📁 آخر الأخبار

روايه صك الغفران الفصل التاسع عشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 روايه صك الغفران الفصل التاسع عشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه صك الغفران الفصل التاسع عشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني

روايه صك الغفران الفصل التاسع عشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني 

روايه صك الغفران 
الفصل التاسع عشر 
فريده الحلواني 


صباحك بيضحك يا قلب فريده
أقسى ما قد تختبره النفس…أن تجد داخلها صوتًا لا يصمت
ليس مجرد خاطرٍ عابر…
بل كيانٌ كامل يسكنك يراك ويفهمك أكثر مما تفهم نفسك
تحدثه…فيُصغي...تبوح… فيُجيب
تتألم… فيواسيك أحيانًا… ويُحطمك أحيانًا أخرى
والأشد رعبًا…أنه لا يُخطئ
تعرف أنه منك…ومع ذلك تشعر أنه شيءٌ آخر
شيءٌ وُلد من أعمق جروحك ثم قرر أن يعيش معك… لا داخلك فقط
تجادله فينتصر…تهرب منه فيطاردك
تتجاهله فيصرخ داخل رأسك حتى تفقد القدرة على التمييز
فتقف أمام نفسك مرتبكًا خائفًا
وتسأل ذلك السؤال الذي لا إجابة له
هل هذا أنا…
أم أنني بدأت أفقد نفسي تدريجيًا
أم أن الحقيقة الأكثر ظُلمة
أنني لم أكن وحدي يومًا…
وأن هذا الصوت…هو الوجه الآخر لي… الذي حان وقت ظهوره
أغمضت عينيها…فجاءه صوتها كما لو لم يفصل بينهما شيء
- لسه بتهرب
ابتسم بسخرية مريرة رغم أنه يعلم… أنها لا تراه
- أنا مبهربش… أنا بس مبقتيش فارقه معايا
ضحكت ببرود ضحكة خالية من أي دفء
- كذاب… إنت عمرك ما عرفت تبطل إحساس بيا حتى وجعك بتتمسك بيه كأنه الشيء الوحيد الحقيقي فيك
اشتدت ملامحه وصوته خرج أكثر حدة
- وأنتِ... إيه ملاك
ولا نسيتي إنك السبب في كل ده
سكتت لحظة… لكنه شعر بها
شعر بالوجع الذي حاولت ان تدفنه
- أنا عمري ما كنت السبب…إنت اللي اخترت تمشي… وتسيبني لوحدي أواجه كل حاجة
اقترب صوته منها… كأنه يهمس داخل عقلها
- سيبتك...ولا إنتِ اللي اجبرتيني أمشي
تسارعت أنفاسها وكأنها تُحاصر داخل نفسها
- انت هتكدب و تصدق كدبتك ....مفيش حد اتمسك بيك قدي و لا حد حاول يفضل ماسك ايدك زي ....انت اختارت كرامتك يا ادم و انا كنت مستنية تختارني… مرة واحدة بس تختارني أنا
صمت…
الصمت بينهم كان أقسى من أي حديث
ثم قال بنبرة خافتة… لكنها كسرت كل شيء
- وأنا كنت مستنيكِ تقوليلي خليك....حتي لو قولتيها كتير و انا مسمعتش
كنتي فضلتي عايشه علي حبك ليا اللي كدبتي عليا و وهمتيني بيه
ارتجف داخلها شيء قديم… شيء كانت تظنه مات
لكنها تماسكت وعاد صوتها باردًا قاسيًا
- وهمتك بيه...اتاخرت اوي يا ادم علي العتاب ده
ردّ بهدوء مخيف
- لأ… إحنا بس اللي اتأخرنا نعترف أن الي جوانا اكبر من أنه يموت حتي لو مكناش لبعض
ثم سكون…
سكون ثقيل كأن أفكارهم نفسها تعبت
لكن رغم الصمت…لم ينتهِ الحديث
لأن بعض الحوارات…لا تُقال بصوت ولا تنتهي أبدًا
ظنّا أن الصمت أنهى كل شيء…
لكن الحقيقة… أن ما لم يُقال كان أثقل من أن يُدفن
جاءه صوتها مرة أخرى… أضعف لكنه أكثر خطورة
- إنت عمرك ما حبيتني يا آدم… إنت بس كنت محتاجني
اتسعت عيناه… كأن الكلمات صفعة لم يتوقعها
- محتاجك...إنتِ بتهزري
ردّت ببطء… وكأنها تنتزع كل حرف من جرح قديم
- آه… محتاج حد يشيل عنك وجعك يسمعك يبررلك يسامحك…
بس عمرك ما حبيتني أنا
سكت لحظة… ثم خرج صوته منخفضًا لكنه مليء بالغل
- وإنتِ...إنتِ كنتي بتحبيني
ولا كنتِ بتحبي فكرة إن في حد متعلق بيكي
