روايه صك الغفران الفصل الرابع بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
روايه صك الغفران الفصل الرابع بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
الفصل الرابع
صك الغفران
بقلمي
صباحك بيضحك يا قلب فريده
من أبشع أنواع النساء تلك التي لا ترى أمامها طرفةَ عينٍ واحدة...كل ما تراه هو نفسها… وفقط.
تخلط بين الاهتمام والحب وتحسب التنازل حقًا مكتسبًا لا يُشكر عليه
لا تفكر لحظة أن وراء ذلك الرجل قلبًا يُنهك
وصدرًا تشتعل فيه نيران صامتة لا يسأل عنها أحد
تلك هي يا حبيبة… زوجة آدم
امرأة لم تحاول يومًا أن تقرأ الحزن العالق في عينيه....لم تسعَ لأن تُطفئ النار التي تحرق صدره
بل اتخذت من صبره سُلّمًا ومن تحمّله وسيلةً للمزيد من المطالب.
رأت اهتمامه ببيته وأطفاله حبًا موجّهًا لها وحدها.....ورأت تنازله عن أشياء كثيرة ضعفًا يجب استغلاله
فلم تكتفِ بما أُعطي بل بدأت تطالب بالمزيد… دائمًا المزيد
لا يشغلها سوى المظاهر الكاذبة....تجرّه إلى الخروج الدائم لا لأن تشاركه الحياة بل لتتباهى به أمام عائلتها
ذلك الوسيم ذو المنصب المرموق الذي ....ظفرت....به
تطلب الهدايا دون أن تفكر إن كان يملك ثمنها....المهم أن تحملها معها إلى المناسبات
تستعرضها كغنيمة لا كدليل مودة.
جعلت من أهلها أمرًا مفروضًا في حياته
إما هم دائمو الحضور في بيته أو هي تمكث في بيتهم أيامًا طويلة
وكأن لبيتها وزوجها أولوية مؤجلة… دائمًا.
أيّ قدر من الخبث يسكن تلك المرأة....وأيّ تبجح يسمح لها أن ترى نفسها ضحيةً
في كل مرة يكون الخطأ خطأها...
متى ستشعر بزوجها… بأبْ أولادها
متى ستكفّ عن لعب دور الضحية الذي تتقنه بمهارة وتنظر للحقيقة كما هي.... لا كما تخدم أنانيتها
حقًااااااا…لا نعلم
جلست مع أمها تناقش معها تلك المشكلة التي حدثت بينها وبين زوجها
قالت الأم التي تُدعى رحاب، بنبرة قلقٍ لم تستطع إخفاءه
انتي زوّدتيها اوي المرة دي يا حبيبة…
أنا خايفة ميجيش ياخدك زي كل مرة
ابتسمت حبيبة ابتسامة واثقة.... تلك التي اعتادت أن ترتديها حين تشعر بالقوة
ثم قالت بغرورٍ لا يخلو من استخفاف
ميقدرش
رفعت ساقًا فوق الأخرى وأكملت بثباتٍ بارد
أولًا… آسيا كلمته وكلمت عمّها
كانت منهارة وانتي عارفة طبعًا آسيا عندهم إيه…
دي البنت الوحيدة في العيلة وكلهم بيعملولها الف حساب
توقفت لحظة قصيرة....كأنها تتلذذ بما تقول
ثم أضافت وهي تبتسم بثقة أشد
ثانيا وده الأهم.... انتي عارفة كويس إن آدم بيموت فيا وميقدرش يستغنى عني
مالت للأمام قليلًا وخفّضت صوتها بسخرية
هو بس حب ياخد موقف عشان أبعد عن حنان أخته شوية و ابطل اطلب منه نخرج معاها هي و جوزها
بس اللي عملته معاه مدتلوش الفرصة أصلًا
سكتت.....ونظرتها كانت ممتلئة بنشوة الانتصار
كأن الأمر لعبة تعرف نهايتها مسبقًا
ورجلًا تراه ورقة مضمونة…لا أكثر
سكتت رحاب لحظة....تأملت ابنتها بنظرة لم يكن فيها إنكار…بل حساب.
قالت وهي تزفر ببطء
المهم بس ميكبرش الموضوع إحنا مش ناقصين قرف
والست الشاطرة تعرف تشد الحبل من غير ما تقطعه
اتسعت ابتسامة حبيبة....فقد سمعت ما تريد سماعه.
