركة اعتادها الجميع، قبل أن ينحني ويطبع قبلة دافئة على وجنتها، وقال بحبٍ يكنّه لها كما لو كانت أمه… بل أكثر:
- آسيا… متدخليش نفسك بيني وبين بتك. إنتِ ليكي حتة لوحدك جوايا، بلاش تخلي حد يوقع بينا. وبعدين إنتِ عارفاها… مبتجيش غير بالسك على نفوخها
تطلعت إليه بعتابٍ حانٍ... ذلك العتاب الذي لا يحمله إلا قلب أمٍ تعشق اطفالها... ثم قالت بجدية صادقة:
- إنت عارف يا ريان غلاوتك عندي… إنت مولود على إيدي وربيتك زي ولادي وأكتر. ...مفيش حاجة في الدنيا تقدر تغيّر ده... بس كل اللي طلباه منك تبقى حنين عليها يا ابني… بنتي اتحرمت من حنية أبوها نفسي عوضها يكون فيك.
التفت إلى حبيبته بنظرةٍ يملأها العشق ثم قال بنبرة رجولية لا تعرف المراوغة:
- آيات دي نور عيني اللي بشوف بيه يا خالتي.... وكلكم عارفين ده من زمان. لولا ابن الكلب أبوها كان زمانها في بيتي من سنتين.
لم تترك هدى له مجالًا للاسترسال، فتدخلت ناهرة إياه سريعًا
- يا ولا لمّ لسانك... الله يهديك
متعرفش تقول كلمتين من غير ما تغلط...
أعمل إيه يا رب في ربايتك السودة دي
ضحكت آيات وأكملت عنها بمزاحٍ خفيف
- أنا هربيه يا خالتو متقلقيش… بابا بس يوافق على الخطوبة وهتشوفي هعمل إيه في الصايع ده.
عضّ شفته السفلى بغلٍ مصطنع وقال بغضب مفتعل
- شوفتي يا آسيا… مين اللي بيجر شكلي ويجبرني على الغلط اللي أنا أصلًا محبوش
رسمت الصدمة على ملامحها ثم قالت وهي تهز رأسها بيأسٍ مصطنع
- مبتحبوش.... ده إنت الغلط لو سابك مش هيلاقي حد غيرك يا حبيبي… قول الكلام ده لحد غيرنا.
- كده برضه يا خالتي؟ وأنا اللي قولت إنتِ اللي هتنصفيني
تعالت الضحكات بينهم، وامتلأ المكان بدفءٍ عائلي اعتادوه.... لكن سرعان ما انقطع كل ذلك مع دخول محمود بوجهٍ متجهم... جعل الابتسامة تخبو من الوجوه وتستبدل بتوجسٍ صامت
سألته رضوى بقلقٍ واضح على أخيها الحبيب:
مالك يا حودة.... في حاجة حصلت معاك
زفر بغضبٍ بالغ ثم قال وهو يكاد ينفجر
- الولية بنت الكلب دي… كنت هشبط فيها لولا خالتي سكتتني بالعافية.
انتفضت آسيا بخوفٍ صادق:
نجاة.... يا لهووي… هي راحت تاني عند هاجر؟ مش كانت قاعدة عند بنتها... إيه اللي رجّعها تاني
أكملت هدي بحزنٍ ثقيل
- يا عيني… مبيلحقوش يرتاحوا يومين...كأنها مستكترة عليها راحة البال.
هز محمود رأسه بعصبية:
- يا ما أنا مسكت نفسي بالعافية… بتكلم أنا و جوري على الشقة والحاجات اللي ناقصة.... دخلت في الكلام وبعدها اتكلمت على القايمة والمؤخر.... لما خالتي قالتلها أمير متفق معاه على كل حاجة... خربت الدنيا وحرقت دمها
سأله ريان باهتمامٍ يغلفه الغضب
- وهي مال أمها....هي يعني خايفة على عم أمير اوي.. ولا يهمها مصلحة بناته... ماهي خلت إخواته أكلوا حقه والحجة إنه الكبير..... وخالتك غلبانة طبعًا… فضلت تعيط ومردتش عليها
أكملت آيات عنه بغيظٍ شديد:
- خالتو هاجر طول عمرها غلبانه… شافت الذل على إيد حماتها من زمان ولسه برضه مكملة في ظلمها... مش عايزة تتعلم ولا تتهد.
ساد صمتٌ ثقيل المكان... صمت لا يُشبه الهدوء بقدر ما يُشبه اللحظة التي تسبق العاصفة.
