روايه صك الغفران الفصل الخامس بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
روايه صك الغفران الفصل الخامس بقلم الكاتبة فريدة الحلواني
الفصل الخامس
صك الغفران
بقلمي
صباحك بيضحك يا قلب فريده
تزداد فرحتنا حين يصبح العيد عيدين.
واليوم… هو ثالث أيام العيد.... اليوم الذي قرّر فيه آدم أن يخرج مع حبيبته آسيا برفقة صديقيه وحبيبتيهما
كان اليوم رائعًا إلى حدٍ مؤلم....قلوبهم كانت تتقافز بفرح يفوق تقافز الألعاب التي كانوا يمرحون بها داخل إحدى مدن الملاهي
ضحكات عالية... أيادٍ متشابكة.... ووجوه لا تعرف سوى الطمأنينة
هبطوا جميعًا من تلك اللعبة الصعبة
فأمسك كل حبيب كف حبيبته... وسار بها إلى الأمام وهو يحادثها برفقٍ وحب.....كأن العالم خُلق في تلك اللحظة ليمنحهم فقط هذه السعادة
أما آدم…...كان يقبض على يد آسيا وكأنها قد تهرب منه في أية لحظة
لفّ ذراعه حول خصرها من الخلف محيطًا بها... متحكمًا بقربها
قرّب وجهه من وجهها حتى صار الهواء يمر بصعوبة بينهما
التفتت الأنظار إليهما....لكنه لم يهتم…
وقال بنبرةٍ تقطر عشقًا ولهفة
أنا عايز أتجوز دلوقتي…خلاص.... مش قادر أستنى
نظرت إليه بعينين تلمعان من شدة خفقان قلبها الذي كاد أن يتوقف
ثم قالت بنبرة هامسة تتأرجح بين المزاح والتمني
هو أنا مسكاك.... يلا بينا حالًا… أنا عن نفسي موافقة جدًا
التهَمها بعينيه وقال من صميم قلب عاشقٍ أنهكه الشوق
المشكلة يا حبيبتي إني فعلًا مبقيتش قادر أستحمل بعدك
أبوكي وافق إننا نخرج انهارده بالعافية
وأنا عايزك في بيتي… وفي حضني
بحاول أركز في شغلي
ولما أصحابي بيتجمعوا بنسهر سوا بالليل......بحارب عشان عقلي يفضل معاهم…بس إنتِي أخدتي عقلي وقلبي
مسبتيش حاجة لغيرك
ارتفعت على أطراف أصابعها وبمنتهى الجرأة طبعت قبلة رقيقة على وجنته ثم قالت
إن شاء الله يا حبيبي.... السنة الجاية نكون في بيتنا
نجيب اللي نقدر عليه واللي منقدرش نجيبه بعدين مش مشكلة
ألقى ببصره خلفها فوقع على دمية صغيرة جدًا.... لكنها جميلة
سحبها معه.... اشتراها...ثم أهداها لها وهو يقول
الميدالية دي احتفظي بيها عشان نحط فيها مفاتيح شقتنا
رغمًا عنها....انهمرت دموعها بغزارة وهي تقبض على الدمية بقوة
كأنها تخشى أن تضيع منها كما ضاع صاحبها منذ زمنٍ بعيد
هذه الذكرى اقتحمتها فجأة....فبكت وهي ترتّب خزانة ملابسها استعدادًا لترك ذلك المنزل الذي صار أشبه بقبر لا هواء فيه، ولا حياة
جلست على حافة الفراش....قرّبت الدمية الصغيرة من أنفها واستنشقت رائحتها وكأنها تستنشق بقاياه
ثم قالت بقهرٍ ثقيل
من يوم ما اشتريتلي الميدالية يا آدم…متحطش فيها مفتاح ولا حتى كان في شقة أصلًا…يا ريتك ما جبتها
يا ريتني ما احتفظت بيها لحد دلوقت
ثم انكسرت أكثر وهي تهمس
يا ريتني أقدر أمحي كل اللي جوايا ليك
بكت بحرقة وأكملت بصوتٍ مبحوح
بس المشكلة إني مش عارفة هبقى عاملة إزاي لو نسيت كل ذكرياتنا
أكيد جوايا هيبقى فاضي…فراغ يخوّف…مش عارفة أعيش بيه....