تجمدت…
وكأن سهمه أصاب هدفه
- أنا… كنت بحبك أكتر من نفسي
ابتسم بسخرية قاتلة
- لا… إنتِ كنتي بتعشقي حبي ليكي مش اكتر
كنتِ بتغذي روحك من احتياجي ليكي… مش من عشقي
اهتزت أنفاسها لكن صوتها خرج حادًا
- وأنت كنت بتكسرني كل مرة علشان تتأكد إني لسه معاك و ليك
صمت…صمت مرعب… قبل أن يهمس
- لأ… كنت بكسرِك علشان تبطلي تكسّريني
شهقت وكأن الحقيقة صُفعت بها
- أنا.... أنا اللي كسّرتك
- آه…
كل مرة كنتِ بتخليني أحس إني مش كفاية…
كل مرة كنتِ بتبصيلي وكأنك مستنية نسخة أحسن مني…
كنتِ بتموتيني واحدة واحدة
ارتجف صوتها لأول مرة
- ده بجد ...انت مصدق نفسك ده انا مكنتش بشوف راجل غيرك ...علي العموم اطمن أنت قتلت فيا الإحساس كله مرة واحدة
اقترب صوته أكثر… أعمق… أخطر
- لأنك ما سيبتيليش حاجة أعيش بيها
دمعت عيناها… رغم أنه لا يراها لكنه شعر بها
- أنا كنت عايزاك تبقى ليّا… بس
ردّ بمرارة
- وأنا كنت عايزك تحبيني… مش تخونيني
تكسّر شيء في الداخل… شيء لم يعد يُصلح
ثم قالت بنبرة شبه ميتة
- ادام لسه الفكرة الزبالة دي مسيطره عليك يبقى إحنا عمرنا ما كنا لبعض
ردّ بعد صمت طويل… طويل جدًا
- لا…
إحنا كنا لبعض زيادة عن اللزوم… لدرجة إننا ضيعنا بعض
سكون…
لكن هذه المرة لم يكن هدوءًا…كان نهاية
أو ربما…بداية انهيار لا رجعة فيه
تلاشى صوته تدريجيًا…
كأن أحدهم انتزعه من داخلها بالقوة
- آدم…
لم يأتِ الرد
صمت...هذه المرة صمت حقيقي
فتحت عينيها فجأة…
واندفعت أنفاسها مضطربة كأنها كانت تغرق… ونجت في اللحظة الأخيرة
نظرت حولها بارتباك…
الغرفة كما هي ساكنة باردة خالية…لا أثر له
وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة ذلك الخفقان العنيف…
لكنها كانت تشعر به…تشعر ببقاياه بصوته بكلماته… كأنها لم تغادرها بعد
همست لنفسها بصوت متقطع
- أنا لازم أبطل كده...لازم ابطل اسمعه جوايا و ارد عليه… لازم أفوق
أغمضت عينيها لثوانٍ…
وكأنها تحاول إغلاق بابٍ فُتح داخلها رغماً عنها
لكن…جاءها صدى صوته… خافت بعيد… أو ربما مجرد وهم
- إنتِ عمرك ما عرفتي تنسي فعلًا…و لا هتعرفي
فتحت عينيها بسرعة ونفت برأسها بعنف
- لأ… خلاص انتهى
قامت من مكانها بخطوات غير ثابتة…
كأن الأرض نفسها لم تعد مأمونة تحت قدميها
تقدمت نحو المرآة…
توقفت
تأملت وجهها طويلًا…
عينان مرهقتان تحملان بقايا معركة لم يرها أحد
رفعت يدها ولمست خدها ببطء…
ثم همست بنبرة أهدأ… لكنها أكثر قسوة
- اللي بينا مات… حتى لو لسه جوايا بيتكلم
ابتعدت خطوة…
ثم أغلقت عينيها مرة أخرى هذه المرة بإرادة
سكون..لا صوت...لا صدى لكن الإحساس ظل…
ثابتًا في أعماقها كندبة لا تُرى…ولا تُشفى
في مكانٍ آخر…فتح عينيه فجأة
شهق… كأن شيئًا انتُزع من داخله بعنف
- آسيا…
نطق اسمها بلا وعي…
ثم اعتدل جالسًا وعيناه تتحركان في الفراغ بحدة
الصمت حوله طبيعي…
لكن داخله....فراغ
فراغ لم يشعر به من قبل
وضع يده على رأسه كأنه يحاول التقاط أي أثر لها… أي صدى… أي همسة
- ردّي…
لا شيء....ضم قبضته بقوة وملامحه تشدّدت تدريجيًا
- آسيا… بلاش الحركة دي
لكنه كان يعلم…هذه ليست مجرد حركه تستفذه بها
هي لم تصمت…هي اختفت
لأول مرة…لا يشعر بها
لا يسمعها
لا يراها حتى داخل رأسه
وكأنها… أغلقت الباب في وجهه
ابتلع ريقه بصعوبة… وخرج صوته منخفضًا يحمل شيئًا لم يعترف به من قبل
- إنتِ مشيتي بجد…
سكون...ثم ضحك ضحكة قصيرة جافة بلا روح