الوجوه متجهمة... والأنفاس متلاحقة... وكلٌّ منهم يعلم أن ما قيل ليس سوى مقدمة لما هو آتٍ
تحركت آسيا في مكانها بتوترٍ ظاهر... قبضت على طرف ثوبها كمن يحاول الإمساك بالثبات قبل السقوط.....قالت بصوتٍ خافت لكنه حاسم
- أنا حاسة إن في حاجة سودا جاية… ربنا يستر.....محدش فينا ارتاح في حياته ...انتي يا هدي جوزك كان بلسم بس اخواته منهم لله
و هاجر جوزها ربنا يجبره بس امه و اخواته شربوها المر
تنهدت بهم ثقيل ثم اكملت
- و انا ...اهله كل واحد في نفسه بس هو خلاني اعيش في عذاب ملوش اخر
اخرها انهارده بهدلني عشان جايه هنا و بردو حلف أن استحاله يوافق علي جوازه الولاد
حاسه انه ناوي علي حاجه ...مش هيسكت
نظر ريان أمامه بشرود... فكه مشدود وعيناه تلمعان بغضبٍ مكتوم لم يعتد كتمانه طويلًا.
كان يعرف هذا الشعور جيدًا…
نفس الشعور الذي يسبق خروجه عن السيطرة في احد المواقف الصعبة منذ شهران
أما آيات....فكانت تراقبه من طرف عينها... تعرفه أكثر مما يعرف نفسه.
رأت في صمته إنذارًا وفي نظراته وعدًا بمواجهة لا ترحم.
اقتربت منه بهدوء... وضعت يدها على ذراعه في محاولة لتهدئته ثم همست
- ريان… اهدي عشان خاطري
التفت إليها فجأة وكأن لمسها أفاقه من أفكاره.... نظر داخل عينيها نظرة طويلة متشابكة بين الغضب والخوف عليها... قال بصوتٍ منخفض لكنه مشحون
- إزاي أهدى يا آيات....كل مرة نفس القرف… نفس الناس... ونفس الظلم....
انا مش عارف هو رافض ليه بس
شدّ على يدها دون أن يشعر وكأنه يستمد منها توازنه و قوته ثم اكمل بهم
- أنا مش خايف على نفسي… أنا خايف عليكِ.
ابتلعت ريقها ورفعت ذقنها بعنادٍ يشبهه كثيرًا ثم قالت
- وأنا مش ضعيفة يا ريان..... بس بردو محتجالك جنبي.
تنفس بعمق.... اقترب أكثر حتى صار صوته لا يصل إلا إليها
- إنتِ مش فاهمة يا حبيبي… اللي جاي مش سهل.... أبوكِ لو ضغط أكتر من كده وأنا جبت اخري....الغلط هيطلع مني غصب
نظرت له بثباتٍ مفاجئ ....قالت بنبرة ثابته لا تقبل النقاش
- لو حصل انفجار… إحنا فيه سوا. ما تهربش مني...وما تواجهش لوحدك
في تلك اللحظة.... دوّى صوت طرقٍ عنيف فوق الباب
طرقٌ لم يحمل أي ذرة صبر…
طرقٌ أعلن بوضوح أن العاصفة قد وصلت قبل الميعاد
تبادل ريان وآيات نظرة واحدة فقط…
نظرة فهم....وخوف...وتحدٍّ
همس لها وهو ينهض
- خليكِ ورايا
ردّت بعنادٍ هادئ
- أنا جنبك… مش وراك
وانفتح الباب.....
انفتح الباب بعنف... كأنه لم يُفتح بيدٍ بشرية... بل بدفعة غضبٍ متراكم منذ سنوات
دخل اسلام بخطوات ثقيلة... ملامح متجهمة لا تحمل سوى القسوة.... وعينان تجولان في المكان كمن يبحث عن خصم لا عن أهل
توقفت الضحكات تمامًا....
حتى الهواء بدا وكأنه انسحب احترامًا لهيبته المصطنعة
وقف ريان فورًا.... جسده متصلب.... كتفاه مرفوعتان في وضع دفاعي فطري.... بينما تحركت آيات لا إراديًا لتكون أقرب إليه… لا خلفه بل بمحاذاته
تحدث اسلام بنبرة آمرة دون اي مقدمات
- إيه القعدة الحلوة دي....طب مش تقولي يا مدام عشان اكون معاكم
ردّت آسيا محاولة كسر حدّة الموقف
اتفضل يا اسلام.... كنا قاعدين يعني عادي و بعدين انت عارف اني جايه هنا من بدري
قاطعها بصوتٍ أعلى
أنا موجهتش كلامي ليكي.....