ولا عارفة أعيش من غيره
الوجع لا نهاية له.....لأن بعض الحكايات لا تُغلق بل تُترك مفتوحة تنزف بصمت
نهضت ببطء وكأن جسدها يجرّ خلفه أعوامًا من الانتظار
ضمّت الدمية الصغيرة إلى صدرها لثوانٍ معدودة... لا لتستعيد ذكرى....
بل لتتأكد أن الوجع ما زال في مكانه لم يخطئ الطريق
أعادتها إلى الخزانة بين ثيابٍ لم تعد تخصها وحدها
كأنها تواري حلمًا لم يُكتب له أن يعيش
تأملت الفراغ حولها....غرفة كاملة.... لكنها خالية من المعنى.
كل شيء ثابت إلا قلبها… كان ينهار بهدوء
تمتمت وكأنها تخاطب نفسها أكثر مما تخاطبه
أنا مش موجوعة عشان مشي....أنا موجوعة عشان كنت مصدّقاه
كنت فاكره إن اللي بيحب مبيسبش
طلع اللي بيحب أحيانًا بيدبح… يقف يتفرج علينا لحد ما نصفي اخر نقطه في دمنا
مسحت دموعها بكف يدها....لا محاولةً لإخفائها....بل محاولةً لتستعيد بعض السيطرة على نفسها
وقفت أمام المرآة طويلًا....الملامح لم تتغير لكن النظرة اختلفت…
نظرة امرأة رأت الحقيقة متأخرة لكنها رأت
قالت بصوتٍ متعب
كنت فاكرة الحب كفاية....بس واضح إن الحب لوحده مش بيبني بيت ولا يفتح باب...ولا يحمي واحدة من الوحدة
أخذت نفسًا عميقًا....نفسًا خرج مثقلًا بالخسارات
أنا مخسرتكش يا آدم....أنا خسرت البنت اللي كانت مستنياك
اللي كانت بتعد الأيام وتقول... بكرة....وأنت كنت كل مرة تختار تأجّلني،
وأنا كنت أختار أستنى.
جلست على الأرض وأسندت ظهرها إلى الفراش....ضمّت ركبتيها إلى صدرها.....انهمرت دموعها أخيرًا بلا مقاومة
كنت كل مرة أقول معلش....وكل مرة أبررلك.....وأقنع نفسي إن الصبر حب…طلع الصبر أحيانًا إهانة
ساد الصمت للحظة ثم خرجت منها ضحكة قصيرة، مكسورة
لا تحمل سخرية....بل تعبًا خالصًا
أصعب حاجة مش إنك تمشي.....أصعب حاجة إنك تسيبني وأنا لسه بحبك
وصل ذلك الحقير إلى بيت زوجته السرّية… سامية
المرأة التي تزوّجها منذ أربع سنوات دون أن يعلم أحد بعد أن أحكمت خيوطها حوله بإتقان....حتى أسقطته في الفخ الذي خططت له طويلًا
كانت تعلم جيدًا أن زوجته آسيا جميلة وذكية....امرأة يتمناها أي رجل
لكنها اختارت أن تصدّق الأكاذيب التي كان يلقيها على مسامعها عن إهمال زوجته
وعن زواجه الذي تحوّل إلى عبء
وصبره عليها فقط من أجل أطفاله
صدّقت… أو تظاهرت بالتصديق فالغاية كانت أهم من الحقيقة
وبعد الزواج.....اكتشفت أنه ليس رجلًا كاملًا
فاختار هجر آسيا ملاذًا يختبئ خلفه
ليُخفي عجزه الذي لا يجرؤ على الاعتراف به
سامية لم تُصدم…بل اتخذت من تلك الحقيقة درعًا تحتمي به إن فكّر يومًا في التخلّي عنها أو الابتعاد
لم تكن تنوي أن تكون نزوة عابرة في حياته .....يستمتع بها ثم يلفظها ليبحث عن غيرها
هي امرأة مطلّقة قاست في حياتها و التهم الفقر روحها
لم تجد أمامها سوى رجلٍ تنقذ به نفسها من الفقر الذي كانت تغرق فيه
بل وتستغله ليصعد بها درجة بعد أخرى في عملها حتى صارت مديرة مكتب وكيل أول الوزارة في مصلحة الضرائب
كانت تعرف كيف تستخدم الرجال…
وتعرف متى تضرب ومتى تُلين.