- كويس… يمكن ده الأحسن
لكن يده كانت ترتجف
وعيناه… لم توافقا كلماته
في الجانب الآخر…
وقفت أمام المرآة تحاول أن تبدو طبيعية…
تحاول أن تُقنع نفسها أن كل شيءٍ قد انتهى
أخذت نفسًا عميقًا… ثم آخر…
ورغم ذلك لم يصل الهواء إلى صدرها كما ينبغي
رفعت كفّها ورشّت بعض الماء على وجهها
كأنها لا تغسله… بل تحاول أن تمحو بقاياه
— خلاص… أنا كويسة
همست بها…
لا كحقيقة… بل كأمرٍ تُجبر نفسها على تصديقه
خرجت من غرفتها بخطواتٍ أهدأ هذه المرة…
تحاول الاندماج في الواقع…
في أي شيءٍ ملموس… حقيقي
— ماما… إنتِ كويسة
التفتت على الصوت…
حدّقت للحظة…
وكأنها لا تتعرف على المتحدث
مرّت ثانية…ثانيتان…
أكثر مما ينبغي
ثم ابتسمت ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيها
— آه… أنا تمام
قالتها أخيرًا…
لكن صوتها كان خاليًا… بلا روح
تابعت كأنها تحفظ الكلمات
— آيات… بلاش جامعة النهارده
خالاتك جايين بعيالهم وأنا لازم أروح الشغل ضروري…
هخلص ورق مهم وهرجع على طول
لم تنتظر ردًا…
فجأة شعرت بأن الأرض تميل تحت قدميها
دوار خفيف…ثم أثقل
ثم كأن العالم يُسحب منها ببطء
مدّت يدها تمسكت بأقرب شيءٍ إليها
— استني… وشك أصفر ليه كده
الأصوات بدأت تتداخل…
تبتعد… تقترب…
كأنها تُسمع من داخل بئرٍ عميق
أغمضت عينيها لحظة…
وكادت تسقط
لكنها تماسكت بكل ما تبقى فيها من قوة
همست… بالكاد تُسمع
— أنا… مش سامعاه…
كأن فقدانه…لم يكن راحة كما ظنت بل كان
سقوطًا حرًا
ابتلعت ريقها بصعوبة
ثم اعتدلت رغم ارتجاف جسدها
تقدمت نحو الداخل بصوتٍ جامد منفصل
— أنا كويسة…متقلقيش
اعمليلي فنجان قهوة… على ما ألبس
داخل غرفتها…
أغلقت الباب خلفها ببطء
اسندت ظهرها عليه…
ثم أغمضت عينيها
ثوانٍ… فقط ثوانٍ…
قبل أن ينهار القناع
أنفاسها تسارعت…
وقبضت على صدرها بقوة
— ليه حاسة إني فاضية…
همست بها بخوفٍ حقيقي
تقدمت خطوتين…
ثم جلست على طرف الفراش وكأن قدميها لم تعودا تحملانها
— ده المفروض يريحني… صح
اختفى… خلاص…
صمت.
ثم هزّت رأسها ببطء… وابتسامة مريرة شقّت شفتيها
— طب ليه حاسة إني أنا اللي اختفيت
سكون…لكن هذه المرة لم يأتِ صوته ولا حتى صداه
فقط فراغ…يبتلعها ببطء
بعد وقتٍ قصير…
كانت تقف أمام المرآة مجددًا…لكن هذه المرة ملامحها أكثر قسوة… أكثر برودًا
ارتدت ملابسها بعناية…
حركات دقيقة كأنها تؤدي دورًا محفوظًا
وضعت القليل من مستحضرات التجميل
لا لتبدو أجمل…بل لتُخفي أي أثرٍ للانهيار
نظرت لنفسها طويلًا ثم قالت بنبرة حاسمة
— مفيش حاجة حصلت
حملت حقيبتها… وخرجت
في الطريق…كل شيء طبيعي
إلا هي...كانت تجلس في السيارة تنظر من النافذة
لكنها لا ترى شيئًا
فقط فكرة واحدة تدور… وتدور
ليه مش سامعاه
شدّت على حقيبتها بقوة…
وكأنها تتمسك بآخر خيطٍ يربطها بنفسها
— كده احسن ...اكيد هرتاح
همست بها فسألها بصوت خافت
— إنتِ كويسة…
لكن صوتها الداخلي هذه المرة لم يُجب
أمام الشركة…
توقفت السيارة
نزلت بخطواتٍ ثابتة ظاهريًا…لكن بداخلها كل شيء كان يتهاوى
وقفت لحظة أمام الباب…
رفعت رأسها وأعادت ارتداء القناع
ثم دخلت كأنها لم تكن قبل دقائق…على حافة السقوط
بمجرد أن عبرت البوابة
استقبلها الهواء البارد
وذلك الهدوء المصطنع الذي يملأ المكان
كل شيء منظم… هادئ… طبيعي...إلا هي
— صباح الخير يا فندم
هزّت رأسها فقط، دون أن تنظر حتى
واستمرت في السير
الكعب يطرق الأرض بإيقاعٍ ثابت…قوي… واثق…
لكن داخلها فوضى