استقرت عيناه على آيات... نظرة امتلاك لا تخطئها العين
- وأنتِ… لسه مصرة على الغلط....لسه عايزه تمشي وري امك
مفيش احترام ليا واقفه جنيه بكل بجاحه
شدّ ريان فكه... وخطا خطوة للأمام
- لما تتكلم معاها يبقى تتكلم بالعقل ....متزعقلهاش
التفت الأب إليه ببطء.... نظرة احتقار ممزوجة بتعجب
- وأنت مالك؟ أنا بكلم بنتي
اقترب ريان أكثر.... صوته خرج ثابتًا رغم النار التي تحرق صدره
- وبنتك دي خط أحمر. ....من زمان
خرجت ضحكة قصيرة ساخرة من اسلام ثم قال
- خط أحمر.... أنت فاكر نفسك مين
تدخلت آيات أخيرًا... صوتها هادئ لكن حاسم
- بابا… لو جاي تتخانق بلاش عشان خاطري ... أنا مش صغيره عشان حضرتك تعمل معايا كده
التفت لها بحدّة
- انتي بتردي عليا ....بعد كل اللي عملته عشانك انتي و امك و اخواتك ...مصره تعصيني و تمشي وري امك
ردت عليه بقوه يملاها الاحترام
- اللي عملته إني اخترت أعيش مع الراجل الي حبيته ....الي حضرتك عارفه كويس و عارف انه هيصني
ساد صمتٌ ثقيل قبل أن ينفجر
حبيته ...بتقوليها في وش أبوك عادي كده
هنا....انفلت ريان
- لا… إنت مش أب. ...الأب ما يكسّرش بنته، وما يسيبهاش تتحرم من الأمان.... وبعدين ييجي يفتكر إنه وصي عليها....الاب ميحرمش بنته مالي بتحبه عشان بس يعاند امها
صرخت آسيا:
- رياااان
لكن الأوان قد فات....
اقترب اسلام خطوة ورفع صوته
- إياك تتكلم كده....متدخلش فالي ملكش فيه و مش كل حاجه الهانم تقولها تصدقوها
وقف ريان ثابتًا.... لم يتراجع... لم يصرخ... قالها بهدوء أخطر من الصراخ
- لو مستها بكلمة تاني ولا حاولت تكسرها أنا مش هبقى محترم و لا ابن ناس ....فكر تكمل كلامك علي خالتي و شوف الي هيحصل
و ايات مش هتجوز غيري برضاك او غصب عنك ... ااااااامين
تشبثت آيات بيده... عيناها تلمعان بالدموع.... لكن صوتها خرج قويًا
- أنا اختارته.... اختارته هو.... مش هتجبرني أبعد عنه و اخسر نفسي باقي عمري
لو في سبب لرفضك غير انه ابن خالتي كنت ممكن اسمع كلامك يا بابا
نظر اسلام حوله....وكأنه لأول مرة يكتشف أنه وحيد.
لا أحد بجانبه.....حتى الصمت كان ضده.
قال ببرودٍ جارح
- يبقى تنسيني إنك بنتي.
شدّ ريان يد آيات.... وقال دون تردد
- إحنا مش بنخسر اللي ما عرفش قيمتنا.....انت بتطرد بنتك من حياتك ....و احنا فاتحين دراعتنا ليها و هتكون تاج فوق راسنا
نظرت آيات لأبيها نظرة أخيرة…لم تكن كسيرة....
كانت وداعا ....وداع لكل الالم الذي عاشته مع اب جاحد مثله
رغم قلوبهم التي ترتجف....
الا أن أقدامهم ثابتة....
لأول مرة…لم تهرب.....ولأول مرة…..لم يكن وحده
انفجرت آسيا بالبكاء.... رضوى تحاول تهدئتها...وهدي تبكي و تحاول قول لي شيء يهدي الموقف
بينما محمود يدور في المكان كقنبلة موقوتة......رافض ما يحدث لأخيه الحبيب
و ذلك الحقير لم يهتم بكل هذا بل وجه حديثه الي اسيا قائلا بقسوه و تجبر
- كده خلاص....بنتي هتتجوز واحد غريب من غير رضي ابوها
ارتحتي كده يا اسيا ....وصلتي للي عايزاه بقالك سنين
صرخت هدى بجنون
- غريب؟ط.... ده ريان اللي اتربى قدام عينك ....من اول ما خطبت اختي و انت شايفه و عارفه ...دلوقت بقي غريب يابن الأصول
لم يسمع اسلام كل هذا ....