جلس أمامها بملامح متشنّجة... الغضب يفيض من عينيه وقال بغلٍ فظ
بنت الكلب… نزلت واتفقت على شغل من ورايا
لا وكمان مصمّمة.... أول مرة أشوفها بالطريقة دي
حتى لما هددتها بالطلاق مهتمتش زي كل مرة
أنا من يومين بس قايلها في بيت أختها إني هطلقها لو صممت على ريان
مكنتش متخيّل إنها ترجع البيت تاني
ولما رجعت... افتكرتها هتعتذر وتهدّيني وتقفل موضوع ريان شوية
اللي حصل العكس…تاني يوم تستلم شغل وتقف قصادي تقولي....بنتي مش هتتجوز غيره
أعمل إيه يا سامية.... دبريني… أنا هتجنن.
كده الموضوع بيفلت من إيدي
فكّرت سامية بسرعة...عمل آسيا يعني وعي.
وعي يعني ثقة.....ثقة.... يعني امرأة تعود للاهتمام بنفسها…..وتستعيد جمالها القديم
وقتها فقط....قد تستعيد سيطرتها على إسلام وقد يعود إلى بيته
وحينها… ستُلفظ هي خارج حياتهم بلا رحمة
لا.....هذا ما لن تسمح به
كان يجب أن تُقنعه وباستماته.....لن يسمح لآسيا بالعمل وإن أصرت…
فليطلقها.....لا حبًّا في كرامته....بل خوفًا على مصلحتها هي
قالت بصوتٍ خبيث يقطر كراهية وتحريضًا
هو إنت فين رجولتك معلش....
مراتك تروح مشوار زي ده وتقابل رجالة من غير ما تعرف
مين هيشغّل واحدة عدّت الأربعين إلا لو عجباه
ولا راجل وسخ ماشي يرمرم....اعمل حسابك يا إسلام…مراتك لو اشتغلت هتركبك ومش هتعرف تحكم عليها
ده لو مخانتكش كمان.....مفيش واحدة بتقعد من غير راجل خمستاشر سنة
شغلها هيخلّيها تحتك برجالة كتير وإنت عارف اللي فيها
إنت لا كفيتها… ولا كفّيتني.....ويوم ما تقع مع واحد هتقولك أنا ست وليّا حقوق و احتياجات
يبقى إنت يا تحافظ على اللي باقي من كرامتك ورجولتك....يا إمّا تمنعها تشتغل....يا إمّا تطلّقها وترميها برّه البيت وبرّه حياتك
وهي تبقى الخسرانة....تشيل التلات عيال وتصرف عليهم
ده لو مرتبها أصلًا يكفي إيجار شقة تقعد فيها
كانت تضرب حيث يؤلم رجولته الناقصة
نظر إليها بغضبٍ مشتعل.....وقد أشعلت كلماتها داخله نارًا لا يعرف كيف يُطفئها وقال بغِل
ده اللي هعمله.....أنا أصلًا زهقت من أمها ست نكدية
مبشوفش منها غير لويّة البوز
ابتسمت سامية بخبثٍ منتصر....اقتربت منه ثم مرّرت يدها على صدره ببطء وقالت
وقتها بقى يا حبيبي جوازنا يبقى رسمي مش عرفي
وتعلن للدنيا كلها عشان تغيظها وتعرف إنك ألف ست تتمناك....
مش واقف عندها ولا عند طلاقها
وعيالك كمان يتربّوا ويعرفوا قيمتك
إنت كده كده هتقاطع بنتك لو اتجوزت ابن خالتها....يبقى جات من عندهم…
وإنت احتفظت بكرامتك
أضافت بلهجة واثقة
أنا من الأول قُلتلك الواد ده أكل بعقل البنت حلاوة و لافف عليها لفة سودا
قلتلك ابعدها عن إخواتها وعن عيالهم....قبل ما الموضوع يكبر.
