📁 آخر الأخبار

روايه صك الغفران الفصل الثالث عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا

 روايه صك الغفران الفصل الثالث عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا


روايه صك الغفران الفصل الثالث عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا








الفصل الثالث عشر 
صك الغفران 
بقلمي


صباحك بيضحك يا قلب فريده

يا مرحبًا بتلك اللحظات التي ننهار فيها حتى نصير فراغًا…
لا نبكي لا نصرُخ... فقط نسقُط من الداخل قبل أن تسقُط أجسادنا
تخذلنا أقدامنا فتسندنا الأرض.
ونسند أرواحنا على ما تبقى من كبريائنا لا على كتف أحد.

هٌنا فقط....حين لا يبقى فينا شيء نخسره نكتشف أننا كنّا وحدنا منذ البداية وأنَّ الوحدة ليست عقابًا بل الحقيقة الوحيدة التي تأخرت أعيننا عن رؤيتها
داخل آسيا كانت النار تأكل كل شيء...لا تترك سوى رمادٍ أسود لكن حتى الرماد كان يؤلمها لأنه بقايا قلبٍ احترق بإسم الحب

انهارت وهي تستدعي تلك الذكرى الملعونة...سبب انفصالها عن الحبيب الذي لم يعرف يومًا معنى الرحمة
الذي كسرها… ثم مضى كأن شيئًا لم يكن
في الماضي كانت تخدع نفسها
تلتقط من الذاكرة لحظات ضحكٍ كاذب...تٌزيّن بها قُبح الحقيقة أمّا تلك الليلة…فكانت تدفنها حيّة داخل صدرها
تمنع نفسها من مجرد الاقتراب منها لأنها تعلم…لو فتحت ذلك الباب مرّة أخرى فلن تخرج منه كما دخلت.

لم تكن تخاف الذكرى…بل تخاف نفسها ...ذلك القلب الغبي الذي قد يغفر وقد يحن وقد يركع مجددًا أمام من ذبحه. ..لكنها الآن أُجْبرت على المواجهة
ستراه كل يوم وكل يوم ستضطر أن تقتل فيه بقاياها القديمة بيدها
لذا ...وجب عليها أن تعيش نفس الوجع مرّه اخرى حتي لا تضعف امامه حينما تراه
رنّ الهاتف…مرّة… ومرّات…
واسم هاجر يُضيء الشاشة
لكنها لم تعد تملك طاقة للرد حتي أصابعها خانتها





قررت أن تذهب لها بعد ان شعرت بالقلق علي اختها الصغيرة 
وحين جاءت هاجر وجدتها جالسة كجثةٍ تتنفس....عينان جامدتان...وجه بلا دموع
لأن الدموع انتهت قبل أن تبدأ
قالت بصوت  مرتجف
مالك يا قلب أختك… إنتِ معيطه؟
لكن السؤال جاء متأخرًا فالانهيار لم يبدأ الآن بل كان يتآكلها بصمتٍ منذ سنين
مفيش…
ردّت بصوتٍ مبحوح كأن الحروف تُنتزع من حنجرتها

نظرت إليها هاجر بعدم تصديق
مفيش!... وإنتِي قاعده بالشكل ده!... عينك تايهة كأن روحك مش هنا هو أنا مش عارفاكي يا آسيا؟
دمعت عيناها، وقالت بصوتٍ ميّت
روحي فعلًا مش هنا سبتها هناك يوم ما انكسرت ومحدّش سمع صوتها
شعرت هاجر أن الجرح القديم عاد ينزف من جديد 
سألتها بحذر
إنتِي زعلانة عشان آدم معاكي في نفس الشركة... مش قادرة تشوفيه صح؟
أنا من رأيي تشوفي شغل تاني وتبعدي عن وشه.
كأن الكلمات لم تصل لها قالت بنبرة خاوية من الحياة
الشخص الوحيد اللي سلمته قلبي فَداس عليه برجله ومشي
الإنسان الوحيد اللي أمنتّه على روحي
مكُنتش عايزة أفتكر يا هاجر…اليوم ده بالذات كنت بدفنه جوايا
مكُنتش عايزة أعيش الوجع والدّبح مرّة تانيه
نظرت لها هاجر بشفقة ثم قالت:
لسه بتتوجّعي يا قلب أختك… كفاية وجع… ارحمي نفسك.
ابتسمت آسيا ببهوتٍ ثم قالت بقهر:
الوجع مش منُه الوجع مني أنا ...إني حبيته لحد ما نسيت أحب نفسي"
لما دبحني مهمنيش وجعي…
كنت خايفة على وجعه هوَ ... ولما كنت بتصل بيه مش عشان أحلف إني مخنتهوش




لأ…كنت حاسة إنه محتاجني و وحشته بس مش قادر يقول.