كان قد اتخذ قراره الذي ألقاه عليهم بكل ما يحمله من قسوه و غباء
- لو الجوازه دي تمت هطلق امك و تبقي انتي السبب في خراب البيت
و فقط ...اتجه نحو الباب و قد خرج منه دون ان يعطي احدهم حق الرد عليه
ما إن أُغلق الباب خلفه... حتى سقط كل ما كان متماسكًا.
توقفت آيات فجأة عن البكاء.... يدها لا تزال متشبثة بيد ريان لكن جسدها خانها
انحنت للأمام....وأنفاسها خرجت متقطعة كأن المواجهة استنزفت آخر ما فيها.
شدّها ريان إلى صدره دون تردد ثم قال
- عيطي
لم يقل اهدّي....ولم يطلب منها التماسك......كان يعرف أن الانهيار و المواجهه قد تأخرو كثيرًا
همست بصوتٍ مبحوح:
- أنا قطعت آخر خيط… صح
ردّ فورًا، بلا تردد:
- إنتِ أنقذتي نفسك و امك و اخواتك
رفعت رأسها.... عيناها محمرتان
- بس هو أبويا…
شدّ على جبينها قبلة هادئة ثم قال
- وأنا عمري ما هطلب منك تمسحيه من قلبك. ....بس مش من حقه يدوسك و يحرمك من حب عمرك
جلس أمام آسيا التي تنظر للامام بجمود بعد ان حل الصمت حول المكان ....أمسك يديها... ونظر داخل عينيها بجدية لم ترها فيه من قبل ثم قال
- خالتي ....اللي جاي تقيل.
ابتلعت ريقها ثم قالت بقهر
- عارفة.
- وأنا مش هسيبك في النص.
صمت لحظة.... ثم قالها كما تُقال القرارات المصيرية
- انا هتجوز بتك انهارده
شهقت بخفة:
- ريان…
مش تحدي...... ستر...وأمان... وحق.
هزّت رأسها بقلق
- ازاي يابني بس من غير ابوها ....انا هرجع انهارده البيت و احاول اتكلم معاه تاني
ابتسم ابتسامة جانبية واثقة
ولا عمره وافق على حاجة فرّحتك و هتفرح بنتك ....رفضه ليا عشان بس انتو موافقين
اقترب أكثر ثم اكمل بقوه
- أنا جاهز دلوقتي قبل بكرة ... شقة... شغل... اسم قدام الناس. مش عايز بتك معلقة ولا مستنية إذن واحد حقودي زي ده
سكتت طويلًا.
ثم قالت بصوتٍ خافت لكنه ثابت:
- أنا مش عايزة أعيش باقي عمري خايفة يابني
ردّ فورًا
- علي رقبتي ياما ....عيب عليكي يا اسيا تقولي الكلمه دي قدامي
- هو انا مش راجل و لا ايه
مدّت يدها له، لم تكن ترتجف هذه المرة بل ربتت علي كفه بثبات ثم قالت
- انا هنزل اشم هوا شويه
وقفت من مجلسها ثم اكملت بحسم بعدما رأت عيون اختها تتجهز لعرض الذهاب معها
- لوحدي ....محتاجه امشي لوحدي عشان اعرف افكر صح
لم يوقفها أحد ....و لم يعترض احدهم
بل تركوها تفعل ما تريد و داخلهم يقين أن عودتها ستكون مختلفه كل الاختلاف عن تلك المكسوره
اسيا.....لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
لم تكن المعاناة حكرًا عليها وحدها بل كان لآدم نصيبٌ أثقل وأقسى.
كان يقف الآن أمام عائلة زوجته
وحيدًا في مواجهة محكمة غير معلنة
وجوه متجهمة....عيون تتهم....
وكلمات تُلقى عليه كالسكاكين....
يعاتبونه بقسوة على ما يرونه تقصيرًا في حق ابنتهم.
قلبه يتمزق....ليس فقط من الاتهام
بل من الإحساس الخانق بالظلم.
كان يلعنها في داخله....تلك التي كانت السبب فيما وصل إليه
يصبّ عليها آلاف اللعنات صبًّا...