تابعت رحاب ببرودٍ خالٍ من أي ضمير
سيبيه شوية يتلسع....الرجالة لما تحس إن البيت ممكن يضيع منها
بتجري تصالح وآدم ده بالذات…
قلبه طري
هزّت حبيبة رأسها موافقة وقالت باستخفاف
ما هو ده اللي مطمنّي
مالت رحاب ناحيتها وأضافت
بس خليكِ تقيلة متروحيش غير لما ييجي بنفسه
وتعملي نفسكِ مكسورة شوية…
العياط بيأثر عليه
ضحكت حبيبة ضحكة قصيرة....ضحكة تعلمتها جيدًا....ورثتها كما ورثت القسوة ثم جلست باسترخاء و كلها ثقه انها سيأتي اليها رغما عنه
و بالفعل ...هذا ما حدث
ذهب لها في الصباح الباكر بناء علي إلحاح أخيه الاكبر و قام باصطحابها هي و أولاده الثلاثة بعد ان سمع الكثير من النصائح الواهية التي ألقاها عليه أبويها
و قد أتقنت دور المرآه الحزينة المجروحة حتي تصل لهدفها الذي خططت له
ألا و هو ....إجباره علي حضور حفل ابنه خالتها
وصل بهم اسفل البناية ثم طلب منهم الصعود كي يذهب إلى عمله علي وعد بالعودة مبكرا إذا تمكن من ذلك
دخل آدم البيت متأخرًا....خلع سترته بإنهاك واضح....وجهه شاحب وعيناه غارقتان في التعب
لم تلتفت إليه حبيبة....كانت تقف أمام المرآة تعدّل فستانها
قال بهدوء حزين رغم جمود ملامحه
اتأخرت انهارده عشان الشغل…اتهلكت و محتاج أرتاح شوية
لم تنظر له اكتفت بقولها
يعني إيه مش هتيجي معايا....زي ما اتفقنا نروح فرح بنت خالتي
تنهد، صوته خرج متعبًا
مش قادر يا حبيبة… والله تعبان
التفتت له أخيرًا لكن نظرتها لم تحمل قلقًا…حملت ضيقًا و هي تقول
تعبان.... هو إنت بس اللي بتتعب
الناس كلها بتشتغل وبتخرج عادي
اقترب منها خطوة صوته أهدأ لكنه حاد
أنا محتاجك تحسّي بيا شوية
ضحكت بسخرية خفيفة ضحكة بلا روح.
احس بيك....يعني أقعد في البيت وأكسّر كلامي قدام أهلي عشانك
سكت......نظر إليها طويلًا
أضافت وهي تمسك حقيبتها
و اكيد طبعا نسيت الهديه اللي وصيتك عليها … مينفعش أروح من غيرها
لم يقل شيئًا.....جلس على الأريكة ببطء كأن ثقل العالم هبط دفعة واحدة فوق صدره...اشعل سيجاره ثم قال و هو يتمسك بآخر حبال الصبر
بعت بوكيه ورد كبير القاعة....و ياسين ابنك نزل يستلم الاوردر
خدي ولادك و روحي يا حبيبه .... انا محتاج انام
خرجت من الغرفة بعد ان ألقت عليه نظره غضب...تركت الباب مفتوحًا
وتركت خلفها رجلًا....يتفتّت بصمت
تلك زوجته .... لا ترى في الرجل إلا ما يضيفه إلى صورتها ولا تفهم من الحب سوى ما يُنفق
ولا تعترف بالتعب إلا إذا كان تعبها هي.
حبيبة لم تكن زوجة كانت استنزافًا بطيئًا...امرأة لا تُحب… بل تُطالب
ولا تُساند… بل تُحمِّل
كان آدم يجلس أمامها كل يوم بجسدٍ حاضر وروحٍ غائبة
روحٍ تاهت في زمنٍ آخر…في امرأةٍ أخرى
آسيا.....تسللت إلى ذاكرته دون إذن
لم تكن تطلب....كانت تفهم.....لم تكن تُلحّ....كانت تشعر
يتذكر كيف كانت تقرأ تعبه من عينيه قبل أن ينطق
كيف كانت تلمس صدره حين يضيق،
لا لتأخذ…بل لتُخفف.....لم تكن مثالية لكنها كانت إنسانة.
أما حبيبة....فلم ترَ يومًا انكساره ولو رأته… لما يهمها
رأت فيه مشروع نجاح....وسيلة تفاخر ورجلًا خُلق ليُرضي غرورها.
كلما أثقله الصمت....ازدادت مطالبها.
كلما تنازل....طالبت بالمزيد.