وفجأة…انهارت....صرخت كأنها تلد وجعها من جديد
أنا مخُنتهوش يا هاجر والله ما خونته.
أخونه إزاي وأنا مكنتش بشوف غيره مكنتش بنزل من البيت غير بعلمه
ولو مرضاش… مكنتش بنزل.
أمك كانت بتتخانق معايا قد إيه بسببه كانت بتقولي طول ما إنتِي في بيت أبوكي… ملوش حكم عليكي.

التقطت نفسها بصعوبة ثم أكملت:
دانا مكُنتش بتنفّس من غيره لو قالي ارمي نفسك في البحر…كنت هرمي نفسي من غير ما أفكر.
اتحملت ظروفه و مَهمنيش كلام أي حد.
اتقدملي الأغنى منه… والأحسن منه .....مشوفتش غيره.
أنا بعت الدنيا واشتريته يا هاجر.
بس هو…رماني حتى استخسر يبيعني
رماني في أقرب صندوق زبالة

انهارت هاجر في البكاء لكنها لم تقاطعها…فبعض الوجع لا يُشفى إلا إذا خرج كاملًا
رفعت آسيا رأسها و دموعها لا تتوقف
مَهَنش عليه يسمعني كنت عايزة بس يسمع وبعدها يسيبني ..كنت هقول خلاص… براحته لكن يعيّشني بذنب خيانة معملتهاش ده قتلني وأنا عايشة.
تنفّست بصعوبة ثم همست بصوت مكسور:
وأنا عرفت الحقيقة كلها لكن بعد إيه....بعد ما روحي كانت ماتت
نظرت لها بقهر وأكملت
وهو عمل إيه....راح اتجوز أكتر واحدة بكرهها في حياتي
عاش حياته يا هاجر بعد ما دمرني و خلاني عايشه ميته
أنا حياتي وقفت عند بنت بتعشق واحد ومش قادرة تتنفس من غيره

مسحت دموعها بعنف ثم اكملت بجنون
بقيت عايشة حياتين…حياة قدام الناس بمثل فيها إني قدرت أكمل من غيره و اتجوزت واحد زباله بس اضطريت اكمّل معاه  عشان خاطر ولادي.
وحياة تانية جوايا…عايشه فيها مع كل ذكرى عشتها معاه.
كأني مش قادرة أكون غير البنت اللي هو عملها بإيده
حتى تعاملي مع الناس كان على أساس اللي علّمهولي…أو طلبه مني
ضحكت ضحكة مكسورة مليئة بالقهر والوجع ثم اكملت
بعد ما سابني…لما كان واحد يقولي بحبك كنت بتخنق
بحس إني بخونه بقول جوايا:
إيه القرف ده ...إزاي يقولي كلمة زي دي الكلمة دي ملكه هو مش من حق حد غيره يقولها

صرخت بكل ما تبقى فيها:
وبعد كل ده…جاي يقولي هنتقم منك عشان قلبه اللي مقدرش ينساني....يلعن ميتينك يا جاحد.
سكتت أخيرًا…كأن الصوت خرج ومعه آخر ذرة حياة
قالت هاجر بصوت مُرتعش
قومي…اقفي علي رجلك و انسيه…كفاية كده يا حبيبتي ميستاهلش دمعة منك

نظرت لها آسيا بذهولٍ موجع:
أنساه......ده أنا يومي كله بحاول إني مفتكرهوش!
بس إنتِي قوية…
لا…..أنا اتعلمت أبان قوية...
القوة الحقيقية إني منهرتش قدامه…لكن الحقيقة:
أنا انهرت بعد كل السنين دي…
بعد كل العذاب اللي عيشته في بُعده.
أنا عشت أتمنى عمري يطول…
عشان أقابله وأقوله الحقيقة بس للأسف لسه شايفني خاينة
سألتها هاجر بغضب مكبوت
وبعد كل ده…لسه قلبك بيدُقله
ابتسمت آسيا بمرارةٍ ثم قالت:
القلوب مش بتبطل تدق…بس بتتعلم تدق وهي موجوعة…مدبوحه…عشان تحس إنها عايشة...
سألتها بحزن
طب هتعملي إيه دلوقتي؟