إنت مسمعتش كلامي…
يبقى غلطتك ومتلومش غير نفسك
لم يكن رفضها لريان نابعًا من غيرة فقط....بل من خوفٍ أعمق
أن تصبح عائلة آسيا درعًا يحميها
وأن يتحول إسلام إلى تابعٍ لهم
وحينها…ستخسر سامية كل شيء
تلك الخبيثه لم تكن مجرد امرأة أخرى.....كانت مشروع سيطرة مكتمل الأركان.....تعرف متى تضع السم....ومتى تتركه يعمل ببطء....لا ترفع صوتها....بل تهمس في نقاط الضعف
هي لا تكرهه لأنه سيئ....بل تحبه لأنه ضعيف…والضعف بالنسبة لها فرصة
سامية تخاف من آسيا....لا لجمالها فقط....بل لأنها إن استعادت ذاتها ستستعيد قوتها....وقوة آسيا تعني سقوط سامية
هي لا تحارب من أجل رجل....بل من أجل موقع....مكانة...حياة انتزعتها بأسنانها من الفقر
لهذا كانت تريد كسر آسيا....لا طلاقها فقط...كسرها كامرأة....كأم.....ككيان
وفي تلك اللحظة داخل البيت...بين فنجان قهوة بارد وقلبين متواجهين....
كانت المعركة الحقيقية قد بدأت…
ليس بين زوج وزوجة...بل بين امرأة قررت أن تعود للحياة....وأخرى لا تعيش إلا على أنقاض غيرها
قضى باقي الليل معها....يحاول أن يثبت رجولة لم تعد موجودة إلا في الوهم
وفي الصباح...قرّر ألا يذهب إلى عمله عاد إلى منزله عازمًا على وضع حدٍّ نهائي لتلك المعضلة
إمّا أن تتنازل آسيا عن فكرة العمل...أو…يطلقها ويقتلعها من حياته تمامًا
عاد إسلام إلى المنزل وهو يحمل قراره كما يحمل سكينًا....لم يأتِ ليفهم ولا ليسأل بل ليُغلق بابًا… ويفتح جرحًا
وجد آسيا في الصالة....كانت تجلس في هدوءٍ مُريب...هدوء من أنهكته المعارك حتى لم يعد يخشاها
وقف أمامها...لم يجلس...قال بلهجة آمرة لا تعرف التفاوض
أنا جايلك في كلمة واحدة....يا إما تسيبي الشغل ده خالص يا هطلقك
رفعت رأسها ببطء....لم تُفاجأ.
كانت تعرف أن هذا اليوم قادم
ابتسمت ابتسامة قصيرة....ليست سخرية…بل مرارة متراكمة
أخيرًا…أخيرًا نطقت اللي كنت مستنياه من سنين.
عبس وجهه و هو يقول بغِل
إنتِ بتلفّي وتدوري ليه...القرار واضح
وَقفتْ....وفي اللحظة التي وقفت فيها
وقفت معها سنوات الصمت
هو عشان قررت اشتغل كده فاكر إني كنت واقفة قصادك
أنا اللي شيلت بيتك وإنت بتجري ورا نفسك و النسوان اللي بتخوني معاهم
وأنا اللي سكتّ لما كنت تهرب منّي شهور....وأنا اللي استحملت قهرك وبرودك وإهمالك
اقترب منها خطوة محاولًا أن يستعيد السيطرة
إنتِي لسه بتفتحي مواضيع قديمة....و لسه بترمي فشلك انك تكوني ست عليا انا
ضحكت بوجع ثم قالت دون ان تهتم باتهامه لها بعدم قدرتها ان تكون انثي مغويه
قديمة....ده أنا عمري كله كان ...قديمة....