وكأن صبره اعتراف ضمنيًا بأنها تستحق كل شيء....وهو لا يستحق شيئًا
كان يسأل نفسه في لحظات الخواء...
كيف انتقل من امرأةٍ كانت تحتويه
إلى امرأةٍ تبتلعه....كيف استبدل الدفء بالاستعراض
والطمأنينة بفستانٍ جديد وصورةٍ أمام الناس
آسيا لم تكن تحتاج أن تُرى....كانت ترى.
أما حبيبة…فلا ترى إلا انعكاسها في عيون الآخرين
وهنا.... كانت المأساة الحقيقية ...لم يشتاق آدم لآسيا كحبيبة سابقة فقط بل اشتاق لنفسه معها…
للرجل الذي كان يشعر أنه كافٍ
فلاش باك
كان المطر يهطل خفيفًا تلك الليلة وآدم يجلس صامتًا...رأسه بين كفيه
أنفاسه متقطعة كأن صدره يضيق عليه
اقتربت آسيا بهدوء...لم تسأله مالك؟
كانت تعرف....جلست أمامه..مدّت يدها ورفعت وجهه برفق
نظرت في عينيه طويلًا ثم قالت بصوت منخفض
إنت مش لازم تبقى قوي طول الوقت
ارتجف شيء داخله كأن أحدهم نزع عنه حملًا كان يضغط على روحه
همس بهم ثقيل
أنا تعبت…
لم تُقاطعه...لم تعظه....لم تُطالبه بشيء
اكتفت بأن ضمّته إلى صدرها...يدها تربّت على ظهره ببطء
وكأنها تقول... أنا هنا… والباقي لا يهم
ارتاح يا حبيبي ..قالتها ببساطة
وكأنها حق طبيعي لا منّة فيه ولا ثمن
أغمض عينيه ولأول مرة منذ زمن
شعر أنه آمن
باااااااك
تنهد بهم و حزن شديد ثم قال بغل يملأ قلبه
منك لله يا اسيا ....انتي السبب فالعذاب الي عيشته ده كله ....مش مسامحك
على الطرف الآخر…كانت تدور معركةٌ أخري لا تقل شراسة....لكنها مُغلّفة بالبرود والاستسلام الظاهري.
قام ريان بتوصيل خالته وأولادها أسفل البناية وبالطبع لم يستطع الصعود معهم
وبمجرد أن فتحت آسيا الباب تفاجأ إسلام بوجودها على غير ما كان يعتقد
نظر إليهم ببرودٍ جارح ثم قال بسخرية مقصودة
شكلكم عقلِتوا وقررتوا تختاروا البيت بدل الصايع اللي بنتك عايزاه
لم تردّ آسيا ....لكن قلبها انقبض بقسوة حين رأت آيات تتجهم ملامحها
وتخفض عينيها إلى الأرض
قالت بحسمٍ موجّه لأبنائها الثلاثة
ادخلوا أوضكم…عايزة أتكلم مع بابا شوية
نفّذوا ما قالته في صمتٍ ثقيل فجلست أمامه
قالت بتعقّلٍ حاولت التمسك به
رغم النزف الداخلي
إسلام…بلاش تتعمد تجرح بنتك.
رفعت عينيها إليه بثباتٍ موجوع
نفسي تفتكر مرة إنها بنتك وليها حق عليك.
أنا مش فاهمة ليه مصرّ توجعها
تنفست بعمق، ثم أكملت
أنا مرجعتش ضعف ولا لأني موافقة على قراراتك الغريبة
اللي ملهاش أي سبب....أنا رجعت
عشان لسه عايزة أحافظ على بيتي....عايزه أولادي يعيشوا بين أم وأب في أمان واستقرار.
توقفت لحظة...ثم قالت بصوتٍ أكثر هدوءًا وألمًا
عايزاك تفتكر إن صهيب في ثانوية عامة…ودي أهم سنة في حياته
المفروض تكون داعم له مش تخليه مشغول طول الوقت بمشاكلنا وعراكنا
ردّ عليها بمنتهى القسوة والتبجّح كأن كلماتها لا تعنيه من قريب أو بعيد
كل الهري اللي بتقوليه ده
ميشغلنيش ولا ليه أي لازمة عندي
ثم أضاف بحدّةٍ آمرة
اللي أنا قلته هو اللي هيمشي.