في لحظة…..تبدل كل شيء
صوتٍ ثابت…عينٍ جافة…ملامح باردة كالموت.
هعيش بس مش عشان أفرح ولا عشان أحب ولا حتى أتمناه
هعيش عشان أثبت لنفسي
إني مَمُتش يوم ما هو سابني
اقتربت كأنها تُقسم ثم اكملت: 
النار اللي حَرقتني بسببه…
هاخد من رمادها دافع يقويني
رمادي اللي كتمت بيه دمي…هو نفسه اللي هيتحرق هو بيه.
ثم أنهت بصوت منخفض… قاطع… مظلم
– أنا قررت أنساه يا هاجر مهما أتعب…
عمر تعب النسيان ما هيكون
قد وجع غدره. 
هو يستاهل يتنسي.....ده اكبر عقاب ليه أنه يفضل مُتخيل اني لسه بتمناه و مستنيه منه كلمه و انا عايشه حياتي من غير ما افكر ابص في وشه او حتي افتكر ملامحه.

رفعت عينيها أخيرًا و كأنها تُعلن عن عوده شموخها و كبرياءها الذي دفنته بسبب شخص
لا يستحق اي شيء ثم قالت بقوه و عزم:
اليوم اللي تشوفيني فيه بضحك بصدق…
اعرفي إن دي آسيا الجديدة وإن القديمة…ماتت خلاص

ساد الصمت.....صمتٌ كثيف…
كأنه غطاء أسود أُسْدِل فوق الغُرفة فحجب الهواء وخنق الأنفاس.
لم تعد هناك دموع فقد جفّت منابعها.
آسيا تجلس بثباتٍ غريب كأنها أفرغت روحها لتوّها.
وبقي جسدٌ يؤدي واجبه في البقاء فقط.
هاجر أمامها....تَضُم كفيها إلى صدرها تقاوم انهيارًا آخر…
ليس انهيار آسيا…بل انهيارها هي وهي ترى أختها تُذبح أمام عينيها ولا تملك إنقاذها

لا صوت سوى نبضتين متسارعتين تتنازعان الحياة داخل صدرين موجوعين
آسيا ترفع يدها ببطء...تلمس وجنتها تتفاجأ أن دموعها توقفت…فتبتسم ابتسامة باهتة…ميّتة كأنها تقول لنفسها:
حتى البكاء تخلى عني.
مدّت هاجر يدها تضعها فوق يد آسيا.....لم تقل شيئًا....ولم تقل آسيا شيئًا
فبعض الصّمت أصدق من ألف كلمة.

في صباح اليوم التالي دلفت آيات إلى أمها فوجدتها تقف أمام المرآة تتجهز بعناية
كأنها لا تستقبل يومًا جديدًا…بل حياةً جديدة
اليوم مختلف كليًا عمّا سبقه عن سنواتٍ قضتها بين العذاب والانتظار
اليوم… قررت أن تكون آسيا تلك العنيدة القوية التي لم يهزمها أحد ولو انكسرت ألف مرة من الداخل

نظرت آيات إلى أمها بإعجابٍ صادق، وقالت بدهشة
يا لهوي على القمر إيه ده يا آسيا ....كنتِي مخبية ده كله فين
ابتسمت آسيا بهدوء وقالت بغرورٍ مازح:
طول عمري حلوة يا جزمة… بس إنتِو اللي مش واخدين بالكم
دلف عليهما ولدها الغالي ونبرة الغيرة تسبق كلماته:
ماما… إنتِي ناوية تنزلي كده؟
غيّري البنطلون… ضيق.
رفعت حاجبها الأيسر بغيظٍ مصطنع:
فين اللي ضيق يا ولا.... وبعدين الجاكيت طويل!
يا ماما… البنطلون شكله مُلفت… غيريه لو سمحتي"
تدخّلت آيات ضاحكة:
على فكرة مش مُلفت ولا حاجة…إنتَ اللي بتغير على أمك.
وبعدين البنطلون الأسود اللي لبسته أول امبارح كان أضيق من ده…اعترف بقى إن مامتك حلوة ومُزّة في الطقم.

التفت إليها بغضب طفولي:
مالكِيش دعوة يا بومة متدّخليش بيني وبين أمي
اقتربت آسيا منه....وضعت يدها على كتفه بحنانٍ محسوب
حتى لا تكسر رجولته:
إنتَ عارف يا حبيبي إني بحترم نفسي و بحترم سني…
وقبلهم بحترم إن معايا راجل أطول مني
فأكيد مش هلبس حاجة مُلفتة ولا هخلي الناس تتفرج عليّا خليك واثق في أمك…أنا ست بمليون راجل.
ابتسم رغمًا عنه ثم قبّلها و اخذ يتمازح معها ليصنع جو من البهجه بينهم.