أنا معشتش يوم واحد ست متجوزة بجد
ارتفع صوتها لأول مرة
كنت كل يوم أصحى أحس إني عبئ....ولا حبيبة....ولا زوجة....ولا حتى بني آدمة ليها قيمة
حاول مقاطعتها
كفاية بقى…
صرخت:
لااااااا.....مش كفاية.....إنت خدّت عمري....خدّت شبابي....وخدّت ثقتي في نفسي،....لما قررت أرجع أتنفّس…جاي تخيّرني
دموعها سالت لكن صوتها لم ينكسر
أنا مطلبتش غير حقي أعيش.....إنت كنت معايا بالجسم
وسايبني بالروح سنين
صمت.....لم يجد ما يرد به لكنه تمالك نفسه سريعا و قال ببرودٍ قاتل:
يبقى هطلقك
نظرت إليه طويلاً.....لم ترجُه.....لم تبكِ
بس خليك فاكر…إنت مش بتطلقني دلوقتي....إنت بتعترف إنك مكنتش راجل يوم من الأيام
اشتد وجهه قسوة و هو يقول بجنون
انا مش راجل يا بنت الكلب يا واطيه ....طب ملكيش حقوق عندي لا نفقة ولا مؤخر ولا حاجة.....لو عايزة تطلقي إبريني عند المأذون
هزّت رأسها ببطء كأنها كانت تتوقع هذا بالضبط
ولا يهمك…اللي خدّته منّي كان أكبر من أي حقوق
التفت ليغادر لكنها قالت خلفه بصوتٍ هادئ حدّ الرعب
أنا مش خسرانة…..الخسارة كانت وأنا على ذمّتك
خرج. وأُغلق الباب.....جلست آسيا على الأرض وضمّت ركبتيها
لم تبكِ فورًا.....كانت تبكي منذ سنوات
والآن…انتهى الدور....انتهي العذاب ....انتهي كل شيء عانت منه و ستبدأ من جديد
انتفضت سريعًا من مجلسها كأنها تحاول أن تنفض عن صدرها الحزن المتراكم منذ سنوات
لم يكن حزن لحظة.....بل عمرًا كاملًا انضغط داخل قلبها حتى ضاق بها
التقطت هاتفها بيدٍ مرتعشة واتصلت بريان.....حينما سمعت صوته... خرجت الكلمات متكسّرة...خائفة... صادقة
ريان… هات أخوك ومحمد ابن خالتك وأمير.....أنا هتطلق…
أرجوك متتأخروش عليّا.....خايفة يرجع في كلامه وأنا مصدّقت إنه قالها أخيرًا
جاءها صوته ملهوفًا... ثابتًا... برجولة لم تكن غريبة عليه
حالًااا… مسافة السكة وهكون عندك......هكلمهم كلهم يلحقونا
العيال فين....
أنا هبعت رسالة لآيات تطلع من المحاضرة على بيتنا
اختنق صوتها وكأن اسم أولادها أعاد فتح الجرح
صهيب وبسمة في الدروس من الصبح…
الاتنين فاضلهم نص ساعة ويخلصوا.....مش عايزة حد فيهم يحضر الموقف ده…أعمل إيه يا ابني
ردّ عليها بثبات ودعم
هخلّي محمود يروح يجيب بسمة من الدرس اما صهيب لازم يكون معاكي يا خالتي…مبقاش صغير...لازم يشوف وَطينه أبوه
واللي هيعمله فيكي وقت الطلاق...
عشان ميجيش يوم ويلومك إن البيت اتخرّب
وكأن القدر قرر أخيرًا أن يرحمها وأن ينتشلها من تلك الحياة البائسة
حضر الجميع بسرعة لم تتوقعها...كأنهم كانوا ينتظرون تلك اللحظة منذ زمن
قصّت عليهم ما حدث بصوتٍ هادئ على غير المتوقع
ثم دخل ذلك الحقير.....جلس أمام أمير زوج أختها وقال بندالة فجّة
ملهاش حقوق عندي ....هتبريني عند المأذون
سأله أمير بصبرٍ متماسك رغم أنه كان يتوقع الإجابة
مع إن ليها حقوق والشقة من حقها....بس أختي مستعدة تتنازل عنهم عشان تخلص.
إنما حق العيال…فين...مش هتدفعه برضه
قال بمنتهى الخسّة بلا ذرة خجل
الهانم هتشتغل وتصرف هي بقى
وصهيب بقى راجل يتحمل مسؤولية نفسه....مش لازم أمه تصرف عليه....أنا مش هوقف حياتي عليه
أنا راجل وليّا احتياجاتي....انا هتجوز ومش هقدر أشيل مسؤولية بيتين
نظرت إليه بسخرية موجعة وارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها....ابتسامة لم تصل لعينيها
عن أي رجولة تتحدث أيها الحقير....
وأي احتياجات....هل امتلكتها يومًا من الأساس
فهم نظرتها وابتسامتها سريعًا وشعر بالخطر....فقرر إنهاء الأمر قبل أن يُفضح أكثر إن عاند أمامهم
كاد ريان ومحمود أن يتحدثا لكن محمد ألقى عليهما نظرة تحذيرية صامتة مفادها...