وصلت إلى مكتبها…دفعت الباب… ودخلت
أغلقته خلفها
سكون...تقدمت ببطء… وضعت حقيبتها ثم جلست
لحظة...ثانية
ثم…انهار الثبات
انحنت قليلًا للأمام…
وضغطت كفّيها على رأسها بقوة
— اسكت بقي…
همست بها وكأنها تستجدي عقلها أن يثبت
مدّت يدها نحو الأوراق أمامها حاولت القراءة لكن الكلمات كانت تتداخل
تتحرك...تختفي
— لا… لا… مش دلوقت انا مطلوب مني شغل مهم لازم اركز
أغمضت عينيها للحظة…
وهنا...تجمّد جسدها بالكامل
شعرت به...ليس صوتًا…
ليس فكرة…إحساس قريب
قريب جدًا
أنفاسها تسارعت…
وقلبها بدأ يخبط بعنف
— …آدم
فتحت عينيها بسرعة
لا أحد المكتب كما هو
لكن الإحساس لم يختفِ
بالعكس…اقترب
كأن أحدهم يقف خلفها مباشرة
تجمّدت....لم تجرؤ على الالتفات
ثم...صوت ليس في أذنها بل داخلها
خافت… متقطع… وكأنه يُسحب بالقوة
— …آسيا…
شهقت… وقامت واقفة فجأة والمقعد اندفع للخلف بقوة
— آدم
صوتها خرج مسموعًا هذه المرة
لهذا...دُقّ الباب فجأة ثم فُتح دون انتظار
— مدام آسيا...في حاجة
التفتت بسرعة…وجدت إحدى الموظفات تنظر لها بقلق
تأخرت في الرد…عيناها ما زالت تبحث… في الفراغ
— أنا… أنا تمام
قالتها بصعوبة
— حضرتك صوتك كان عالي… قلقتيني
ابتسمت ابتسامة مشدودة
— قلتلك أنا كويسة… دخلتي ليه من غير إذن
نبرة حادة… خرجت أقسى مما أرادت
ارتبكت الموظفة
— أنا آسفة
— اتفضلي
أشارت لها بالخروج أُغلق الباب مرة أخرى…وعاد الصمت
لكن هذه المرة لم يكن فارغًا
وضعت يدها على قلبها…
تحاول استيعاب ما حدث
— أنا سمعته
همست بها
— أنا سمعته بجد
لكن صوتها بدأ يرتجف
— بس… ليه مع اني قفلت الباب
صمتت لحظة…ثم الفكرة ضربتها بعنف
- ادم مش هيسمحلي اقطع التواصل الي بينا
تراجعت خطوة…تسلّل إلى ملامحها لأول مرة
— يعني… هو…
لم تُكمل لم تستطع
لكن عقلها أكمل عنها
- يعني هو بيضغط عليكي
— لأ
قالتها فجأة… بحزم
رفعت رأسها ببطء…
وعيناها امتلأتا بشيء جديد…ليس خوفًا فقط بل
إصرار
— مش هسيب ده يحصل
في مكانٍ آخر…
لم يعد يعرف أين هو
الأرض تحت قدميه… لم تعد ثابتة
الجدران...ان وُجدت تتشقق… كأنها تنسحب من حوله ببطء
 كان على ركبتيه…
أنفاسه متقطعة… صدره يعلو ويهبط بعنف
— آسيا…
خرج اسمه منها… لا صوت… بل بقايا صوت
مدّ يده أمامه كأنه يحاول الإمساك بشيءٍ غير مرئي
لكن..يده مرت في الهواء ثم بدأت تتلاشى
تجمّد...حدّق في كفّه
الحواف لم تعد واضحة…
كأنها دخان… يتفكك
— لأ…
همس بها برعبٍ صادق لأول مرة
حاول الوقوف سقط
— إيه اللي بيحصل…
جاءه الصوت… نفس الصوت… لكن أضعف
— خلاص قفلت الباب
صرخ بغضبٍ ممزوج بخوف
- مش هتقدر تعمل كده
— بس الرابط بدأ ينهار أسرع من المتوقع
ضغط على أسنانه
— رجّعها... رجّعي اللي بينا يا اسيا
ضحكة خافتة… باهتة هذه المرة
— إنت فاكر الموضوع بإيدك
هكذا سأله عقله
انقبض قلبه
— امال بإيد مين
سكون…ثم الرد كطعنة بطيئة
— بإيدها
اتسعت عيناه
— آسيا…
— هي اللي انسحبت…
هي اللي قررت تقفل الباب
هزّ رأسه بعنف
— لأ… إنت كداب هي مش هتعمل كده
— عملت
لأنها تعبت...لأنك وجعتها… لدرجة إنها فضّلت الفراغ عنك
توقّف كل شيء داخله للحظة
ثم… همس بصوتٍ مكسور
— أنا… مكنتش عايز…
لكن الجملة لم تكتمل
لأن الألم ضربه فجأة
أقوى...أعمق
صرخ
— آسيااا
هذه المرة…لم يكن نداءً
كان استغاثة
— اسمعيني… مرة واحدة بس
لكن…لا شيء
سقط للأمام…لكن لم يصل إلى الأرض
توقّف… في المنتصف
كأنه عالق بين الوجود… والعدم
— أنا…قلبي بيتخنق