دلفت إلى الشركة…لا أجد لها وصفًا.....
إلا....واثقة الخطوة تمشي ملكة.
ابتسامتها هادئة عينها ثابتة روحها مغلقة بإحكام لدرجه انها لم تلاحظ ذاك الذي سبقها إلى المصعد
لأول مرّة….لم تشعر بوجوده في نفس المكان.
أغلقت حواسها وأجبرت روحها
على عدم الإحساس به.

داخل المكتب… نهضت نِهال لاستقبال آدم
ألقى نظرة سريعة نحو مكتب آسيا
وحين وجده فارغًا قال بغيظٍ مكتوم
آسيا فين..لسه مجتش؟ ولا عند شريف جوّه

وقبل أن تجيبه نهال…تصلبت ملامحه فقد دلفت هي.
جميلة…مشرقة…كأن الزمن أعاد لها شبابها دفعة واحدة
ابتسامة هادئة على شفتيها…نظرة لا تحمل اهتمامًا…ولا ذكرى
ألقت تحية الصباح عليهما بلهجة جافة مُحايدة كأنهما غريبان تمامًا عنها.

في البداية... ظن أنها فعلت ذلك لتُثير غيرته لكن حين اصطدمت عيناه بتلك النظرة الباردة وتلك النبرة التي لا يعرفها شعر بشيءٍ مُريب.
قلبه خفقَ بعُنف ليس شوقًا هذه المرّة بل......رُعبًا

تجاوزته آسيا بخطوةٍ هادئة لا مُتعجلة ولا مُترددة.
كأن الأرض تعرف طريقها تحت قدميها دون أن تفكر.
مرّت بجواره والهواء بينهما لم يرتجف لا نظرة خاطفة ولا ارتباك….ولا تلك الرّعشة القديمة التي كانت تفضحها دائمًا.
لا شيء....وكأن سنواتٍ كاملة لم تكن.
استدار آدم ببطء…عيناه تتبعانها.
غير مصدّق هل هذه هي آسيا التي كانت ترتجف لمجرد أن تسمع صوته.
آسيا التي كان وجوده يكفي ليقلب عالمها.

جلست خلف مكتبها…ذلك الهدوء نفسه كان أشبه بصفعةٍ على وجهه.
اقتربت نهال بحذر ثم قالت :
تحب أجيب لحضرتك القهوة يا أستاذ آدم؟
لم يجب.....كان عقله مشغولًا بسؤال واحد يضربه بلا رحمة:
لماذا لم ارى صورتي داخل عيناها ....اين اختفى ذاك البريق ...و لما لم يصلني نبضها الذي يصرخ بعشقي

وضعت حقيبتها جانبًا…فتحت ملفًا عشوائيًا لكن يدها لم تكن ترتجف.
قلبها لم يتسارع ولا حتى ذكرى واحدة حاولت اقتحامها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة…باردة…
منتَصرة كأنها تقول لنفسها:
ها أنا أمامه…ولم أمت!

و امامها ....آدم لا يزال واقفًا مكانه شيٍء ما  انكسر داخله ...ليس غيرة…بل خوف
الخوف من فكرة واحدة
ماذا لو… لم تعد تحبه؟
ولأول مرة منذ عرفها…لم يكن هو من يتحكم في اللعبة.

اتجه نحو مكتبه دون ان يتفوّه بحرفٍ واحد امام نظرات نهال التي أيقنت أن الأمر به شيء ما و يجب عليها معرفته.
بمجرد أن اختفى وقفت أمام اسيا و قالت بجنون مما جعل الأخرى تضحك بزهول:
بقولك اااايه....انتي اه متعرفنيش بس انا واحده فضوليه لدرجه تموّت و تجيب جلطه
الجدع السقيل ده وراه حاجه تخصك و انا احساسي مبيكدبش !
بالله قوليلي في ايه.. و ايه الحرب البارده اللي دايره بينكم ....انا ممكن يجرالي حاجه لو معرفتش؟

رغم أنها تشعر بارتياح شديد لها إلا أنها قالت بحذر:
مفيش حاجه ...عادي و الله هو استاذ ادم طبعه صعب شويه.
ردت عليها نهال بغيظ :
بُصي انا اكتر واحده اعرف آدم من كتر ما دعاء صاحبتي بتحكيلي عليه .
ورغم اني قلتلها الجدع ده وراه قصه وقصه كبيره بس هي غبيه وما صدقتنيش .