محدش ينطق…خلّونا نخلص ونخلّص خالتك من الهم اللي هي فيه
أما صهيب…..فكان يجلس بصمتٍ ثقيل
الحزن واضح في عينيه....لكن ملامحه الرجولية كانت تحاول أن تخفي الانكسار
قال بهدوءٍ موجوع محاولًا إنقاذ ما يمكن إنقاذه
يا بابا…...إنت كده بتخرّب البيت وبتفرّقنا
مفيهاش حاجة لما توافق على شغل ماما هي معملتش حاجة غلط...انت عارف إنها بمية راجل....خلّينا نعيش سوا في بيت يلمّنا بدل ما نتفرّق
تطلّع إليه بجمود قاسٍ ثم قال بتجبّر بلا رحمة
طول عمرك ابن أمك وبتدافع عنها.....أنا قلت اللي عندي....ولو همّك البيت قوي وخرابه اقنعها تقعد ست بيت محترمة لا تطلع ولا تنزل
سقطت الكلمات كصفعة أخيرة....ليس على آسيا وحدها…بل على ابنه أيضًا
وفي تلك اللحظة....لم يعد الطلاق خسارة....بل خلاصًا
دخل المأذون...رجلٌ عادي يحمل أوراقًا عادية...لكنه كان شاهدًا على نهاية عمرٍ كامل
جلست آسيا مستقيمة الظهر....ليست قوية…بل متماسكة بما تبقّى لها من كرامة
أمسكت القلم....للحظة قصيرة ترددت...ليس خوفًا بل وداعًا أخيرًا لامرأة كانت تحلم....كانت تكتم ....كانت تحترق في صمت حتي صارت ....رماد
وقّعت هي ....و وقّع هو بسرعة كأنه يتخلّص من عبءٍ ثقيل
قال المأذون بصوتٍ محايد
تم الطلاق.....كلمتان فقط…لكنهم حملا الخلاص الذي كانت تنتظره منذ سنين
اما صهيب شعر بهما كأنهما سقطتا فوق صدره
شدّ على يده بقوة...أظافره غرست في كفّه....حاول أن يبقى ثابتًا
حاول أن يكون ....راجل.... كما علّمته امه الغالية
لكن قلبه كان طفلًا يُسحب منه بيته
وقف فجأة....نظر إلى أبيه بعينين دامعتين لكن صوته خرج ثابتًا بشكل مؤلم
مبروك عليك…إنت كده ارتحت
لم يردّ اسلام.....لم ينظر إليه حتى
التفت صهيب إلى أمّه....اقترب منها خطوة وقال بصوتٍ منخفض
متزعليش يا ماما…أنا جنبك
ابتسمت له آسيا....ابتسامة مكسورة لكنها حقيقية وربّتت على يده
إنت سندي يا ابني…ويمكن الوحيد اللي مخزلتنيش
خرج الأب دون أن يلتفت.....لم يودّع.....لم ينظر خلفه.....وعند تلك اللحظة…لم يعد صهيب طفلًا
كبر فجأة…كبر قهرًا
كانت سامية تجلس في شقتها تتأمل هاتفها كل دقيقة تنتظر الاتصال…
لا حبًا...بل تأكيدًا للنصر
رن الهاتف أخيرًا.....ابتسمت قبل أن ترد
هاااااا.... عملت إيه طمني
جاءها صوته مصدوما خاليًا من النشوة
طلقتها
اتسعت ابتسامتها لكنها سرعان ما سألت بلهفة خبيثة
ومن غير حقوق
آه…...ولا مليم
أغمضت عينيها لحظة كأنها تتذوّق الطعم
شاطر…كده تبقى خلِصت
صمتت ثواني ثم قالت بنعومة مصطنعة
يبقى بقى نبدأ حياتنا بجد....الطلاق خلص…
والدنيا كلها مفتوحة قدامنا مش مضطر تخبي حبنا بعد كده ...خلينا نعيش بقي
تنفّس بعمق
أنا تعبان…خايف اكون خسرت كتير
ضحكت ضحكة قصيرة، باردة
خسرت إيه يعني...ست مش ماسكة فيك و لا انت فارق معاها من اصله
عيال هيكبروا وينسوك...إنت راجل...والراجل دايمًا بيعرف يبدأ من جديد
لكن ما لم تقله ساميه وما لم تعترف به حتى لنفسها
أنها لم تنتصر بالكامل.....كانت تعرف أن امرأة خرجت بلا حقوق
قد تعود أقوى....وكان هذا الخوف
أول شرخٍ حقيقي في انتصارها
وضعت الهاتف جانبًا.....وقفت أمام المرآة....تأملت وجهها طويلًا ثم همست لنفسها
المهم إني كسبت دلوقتي…وبعدين نشوف.