قالها… بصدمة عيناه اتسعتا وكأن عقله أخيرًا استوعب الحقيقة
— أنا قلبي بيتخنق بجد
صمت ثم… ضحك ضحكة مكسورة… مجنونة
— كويس… يمكن ده اللي أستاهله
 فجأة تجمّد لأن إحساسًا خافتًا ضعيفًا جدًا…ظهر
— …آدم…
شهق
— آسيا
الصوت كان متقطعًا…
بعيدًا… كأنه يأتي من آخر العالم
— كفايه كده ...ارحمني
اتسعت عيناه…وقلبه دقّ بقوة لأول مرة منذ بدأ يختنق
— و انتي مرحمتنيش ليه
حاول التحرك نحو الصوت…لكن جسده لم يعد يطيعه
— آسيا... اسمعيني
سكون لحظة…ثم
— أنا… مش قادرة
انقبض قلبه بعنف
— لا... متسيبيش إنتِ الوحيدة اللي تقدر تخلي قلبي يتنفس حتي لو بعيده
صمت...ضعف....ثم
— أنا… خايفة…و تعبت
أغمض عينيه وكأن هذه الكلمة… كانت أقسى من الاختفاء نفسه
— وأنا كمان…
قالها بهدوء و صدق
لأول مرة… بلا دفاع… بلا قسوة
— بس لو سيبتيني… أنا هموت
سكون...ثواني… تمر ببطء قاتل ثم
الفراغ بدأ يزداد الصوت يختفي الإحساس يتلاشى
— آسيا…
لا رد
— آسيا
لكن…هذه المرة لم يعد هناك شيء ليُجيب
وفي نفس اللحظة…داخل مكتبها
كانت واقفة…تتنفس بصعوبة… يدها على المكتب
دموعها سقطت دون أن تشعر
— أنا… سمعته…رغم اني قفلت الباب
همست بها ثم رفعت رأسها ببطء وعيناها امتلأتا برعبٍ خالص رغم القوه الواهيه التي تحاول أن تتشبث بها
- مهما يحاول ....خلاص انا اخدت قراري و مش هرجع فيه
خرجت من مكتبها خطواتها ثابتة ظاهريًا لكن قلبها يطن… خطواتها ثقيلة
وفي الممر الطويل…توقفت فجأة أمامه… آدم
نظرة واحدة وكل شيء توقف حولهم
لم ينطق أحدهما…لكن كل شيء كان واضحًا العناد الكبرياء واشتياق لم يُعترف به
 رفع حاجبه تحدي ظاهر على وجهه
— …آسيا
ردّت بنفس القوة بلا خوف
— افندم
وقفوا هناك مترنحين بين الحديث والصمت كل واحد يختار عدم الانحناء… عدم
 الاعتراف بالضعف
أصابعها قبضت على حقيبتها قليلاً…لكن عينها لم تزيغ عن عينيه
هو شعر بذلك…ابتلعت نفسه الغضب والحنين وأخفاه في نظرة صلبة مليئة بالكبر
— إيه الأخبار
ردّت بحدة مصطنعة
— تمام الحمد لله
كلمات قصيرة… لكنها مشحونة بكل ما لم يُقال
سكتوا للحظة كل واحد يتأمل الآخر…كل شيء بينهما يهتز لكن لا أحد يتراجع
 اقترب خطوة… لكنها لم تتحرك
نظرة حادة… كلام مقطوع… قلب ينبض بألف كلمة لم تخرج
— رجعتي من اجازتك امتي
قالها بصوت منخفض كأنه يختبرها
— من الصبح
 ردّت ببرود وكأنها ترفض أن يظهر أي شعور
وقفوا لحظة… حركاتهم طبيعية… لكنها مليئة بالتوتر
 قلبت النظر بعيدًا محاولة التحكم في الدقات داخل صدرها
و هو شعر بنفس التوتر حاول أن يبدو طبيعيًا لكنه لم يقدر
— تمام… هاتيلي ورق شركه المحمدي بسرعة
قالها أخيرًا وكأن هذا الفصل الوحيد المقبول بينهما
— حاضر… ردّت بصوت جامد… بلا ابتسامة
ابتعدوا قليلًا كل واحد يراقب الآخر من بعيد…
قلبهم مشترك… روحهم مرتبطة لكن عنادهم أكبر من أي كلمة حب أكبر من أي اعتراف
كل لحظة تمثل جرحًا جديدًا…كل نظرة تؤكد أنهم لن يستسلموا حتى لو أرادت أرواحهم العكس
تركها وغادر سريعًا دون أن يضيف حرفًا آخر
اما هي…انتفضت بفزع حينما أمسكت نهال بذراعها برفق وهي تقول بقلق واضح
— آسيا… مالك فيكي إيه...عملك حاجة الحيوان ده
لم تتمالك دموعها التي لمعت في عينيها وقالت بصوت منخفض مثقل
— تعالي نتكلم في مكتبي… محتاجة أتكلم معاكي
جلست نهال قبالتها تتفحص وجهها بتركيز وقالت بقلق حقيقي
— فيكي إيه يا حبيبتي مالك... أقسم بالله لو عملك حاجة أو حتى ضايقك بكلمة أنا هبهدله ومش هيهمني حد