واتجمعوا الحبايب قدام مني كده .. قريت كل واحد فيكم انتي وآدم في بينكم حاجه مش طبيعيه وشريف بيحاول يدخل على الخط ودعاء اغبى خلق الله بتمشي تحب على روحها فبالله عليكي فهّميني عشان مااقعدش ارسم في خطط وارسم في حكايات وفي الآخر تطلع حاجه ثانيه خالص .

سألتها باستغراب رغم تأكدها من الاجابه :
هي مدام دعاء بتحب آدم؟..... طب و استاذ شريف عارف ؟
زفرت نهال بحنق ثم قالت بجديه :
بُصي هو انا مش هينفع اقولك تفاصيل علشان مابعرفش حد يحكيلي حاجه حتى لو تافهه وانا أحكيها لحد ثاني .
الكلمتين دول لأني فهمت انك ذكيه واخذتي بالك من تصرفاتها امبارح .
بس في العموم ولا انا ولا استاذ شريف بنشجّعها على العتّه اللي في دماغها ليه..... عشان هو مش شايفها اصلا .
وهي عايشه على مجرد اوهام في دماغها .
تطلّعت لها بقوه ثم اكملت بيقين وكأنها تعرفها منذ سنوات :
مش زي ناس عايشه الحقيقه جوه دماغها بس بتحاول تظهر عكسها قدام الناس "

ساد  الصمت  بضع لحظات ثم قالت اسيا بصدق وجدّيه :
مش هَنكر اني مرتاحالك وانا مَليش صُحاب من زمان أوي يمكن 
من 20 سنه مَصاحبتش حد .
سيبيها دلوقتي يا نهال يمكن نبقى اصحاب واحكيلك كل حاجه .
صفقت بمُزاح ثم قالت بغيظ شديد :
ايوه كده والمصحف كلها يومين وهتحبيني وهتحكيلي القصه كلها .
ساعتها بقى هخلي ابو الفصاد ده.. يرقص حوالين نفسه مش يلف بس عشان انا من يوم ما شُفته كده وانا حاسه ان انا مش طايقاه وتقيل على قلبي ابو شكل تقل دمُه يا شيخه.

لم يعود آدم الى مكتبها....لم يتحدث معها لم يفعل شيئًا… سوى أن يُراقب.
يُراقبها وهي تتحرك بين الموظفين بثقة....تبتسم بهدوء....توزّع المهام بحزم
صوتها ثابت…نظرتها لا تتعثر.
لم ترتبك مرّة واحدة ..لم تخفض عينيها لم تبحث عنه كأن وجوده…..أصبح تفصيلًا عابرًا في يومها
وكلما طالت المُراقبة…كان شيٍء ما يجعله يخاف  داخله أكثر.
هل هذه هي نفسها؟....أم أن المرأة التي كانت تعرفه… ماتت فعلًا!

في الظهيرة…اتجهت آسيا نحو آلة القهوة.
ضغطت الزر…انتظرت الكوب.
وفي اللحظة التي استدارت فيها كان آدم أمامها..
مسافة خطوة واحدة تفصل بينهما.
في الماضي…كانت تلك المسافة كافية ليختنق قلبها من شده خفقانه.





الآن…..لم يحدث شيء رفعت عينيها إليه بهدوء نظرة قصيرة لا تحمل أي شيء ثم قالت 
محتاج حاجه يا استاذ ادم؟
لا رعشة.....لا دفء....لا حنين!
ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال بغلٍ شديد و غرور سيجعله يدفع الثمن غاليا :
ايه اللي عملاه في نفسك ده يا آسيا.....مُتخيله ان كده ممكن اشوفك يعني اوتلفتي انتباهي

مرّت ثانية ثقيلة لم تحاول ملأها ولم تهرب منها
تناولت كوب القهوة ثم قالت بجفافٍ قاطع رغم نبرتها الهادئه
لو محتاج حاجة تخص الشغل بلّغ نهال اوابعتلي ايميل.
الكلام الجانبي مش ضمن جدول يومي و لا هسمحلك بيه. ...ثم تجاوزته بخطوة واثقة هادئة قاطعة.
تركته واقفًا وحده…والكوب في يده.....يرتجف!