تلك الحقيره لم تكن تعلم…
أن ....بعدين....
سيحمل لها ما لم تحسب له حسابًا
وهناك…كان قلبٌ يخفق بعنف كأنّه أدرك دون دليل أنّ شيئًا جللًا قد حدث......شعورٌ خانق باغته فجأة
كأن نصفه الآخر يتألّم في تلك اللحظة....وجع لا يُرى، ولا يُفسَّر لكنّه كان حقيقيًا حدّ الارتجاف
وسط هذا الاختناق....تسلّل إليه بصيص راحة غريب
راحة أربكته أكثر مما طمأنته ...لم يعرف لها سببًا....ولا أراد أن يعترف بمصدرها
رفع يده ووضعها فوق قلبه كمن يحاول تهدئة نبضٍ خرج عن السيطرة
وتمتم بصوتٍ خافت يختلط فيه القلق بالعتاب
مالك يا آسيا....إيه اللي بيحصل لك
توقّف لحظة ثم أكمل بصوتٍ أثقل، محمّل بسنوات من الألم
إنتِ دايمًا واجعه قلبي كده…ولا ريّحتيني وأنا معاكي....ولا بطّلتِ تعذّبيني لما سبتِك وبُعدت
لكن الحقيقة التي لم يجرؤ على نطقها أن هذا الوجع…....كان الدليل الوحيد على أنها لم تخرج من قلبه بعد
وأن الروح مهما تباعدت الأجساد....لا تزال تعرف طريقها إلى بعضها
جلست آسيا وسط أخوتها وأبنائهم الذين اجتمعوا لتخفيف وقع ما حدث على أولادها....محاولين أن يكونوا سندًا لهم في هذه اللحظة الصعبة
قالت هدى باقتراح خائف من الرفض لكنها لم تعلم أن الرد سيكون قاطعًا
انتِ هتقعدي معانا هنا… الحمد لله إنك رجعتي وسطينا يا حبيبتي وكل حاجة هتبقى بخير
ابتسمت آسيا بهدوء ثم قالت بصوت يملاه العزم والإصرار
أنا مش هقعد بأولادي عند حد يا هدى…
الحمد لله لقيت شغل....هاخد شقه .... حتى لو اضطرينا نقعد فيها على البلاط
كل واحد يقعد في بيته براحته… إحنا مع بعض هنروح فين يعني
نظرت إلى هاجر وأكملت بصوت يحمل رجاءً حقيقيًا
أنا بس كل اللي بطلبه منك يا هاجر… تشوفيلي الست اللي بتدخلي معايا الجمعيات
لو تعملي جمعية بسرعة تديني الأول عشان أقدر أجيب شوية حاجات أفرش بيها الشقة
أنا هبيع الخاتم والدبلة اللي معايا عشان أدفع المقدم…
و هشتري من الجمعية أي فرش بسيط واحدة واحدة وربنا يكرمني وأخلي الشقة دي جنة ليا ولأولادي
حاولوا جميعًا إقناعها بالصبر ....أن تؤجل خطواتها لكنها أصرت على موقفها....مؤمنة بأن الحياة الجديدة التي تبنيها لنفسها ولأطفالها ستكون مليئة بالأمان والسعادة وستملؤها بالذكريات الجميلة لتطمس بها كل وجع عاشته في الماضي وتبني بها مستقبلًا حقيقيًا لهم جميعًا
بعد مرور اسبوع على تلك الاحداث وقد منَّ الله عليها أن استلمت مبلغاً ماليا لا بأس به من تلك الجمعيه التي اخذتها سريعا وكأن القدر قرر ان ينصفها ويساعدها
دخلت آسيا الشقة الصغيرة ...قلبها يدق بسرعة غريبة...كأن كل جدار وكل زاوية تهمس لها
أنتِي هنا… ملكة على حياتك... ولا أحد يقدر ان يسيطر عليك بعد اليوم
وقف أولادها حولها عيونهم تتلألأ بمزيج من الفضول والفرح
ماما… ده فعلا بيتنا
سأل صهيب صوته يملؤه الدهشة لكنه حاول أن يكون جديًا
ابتسمت لهم وأمسكت بأيديهم كأنها تشدّهم بقوة عن كل ما مرّ بهم من وجع