رفعت عينيها بسرعة وكأنها تخشى سوء الفهم وقالت متعجلة
— لا لا… معملش حاجة… بالعكس كان بيتكلم بهدوء جدًا
ثم ابتسمت بسخرية مريرة وأضافت
— لأنه عارف كويس هو عمل معايا إيه من شوية قبل ما اوصل الشركه
اعتدلت نهال في جلستها وقد بدأ القلق يتحول إلى توتر
— عمل معاكي إيه يا آسيا اتكلمي
سحبت نفسًا عميقًا وكأنها تستجمع شتات نفسها قبل أن تقول
— اللي هقوله… مش عارفة هتفهميه ولا لا… بس هحاول أشرحه
صمتت لحظة ثم قالت ببطء شديد
— أنا وآدم… بنتكلم جوه بعض
عقدت نهال حاجبيها بعدم فهم وقالت
— يعني إيه.. بتتخيلوا يعني كل واحد بيتخيل التاني بيكلمه ده طبيعي يا آسيا
هزّت رأسها بالنفي وعيناها ممتلئتان بيقين غريب
— لا… مش تخيل… إحنا بنتكلم بجد
ساد الصمت لثوانٍ ثم بدأت آسيا تسترجع ببطء
— الحكاية بدأت من زمان… وإحنا لسه مع بعض
— كان يتصل على الخط الأرضي… وأول ما أرد أقول...أيوه يا حبيبي
نظرت لصديقتها وكأنها تنتظر حكمها ثم أكملت
— كان يستغرب ويسألني....عرفتي منين إنه أنا
— كنت أقوله...قلبي قالّي
ابتسمت ابتسامة باهتة ثم همست
— بعدها الموضوع اتطور… بقيت أسمعه جوايا… صوته واضح… وكأنه واقف قدامي… وأرد عليه
تصلبت ملامح نهال تدريجيًا بينما تتابعها في صمت
— ولما اتكرر أكتر من مرة بدأنا نسأل بعض
— يقولّي...أنا كنت لسه بقولك كذا جوايا… إنتي رديتي عليا وقلتي كذا
— ونكتشف… إن نفس الكلام اتقال… بالحرف
ارتعش صوتها قليلًا
— كنا بنخاف في الأول… بنتصدم… مش فاهمين إيه اللي بيحصل
— بس مع الوقت اتعودنا
رفعت عينيها ببطء وقالت
— لدرجة إنه كان ساعات يقولّي جوايا..اتصلي بيا
— ألاقي نفسي بمسك التليفون فعلًا أتصل
— يرد ويضحك ويقول: حبيبي اللي بيسمع الكلام
ابتلعت نهال ريقها بصعوبة وقالت بحذر
— وآدم… لسه بيحصل معاه كده دلوقت
هنا تغيّر وجه آسيا واختلط الألم بالارتباك
— أيوه… وده اللي حصل من شوية
اقتربت نهال أكثر وقد بدأ التوتر يظهر عليها
— حصل إيه بالظبط
أغمضت آسيا عينيها للحظة ثم قالت
- كنت قاعده في اوضتي ...لقيته بيكلمني و بيلومني
رديت عليه شويه بعدها قررت اني اقفل الباب و مسمعهوش
نجحت للحظات بس فضل يضغط عليا و انا صممت و بطلت اسمعه بس تعبت جدا علي ما قدرت اعملها
- بس من شويه كنت واقفة قدامه… وهو ساكت… مفيش أي كلام
— بس… جوايا سمعته بيقول أنا عارف إنك لسه حاسة بيا
فتحت عينيها وقد لمعت فيهما دموع حزينه
— وأنا… رديت عليه من غير ما أتكلم قولتله ...وأنت كمان
شهقت نهال بخفوت
— وهو
همست آسيا
— بصلي بنفس اللحظة… بنفس المعنى… وكأنه سمعني فعلًا
سكتت لحظة ثم قالت بصوت مهتز
— وبعدين قال بصوت عالي....أنا هي
— وسابني ومشي
همست نهال وكأنها تخشى الإجابة
— أنا هي...يعني إيه
نظرت لها آسيا نظرة عميقة مليئة بخوف لم تعهده
— يعني… مفيش فرق… بين اللي جواه… واللي جوايا
— كأننا… بقينا حاجة واحدة
سادت لحظة صمت ثقيل…
ثم قالت نهال ببطء وهي تحاول أن تكون عقلانية
— طيب… اسمعي مني بهدوء
— اللي بينكم ده… يا إما ارتباط نفسي عميق جدًا…يا إما…
توقفت قليلًا ثم أكملت
— يا إما في حاجة أكبر من كده… وإنتي مش واخدة بالك منها
رفعت آسيا عينيها بخوف
— زي إيه
نظرت لها مباشرة وقالت
— زي إنكوا… لسه مربوطين ببعض أكتر مما تتخيلي…
— وإن اللي بتحاولي تنكريه… هو أصل كل اللي بيحصل
هنا انكسرت ملامح آسيا وهمست بصوت خافت يكاد يُسمع