دون شفقة.... دون رحمة..
فكل كلمة توبيخ تُلقى عليه
كانت تزيد من قسوته عليها داخل قلبه
وتضاعف وعده الصامت لها بالهلاك قبل أي شيء.
وكلما اشتد تعنيفهم....ازداد غضبه
وتصلب داخله شيء مخيف…
شيء لا يعرف التراجع.
رفع بصره إلى والد زوجته.....نظرة رجلٍ اعتاد السيطرة
نظرة يخشونها جميعًا رغم غضبهم
ثم قال بصوتٍ قوي....ثابت....
كمن يضع حدًا فاصلاً لا يقبل الجدل
- الكلام ده تقولوه لعيال لسه متجوزة… مش واحد زيّي داخل على الخمسين.... ولا واحدة زي بنتك قربت تتجوز ولادها.
إحنا مش عيال صغيرة هندخل أهلينا بينا
- وأنا مش واحد صايع عشان كل يوم والتاني أسيب شغلي وأتنطط معاها في مكان.
نظر الي الام بغضب ثم اكمل
- و انتي يا حماتي.... بدل ما تعقّلي بنتك بتقويها على الغلط… والله عيب.
لم يحتج أحد للرد....فجاءه الرد من حيث لا يحتمل.
صرخت زوجته قبل أن يتفوه أحدهم بحرف واحد،
صرخة مليئة بالغل.. وبإحساس دفين بالإهانة
- إنت ليه مصر تشوفني واحدة ست عجِزت وراحت عليها
هو أنا مش من حقي لما أزور أهلي تكون معايا؟
مش من حقي لما أخرج مع أختي وجوزها جوزي كمان يكون معايا؟
السعادة مش بالسن يا آدم بيه…وبدل ما تلوم بابا وماما... لوم نفسك على تقصيرك معانا
هنا…لم يتحمل أكثر.
كان شيء داخله قد انكسر بالفعل
وما تبقى لم يعد يحتمل الصمت.
انفجر....لا صراخًا فقط بل وجعًا خرج دفعة واحدة
- تقصيري؟
إنتِ مصدقة نفسك بجد؟
ولو إني أكبر من أي مقارنة تتحط بيني وبين حد
بس تعالي نحسبها كده… ورقة وقلم.
تقدم خطوة.... صوته صار أخشن
- جوز أختك اللي بيخونها وكل ما تكشفه ياخدها يفسّحها ويجيب لها شوية هدايا عشان تنسى خيانته.
أختك اللي قاعدة هنا أكتر ما قاعدة في بيتها.... حابة تبقي زيها.
ولادها اللي يادوب بينجحوا بالعافية… عايزة ولادك يبقوا زيهم؟
صمت لحظة.... ثم قال بمرارة قاتلة
- لو حابة تعيشي كده معنديش مانع بس للأسف…أنا مش راجل وسخ ولا بعرف أخون
هنااااا.....خانه صوته
شعر بجرحه ينزف من جديد....
نزيف قديم لم يلتئم يومًا
- أنا مبكرهش في حياتي قد الخيانة…
الخيانة بتدمّر وبتقضي على البني آدم ....بتخلّيه عايش وهو ميت....ما فيهوش روح.
ساد الصمت.....صمت ثقيل....
كأن كلماته لم تجرحهم…بل عرّتهم.
أما آدم....فكان يقف هناك....
مكسورًا من الداخل...قاسيًا من الخارج
رجلًا خسر هدوءه....لكنه لم يخسر مبدئه
لم يأتِ الرد فورًا....لم يصرخ أحد ولم يعترض أحد.
وهذا ما كان أخطر من أي صراخ.
شعر آدم لأول مرة أن كلماته لم تصل…
أو ربما وصلت لكنهم اختاروا تجاهلها.
تراجع خطوة إلى الخلف دون أن ينتبه
كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه.
تسلل إليه شعور غريب....شعور رجلٍ أدرك فجأة
أنه وحيد تمامًا في معركته.
بدأ الانهيار صامتًا....لم تهتز يداه....لم تدمع عيناه
لكن صدره كان يضيق وأنفاسه تتلاحق كأن الهواء صار أثقل من أن يُحتمل
نظر حوله…وجوه جامدة ونظرات اتهام تقذف نحوه دون رحمه
لا أحد يرى ألمه ولا أحد مهتم بما نزف داخله.