أيوه يا حبايبي… ده بيتنا…
حتى لو صغير… حتى لو الأرض على البلاط…
ده مكاننا وكل حاجة هتبقى كويسة
بدأت بتفريغ بعض الأغراض التي أحضرتها
تختار بعناية كل قطعة...كل فرشة....كل وسادة
توقفوا أمامها أحيانًا يساعدونها في وضعها في مكانها والضحك يملأ المكان رغم بساطة الأثاث
ماما… تعالي شوف… دي حطيتها هنا…
قالت بسمة وهي تشير إلى بساط صغير وضعته في زاوية الغرفة
كويس قوي يا بسمة… تمام… كده الشقة هتبقى حلوة شويه شويه…
واحدة واحدة وربنا يكرمنا…
اكملت آسيا بابتسامة لكن عيناها كانتا مليئتين بالفخر والقرار
أنا هعمل ده… وهخلي حياتنا أحسن… محدش هيكسرنا تاني
جلسوا معًا على الأرض الضحك يملأهم
ولحظة فرح صغيرة بعد كل ضحك
تذكّرهم أن الحياة ممكن تكون جميلة
وأن كل وجع الماضي مهما كان
لن يقدر أن يمنعهم من البداية الجديدة
نظرت اسيا حولها...نظرت لأولادها وابتسامة عميقة ارتسمت على وجهها
أهم حاجه يا حبايبي ان إحنا هنا مع بعض وكل حاجة هتبقى تمام باذن الله
دي حياتنا… وهنخليها جنة حتى لو بدأنا من الصفر…
من البلاط… من الفرش البسيط… من كل حاجة صغيرة…
ده بيتنا… ودي حياتنا اللي هنعيش فيها زي ما إحنا عايزين
كانت لحظة صمت قصيرة ثم عاد الضحك واللعب والفرح....ولأول مرة منذ وقت طويل
شعرت آسيا أنها تنفست بحرية وأن الأمان الذي كانت تبحث عنه طوال حياتها…بدأ يأخذ مكانه في قلبها
استيقظت آسيا في صباحها الأول بعد انتقالها للشقة....الهدوء في المكان مختلف…لا صراخ... لا تهديد....لا قيود…
مجرد صوتها وهي تهتم بنفسها وبأولادها
حضّرت لهم فطورًا بسيطًا لكن كل حركة كانت محسوبة بعناية كأنها تعلن لنفسها
ده أنا… و دي حياتي دلوقت
بعد الفطور جلست مع هاجر و ريان الذين أتوا للاطمئنان عليها وبدأت ترتب خطتها القادمه
هاجر… أول حاجة لازم أعملها أروح التأمينات النهاردة…ريان كلملي واحد عشان اقدم علي معاش بابا الله يرحمه
هزت هاجر رأسها موافقة لكنها لم تستطع أن تخفي القلق من تعبها
آسيا… إنتِي هتقدري… أول يوم شغل… وبيت… وعيال…
ابتسمت آسيا بابتسامة مليانة حزم
هاجر… أنا مش لوحدي… وده اللي هيديني القوة…مش مهم التعب… المهم أدي أولادي الأمان…
وأثبت لنفسي قبل أي حد إني أقدر أعيش بحرية وكرامة…حتى لو بدأت من الصفر
ارتدت حذاءها وحملت حقيبة صغيرة
وكانت عيون أولادها تتبع كل حركة لها بصمت و فخر
كأنهم يلتقطون من عزيمتها جزءًا ليعيشوا به أيضًا
لم يكن مجرد شعور بالتحرر من رجلٍ فقد صفاته
بل شعور بأن قلبها قادر على حماية أولادها وبناء عالمها الخاص
تحدث ريان بمزاح يملأه الجديه و الترقب
طب يا عروسه فرشتي شقتك وظبطتي حالك ورايحه شغلك دلوقتي
هفرش شقتي امتى انا بقى.... عايز اتجوز يا جدعان
تطلعت له بقوه .... قوه امرأه تملك القرار ثم قالت
الجمعه الجايه باذن الله كتب كتابك علي بنتي ....
ماذا سيحدث يا ترى
سنري
انتظروووووووني
بقلمي / فريده الحلواني