— أنا حاولت أنساه
اقتربت منها نهال قليلًا وخفّضت نبرة صوتها كأنها تخشى أن تجرحها أكثر
— بس واضح إنه… ما نسيش جواكي
رفعت يدها إلى صدرها وضغطت عليه كأنها تحاول اقتلاع شيء عالق وقالت بألم شديد
— المشكلة إنه هنا…
— ومش راضي يمشي… حتى لما هو نفسه مشي
اشتدت ملامح نهال ومرّ الغضب في عينيها كوميض سريع لكنها تماسكت بصعوبة وقالت بنبرة حاولت أن تبدو عقلانية
— حبيبتي… اسمعيني كويس
— أنا مصدقاكي… ومصدقة إن كل اللي قولتيه ده حقيقي… وبيحصل فعلًا
نظرت لها آسيا بصمت فتابعت وهذه المرة بنبرة أكثر حدة مخفية
— وده سبب كفاية جدًا يخليكي تكرهيه… مش تحبيه
ارتبكت آسيا وظهر عدم الفهم جليًا على وجهها
— أكرهه
أومأت لها ببطء ثم اقتربت أكثر وقالت بوضوح قاسٍ
— أيوه… لأنه إنسان أناني بشكل غبي
— عارف إنه متحكم فيكي… ماسكك من أضعف نقطة فيكي… وسايبك تتعذبي
انكمشت قليلًا وكأن الكلمات أصابت مكانًا حساسًا بداخلها
— هو....عايش حياته عادي…
— وإنتي اللي واقفة مكانك… لا عارفة تعيشي من غيره… ولا عارفة ترجعي لنفسك من غيره
اهتزت أنفاس آسيا وهمست وكأنها تدافع عنه دون وعي
— هو… مش كده…
قاطعتها نهال فورًا بنبرة حاسمة
— لأ… هو كده
— لأنه لو حاسس بيكي زي ما إنتي حاسة بيه… كان وقف ده كان حماكي منه… مش يسيبك تغرقي فيه بالشكل ده
سقطت دمعة من عين آسيا دون أن تمسحها
أكملت نهال وهي تنظر في عينيها مباشرة
— هو استغلك أسوأ استغلال… ويمكن من غير ما يقصد… بس النتيجة واحدة
— ولسه مكمل
سكتت لحظة… ثم قالت ببطء وكأنها تزرع فكرة
— لازم تقفلي الباب ده يا آسيا
رفعت عينيها ببطء وكأنها تسمع حكمًا مستحيل التنفيذ
— أقفله إزاي
اقتربت نهال أكثر وخفضت صوتها
— إنك تبطّلي تردّي
— إيه
— أول ما تحسيه جواكي… اسكتي
— أول ما يكلمك… تجاهليه
— ما تردّيش… حتى لو سمعتيه بوضوح
اهتزت عينا آسيا وكأن الفكرة نفسها موجعة
— ده مستحيل
قالت نهال بحزم
— لأ… مش مستحيل
— ده خوف… مش أكتر
 أمسكت وجهها برفق وأجبرتها أن تنظر لها
— لازم يعرف إنك قوية
— وإنه مش هيقدر يتحكم فيكي تاني
صمتت لحظة ثم أضافت بنبرة أعمق
— لازم ترجعي تبقي آسيا
— آسيا الحقيقية… مش اللي اتكوّنت على إيده… ولا اللي اتشكلت على مزاجه
ساد صمت ثقيل…
ثم همست آسيا بصوت ضعيف لكنه صادق
— وأنا لو سكت… وهو ما سكتش
نظرت لها نهال بثبات
— هيسكت… لما يلاقي مفيش صدى
أغمضت آسيا عينيها ببطء…وفي اللحظة التي قررت فيها أن تحاول
تجمّدت...انحبس نفسها فجأة
— لا…
فتحت عينيها على اتساعهما
— آسيا
همست وصوتها يرتعش
— هو هنا
أمسكت نهال يدها بقوة
— تجاهليه… زي ما قولتلك
شدّت آسيا يدها بعنف وكأنها تقاوم شيئًا غير مرئي
— بيقولي… ردي
انقبض قلبها ودموعها تنزل بصمت
— بيقولي… إوعي تسكتي
نهال بصرامة
— ما تردّيش
عضّت آسيا شفتيها بقوة…
أنفاسها تتسارع…
— بيقرب… صوته… أعلى
ثم فجأة… صرخت
— كفاية
سكتت…سكون تام…ثوانٍ مرت ثم انهارت على المقعد تلهث
و الاخري تراقبها بقلق
— سكت
هزّت رأسها ببطء…
لكن ملامحها لم ترتح
— لا…
— أمال
رفعت عينيها ببطء شديد…
وكان فيهما شيء جديد شيء مرعب
— سكت…بس بقي جوايا أعمق
تجمّدت نهال
— يعني إيه
همست آسيا
— يعني… لما تجاهلته اختفى من صوتي
توقفت وابتلعت ريقها
— وظهر… في إحساسي
سقطت الكلمات ثقيلة…
ثم أكملت بصوت مكسور
— بقيت… حاسة بيه من غير ما يتكلم
و داخل مكتب ادم ....فتح عينيه فجأة…
وكانت نظراته هذه المرة مختلفة