خفض رأسه قليلًا ثم قال بصوتٍ مبحوح....أقل قوة مما اعتادوا عليه
- أنا عمري ما قصّرت....يمكن معرفتش أفرّح…بس عمري ما أذيتك
لم تُقابل كلماته بتعاطف بل بسخرية صامتة.
تحرك والد الزوجة....جلس في مقعده ببطء كمن يستعد لإصدار الحكم النهائي
ثم قال ببرود قاسٍ
- الكلام ده كله ميهمناش.....
اللي يهمّنا بنتنا تعبانة.
رفع آدم رأسه بسرعة وفي عينيه صدمة طفلٍ ظنّ للحظة أن الصدق كافٍ
- تعبانة......وأنا....أنا مش بني آدم
لكن أحدًا لم يُجبه.
تقدمت الام بنظرة حادة وصوت خالٍ من الرحمة:
إنت لو كنت راجل بجد كنت احتويتها
مش تسيبها لحد ما توصل لكده.
ابتسم آدم…
ابتسامة موجوعة....ابتسامة رجلٍ أدرك متأخرًا أن الاتهام مُعدّ مسبقًا.
قال بهدوء مخيف:
- يعني أنا الغلطان في كل الأحوال....لو اشتغلت وقصّرت أبقى مقصّر
ولو سيبت شغلي أبقى فاشل...
ولو مخنتش و ضحكت عليها بكلمتين ابقي مش مهتم
لم يُجبه أحد.
الصمت هذه المرة كان إدانة.
وهنا…انقلبوا عليه.
قال الأب بحسم
- إحنا مش مطمّنين على بنتنا معاك.
جاءت الجملة كطلقة مباشرة في صدره.
تابع دون تردد:
- ومن النهارده....بنتي تلزمني
لما تعرف قيمتها ابقي تعالي خدها
ضحك آدم…ضحكة قصيرة فارغة
- يعني إيه.....هتسيب بيتها و افضل هنا
ردّت حبيبه أخيرًا بغباء و صوت متصلّب....عينان لا تحملان حبًا ولا شفقة
- أنا محتاجة أهلي دلوقتي....محتاجه اقعد معاهم كام يوم
تقدم خطوة نحوها...صوته انكسر لأول مرة رغم قوته
- و انتي هتحتاجي جوزك إمتى
لم تُجبه.
خفض رأسه وأدرك الحقيقة كاملة
لا لبس فيها.....لقد خسرهم جميعًا.
ليس لأنه أخطأ....بل لأنه لم يُشبههم.
قال بصوتٍ خافت لكنه حاسم
كأنه يحدث نفسه
أنا اتكسرت…بس مش هسمح لحد يركبني...
التفت ناحية الباب...خطواته ثقيلة
كتفاه مشدودان في كبرياء
كأن عمرًا كاملًا مر امامه الان بكل ما حمله من قسوه و يحاول اظهار قوته امام تلك القسوه
خلفه....لم يحاول أحد إيقافه.
وأمامه.....طريقٌ لا يعرف إلى أين يؤدي،
لكن المؤكد....أنه سيكون وحيدًا.
أغلق الباب خلفه بهدوءٍ خانق....
ذلك الهدوء الذي لا يعني السلام
بل نهاية القدرة على الاحتمال.
وقف آدم في منتصف الغرفة....بعد أن عاد إلي منزله
لم يُشعل الضوء....لم يخلع معطفه
كأن جسده جاء وحده بينما روحه ما زالت عالقة هناك…
في بيتٍ لم يعد بيته.
جلس على طرف الفراش ببطء...أسند مرفقيه إلى ركبتيه
ودفن وجهه بين كفيه.
وهنا…سقط القناع.
لم يبكِ بصوت...لم يصرخ
لكن صدره كان يهتز...أنفاسه تتكسر
كأن كل ما كتمه سنوات
قرر أن يخرج دفعة واحدة.
همس لنفسه بصوتٍ مبحوح
- أنا تعبت…
ثم جاءت الذكرى التي حاول دفنها طويلًا......ذكرى آسيا.
لم تأته كصورة واحدة بل كمشهدٍ كامل…
ضحكتها....نظرتها....وثقته العمياء بها.
تذكر اليوم الذي اكتشف فيه خيانتها.
ليس المشهد نفسه…
بل اللحظة التي تلت.
اللحظة التي وقف فيها صامتًا...
لا يصرخ....لا يفضح....لم ينتقم يومها.... لم يُفكر إلا في شيء واحد
ان يحافظ على صورته…وعلى كرامتها حتى وهي تخونه.