دي بنتي وأنا أعرف مصلحتها أكتر من أي حد
وقف وهو ينهي الحديث دون اكتراث
والباب لسه مفتوح…ولو هتصرّي على الصايع ده يبقى لا إنتِ ولا هما ليكم مكان في بيتي
ألقى كلماته دون أن يهتم بملامحها
التي ازدادت صلابة وتجهمًا ثم قام من مكانه متجهًا إلى غرفته ليبدّل ملابسه ويغادر لمقابلة زوجته السرّية
التي لا يعلم بوجودها أحد
ظلت آسيا جالسة مكانها.. لم تتحرك....ولم تنطق بحرف
حتى حين رأته يخرج من المنزل.....لم تكلّف نفسها عناء السؤال إلى أين يذهب
فقد حسمت أمرها.....قررت تنفيذ ما خططت له....دون رجوع مهما كلّفها الأمر.
أخرجت هاتفها من الحقيبة الموضوعة بجوارها وضغطت على أحد الأرقام.
وحين جاءها صوته قالت بثبات:
أمير… عايزاك تشوفلي شغل ضروري في أي حتة
ردّ زوج أختها بدهشة
طب قولي السلام عليكم...في إيه يا آسيا.....مالك
إيه اللي حصل وإيه اللي طلّع فكرة الشغل في دماغك.....إنتِ نسيتيها من زمان.....هو إسلام وافق
ابتسمت ابتسامة خفيفة لا تحمل فرحًا....بل قرارًا وقالت:
مبقتش فارقة معايا يوافق أو لا
أرجوك يا أمير…شوفلي شغل ضروري
أنا مش عارفة أكلم مين ولا هشتغل إيه....بس إنت عارف إني أفهم في أي حاجة الحمد لله
رغم حيرته ترك الاستجواب جانبًا وقال:
والله إنتِ بنت حلال....لسه شريف بيه مدير الشركة اللي شغال فيها طالب مني انهارده الصبح أشوف له واحدة تبقى مديرة مكتب
تابع موضحًا:
السكرتيرة اللي عنده جوزها جاله عقد عمل برّه وهتسافر معاه....قدامها أسبوع قبل متسيب الشغل
وأضاف:
لو حابة تعالي بكرة قابلِيه.
لو ارتاحلك وحس إنك فاهمة الشغل
مش هيتردد أبدًا يوافق طالما تبعي
ابتسمت آسيا لأول مرة بصدق.. ابتسامة أملٍ خجول وقالت بحماسٍ مكتوم
تمام…بكرة بإذن الله أوصّل بسمة الدرس الساعة حداشر وأتصل بيك تديني العنوان وأركب وأجيلك على طول.
ثم أضافت بثقةٍ هادئة:
شغل السكرتارية سهل....تنظيم مواعيد وإيميلات....وبإذن الله مش هخيّب ظنك وهشرّفك قدامه.
أغلقت آسيا الهاتف ببطء وظلت تنظر إلى شاشته المظلمة لثوانٍ
كأنها تودّع نسخةً قديمة منها.....لم تبكِ....لم تصرخ.....لم تشعر حتى بالانكسار.....كان بداخلها شيء أخطر…
البرود الذي يسبق التحول.....نظرت حولها إلى البيت....الأثاث نفسه....الجدران نفسها
لكنها شعرت للمرة الأولى أنها ضيفة مؤقتة في مكان لم يعد يمنحها الأمان
تذكّرت كلمات إسلام....نبرته....تعاليه....تجاهله التام لوجعها ووجع ابنته.
وضعت يدها على صدرها....أنفاسها خرجت بطيئة
ثم قالت بصوتٍ خافت، كأنها تُقسم:
خلاص…مش هرجع تاني ضعيفة.
تحركت من مجلسها ....دخلت غرفة نومها....أخرجت حقيبة صغيرة وضعت فيها أوراقها...شهاداتها وأي شيء يثبت أن لها كيانًا خارج هذا البيت.
وحين نام الجميع....كانت آسيا مستيقظة....تخطط...لا تهرب.....بل لتصنع لنفسها و اولادها حياه جديده تحاول فيها مداواة اوجاعهم
في الصباح...وقفت أمام المرآة...لا تبحث عن جمال بل عن ثبات.
اختارت ملابس بسيطة...مرتّبة....تعكس احترامها لنفسها لا لرضا أحد.
أوصلت بسمة إلى درسها وقلبها يدق ليس خوفًا…بل شوقًا لبداية جديدة.
حين دخلت الشركة....شعرت بغربة خفيفة لكنها لم تتراجع.
استقبلها شريف بابتسامة عملية....نظرة فاحصة لا تخلو من اختبار.