أهدأ… وأخطر
ابتسم ابتسامة خفيفة… وقال بهدوء
— حلو
ثم همس
— كده… بقينا أقرب سكتي صوتي يا اسيا و متسمعهوش عشان اضغط علي قلبك و يتخنق

داخل المكتب…
همست آسيا وكأنها اكتشفت شيئًا متأخرًا
— أنا… لما حاولت أهرب منه
نظرت لنهال بعينين مليئتين بالخوف
— قرّبته أكتر
ظلت كلماتها الأخيرة معلّقة في الهواء
— أنا… لما حاولت أهرب منه… قرّبته أكتر
سادت لحظة صمت ثقيل…
 لم ترد نهال هذه المرة… فقط كانت تنظر لها وكأنها تنتظر
هتكمّل ولا هتستسلم
 أغمضت عينيها…وأنفاسها بدأت تهدأ تدريجيًا لكن بداخلها…لم يكن هناك هدوء
— شايفه
جاء صوته… واضح… هادئ… وقريب جدًا
ارتجف قلبها
— "مهربتيش… إنتي رجعتيلي بإيدك
ضغطت على يدها بقوة… أظافرها تغرس في جلدها
— امشي…
همست بها بالكاد
— ليه.... وأنا جواكي
تسارعت أنفاسها…
— قلتلك امشي
— مش هقدر… لأنك مش عايزة
فتحت عينيها فجأة…
وكان فيها شيء مختلف
غضب
نهال انتبهت فورًا
— آسيا
لكنها لم تنظر لها…
كانت تنظر لفراغ أمامها…
أو ربما… لما هو أبعد
همست ببطء… لكن كل كلمة كانت خارجة من جرح
— إنت كداب…
صمت…
ثم جاء صوته أهدأ
— إثبتي
ارتجفت شفتاها… لكن هذه المرة… لم تتراجع
— أنا كنت عايزاك… زمان
— كنت بختارك… كل مرة
دمعة سقطت… لكنها لم تمسحها
— بس دلوقت... لأ
صمت داخلي…ثوانٍ طويلة
ثم جاء صوته أخف… لكن فيه توتر لأول مرة
— آسيا
رفعت رأسها أكثر… وكأنها تواجهه وجهًا لوجه
— إنت مش حب…
— إنت لعنه
تجمّدت أنفاسها للحظة…
ثم أكملت بصوت أقوى
— وأنا… اللي سمحت بده
بدأت نهال تشعر أن شيئًا حقيقيًا يحدث…
ليست مجرد كلمات…
كانت آسيا تتغير… حرفيًا
— إنتي بتكذبي على نفسك
ابتسمت آسيا… ابتسامة موجوعة… لكنها ثابتة
— يمكن…
— بس أنا هصدق الكذبة دي… لحد ما تبقى حقيقة
ضغطت يدها على صدرها بقوة… كأنها تواجهه من الداخل
— مش هرد عليك تاني
— مش هتقدري
أغمضت عينيها… وأخذت نفسًا عميقًا ثم همست
— شوف
ثوانٍ…
مرّت…
ثوانٍ تانية…
الصوت… بدأ يضعف
— آسيا…
أضعف…
— ردي…
أضعف…
— إنتي…
… واختفى
فجأة…
شهقت آسيا بعنف… وكأنها خرجت من تحت الماء
جسدها كله ارتعش…
لكن…
الصوت… سكت
فتحت عينيها ببطء…
ونظرت لنهال
داخل عينيها… تعب… وجع… لكن به شيء جديدة
— سكت…
همست بها… وكأنها لا تصدق
 اقتربت نهال بسرعة
— بجد
هزّت رأسها ببطء
— أول مرة… من سنين
ابتسمت ابتسامة صغيرة… مرتجفة
— أول مرة… صوته ما يغلبنيش
لكن…وقبل أن تكتمل اللحظة تجمّدت
ابتسامتها اختفت تدريجيًا وعينيها اتسعت
— آسيا
همست… بصوت شبه مكسور
— أنا… مش سامعاه…
صمتت لحظة…ثم وضعت يدها على قلبها
— بس… حاساه
رفعت عينيها ببطء…
والخوف عاد… لكن هذه المرة أعمق
— وكأنه… زعلان
في نفس اللحظة…داخل مكتبه
كان آدم يقف امام النافذه… ساكن تمامًا
عينيه ثابتة… ونَفَسه بطيء
ثم… ابتسم
لكن الابتسامة لم تصل لعينيه
— أخيرًا…
همس بها… بهدوء غريب
— بدأتي تقاومي
رفع رأسه قليلًا… وكأنه يراها
— بس إنتي لسه فاكرة… إنك بتبعدي
توقف لحظة…
ثم قال، بنبرة أخطر
— وإنتي… لسه جوايا لسه محتلك و استحاله تتحرري
داخل مكتبها
جلست آسيا ببطء مرهقة… لكنها لأول مرة لكنها ليست مكسورة بالكامل
همست وكأنه وعد لنفسها
— مش هرجع تاني…
 نظرت لها نهال بثبات… لكن في عينيها قلق
— خليه يحاول
رفعت آسيا عينيها…
والهدوء بداخلها… كان بداية حرب
— وأنا همنعه
ماذا سيحدث يا تري
سنري
انتظروووووني
بقلمي / فريده الحلواني

تعليقات