ضحك بمرارة....ضحكة رجلٍ يجلد نفسه
- مش عارف اسامحها ....و لا قادر انساها و اكمل من غيرها
هذا اعتراف ...لكن الحقيقة التي لم يعترف بها يومًا
انكشفت الآن بلا رحمة....
الخيانة كسرت شيئًا داخله
لم يُصلحه الزواج.. ولا السنين...ولا الادعاء بالقوة.
رفع رأسه وعيناه تلمعان بوجعٍ قديم
- أنا اتجوزت…مش لأني نسيت آسيا...
لكن عشان أهرب من إحساسي بالهزيمة
وهنا جاءت الضربة الأقسى.
تذكّر زوجته.....ليس كزوجة…
بل كاختيار خاطئ.
تذكّر كيف أقنع نفسه أنها مختلفة
أنها ستكون العوض ...الراحة....البداية الجديدة
لكنه الآن يرى الحقيقة عارية
- أنا ظلمت نفسي…
قالها بوضوحٍ مؤلم....ظلم نفسه حين صدّق أن الالتزام وحده يكفي
أن الأخلاق تُكافأ دائمًا وأن الصبر يُنقذ القلوب الجاحدة.
وقف....اتجه إلى المرآة
نظر إلى وجهه طويلًا.
رأى رجلاً أعطى أكثر مما يجب
وتحمّل أكثر مما يطيق
وتنازل حتى اختفى....مدّ يده ولمس الزجاج كأنه يواسي نفسه
- أنا مش ندمان إني كنت نضيف…
بس ندمان إني فضّلت نضيف مع ناس ما تستاهلش."
جلس مرة أخرى لكن هذه المرة…كان مختلفًا.
لم يكن مكسورًا فقط....كان واعيًا.
وعيٌ مؤلم لكن صادق.
همس في الظلام
- يمكن اتأخرت…بس مش هكمّل غلط.
وفي تلك اللحظة...لم يتخذ قرارًا بعد
لكنه عرف شيئًا واحدًا يقينًا....
المرحلة القادمة لن يكون فيها تنازل…ولا تبرير…ولا ظلم للنفس مرة أخرى
انتفض من مجلسه و قرر ان يخرج قليلا
يجوب الطرقات عله يجد نسمه هواء تثلج صدره ....و يا ليته لم يفعل
الشارع كان مزدحمًا....أضواء السيارات تتلألأ على الرصيف الرطب
رائحة المطر القديم تمتزج بدخان المحلات،
والعالم يمضي كأنه لا يعرف أن قلبين على وشك الانفجار.
لم يكن آدم يرفع رأسه....خطواته متثاقلة، كل خطوة ثقيلة كأنها تحمل سنين من الخيبة.
وعندما رفَع رأسه…وجدها واقفة على بُعد أمتار قليلة
اما هي .....لم تكن تتوقعه.... لم تكن مستعدة.
وقفا في صمت....والشارع حولهما يعج بالضجيج لكن بالنسبة لهما… كل الأصوات اختفت.
كل شيء صار خافتًا إلا هذه اللحظة.
لم يبتسم......لم يفتح فمه
و هي لم تحرك ساكنا
حتى أنفاسهما بدا أنها تتسارع مع نبضات قلبهما....لكن لا أحد منهما قال شيئًا.
كل واحد منهما مشغول بجراحه الخاصة
آدم..... يشعر بالوهم الذي عاشه طيلة السنوات و هو يظنّ أن آسيا خانته
من بعدها فرّط في قلبه وراح يعيش ألمًا لا يطاق
آسيا.... مجروحة من تركه لها.... من كسر ثقته فيها
من الرحيل الذي تركها وحيدة في مواجهة الألم،
ومن شعور بالخذلان لم تفهمه إلا بعد سنوات طويلة.
اقتربت منه خطوة.... لكنه لم يحرك ساكنًا.
اقتربت ثانية.... لكنه بقي مكانه كأنه حجر في وسط الزوبعة.
لم تكن هناك كلمات ولا عتاب...
ولا محاولة لتفسير أي شيء.
فالصمت كان أقسى من أي كلام.
نظر آدم إلى عينيها فلم يرَ ما كان يتوقعه
لا كره... لا غضب… فقط وجع عميق وجرح لم يلتئم، وصدق لم يُفصح عنه مطلقًا
اما هي ..... شعرت بنفس الصدمة داخله
ألم مختلط بالدهشة...خوف... خيبة...وحنين إلى ما فقد
لكنها لم تتحرك، لم تقترب اكثر لم تلمس كفه المقبوض
وقفا لبعض اللحظات....