قابلت في طريقها قاسم الذي كان يراقب ما يحدث من بعيد بعيون صقريه وحينما وجدها امامه قال بمُزاح خفيف :
ايه البطل اللي هَلْ علينا في الشركه ده..... إنتي  كده هتجنني امُه وانا مااضمنش رد فعله 
تطلّعت له بغيظ لكنها ردّت بمُزاح ايضا :
على فكره انت شكلك مش سهل بس نصيحه منّي مَتركزش معايا عشان مَتتعبش .
ابتسم وقال بتملق :
ده انا لازم اركز معاكي ده انتي خاله الفرسه هركز مع مين غيرك؟ 
تطلعت له بغضب ثم قالت بجديه: 
قاسم..... انا هقولك قاسم عشان انت تقريبا قد ولاد اختي اللي انا مربياهم :
بلاش رضوى..... ولا هي شبهك ولا انت هتنفعها "
خلي البنت في حالها عشان مش هسمحلك توجعها وبما انك عارف القصه انا مش هخلي الزمن يعيد نفسه ثاني .

تركته وغادرت لتُكمل يومها بشكل طبيعي وهدوء لم تحظى به منذ سنوات كثيره 
لكن عقلها كان منشغلاً بما اخبرتها به اختها هاجر بالأمس بعد ان هدأت من انهيارها 
قررت ان تساعد هؤلاء الشباب حتى يستطيعون بناء حلمهم وكلها ثقه انهم سينجحون فيه 
خطرت ببالها فكره عبقريه وقررت ان تنفذها في الحال .
بعد ان استأذنت ودخلت مكتب شريف وقفت امامه وعلى وجهها ابتسامه بشوشه ثم قالت :
استاذ شريف من فضلك محتاجه منك خدمه صغيره لو تقدر تعملها يبقى كثر ألف خيرك 
انتفض من خلف مكتبه ليتقدم نحوها وهو يقول :
اؤمريني يا اسيا اي حاجه محتاجاها قوليلي عليها على طول وانا مش هتاخر! 
ولاد اخواتي ربنا كرمهم بقرشين وعايزين يفتحوا كافيه بيدوروا على اماكن مناسبه ويكون فيها شغل .
الصراحه انا فكرت ان هما يأجروا محل هنا بما ان حوالينا شركات كثير وده انسب مكان ليهم .
فلو حضرتك تعرف حد عنده مكان للإيجار هنا هَكون شاكرالك جداً لو كلمته وكمان يخلي السعر حنين شويه عشان يقدروا عليه انت عارف ان هُما شباب في بدايه حياتهم.

فكّر للحظات ثم قال بحماس :
وليه اسأل حد انا عندي مخزن مقفول على الشارع الرئيسي مساحته كويسه جداً وهينفع يبقى كافيه محترم ايه رايك ؟
ارتسمت الفرحه جليّه على وجهها وقالت بامتنان :
بجد.... يعني مش عارفه اشكر حضرتك ازاي لو مش محتاجُه يبقى انا هكلمهم يأجروه
بس حضرتك قولي اللي طالبه فيه علشان اشوف على قد امكانياتهم او لأ؟ 

ردَّ عليها سريعا دون تفكير :
انا هشاركهم مش هأجر. 
نظرت له بصدمه فأكمل: 
انتي  بتقولي ان هُما شباب وفي بدايه حياتهم بدل ما يتكلفوا ايجار وحاجات كثير جدا وفي اخر الشهر مَيلاقوش مكسب لأ .. يعتبروه ملكُهم وانا هدخل معاهم بالنسبه اللي تريحهم فبكده هيكون المكسب افضل بكثير .
وقبل ما تسألي بعمل كده ليه انا بحب اساعد الشباب وبعدين مش هخسر ...كده كده مكاني موجود وكده كده ليا نسبه في الارباح .

ردّت عليه بفرحه جلّيه دون ان تعلم بالذي يستمع لما قاله شريف: 
هيَ فكره حلوه جدًا وانا واثقه ان هُما هيتعلموا منك كثير لو مش شايف فيها ضرر انا عن نفسي موافقه واكيد هُما كمان هيوافقوا 

اقتحمَ المكتب دون ان يستأذن ثم وقف امامهم وقال بغلٍ شديد وقد فشل في التحكم في غضبه........

اشوفكم علي خير بعد انتهاء المعرض
بعتزر عن توقف الروايه لمده اسبوع و هنرجع تاني باذن الله بعد حفله التوقيع
ادعولي

ماذا سيحدث يا ترى 





سنري




انتظروووووووني




بقلمي / فريده الحلواني
تعليقات