جلست....تحدثت بثقة هادئة....أجابت....شرحت. ...نظّمت أفكارها
كما نظّمت سنواتٍ من الفوضى داخلها
مرّت ساعة.....ثم أخرى.
قال شريف أخيرًا:
بصراحة…إنتِ مناسبة جدًا.
نبدأ من الأسبوع الجاي.
شعرت آسيا بشيء دافئ ينتشر في صدرها
ليس فرحًا صاخبًا بل كرامة.
شكرتهم....خرجت...وعندما أغلقت باب الشركة خلفها
توقفت لحظة....رفعت رأسها للسماء....وابتسمت.
ابتسامة امرأة وجدت قدمها الأولى
على أرض ثابتة
صعدت داخل سياره اجره لتنطلق بها نحو بيتها في نفس اللحظه توقفت سياره خاصه امام مدخل الشركه نزل منها آدم المصري
لا يعلم لما وقف لبضع ثواني ينظر حوله وكانه يبحث عن شيء ضائع
استغرب كثيرا خفقات قلبه التي اصبحت في ازدياد ملحوظ
لكنه تجاهل كل هذا وتقدم نحو الامام ليدلف الى الشركه صاعدا للاعلى ليقابل شريف الورداني
عاد إسلام إلى البيت مساءً وهو يتوقّع الصمت المعتاد....الانكسار المعتاد....تلك النظرة التي تؤكد له
أنه ما زال المتحكم.
لكن شيئًا كان مختلفًا....البيت هاديء زيادة عن اللزوم.
لم يجدها في مكانها المعتاد...لم يسمع خطواتها ولا صوتها.
سأل بحدة:
أمك فين؟
رد صهيب باختصار:
خرجت.
خرجت فين؟
مقالتش
تطلع الى ولده بغضب شديد ثم قال
يعني ايه مقالتش هي المفروض بتوصل اختك الصبح مبتاخدش نص ساعه وترجع
ليه مرجعتش لحد دلوقتي
حينما لم يتلقي اجابه من ولده ...شعر بانقباضٍ مفاجئ....غضب ممزوج بقلق رفض الاعتراف به.
جلس...ثم وقف....ثم عاد للجلوس.
لم يكن غاضبًا لأنها خرجت....بل لأنها خرجت....دون إذنه....دون خوف...دون تفسير.
وللمرة الأولى....شعر أن قبضته
لم تعد محكمة.....أن آسيا لم تعد تنتظر رضاه.
وفي تلك اللحظة....دون أن يدري....بدأ يفقد السيطرة
قرر ان يخرج مره اخرى حتى يعيد ترتيب اوراقه
منذ ان عادت بالأمس الى المنزل ويرى تغيرها الكامل حتى دون ان تحتك به بعدما حدثته حينما عادت
يجب ان يعلم الى ماذا تخطط تلك الخبيثه كما يسميها دائما
يعلمها جيدا ليست بضعيفه لكنها تتنازل من اجل استقرار اولادها
الخوف الان من انتفاضتها ورفضها لهذا الاستسلام مره اخرى
عاد إسلام إلى البيت متأخرًا كعادته
فتح الباب بعصبية خفيفة كأنه يتوقّع أن يجدها في انتظاره أو على الأقل في حالة تبرّر له غضبه.
لكن آسيا كانت جالسة في الصالة ظهرها مستقيم....ملامحها هادئة على غير المعتاد....هدوء لا يشبه الخضوع…بل القرار
نظر إليها باستغراب:
إنتِ كنتِ فين؟
أجابت دون تردد:
برّه.
عقد حاجبيه....اقترب خطوتين:
برّه فين....البنت درسها الساعه حداشر ....روحتي فين بعدها من غير إذني
رفعت عينيها إليه بثبات:
مش لازم يبقى بإذنك.
صمت لحظة....كأن الجملة لم تدخل عقله بعد.
قال بنبرة أخفض لكنها أخطر:
إنتِ بتتكلمي كده ليه.....ايه الهبل ده
شكلك روحتي لأختك الحربوقه و قومتك عليا زي عادتها عشان خاطر ابنها طبعا
تنفست بعمق ثم قالت بوضوح دون ان تهتم بتلك السخافات التي اعتاد قولها
لاااا...مقابلتش حد من اخواتي ....إتاخرت لاني اشتغلت انهارده.