كل ثانية كانت أشبه بعقود من الزمن
كل نفس كان ثقيلًا…يعكس كل ما مضى:
خيبات الظنون.... رحيل الفرص.... وفقدان الثقة.
آدم شعر برغبة جامحة في الاقتراب....في أن يقول شيئًا...
لكن الصوت لم يخرج...الحنجرة اختنقت والعقل تشتت بين الماضي والحاضر.
آسيا… قلبها يتسارع
تذكرت الأيام التي ظنّ فيها أنها خانته
تذكرت ألم الانتظار...وحدتها... شعورها بأنها غير مجرد نكره لم تمر يوما في حياته
وكلها دموع مكبوتة في داخلها.... دموع لم تُذرف
لكنها شعرت بها تتسلل إلى قلبها من مجرد النظر إليه.
مرت بضع لحظات صامتة…
ثم التفت كل منهما ببطء....
وابتعد كل منهما في اتجاه مختلف.
لم يكن وداعًا…ولم يكن لقاءً جديدًا…
بل صدمة عميقة تركت أثرها في الداخل
و زرعت في كل واحد منهما سؤالًا وحيدًا
- هل ما زال هناك مساحة للعودة.... أم أن الماضي أصبح جدارًا لا يُكسر
وقف مكانه وسط الزحام....
الشارع يعج بالناس... السيارات... والأضواء...
لكن داخله كان صامتًا، كأن العالم كله اختفى.
رجع إلى نفسه فجأة.....
إلى كل الألم الذي حاول دفنه....
إلى كل السنوات التي عاشها وهو يظن أنه مجروح ممن خانته
وهو الذي ظن أنه ظالم نفسه حين اختار امرأة لم تحبه كما أحب
جلس خلف مقود سيارته ....
يده على وجهه....قلبه ينبض بشدة...
كل خفقة كانت كطعنات جديدة
كل نفس يخرجه يذوب فيه الألم والخذلان.
تذكر آسيا…
ضحكتها....عيونها....ثقتها فيه...
كيف خانته وتركته يعيش الألم وحده.
كل ذكرى كانت تقصمه..
كل وهم عاشه عن الخيانة أذاب قلبه الذي ما زال ينبض بعشقها
أغمض عينيه.....يحاول أن يستجمع ما تبقى من نفسه
لكن لم يكن هناك ما يمكن جمعه.
كان يعيش المرة الأولى منذ سنوات كل خيانتها التي لم تحدث وكل عذابه في بعدها
مرة واحدة... موجة واحدة... قلبه ينكسر بلا عوده
اما هي .....
تمشي ببطء على الرصيف
رأسها منخفض....عيناها مليئتان بالصدمة والوجع
دموع لم تذرف بعد.... لكنها تقطر من داخلها مع كل خطوة.
كل شيء بدا مختلفًا
صوت السيارات صار صامتًا.....
صوت خطواتها على الرصيف كأنها تردد صدى قلبها.
تذكرت آدم... ليس كحبيب خان الوعد معها
بل كرجل تركها وهي مستعدة لإعطاء كل شيء.
كل خطوة كانت صعبة.....كل نفس كان محملاً بالأسئلة التي لم تجد إجابة
هل هو ما زال يحمل لها شيء؟
هل سيعرف أنها لم تخنه؟
هل ستجد طريقة لتصالح نفسها مع جرح تركه لها وحدها سنوات طويلة؟
شعرت بالانكسار....لكن أيضًا بقوة غريبة تتشكل في قلبها
قوة من الألم... من الفقد...من الخوف
قوة تجعلها تعرف أن هذه المشاعر لن تختفي
وأن مواجهة ذاتها ستكون أشد صعوبة من مواجهة آدم نفسه.
كل شيء حولها كان يذكرها به
الشارع... الزاوية... صوت المطر....رائحة الدخان
حتى الصمت كان صاخبًا…
يصرخ باسم آدم، باسم ما فُقد، باسم كل السنوات الضائعة
وقفت فجاه ...و كأنها تسكت كل هذا الضجيج بداخلها ثم قالت بقوه لن تكن داخلها من قبل .....
ماذا سيحدث يا تري
سنري
انتظروووووني
بقلمي / فريده الحلواني