تجمّد للحظة....ثم انفجر ضاحكًا بسخرية:
اشتغلتي....إنتِ بتهزري....و مين بقي هيشغل واحده كبيره خلاص راحت عليها
هي الشباب الصغيره لاقيه شغل لما هتلاقي انتي يا شايخه
لا....رُحت أقدّم....واتقبلت.....رغم اني ست كبيره و شايخه ....تخيل
اقترب أكثر....صوته ارتفع:
وأنا كنت فين من الكلام ده....مين سمحلك....احنا مش قفلنا حكايه الشغل دي من زمان ايه اللي طلعها في دماغك تاني
وقفت....واجهته وجهًا لوجه:
محدش.....دي حياتي و مش هسمحلك تتحكم فيها تاني سااااامع
ضرب بيده على الطاولة:
إنتِ نسيتي نفسك.... إنك مراتي.....
لاااااااأنا فاكرة كويس....بس فاكرة كمان إني إنسانة.
ضحك بتهكّم:
إنسانة إيه.....إنتِ مكانك البيت وأنا اللي أصرف.....لما تحتاجي حاجه ابقي اتكلمي
نظرت له طويلًا.....ثم قالت بهدوء قاتل:
وأنت بتصرف…كنت بتكسر.....كنت بتذلنا عالقرش اللي بتصرفه
بتفضّل لبسك و مظهرك علي طلبات بيتك ....تحب اكمل و لا كفايه
تردد.....لكن غروره منعه من التراجع:
أنا مش هسمح بكده....ولو فكرك إني هقبل تبقي غلطانة.
وأنا مش بطلب سماح.
صمت ثقيل سقط بينهما.
قال ببرودٍ متعمّد:
يبقى نطلّق.
لم تهتز....لم تبكِ.....لم تصرخ.
اقتربت خطوة واحدة.....صوتها خرج ثابتًا لكنه موجوع:
عارف إيه الفرق بيني وبينك
إني لما قلت هحافظ على البيت
كنت صادقة....و انت لما بتقول طلاق بتستعمله سلاح.
نظر إليها بعصبية:
آخر كلام....يا الشغل يا الطلاق بس اعملي حسابي مش هتطولي مني مليم احمر .....و لو فكرتي تعمليها و تستغلي الطلاق عشان تجوزي بنتي لابن الكلب ده انا ههد الدنيا عليكم
ابتسمت ابتسامة خفيفة مليئه بالحزن لكن فيها قوة.
وإنت فاكر إن الجواز من غير كرامة اسمه إيه......الطلاق وقتها بيكون رحمه و قمه الصح
اما بنتي لو حاربت الدنيا لوحدي هخليها تتجوز اللي اختاره قلبها و مش هسمح لحد ابداااااا أنه يحرمها منه
لم تجد ردًا منه فأكملت والكلمات تخرج كأنها مُحضّرة منذ زمن:
أنا اشتغلت عشان أولادي عشان بنتك متكبرش وهي فاكرة إن الست ملهاش غير السكات....غير الضعف و قبول حياه مش بتاعتنا
عشان اجيب لولادي اللي محتاجينه من غير ذل و لا محايله
عشان حاجات كتير يا اسلام عمرك ما هتفهمها و لا تحس بيها
خفض صوته قليلًا:
يعني خلاص ....فجرتي و هتكسري كلامي
أنا مكسرتش كلامك....أنا كسرت خوفي....قالتها بقهر سنين قررت الا تخضع له مجددا
عاد يلوّح بالتهديد:
فكري كويس…الطلاق مش سهل....هتترمي في الشارع انتي و ولادك
ولا العيشة دي هتلاقيها لوحدك و لا هتقدري علي تلات عيال بطولك
صمتها ...البيت كله صمت
قال أخيرًا بنبرة أقل حدّة:
عندك أسبوع.....تفكّري.
ردّت بهدوء حاسم:
وأنا أخدت قراري.....و فقط تركته واقفا وذهبت إلى غرفتها ثم
أغلقت الباب خلفها
وفي الخارج....وقف إسلام وحده.....لأول مرة يشعر أن التهديد لم يعد يخيف.
توقف عقله عن العمل و لم يجد حلا امامه الا ارسال رساله لساميه....اخبرها بكل ما حدثت فأرسلت له بغل شديد ظهر من بين حروفها
تعالالي حالااااا....الكلام ده مش هينفع في رسايل و لا حتي فون
تعالي بسرعه عشان نلحق نتصرف فالمصيبه دي و قبل ما بنت الكلب تعمل اللي في دماغها
ماذا سيحدث يا ترى
سنرى
انتظروووووني
بقلمي / فريده الحلواني
